الرئيسية / مقالات وبحوث / كيف تغلبت على الأكل العاطفي ؟؟

كيف تغلبت على الأكل العاطفي ؟؟

الوزن الزائد يعود غالبا لحصيلة عوامل معقدة: الجينات وقلة الحركة وطبيعة الأكل ووفرته.. لكن هناك عاملا مهما بالنسبة لي طيلة حياتي هو العامل النفسي.
منذ المراهقة المبكرة بدأ وزني يزداد بعد أن بدأت أستخدم الأكل كوسيلة لتهدئة مخاوفي وشعوري بالإحباط. “غير جميلة” في مقاييس مجتمع يفرض معايير ضيقة على الجمال ولا يرى للمرأة أهمية من دونه، متأخرة في الدراسة بسبب حاجز اللغة (كنت قد نشأت في أميركا)، الشعور بأنني مختلفة عن الآخرين في تطلعاتي، قلة الصديقات بسبب قلة من أجد بيني وبينهن قواسم مشتركة.
الطعام كان يوفر لي ملاذا آمنا من مشاعر الرفض من الآخرين وعدم الرضا عن نفسي، كما كان يوفر لي هدوءا من قلق الدراسة. لكن هذا الهدوء لم يكن ليدوم طويلا.. فما أن تمضي ساعات حتى يأتي شعور جديد بالقلق ولجوء جديد للطعام لتهدئته، وما أن تمضي أشهر إلا والكيلوغرامات تتراكم في جسدي لتشعرني بالذنب والعار.. شعور كنت أداويه بمزيد من الطعام. هكذا دارت حلقتي المفرغة؛ أنا سمينة لأنني آكل كثيرا، وآكل كثيرا لأنني سمينة.
كثرة الطعام حين تدوم لسنوات تؤدي إلى إدمان جسدي؛ فحين يعتاد الجسم يوميا على كمية كبيرة من السعرات الحرارية يعتبر أن هذه الكمية هي الضرورية وما هو أقل منها مسبب للجوع.

فكيف استطعت إنقاص 25 كيلوغراما وتفادي عودتها على مدى 16 عاما من غير عملية جراحية؟
إنها رحلة في اكتشاف الذات من نواحيها المختلفة ما زلت في مسيرتها..
بدأتُ في اتباع حميات مختلفة كانت ناجحة في إنقاص وزني لفترة مؤقتة، لكن سرعان ما أعود للوزن نفسه أو أكثر حين أتعرض لمراحل ضغط في الدراسة أو العمل.
ولأن الحميات السريعة لا تعالج أساس المشكلة (لماذا آكل أكثر مما أحتاج؟)، فهي لم تنجح إلا في تعليمي بالطريقة الصعبة أسباب الفشل.
على أن التجربة والخطأ (بشرط الصدق مع النفس) عملية متواصلة للإقلاع عن أي إدمان.

المشي رياضة لا حجة لعدم القيام بها
أكثر السبل التي أفادتني وما زالت تفيدني في التعامل مع الأكل العاطفي هو المشي. فالمشي بالنسبة لي أفضل أنواع الرياضة؛ فهو لا يحرق السعرات الحرارية فحسب، بل يطلق هرمون الأندورفين الذي يشعر الإنسان بالنشوة والراحة والهدوء، وهو ما يجعله أقل عرضة للأكل العاطفي.

المشي يمكن القيام به في أي مكان تقريبا؛ في الشوارع والحدائق والأسواق وحتى في ممرات البنايات.
المشي لا يحتاج إلى لباس أو حذاء معين. ويمكن تعديل سرعته ليتناسب مع مستوى تعبك، فلا يمكن استخدام التعب كحجة لعدم القيام به. ويمكن القيام به بشكل متواصل أو متقطع، فلا يمكن التحجج بضيق الوقت.
منذ 20 عاما وأنا أمشي ساعة أو ساعتين في اليوم (ستة أيام في الأسبوع). وهو يصب فوائد على حياتي من جميع نواحيها.
فمن الناحية الاجتماعية أفضّل أن أقضي الساعات مع صديقاتي في المشي على أن أقضيها في تناول الطعام. ومن الناحية الفكرية، أتاح لي المشي الاستماع إلى مسموعات أثرتني، من القرآن الكريم والأناشيد الوجدانية إلى المحاضرات الملهمة باختلاف موضوعاتها إلى الموسيقى بحسب المزاج.

عدّ السعرات الحرارية؛ لأن جسمي لا يستطيع أن يعد لوحده
لفترة ما كانت تروق لي فكرة أنني ضحية جسم قابل للبدانة، وأتوهم أن صديقاتي يأكلن أكثر مني ولا يزددن وزنا، لكن حين نويتُ الصدق مع نفسي بدأت أعد السعرات الحرارية في كل لقمة أتناولها يوميا فوجدت أن مجموعها أكثر من حاجتي وفق طولي ووزني الذي أسعى إليه. وبدأت أسأل صديقاتي النحيلات عن كل لقمة يتناولنها فوجدت أنها في المحصلة متناسبة مع طولهن ووزنهن وفق الجداول. اكتشفت أن جسمي لا يستطيع أن يعد السعرات لوحده، ولا بد لي من القيام بذلك ذهنيا.

منذ 20 عاما وأنا أعد سعرات كل لقمة أتناولها. هذه الوسيلة الوحيدة لضبط ما آكل وإلا فإن جسمي ونفسي سوف يغرياني بالكذب. إنها عملية معقدة في البداية بسبب صعوبة تقدير حجم الوجبة ومحتوياتها من الدهون والنشويات، ورغم أن عد السعرات الحرارية يستحيل أن يجري بشكل دقيق، إلا أن التقدير يمنع الشهية من الانفلات، ورغم أن السعرات الحرارية ليست متساوية في خطورتها (بحسب تأثيرها على الإنسولين وفائدتها الغذائية)، فإن التركيز على النوعية لا يعني إهمال الكمية.

التأمل في أساس المشكلة
الأكل العاطفي يمكن معالجته أعراضه مؤقتا، لكن ما دامت المشكلة من أساسها قائمة فيرجح أن تعود كلما انتابت حياتنا المصاعب التي تتراكم فوق المصاعب التي حملناها منذ الطفولة الأولى، وربما ظننا أننا نسيناها.. لكن اللاوعي لا ينسى.

غير أن التصدي لحياتنا الداخلية من تابوهات مجتمعاتنا، والطب النفسي محصور على الأمراض النفسية السريرية علاوة على كلفته، مع أننا جميعا نعاني من جروح داخلية غلفناها بضمادات قبل أن ننظفها، وحين تطفو للسطح، نداويها بالطعام أو التدخين أو الأفكار السلبية أو العنف اللفظي (وأحيانا الجسدي) على من حولنا.
بالنسبة لي، أتاحت لي الكتابة اليومية سبيلا للوعي على مشاعري وإدراك مواطن الأخطاء ومراقبة التقدم أو التأخر، وما الذي اكتشفته عن نفسي في ذلك اليوم، وما السبب الذي دفعني للإكثار من الطعام في ذلك اليوم وكيف يمكن تجنب الخطأ في المرة القادمة. وما زال لدي جدول يومي على موقع “غوغل درايف” أدوّن فيه ذلك.
ومنذ خمس سنوات، بدأت أمارس نوعا من التأمل يطلق عليه “الوعي الآني أثناء الأكل” (mindful eating)، وذلك بمضغ كل لقمة وكأنها المرة الأولى التي أكتشف فيها سلوك الأكل. ويتطلب ذلك عدم التفكير بأي شيء آخر إلا الطعام، أو القيام بشيء آخر، مثل مشاهدة التلفزيون أو الاستماع إلى الأخبار أو حتى الحديث مع الآخرين. هذا الوعي والتأمل يزيد الطعام لذة.
إذا كنت متوترة، أستلقي مغمضة عيني لمدة عشر دقائق وأراقب تنفسي ريثما يهدأ، ثم أشرب كوبا كاملا من الماء قبل الوجبة، أو أتناول قطعة من الفاكهة أو الجزر أو الخس.
رحلة تطوير الذات لا تنتهي، فما زلت أكتشف أساليب جديدة تعزز استمتاعي بكمية أقل من الطعام وتقلل من ميلي إلى الإكثار منه لدواع غير الجوع.

إلى كل من يعاني من إدمان من أي نوع، أتمنى لك حنانا تجاه نفسك وراحة داخل جسدك ورحمة تهبها لأخطائك وأخطاء غيرك، فهذا منطلق أقرب إلى التغيير الدائم والصحي.

 

عن الحوراني

شاهد أيضاً

عش الآن وليس غدا …

ملاحظة استدراكية هامة: يبدو المقال للوهلة الأولى لقارئه أنه مقالا أدبيا، ثم حين يقرأه سوف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *