الرئيسية / مقالات وبحوث / ضميرك الحي بوصلة لا تخطيء ..

ضميرك الحي بوصلة لا تخطيء ..

يلاحظ المتأمل في مجتمعاتنا العربية انهيارا واضحا لمنظومة القيم الأخلاقية وتطرفها حيث أصبحت قيم النفاق والرياء الاجتماعي والوصولية قناعة وسلوكا يغطي على النزاهة والنخوة والإيمان بالمساواة الاجتماعية واحترام القانون والإنسان، وبات التسلق والصعود على أكتاف الغير والتواكل والتظاهر بصفات الشرف والأمانة مُتَقبلا ومرحبا به!

أصبحنا نعتبر الزيف والخداع فن من فنون الشطارة والفطنة والذكاء!

صراع بغيض تتسابق به الكثير من فئات المجتمع على فتات الحياة فيتساوى فيه الكبير والصغير مما يكشف الوجه القبيح للكثير ممن خدعونا يوما برقي أخلاقهم فظننا أنهم برتبة الملائكة!

ومما نشاهده في حياتنا من آفات، آفة الكذب الهادف وذلك لأجل تحقيق مصالح شخصية وإيهام الناس بما هو غير حقيقي! ولمن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي ورُّواد فيسبوك تحديدا، نلمس هناك صورة واضحه لذلك، فنجدهم دائما يتصفون بالمثالية المطلقة، فنراهم ينبذون العنف والتطرف ويعشقون الوطن، يؤيدون ويصفقون لفاعل الخير، يحترمون حقوق الإنسان ويدّعون احترامهم للمرأة وكأنها لا تعيش بينهم مضطهدة أو معنفة أو كأنهم لا يسيئون معاملتها بإسم الدين والشرف!

يطالبون بحقوق الطفولة والكهولة ويدعون إلى التسامح والمحبة وفعل الخير ونبذ الشر، ينتقدون الفساد ويطالبون بحقوق العباد، كما نجد الكثير منهم من المتنورين والمفكرين والشعراء ومرهفي الحس! وكل هذا على فيسبوك فقط، هذا العالم الإفتراضي الشاسع الواسع.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل نحن فعلا هكذا؟ وهل هذا هو واقعنا حقاً؟ وإذا كنا نحمل كل هذه الروح المسالمة المحبة وهذه الثقافة الراقية فإذاً من الذي يقتل ويخرب ويضطهد الآخر ويعنفه ولا يتقبله؟ وكيف نتقبله بكل رحابة صدر على تلك المواقع الإجتماعية بينما نرفضه في حياتنا الواقعية ونمارس عليه التسلط أو العدائية؟

بدليل كل هذه الانقسامات والفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتخبط الذي نعيشه ويفتك بنا، فهل أصبحت مجتمعاتنا مُنفصِمة تعاني أمراضاً نفسية لا حصر لها أم أنه صوتنا المعبر عن أحلامنا وطموحاتنا ليتخذ من تلك المواقع وسيلة للتنفيس هربا من واقع مرير إلى عالم افتراضي مثالي؟!

الحاجة إلى عالم هادئ مسالم ومثالي هي حاجة إنسانية بحتة وإن لم تتوفر فيبدو أن الفرد يلجأ لاختلاق الوهم وتلوين الصورة! فهل هذا دفاع عن أنفسنا أم تجميل لواقع مرير؟ أم هي فقط خيارات بين كل من الممكن والمتاح؟

بصراحة.. لا أعرف!

نحن نعلم أن الثقافة والوعي والتربية السليمة تلعب دورا كبيرا في ترسيخ القناعات الإنسانية، لذا فالخطورة تكمن في الإهمال والتقبل والتعود، والانحطاط الأخلاقي لا يحدث سوى التفرقة والصراع والعنف إذ كلما تناقصت أخلاقنا تعمقت مظاهر الفساد لدينا، وعلى ضوء ما نمر به من تحديات علينا أن نعيد قراءة ذاتنا وأن لا نسمح بالتشويش على عقولنا، نحن بحاجة لتعليم بنّاء يرافقه الكثير من الوعي ورغبة حقيقية في التقدم واحترام الفرد ككائن حر مستقل بذاته، علينا أن لا نستسلم للواقع فَنُبرره وندافع عنه ونجمّله لنتقبله ونتسامح معه، وبدافع أن الكل يكذب لذا ما الضرر؟ لنكذب! وبحجة أن الجميع يساير ويخادع للوصول إلى غايته وهي الطريقة الأنجح للوصول فإذن سنقلدهم!

وبما أن المجتمع يعمه الفساد فإن كنت شريفا ستضيع فرصتي في التقدم لذا سأكون شخصا وصوليا! ما الذي سيمنعني فالجميع هكذا؟!!!! هذا هو العذر الأقبح من الذنب وعلى رأي المثل الشعبي القائل : الموت مع الجماعة رحمة!

الغاية لا تبرر الوسيلة وهذا ما تعلمناه في طفولتنا، فإلى متى سنعيش رهن كل هذا العجز مكتفين بما لدينا وما تقرره أخلاق القطيع!

علينا بإعادة النظر في كل ما هو موجود من موروثات وقيم أخلاقية، فالقيم الإنسانية النبيلة ما هي إلا ركن من أركان الحياة تًسعد بني البشر وتنظم حياتهم لترتقي بها وتحقق مصالحهم بالتواصل الناجح الفعال مع الآخرين ضمن حضارة كونية رحبة تتسع للجميع.

الأخلاق الطيبة ورقيها هي فعل وممارسة يومية وليس تظاهرا ومراءاة، فنحن لم نقرأ يوما بأن التاريخ مَجَّد أولئك الذين باعوا ضمائرهم وفضلوا مصالحهم على مجتمعاتهم وأوطانهم، فالسعادة الحقيقية هي تلك التي لا تجعلنا نشعر بتعذيب الضمير حين نصل إليها بطرق غير مشروعة.

أخي الإنسان.. اجعل من ضميرك الحي مصباحا مضيئا ينير لك الطريق فنحن كثيرا ما نُخدَع ببريق زائف من حولنا، لكن بمجرد مراجعة حقيقية صادقة مع النفس فإننا سنسمع ما ينادينا من الداخل لنشعر بأن هناك شيئا ما غامض وغير صحيح.. وهنا على ضميرك الحيالنقي أن يقودك نحو النور وتذكر دائما بأن كل ما يتطلبه الفساد للبقاء على الأرض هو صمت ذوي الضمائر الحية.

صباح بشير 

عن الحوراني

شاهد أيضاً

%d8%a5%d9%83%d8%aa%d8%a6%d8%a7%d8%a8

عش الآن وليس غدا …

ملاحظة استدراكية هامة: يبدو المقال للوهلة الأولى لقارئه أنه مقالا أدبيا، ثم حين يقرأه سوف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *