المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير الآيات القرآنية


الصفحات : 1 [2] 3 4

الشاكر
09-10-2011, 03:56 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 253

</td> </tr> <tr> <td align="center">(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد "253")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن الحق سبحانه وتعالى يشير إلى الرسل بقوله: "تلك الرسل" و"الرسل" هي جمع لمفرد هو "رسول". والرسول هو المكلف بالرسالة. والرسالة هي الجملة من الكلام التي تحمل معنى إلى هدف. ومادام الرسل جماعة فلماذا لم يقل الحق" هؤلاء الرسل" وقال "تلك الرسل"؟ ذلك ليدلك القرآن الكريم على أن الرسل مهما اختلفوا فهم مرسلون من قبل إله واحد وبمنهج واحد. وكما عرفنا من قبل أن الإشارة بـ"تلك" هي إشارة لأمر بعيد. فعندما نشير إلى شيء قريب فإننا نقول: "ذا"، وعندما نستخدم صيغة الإشارة مع الخطاب نقول: "ذاك". وعندما نشير إلى مؤنث فنقول: "ت" وعندما نشير إلى خطاب مؤنث: "تيك". و"اللام" كما عرفنا هنا للبعد أو للمنزلة العالية.
إذن فقوله الحق: "تلك الرسل" هو إشارة إلى الرسل الذين يعلمهم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، أو الرسل الذين تقدموا في السياق القرآني. والسياق القرآني الذي تقدم تحدث عن موسى عليه السلام، وعن عيسى عليه السلام، وتكلم السياق عن أولي العزم من الرسل. إن أردت الترتيب القرآني هنا، فهو يشير إلى الذي تقدم في هذه السورة، وإن أردت ترتيب النزول تكون الإشارة إلى من علمه الرسل من الرسل السابقين، والمناسبة هنا أن الحق قد ختم الآية السابقة بقوله هناك: "وإنك لمن المرسلين"، ولما كانت "وإنك لمن المرسلين" تفيد بعضيته صلى الله عليه وسلم لكلية عامة، كأنه يقول: إياكم أن تظنوا أنهم ماداموا قد اتفقوا في أنهم مرسلون أو أنهم رسل الله، أنهم أيضا متساوون في المنزلة، لا، بل كل واحد منهم له منزلته العامة في الفضلية والخاصة في التفضيل. إنهم جميعا رسل من عند الله، ولكن الحق يعطي كل واحد منهم منزل خاصة في التفضيل.
فلماذا كان قول الله: "وإنك لمن المرسلين" يؤكد لنا أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الرسل فلا تأخذ هذا الأمر على أساس أن كل الرسل متساوون في المكانة، وتقول إنهم متماثلون في الفضل. لا. إن الله قد فضل بعضهم على بعض. وما هو التفضيل؟ إن التفضيل هو أن تأتي للغير وتعطيه ميزة، وعندما تعطي له مزية عمن سواه قد يقول لك إنسان ما "هذه محاباة"، لذلك نقول لمن يقول ذلك: الزم الدقة، ولتعرف أن التفضيل هو إيثار الغير بمزية بدافع الحكمة، أما المحاباة فهي إيثار الغير بمزية بدافع الهوى والشهوة، فمثلا إذا أردنا أن نختار أحداً من الناس لمنصب كبير، فنحن نختار عددا من الشخصيات التي يمكن أن تنطبق عليهم المواصفات ونقول: "هذا يصلح، وهذا يصلح، وهذا يصلح" و"هذا فيه ميزات عن ذاك" وهكذا، فإن نظرنا إليهم وقيمناهم بدافع الحكمة والكفاءة فهذا هو التفضيل، ولكن إن اخترنا واحداً لأنه قريب أو صهر أو غير ذلك فهذا هو الهوى والمحاباة.
إن التفضيل هو أن تؤثر وتعطي مزية ولكن لحكمة، وأما المحاباة فهي أن تؤثر وتعطي مزية، ولكن لهوى في نفسك. فمثلا هب أنك اشتريت قاربا بخاريا وركبته أنت وابنك الصغير، ومعك سائق القارب البخاري، وأراد ابنك الصغير أن يسوق القارب البخاري، وجلس مكان السائق وأخذ يسوق. ولكن جاءت أمواج عالية واضطرب البحر فنهضت أنت مسرعا وأخذت الولد وأمرت السائق أن يتولى القيادة، وهنا قد يصرخ الولد، فهل هذه محاباة منك للسائق؟ لا، فلو كانت محاباة لكانت لابنك، لكنك أنت قد آثرت السائق لحكمة تعرفها وهي أنه أعلم بالقيادة من الولد الصغير. إذن إذا نظرت إلى حيثية الإيثار وحيثية التمييز لحكمة فهذا هو التفضيل، ولكن في المحاباة يكون الهوى هو الحاكم.
وكل أعمال الحق سبحانه وتعالى تصدر عن حكمة؛ لأنه سبحانه ليس له هوى ولا شهوة، فكلنا جميعا بالنسبة إليه سواء. إذن هو سبحانه حين يعطي مزية أو يعطي خيرا أو يعطي فضلية، يكون القصد فيها إلى حكمة ما. وحينما قال الحق: "وإنك لمن المرسلين" جاء بعدها بالقول الكريم: "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض" وأعطانا نماذج التفضيل فقال: "منهم من كلم الله". وساعة تسمع "منهم من كلم الله" يأتي في الذهن مباشرة موسى عليه السلام، وإلا فالله جل وعلا قد كلم الملائكة.
وبعد ذلك يقول الحق: "ورفع بعضهم درجات". ثم قال: "وآتينا عيسى ابن مريم البيانات" إنه سبحانه قد حدد أولا موسى عليه السلام بالوصف الغالب فقال: "كلم الله" وكذلك حدد سيدنا عيسى عليه السلام بأنه قد وهبه الآيات البينات. وبين موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام قال الحق "ورفع بعضهم درجات" والخطاب في الآيات لمحمد عليه الصلاة والسلام. إذن ففيه كلام عن الغير لمخاطب هو محمد صلى الله عليه وسلم.
وساعة يأتي التشخيص بالاسم أو بالوصف الغالب، فقد حدد المراد بالقضية، ولكن ساعة أن يأتي بالوصف ويترك لفطنة السامع أن يرد الوصف إلى صاحبه فكأنه من المفهوم أنه لا ينطبق قوله: "ورفعنا بعضهم درجات" بحق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم وحده. وجاء بها سبحانه في الوسط بين موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت في الوسط، وإنما جاء آخر الأنبياء، ولكنك تجد أن منهجه صلى الله عليه وسلم هو الوسط. فاليهودية قد أسرفت في المادية بلا روحانية، والنصرانية قد أسرفت في الروحانية بلا مادية، والعالم يحتاج إلى وسطية بين المادية والروحية، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم، فكأن محمداً صلى الله عليه وسلم قطب الميزان في قضية الوجود.
وإذا أردنا أن نعرف مناطات التفضيل، فإننا نجد رسولا يرسله الله إلى قريته مثل سيدنا لوط مثلا، وهناك رسول محدود الرسالة أو عمر رسالته محدود، ولكن هناك رسول واحد قيل له: أنت مرسل للإنس والجن، ولكل من يوجد من الإنس والجن إلى أن تقوم الساعة إنه هو محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا كان التفضيل هو مجال العمل فهو لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا نظرنا إلى المعجزات التي أنزلها الله لرسله ليثبتوا للناس صدق بلاغهم عن ربهم، نجد أن كل المعجزات قد جاءت معجزاته كونية، أي معجزات مادية حسية الذي يراها يؤمن بها، فالذي رأى عصا موسى وهي تضرب البحر فانفلق، هذه معجزة مادية آمن بها قوم موسى، والذي رأى عيسى عليه السلام يبرئ الأكمة والأبرص فقد شهد المعجزة المادية وآمن بها، ولكن هل لهذه المعجزات الآن وجود غير الخبر عنها؟ لا ليس لها وجود.
لكن محمد صلى الله عليه وسلم حينما يشاء الله أن يأتيه بالمعجزة لا يأتي له بمعجزة من جنس المحسات التي تحدث مرة وتنتهي، إنه سبحانه قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة، فرسالته غير محدودة، ولابد أن تكون معجزته صلى الله عليه وسلم غير محسة وإنما تكون معقولة؛ لأن العقل هو القدر المشترك عند الجميع، لذلك كانت معجزته القرآن. ويستطيع كل واحد الآن أن يقول: محمد رسول الله وتلك معجزته. إن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم هي واقع محسوس. وفي مناط التطبيق للمنهج نجد أن الرسل ما جاءوا ليشرعوا، إنما كانوا ينقلون الأحكام عن الله، وليس لهم أن يشرعوا، أما الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو الرسول الوحيد الذي قال الله له:

{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }
(من الآية 7 سورة الحشر)

فهو صلى الله عليه وسلم قد اختصه الله بالتشريع أيضا، أليست هذه مزية؟ إن المراد من المنهج السماوي هو وضع القوانين التي تحكم حركة الحياة في الخلافة في الأرض، وتلك القوانين نوعان: نوع جاء من الله، وفي هذا نجد أن كل الرسل فيه سواء، ولكن هناك نوع ثان من القوانين فوض الله فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع من التشريع ليلائم ما يرى، وهذا تفضيل للرسول صلى الله عليه وسلم.
إذن حين يقول الله تعالى: "ورفع بعضهم درجات" فهذا لا ينطبق إلا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا أكثر من التصريح بالاسم. وأضرب هنا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ أنت أعطيت لولدك قلما عاديا، ولولدك الثاني قلما مرتفع القيمة، ولولدك الثالث ساعة، أما الولد الرابع فاشترين له هدية غالية جدا، ثم تأتي للأولاد وتقول لهم: أنا اشتريت لفلان قلما جافا، ولفلان قلما حبر، واشتريت لفلان ساعة، وبعضهم اشتريت له هدية ثمينة. فـ"بعضهم" هذا قد عرف بأنه الابن الرابع الذي لم تذكر اسمه، فيكون قد تعين وتحدد.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:56 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 254

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون"254")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونحن نعرف أن كل نداء من الحق يبدأ بقوله تعالى: "يا أيها الذين أمنوا" إنما يدل على أن ما يأتي من بعد هذا القول هو تكليف لمن آمن بالله، وليس تكليفا للناس على إطلاقهم؛ لأن الله لا يكلف من كفر به، إنما يكلف الله من آمن به، ومن اجتاز ذلك وأصبح في اليقين الإيماني فهو أهل لمخاطبة الله له، فكأنه يجد في القول الرباني نداء يقول له: يا من آمن بي إلها حكيما قادرا مشرعا لك، أنا أريد منك أن تفعل هذا الأمر. إذن الإيمان هو حيثية كل حكم، فأنت تفعل ذلك لماذا؟ لا تقل: لأن حكمته كذا وكذا. لا. ولكن قل: لأن الله الذي آمنت به أمرني بهذه الأفعال، سواء فهمت الحكمة منها أو لم تفهمها، بل ربما كان إقبالك على أمر أمرك الله به وأنت لا تفهم له حكمة أشد في الإيمان من تنفيذك لأمر تعرف حكمته.
ولو أن إنسانا قال له الطبيب: إن الخمر التي تشربها تفسد كبدك وتعمل فيك كذا وكذا، وبعد ذلك امتنع عن الخمر، صحيح أن امتناعه عن الخمر صادف طاعة لله، لكن هل هو امتنع لأن الله قال؟ لا، لم يمتنع لأن الله قال، ولكنه امتنع لأن الطبيب قال، فإيمانه بالطبيب أكثر من إيمانه برب الطبيب. أما المؤمن فيقول: أنا لا أشرب الخمر؛ لأن الله قد رحمها، ولماذا انتظر حتى يقول لي الطبيب: إن كبدك سيضيع بسبب الخمر، فالرحمة هي ألا يجئ الداء.
إن الحق يقول: "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم" أي أنا لا أطلب منكم أن تنفقوا علي، ولكن أنفقوا من رزقي عليكم؛ لأن الرزق يأتي من حركة الإنسان، وحركة الإنسان تحتاج طاقة تتحرك في شيء أو مادة، وهذه الحركة تأتي على ترتيب فكر، وهذا الفكر رتبه من خلقه، والجوارح التي تنفعل، واليد التي تتحرك، والرجل التي تمشي خلقها الله، والمادة التي تفعل بها مخلوقة لله. وسنأخذ الزارع نموذجا، نجد أن الأرض التي فيها العناصر مخلوقة لله، إذن فالإنسان يعمل بالعقل الذي خلقه الله، ويخطط بالجوارح التي خلقها الله لتأتي له بالطاقة التي يعمل بها في المادة التي خلقها الله لتعطي للإنسان خيرها .. فأي شيء للإنسان إذن؟ ومع ذلك إن حصل للإنسان خير من هذا كله فهو سبحانه لا يقول: "إنه لي" بل أمنحه لك أيها الإنسان، ولكن أعطني حقي فيه، وحقي لن آخذه لي ولكن هو لأخيك المسكين، والحق يقول:

{ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون "57" }
(سورة الذاريات)

وإياك أن تقول: ما دخلي أنا بالمسكين؟ عليك أن تعلم أن المسكنة عرض، والعرض من الممكن أن يلحق بك أنت. فلا تقدر أنك معطٍ دائما، ولكن قدر أنك ربما حدث لك ما يجعلك تأخذ لا أن تعطي. الحق يقول لك: أعط المسكين وأنت غني؛ لأنه سبحانه سيقول للناس: أن يعطوك وأنت فقير، فقدر حكم الله ساعة يطلب منك، ليحميك ساعة أن يطلب لك، وبذلك تتوازن المسألة. ومع أنه سبحانه هو الذي يرزق، فهو يريد منكم أيها العباد أن تتعاونوا وأن يحب بعضكم بعضا، حتى تمحى الضغائن من قلوبكم؛ لأن الإنسان الضعيف ـ ضعفا طبيعيا وليس ضعف التسول أو الكسل أو الاحتراف، بل ضعف عدم القدرة على العمل ـ هو مسئولية المؤمنين، فسبحانه وتعالى يجعل القوي مسئولا أن يساعدك وأنت ضعيف.
وأنت حين ترى ـ وأنت ضعيف لا تقدر ـ الأقوياء الذين قدروا لم ينسوك، وذكروك بما عندهم، عندئذ تعلم أنك في بيئة متساندة تحب لك الخير، فإن رأيت نعمة تنالك إن عجزت فأنت لا تحسدها أبداً، ولا تحقد على معطيها، بل تتمنى من حلاوة وقعها في نفسك ـ لأنها جاءتك عن حاجة ـ تتمنى لو أن الله قدرك لتردها، فيكون المجتمع مجتمعا متكافلا متضامنا. فحين يقول الله تعالى: "أنفقوا مما رزقناكم" فأنتم لا تتبرعون لذات الله بل تنفقون مما رزقكم، ومن فضل الله عليكم أنه احترم أثر عملكم ونسبه لكم حتى وإن احتاج أخوك، فهو سبحانه يقول:

{من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون "245" }
(سورة البقرة)

إن الحق سبحانه قد اعتبر النفقة في سبيل الله هي قرض من العبد للرب الخالق الوهاب لكل رزق. وحتى نفهم معنى النفقة أقول: قد قلنا من قبل: إن الكلمة مأخوذة من مادة "النون والفاء والقاف"، ويقال: نفقت السوق أي انتهت بسرعة وتم تبادل البضائع فيها بالأثمان المقررة لها، ونحن نعرف أن التجارة تعني مقايضة بين سلع وأثمان. والسلعة هي ما يستفاد بها مباشرة. والثمن ما لا يستفاد به مباشرة. فعندما تكون جائعا أيغنيك أن يكون عندك جبل من ذهب؟ إن هذا الجبل من الذهب أنت لا تستفيد منه مباشرة، أما فائدتك من رغيف الخبز فهي استفادة مباشرة، وكذلك كوب الماء الممتلئ، تستفيد منه مباشرة، والملابس التي ترتديها أنت تستفيد منها مباشرة. إذن فالذي يستفاد منه مباشرة اسمه سلعة، والذي لا يستفاد منه مباشرة نسميه ثمناً. ولذلك يقول لنا الحق إنذارا وتحذيرا من الاعتزاز بالمال:

{يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون "245" }
(سورة البقرة)

إن الحق سبحانه ينبهنا أن ننفق من رزقه لنا من قبل أن يأتي اليوم الآخر الذي لا بيع فيه؛ أي لا مجال فيه لاستبدال أثمان بسلع أو العكس، وأيضا لا يكون في هذا اليوم "خلة"، ومعنى "خلة هي الود الخالص، وهي العلاقة التي تقوم بين اثنين فيصير كل منهما موصلا بالآخر بالمحبة؛ لأن كلا منكما منفصل عن الآخر وإن ربطت بينكم العاطفة وفي الآخرة سيكون كل إنسان مشغولا بأمر نفسه.
إن اليوم الآخر ليس فيه بيع ولا شراء ولا فيه خلة ولا شفاعة، وهذه هي المنافذ التي يمكن للإنسان أن يستند عليها. فأنت لا تملك ثمنا تشتري به، ولا يملك غيرك سلعة في الآخرة، إذن فهذا الباب قد سد. وكذلك لا يوجد خلة أو شفاعة، والشفاعة هذه مأذون فيها. إن كانت ممن أذن له الله أن يشفع فهي في يد الله، ومعنى "شفيع" مأخوذة من الشفع والوتر. الوتر واحد والشفع اثنان، فكأن الشفيع يضم صوته لصوتي لنقضي هذه الحاجة عند فلان. فيتشفع الإنسان بإنسان له جاه عند المشفوع عنده حتى ينفذ له ما يطلب. ولكن هذه الوسائل في الآخرة غير موجودة. فلا بيع ولا خلة ولا شفاعة؛ فأنتم إذا أنفقتم اتقيتم ذلك اليوم، فانتهزوا الفرصة من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة.
وهذه هي أبواب النجاة المظنونة عند البشر التي تغلق في هذا اليوم العظيم. وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا لم أفوت فرصة على خلقي؛ خلقي هم الذين ظلموا أنفسهم ووقفوا أنفسهم هذا الموقف، فأنا لم أظلمهم. لذلك يذيل الحق الآية بقوله: "والكافرون هم الظالمون". وبعد أن تكلم الله سبحانه وتعالى عن الرسل ، وعن الاختلاف، وعن القتال لتثبيت منهج الحق، وعن الإنفاق، يوضح لنا التصور الإيماني الصحيح الذي في ضوئه جاءت كل هذه المسائل</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:56 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 255

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم "255")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونقف بالتأمل الآن عند قوله الحق: "الله لا إله إلا هو". إن كلمة "الله" هي علم على واجب الوجود. وعندما نقول: "الله" فإن الذهن ينصرف إلى الذات الواجبة الوجود. ما معنى "واجبة الوجود"؟ إن الوجود قسمان: قسم واجب، وقسم ممكن. والقسم الواجب هو الضروري الذي يجب أن يكون موجودا، والحق سبحانه وتعالى حين أعلمنا باسمه "الله" أعطانا فكرة على أن كلمة "الله" هذه يتحدى بها ـ سبحانه ـ أن يسمى بها سواه. ولو كنا جميعا مؤمنين لكان احترامنا لهذا التحدي نابعا من الإيمان. ولكن هنا كافرون بالله ومتمردون وملحدون يقولون: "الله خرافة"، ومع ذلك هل يجرؤ واحد من هؤلاء أن يسمي نفسه "الله"؟
لا يفل أحد هذا؛ لأن الله تحدى بذلك، فلم يجرؤ واحد أن يدخل في هذه التجربة. وعدم جرأة الكفار والملاحدة في أن يدخلوا في هذه التجربة دليل على أن كفرهم غير وطيد في نفوسهم، فلو كان كفرهم صحيحا لقالوا: سنسمي ونرى ما يحدث، ولكن هذا لم يحدث. إذن "الله" علم واجب الوجود المتصف بكل صفات الكمال. وبعد ذلك جاء بالقضية الأساسية وهي قوله تعالى: "لا إله إلا هو" وهنا نجد النفي ونجد الإثبات، النفي في "لا إله"، والإثبات في "إلا هو". والنفي تخلية والإثبات تحلية. خلى سبحانه نفسه من وجود الشريك له ثم أثبت لنا وحدانيته. و"لا إله إلا الله" أي لا معبود بحق إلا الله. ونعرف أن بعضنا من البشر في فترات الغفلة قد عبدوا أصناما وعبدوا الكواكب. ولكن هل كانت آلهة بحق أم بباطل؟ لقد كانت آلهة بباطل. ودليل صدق هذه القضية التي هي "لا إله إلا الله"، أي لا معبود إلا الله أن أحدا من تلك الآلهة لم يعترض على صدق هذه القضية. إذن فهذا الكلام هو حق وصدق.
وإن أدعى أحد غير ذلك، نقول له: إن الله قد أخبرنا أنه لا معبود بحق غيره؛ لأنه هو الذي خلق وهو الذي رزق، وقال: أنا الذي خلقت. إن كان هذا الكلام صحيحا فهو صادق فيه، فلا نعبد إلا هو. وإن كان هذا الكلام غير صحيح، وأن أحدا غيره هو الذي خلق هذا الكون فأين هذا الأحد الذي خلق، ثم ترك من لم يخلق ليأخذ الكون منه ويقول: "أنا الذي خلق الكون"؟ إنه أمر من اثنين، الأمر الأول: هو أنه ليس هناك إله غيره. فالقضية ـ إذن ـ منتهية. والأمر الآخر: هو أنه لو كان هناك آلهة أخرى، وبعد ذلك جاء واحد وقال: "أنا الإلهة وليس هناك إله إلا أنا". فأين هذه الآلهة الأخرى؟ ألم تعلم بهذه الحكاية؟
إن كانوا لم يعلموا بها، فهم لا يصلحون أن يكونوا آلهة، وإن كانوا قد علموا فلماذا لم يقولوا: لا. نحن الآلهة، وهذا الكلام كذب؟ وكما بعث الله رسلا بمعجزات كان عليهم أن يبعثوا رسولا بمعجزات. فصاحب الدعوة إذا ادعاها ولم يوجد معارض له، تثبت الدعوى إلى أن يوجد منازع. إذن كلمة "لا إله إلا الله" معها دليل الصدق؛ لأنه إما أن يكون هذا الكلام حقا وصدقا فتنتهي المسألة، وإن لم يكن حقا فأين الإله الذي خلق والذي يجب أن يعبد بعد أن سمع من جاء ليأخذ منه هذه القضية؟ وبعد ذلك لا نسمع له حسا ولا حركة، ولا يتكلم، ولا نعلم عنه شيئا، فما هو شأنه؟ إما أنه لم يعلم فلا يصح أن يكون إلها؛ لأنه لو كان قد علم ولم يرد فليست له قوة. ولذلك ربنا سبحانه يأتي بهذه القضية من ناحية أخرى فيقول:

{قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا "42" سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا "43" }
(سورة الإسراء)

فلو كان عند تلك الآلهة المزعومة مظاهر قوة لذهبوا إلى الله سبحانه وتعالى وأنكروا ألوهيته، ولو كان هناك إله غير الله لحدثت معركة بين الآلهة، ولكن هذا لم يحدث. فالكلمة "لا إله إلا الله" صدق في ذاتها حتى عند من ينكرها، والدليل فيها هو عدم وجود المنازع لهذه الدعوة؛ لأنه إن لم يوجد منازع فقد ثبت أنه سبحانه لا إله إلا هو؟ وأضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ هب أننا في اجتماع، وبعد ذلك وجدنا حافظة نقود، فعرضناها على الموجودين، فلم نجد لها صاحبا، ثم جاء واحد كان معنا وخرج، وقال: يا قوم بينما كنت أجلس معكم ضاعت حافظة نقودي. ولما لم يدعها واحد منا لنفسه فهي إذن حافظته هو.
إذن "لا إله إلا الله" هي قضية تمتلئ بالصدق والحق، والله هو المعبود الذي يتوجه إليه بالعبادة، والعبادة هي الطاعة. فمعنى عابد أي طائع، وكل طاعة تقتضي أمرا وتقتضي نهيا، ومادامت العبادة تقتضي أمرا وتقتضي نهيا، فلابد أن يكون المأمور والمنهي صالحا أن يفعل وصالحا ألا يفعل. فعندما نقول له: افعل كذا كمنهج إيمان، فهو صالح لئلا يفعل. وعندما نقول له: لا تفعل فهو صالح لأن يفعل، وإلا لو لم يكن صالحا ألا يفعل أيقول له "لا تفعل"؟ إن ذلك غير ممكن.
إذن لابد أن يكون صالحا لهذه وتلك وإلا لكان الأمر والنهي عبثا ولا طائل من ورائهما. لذلك عندما أرادوا أن يقصروا الإسلام في العبادات الطقسية التي هي شهادة لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، قالوا: هل هذا هو كل الإسلام، وقالوا: إنه دين يعتمد على المظاهر فقط، قلنا لهم: لا، إن الإسلام هو كل حركة في الحياة تناسب خلافة الإنسان في الأرض؛ لأن الله يقول في كتابه الكريم:

{هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها }
(من الآية 61 سورة هود)

"واستعمركم فيها" أي طلب منكم أن تعمروها، فكل حركة في الحياة تؤدي إلى عمار الأرض فهي من العبادة، فلا تأخذ العبادة على أنها صوم وصلاة فقط؛ لأن الصوم والصلاة وغيرهما هي الأركان التي ستقوم عليها حركة الحياة التي سيبني عليها الإسلام، فلو جعلت الإسلام هو هذه الأركان فقط لجعلت الإسلام أساسا بدون مبنى، فهذه هي الأركان التي يبني عليها الإسلام، فإذن الإسلام هو كل ما يناسب خلافة الإنسان في الأرض يبين ذلك ويؤكده قول الله تعالى:

{هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها }
(من الآية 61 سورة هود)

ويخرج إلينا أناس يقولون: نحن ليس لنا إلا أن نعبد ولا نعمل. ونقول لأي منهم: كم تأخذ الصلاة منك في اليوم؟ ساعة مثلا. والزكاة كم تأخذ منك في العالم يوما واحدا في العام؟ والصوم كم يأخذ منك من وقت؟ نهار أيام شهر واحد. وفريضة الحج أتأخذ منك أكثر من رحلة واحدة في عمرك؟ فبالله عليك ماذا تفعل في الباقي من عمرك من بعد ذلك وهو كثير؟ إنك لا تأخذ أكثر من ساعة في اليوم للصلاة، ولا تأخذ أكثر من يوم في السنة لإخراج الزكاة، وتقضي شهرا في السنة تصوم نهاره. وتحج مرة واحدة في عمرك، فماذا تفعل في بقية الزمان، ستأكل وتلبس، ستطلب رغيف الخبز للطعام فمن الذي سيصنعه لك؟ إن هذا الرغيف يمر بمراحل حتى يصير لقمة تأكلها. ويحتاج إلى أكثر من علم وأكثر من حركة وأكثر من طاقة.
إن المحل الذي يبيعه فقط ولا يخبزه يحتاج إلى واجهة من زجاج أو غيره، ولابد أن يعمل فيه من يذهب بعربته إلى المخبز ليحمل الخبز، وينقله إلى المحل ويبيعه وإذا نظرت إلى الفرن فسوف تجد مراحل عدة من تسليم وتسلم للدقيق، ثم إلى العجين، وإلي النار التي توقد بالمازوت، ويقوم بذلك عمال يحتاجون لمن يخطط لهم، وقبل ذلك كان الدقيق مجرد حبوب، وتم طحنها لتصير دقيقا، وهناك مهندسون يديرون الماكينات التي تطحن، ويعملون على صيانتها، وبعد ذلك الأرض التي نبت فيها القمح وكيف تم حرثها، وتهيئتها للزراعة، وريها، وتسميدها، وزرعها، وحصدها، وكيف درس القشر والسنابل، وكيف تتم تذريته من بعد ذلك، لفصل الحبوب عن التبن، وتعبئة الحبوب، إلى غير ذلك؟
انظر كم من الجهد أخذ رغيف الخبز الذي تأكله، وكم من الطاقات وكم رجال للعمل، فكيف تستسيغ لنفسك أن يصنعوه لك، وأنت فقط جالس لتصلي وتصوم؟ لا، إياك أن تأخذ عمل غيرك دون جهد منك. مثال آخر، أنت تلبس جلبابا، كم أخذ هذا الجلباب من غزل ونسج وخيط؟ إذن فلا تقعد، وتنتفع بحركة المتحرك في الحياة، وتقول: أنا مخلوق للعبادة فقط، فليست هذه هي العبادة، ولكن العبادة هي أن تطيع الله في كل ما أمر، وأن تنتهي عن كل ما نهى في إطار قوله تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" إن كل عمل يعتبر عبادة، وإلا ستكون "تنبلاً" في الوجود. والإيمان الحق يقتضي منك أن تنتفع بعملك ولا تعتمد على عمل غيرك.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:57 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 256

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم "256")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا نحن العباد المؤمنين ولسائر البشرية أنه: "لا إكراه في الدين". والإكراه هو أن تحمل الغير على فعل لا يرى هو خيراً في أن يفعله. أي لا يرى الشخص المكره فيه خيراً حتى يفعله. ولكن هناك أشياء قد نفعلها مع من حولنا لصالحهم، كأن نرغم الأبناء على المذاكرة، وهذا أمر لصالح الأبناء، وكأن نجبر الأطفال المرضى على تناول الدواء. ومثل هذه الأمور ليست إكراهاً، إنما هي أمور نقوم بها لصالح من حولنا؛ لأن أحداً لا يسره أن يظل مريضاً.
إن الإكراه هو أن تحمل الغير على فعل من الأفعال لا يرى فيه هو الخير بمنطق العقل السليم. ولذلك يقول الحق سبحانه: "لا إكراه في الدين". ومعنى هذه الآية أن الله لم يكره خلقه ـ وهو خالقهم ـ على دين، وكان من الممكن أن الله يقهر الإنسان المختار، كما قهر السماوات والأرض والحيوان والنبات والجماد، ولا أحد يستطيع أن يعصى أمره. فيقول سبحانه:

{لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً }
(من الآية 31 سورة الرعد)

لكن الحق يريد أن يعلم من يأتيه محباً مختاراً وليس مقهوراً، أن المجيء قهراً يثبت له القدرة، ولا يثبت له المحبوبية، لكن من يذهب له طواعية وهو قادر ألا يذهب فهذا دليل على الحب، فيقول تعالى: "لا إكراه في الدين" أي أنا لم أضع مبدأ الإكراه، وأنا لو شئت لآمن من في الأرض كلهم جميعاً. فهل الرسل الذين أرسلهم سبحانه يتطوعون بإكراه الناس؟. لا، إن الرسول جاء لينقل عن الله لا ليكره الناس، وهو سبحانه قد جعل خلقه مختارين، وإلا لو أكرهم لما أرسل الرسل، ولذلك يقول المولى عز وجل:

{ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين "99"}
(سورة يونس)

إن الرسول له مهمة البلاغ عن الله؛ لأن الله لم يرد خلقه مكرهين على التدين، إذن فالمبلغ عنه لا يكره خلقه على التدين، إلا أن هنا لبساً. فهناك فرق بين القهر على الدين، والقهر على مطلوب الدين، هذا هو ما يحدث فيه الخلاف.
تقول لمسلم: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: "لا إكراه في الدين"، ويدعي أنه مثقف، ويأتيك بهذه الآية ليلجمك بها، فتقول له: لا. "لا إكراه في الدين" عقدية وإيماناً، إنما إن آمنت وأعلنت أنك آمنت بالله وصرت معنا مسلما فلابد أن تعرف أنك إن كسرت حكماً من أحكام الإسلام نطلب منك أن تؤديه، أنت حر أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن حين التزمت بالإيمان، فعليك مسئولية تنفيذ مطلوب الإيمان، وإلا حسب تصرفك أنه من تصرفات الإسلام، فإذا كنت تشرب خمراً فإنك حر؛ لأنك كافر مثلاً، لكن أتؤمن ثم تشرب خمراً!؟ لا. أنت بذلك تكسر حداً من حدود الله، وعليك العقاب.
ولأنك مادمت قد علمت كعاقل رشيد مطلوب الإسلام، فعليك أن تنفذ مطلوب الإسلام، ولذلك لم يكلف الله الإنسان قبل أن ينضج عقله بالبلوغ؛ حتى لا يقال: إن الله قد أخذ أحداً بالإيمان وألزمه به قبل أن يكتمل عقله. بل ترك التكليف حتى ينضج الإنسان ويكتمل، حتى إذا دخل إلى دائرة التكليف عرف مطلوباته، وهو حر أن يدخل إلى الإيمان أو لا يدخل، لكن إن دخل سيحاسب. إذن فلا يقل أحد عندما يسمع حكماً من أحكام الدين: "لا إكراه في الدين"؛ لأن هذه الآية نزلت بشأن العقيدة الأساسية، فإن اتبعت هذه العقيدة صار لزاماً عليك أن توفي بمطلوباتها. وقد أراد خصوم الإسلام أن يصعدوا هذه العملية فقالوا كذباً وافتراء: إن الإسلام انتشر بحد السيف.
ونقول لهم: لقد شاء الله أن ينشأ الإسلام ضعيفا ويضطهد السابقون إليه كل أنواع الاضطهاد، ويعذبون، ويخرجون من ديارهم ومن أموالهم ومن أهلهم، ولا يستطيعون عمل شيء. إذن ففترة الضعف التي مرت بالإسلام أولا فترة مقصودة.
ونقول لهم أيضا: من الذي قهر وأجبر أول حامل للسيف أن يحمل السيف؟! والمسلمون ضعاف ومغلبون على أمرهم، لا يقدرون على أن يحموا أنفسهم، إنكم تقعون في المتناقضات عندما تقولون: إن الإسلام نشر بالسيف. ويتحدثون عن الجزية رفضاً لها، فنقول: وما هي الجزية التي يأخذها الإسلام من غير المسلمين كضريبة للدفاع عنهم؟ لقد كان المسلمون يأخذون الجزية من البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي، أي أن هناك أناساً بقوا على دينهم. ومادام هناك أناس باقون على دينهم فهذا دليل على أن الإسلام لم يكره أحداً.
وقول الله: "لا إكراه في الدين" علته أن الرشد واضح والغي واضح، ومادام الأمر واضحا فلا يأتي الإكراه يأتي في وقت اللبس، وليس هناك لبس، لذلك يقول الحق: "قد تبين الرشد من الغي". ومادام الرشد بائنا من الغي فلا إكراه. لكن الله يعطيك الأدلة،وأنت أيها الإنسان بعقلك يمكنك أن تختار، كي تعرف أنك لو دخلت الدين لالتزمت، وحوسبت على دخولك في الدين، فلا تدخل إلا وأنت مؤمن واثق بأن ذلك هو الحق؛ لأنه سيترتب عليه أن تقبل أحكام الدين عليك. "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" والرشد: هو طريق النجاة، و"الغي": هو طريق الهلاك. ويقول الحق إيضاحاً للرشد والغي في آية أخرى من آيات القرآن الكريم:

{سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين "146" }
(سورة الأعراف)

إن الحق يعلمنا أن المتكبرين في الأرض بغير حق لن يستطيعوا الفوز برؤية آيات الله ودلائل قدرته، وحتى إن رأوا السبيل الصحيح فلن يسيروا فيه، وإن شاهدوا طريق الضلال سلكوا فيه لأنهم يكذبون بآيات الرحمن ويغفلون عنها. والغي ـ أيضا ـ هو ضلال الطريق، فعندما يسير إنسان في الصحراء ويضل الطريق يقال عنه: "فلان قد غوى" أي فقد الاتجاه الصحيح في السير، وقد يتعرض لمخاطر جمة كلقاء الوحوش وغير ذلك. ويوضح لنا الحق طريق الرشد بمنطوق آخر في قوله الحق:

{وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا "10" }
(سورة الجن)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:57 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 257

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "257")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن الله ولي الذين آمنوا مادام "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى" وكأن الحق يشرح ذلك بهذه الآية، فمادام العبد سيتصل بالعروة الوثقى ويستمسك بها، وهذه ليست لها انفصام فقد صارت ولايته لله، وكلمة "ولي" إذا سمعتها هي من "ولي" أي: جاء الشيء بعد الشيء من غير فاصل؛ هذا يليه هذا، ومادام يليه من غير فاصل فهو الأقرب له، ومادام هو الأقرب له إذن فهو أول من يفزع لينقذ، فقد يسير معي إنسان فإذا التوت قدمي أناديه؛ لأنه الأقرب مني، وهو الذي سينجدني.
فلا يوجد فاصل، ومادام لا يوجد فاصل فهو أول من تناديه، وأول من يفزع إليك بدون أن تصرخ له؛ لأن من معك لا تقل له: خذ بيدي، إنه من نفسه يأخذ بيدك بلا شعور، إذن فكلمة "الله ولي الذين آمنوا" إذا نظرت إليها وجدتها تنسجم أيضا مع "سميع وعليم"، فلا يريدك أن تناديه؛ لأن هناك من تصرخ عليه لينجدك، وهو لن تصرخ عليه؛ لأنه سميع وعليم، "الله ولي الذين آمنوا". وكلمة "ولي" أيضا منها (مولى) ومنها (وال)، "ولي الذين آمنوا أي هو الذي يتولى شئونهم وأمورهم، كما تقول: الوالي الذي تولى أمر الرعية، وكلمة "مولى" مرة تطلق على السيد، ومرة تطلق على خادمه، ولذلك يقول الشاعر:
مولاك يا مولاي طالب حاجة
أي عبدك يا سيدي طال بحاجة، فهي تستعمل في معان مترابطة؛ لأننا قلنا: "ولي" تعني القريب، فإذا كان العبد في حاجة إلى شيء فمن أول من ينصره؟ سيده، وإذا نادى السيد، فمن أول مجيب له؟ إنه خادمه، إذن فيطلق على السيد ويطلق على العبد، ويطلق على الوالي، "الله ولي الذين آمنوا". وقوله الحق: "الذين آمنوا" يعني جماعة فيها أفراد كثيرة، كأنه يريد من الذين آمنوا أن يجعلوا إيمانهم شيئا واحداً، وليسوا متعددين، أو أن ولاية الله لكل فرد على حدة تكون ولاية لجميع المؤمنين، وماداموا مؤمنين فلا تضارب في الولايات؛ لأنهم كلهم صادرون وفاعلون عن إيمان واحد، ومنهج واحد، وعن قول واحد، وعن فعل واحد، وعن حركة واحدة.
وكيف يكون "الله ولي الذين آمنوا"؟ إنه وليهم أي ناصرهم. ومحبهم ومجيبهم ومعينهم، هو وليهم بما أوضح لهم من الأدلة أو أنه لفتنا إلى الأدلة؟ وتلك هي ولاية من ولايات الله. فقبل أن نؤمن أوجد لنا الأدلة، وعندما آمنا والانا بالمعونة، وإن حاربنا خصومنا يكن معنا، وبعد ذلك تستمر الولاية إلى أن يعطينا الجزاء الأوفى في الآخرة، إذن فهو ولي في كل المراحل، بالأدلة قبل الإيمان ولي. ومع الإيمان استصحاباً يكون ناصرنا على خصومنا وخصومه. وفي الآخرة هو ولينا بالمحبة والعطاء ويعطينا عطاء غير محدود، إذن فولايته لا تنتهي.
"الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور" إنه سبحانه يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان؛ لأن الظلمات عادة تنطمس فيها المرائي، فلا يمكن أن ترى شيئا إلا إذا كان هناك ضوء يبعث لك من المرئي أي أشعة تصل إليك، فإن كانت هناك ظلمة فمعنى ذلك أنه لا يأتي من الأشياء أشعة فلا تراها، وعندما يأتي النور فأنت تستبين الأشياء، هذه في الأمور المحسة؛ وكذلك في مسائل القيم، "يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات".
هل هم دخلوا النور يا ربنا؟ لنا أن نفهم أن المقصود هنا هم المرتدون الذين وسوس لهم الشيطان فأدخلهم في ظلمات الكفر بعد أن كانوا مؤمنين، أو "يخرجونهم من النور إلى الظلمات"، أي يحولون بينهم وبين النور فيمنعونهم من الإيمان كما يقول واحد: أما دريت أن أبي أخرجني من ميراثه؟ إن معنى ذلك أنه كان له الحق في التوريث، وأخرجه والده من الميراث. وهذا ينطبق على الذين تركوا الإيمان، وفضلوا الظلمات. والقرآن يوضح أمر الخروج من الظلمة إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان في مواقع أخرى، كقول سيدنا يوسف للشابين اللذين كانا معه في السجن:

{ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين "36" قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون "37" }
(سورة يوسف)

فهل كان سيدنا يوسف في ملة القوم الكافرين ثم تركها؟ لا، إنه لم يدخل أساساً إلى ملة القوم الذين لا يؤمنون بالله. إن هذه الملة كانت أمامه، لكنه تركها ورفض الدخول فيها وتمسك بملة إبراهيم عليه السلام. وفي التعبير ما فيه من تأكيد حرية الاختيار. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق:

{والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير "70" }
(سورة النحل)إن معنى الآية أن الله قد خلقنا جميعا، وقدر لكل منا أجلاً، فمنا من يموت صغيراً، ومنا من يبلغ أرذل العمر، فيعود إلى الضعف وتقل خلايا نشاطه فلا يعلم ما كان يعلمه. وليس معنى الآية أن الإنسان يوجد في أرذل العمر ثم يرد إلى الطفولة. وعندما يقول الحق: "والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات" فالحق أورد هنا كلمة أولياء عن الطاغوت، لأن الطاغوت كما قلنا: ألوان متعددة، الشيطان طاغوت، والدجال طاغوت، والساحر طاغوت. وجاء الحق بالخبر مفرداً وهو الطاغوت لمبتدأ جمع وهو أولياء، ووصف هؤلاء الأولياء للطاغوت بأنهم يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات.
لقد أفرد الله الطاغوت وأورد بالجمع الأفراد الذين ينقلهم الطاغوت إلى الظلمات. ولماذا لم يقل الله هنا: "طواغيت" بدلا من طاغوت؟ إن الطاغوت كلمة تتم معاملتها هنا كما نقول: "فلان عدل" أو "الرجلان عدل" أو "الرجال عدل". وعلى هذا القياس جاءت كلمة طاغوت، فالشيطان والدجال والكاهن والساحر والحاكم بغير أمر الله؛ كلهم طاغوت، لقد التزمت الآية بالإفراد والتذكير. فالطاغوت تطلق على الواحد أو الاثنين أو الجماعة، أي أن المخرجين من النور إلى الظلمات هم أولياء الطاغوت، أو من اتخذوا الطواغيت أولياء، وهم إلى النار خالدون. والدخول للنار يكون للطواغيت ويكون لأتباع الطواغيت، كما يقول الحق في كتابه:

{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون "98" }
(سورة الأنبياء)

إن أتباع الطواغيت، والطواغيت في نار جهنم. وقانا الله وإياكم عذابها. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة واقعية في الكون من قوله: "الله ولي الذين آمنوا"، فهو الولي، وهو الناصر.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:57 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 258

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين "258")</td> </tr> <tr> <td align="right">وساعة تسمع "ألم تر"؛ فأنت تعلم أنها مكونة من همزة هي "أ" وحرف نفي وهو "لم"، ومنفي هو "تر" والهمزة: تأتي هنا للإنكار، والإنكار نفي بتقريع، ولكنها لم تدخل على فعل مثبت حتى يقال: إنها أنكرت الفعل بعدها، مثلما تقول للولد: أتضرب أباك! هنا الهمزة جاءت لا لتستفهم وإنما أتت تنكر هذه الفعلة، لأن الفعل بعدها مثبت وهو "تضرب"، وجاءت الهمزة قبله فتسمى "همزة إنكار" للتقريع. إذن فالإنكار: نفي بتقريع إذا دخلت على فعل منفي.
ومادام الإنكار نفيا والفعل بعدها منفي فكأنك نفيت النفي، إذن فقد أثبته، كأنه سبحانه عندما يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: "ألم تر" فالمقصود "أنت رأيت". ولماذا لم يقل له: أرأيت". لقد جاء بها بأسلوب النفي كي تكون أوقع، فقد يكون مجيء الإثبات تلقيناً للمسئول، فعندما يقول لك صديق: أنت لم تسأل عني وأنت تهملني. فأنت قد ترد عليه قائلا: ألم أساعدك وأنت ضعيف؟ ألم آخذ بيدك وأنت مريض؟
لقد سبق أن قدمت خدماتك لهذا الصديق، ولكنك تريد أن تنكر النفي الذي يقوله هو، وهكذا نعلم أن نفي النفي إثبات، ولذلك فنحن نأخذ من قوله تعالى من هذه العبارة "ألم تر" على معنى: أنت رأيت، والرؤية تكون بالعين. فهل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو المخاطب الأول بالقرآن الكريم من ربه ـ هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة أيام إبراهيم؟ طبعا لا، فكأن "ألم تر" هنا تأتي بمعنى: ألم تعلم.
ولماذا جاء بـ"ألم تر" هنا؟ لقد جاء بها لنعلم أن الله حين يقول: "ألم تعلم" فكأنك ترى ما يخبرك به، وعليك أن تأخذه على أنه مصدق كأنك رأيته بعينك. فالعين هي حاسة من حواسك، والحاسة قد تخدع، ولكن ربك لا يخدع، إذن فـ"ألم تر" تعني: "ألم تعلم علم اليقين"، وكأنك قد رأيت ما يخبرك به الله، ولذلك يقول تعالى للرسول:

{ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل "1" }
(سورة الفيل)

والرسول ولد عام الفيل، فلم ير هذه الحادثة، وكأن الله يخبره بها ويقول له: ألم تعلم، وكأنه يقول له: اعلم علماً يقينا كأنك تراه؛ لأن ربك أوثق من عينيك، وعندما يقال: "ألم تر" فالمراد بها "ألم تر كذا"، لكن الحق قال: "ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه" واستعمال حرف "إلى" هنا يشير إلى أمر عجيب قد حدث ومثال ذلك ما نقوله أحيانا: ألم تر إلى زيد يفعل كذا. فكأن ما فعله زيد أمر عجيب، وكأنه ينبه هنا إلى الالتفات إلى نهاية الأمر، لأن "إلى" تفيد الوصول إلى غاية، فكأنها مسألة بلغت الغاية في العجب، فلا تأخذها كأنك رأيتها فقط، ولكن انظر إلى نهايتها فيما حدث.
والحق يقول هنا: "ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه" و"إلى" جاءت هنا لتدل على أنه أمر بلغ من العجب غاية بعيدة، وهو بالفعل قد بلغ من العجب غاية بعيدة، والحق سبحانه وتعالى لم يقل لنا من هو ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم في ربه، لأنه لا يعنينا التشخيص سواءً كان النمروذ أو غيره.
فإذا ذهب بعض المفسرون إلى القول: إنه ملك واسمه النمروذ. فإننا نقول لهم شكراً لاجتهادكم، ولكن لو شاء الله تحديد اسم الرجل لحدده لنا، والذي يهمنا هو أنه واحد خرج على رسول اله إبراهيم عليه السلام وجادله في هذه المسألة، والتشخيص هنا ليس ضرورياً، والحق سبحانه وتعالى حينما يريد شيوع الأمر وإمكان حدوثه في أي زمان أو مكان فإن الله لا يشخص الأمر، فأي إنسان في أي مكان قد يحاجج أي مؤمن. وليس كذلك الأمر بالنسبة لأي تشخيص أو تحديد، ومثال ذلك هؤلاء الذين يريدون أن يعرفوا قصة أهل الكهف، ويتساءلون: أين ومتى، وكم عددهم، ومن هم؟
ونقول: لو جاءت واحدة من هؤلاء لفسدت القصة؛ لأنه لو حددنا زمانها سيأتي واحد يقول لك: مثل ذلك الزمان الذي حدثت فيه القصة كان يسمح بها. ولو حددنا المكان سيقول آخر: إن المكان كان يسمح بهذه المسألة. ولو حددنا الأشخاص بأسمائهم فلان وفلان، فسيقول ثالث: إن مثل هذه الشخصيات يمكن أن يصدر منها مثل هذا السلوك وأني لنا بقوة إيمان هؤلاء؟ والحق لم يحدد الزمان والمكان والأشخاص وجاء بها مبهمة ليدل على أن أي فتية في أي زمان وفي أي مكان يقولون ما يقولون، ولو شخصها في واحد لفسد المراد. للنظر إلى دقة الحق حين ضرب مثلا للذين كفروا بامرأة نوح وامرأة لوط حين قال جل وعلا:

{ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين "10" }
(سورة التحريم)

ولم يحدد لنا اسم امرأة من هاتين المرأتين، بل ذكر الأمر المهم فقط؛ وهو أن كلا منهما زوجة لرسول كريم، ولكن كلا منهما أصرت على الكفر فدخلتا النار. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين أراد التخصيص بحادث لن يتكرر في أي زمان أو مكان جاء بذكر السيدة مريم بالتشخيص والتحديد الواضح حين قال:

{ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين "12" } (سورة التحريم)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:58 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 259

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير "259")</td> </tr> <tr> <td align="right">وعندما ننظر إلى بداية الآية نجدها تبدأ بـ"أو"، وما بعد "أو" يكون معطوفاً على ما قبلها، فكأن الحق يريد أن يقول لنا: أو (ألم تر) إلى مثل الذي مر على قرية. وعندما تسمع كلمة "قرية" فإنها تفيد تجمع جماعة من الناس يسكنون في مكان محدود، ونفهم أن الذي مر على هذه القرية ليس من سكانها، إنما هو قد مر عليها سياحة في رحلة. ونلحظ كذلك أن الحق سبحانه لم يشأ أن يأتي لنا باسم القرية أو باسم الذي مر عليها. قال البعض: إنه هو أرمياء بن حلقيا أو هو الخضر، أو هو عزيز، وقد قلنا من قبل: إنه إذا أبهم الحق فمعناه: لا تشخص الأمر، فيمكن لأي أحد أن يحدث معه هذا.
"أو كالذي مر على قرية". وقالوا: إنها بيت المقدس، "وهي خاوية على عروشها" وحتى نفهم معنى خاوية على عروشها، لنا أن نعرف أنني عندما أقول: "أنا خويان" أي "أنا بطني خاوية": "جوعان" فـ"خاوية" المقصود بها أنها قرية خالية من السكان، وقد تكون أبنيتها منصوبة، لكن ليس فيها سكان، والحق بقوله عن تلك القرية: إنها خاوية على عروشها، و"العرش" يطلق على البيت من الخيام، ويطلق كما نعرف على السقف، فإذا قال: "خاوية على عروشها" أي أن العرش قد سقط أولا، ثم سقطت الجدران عليه، مثلما نقول في لغتنا العامية: "جاب عاليها على واطيها".
وعندما يمر إنسان على قرية مثل هذه القرية فلابد أن مشهدها يكون شيئاً لافتا للنظر، قال: "أنى يحيي هذه الله بعد موتها" فكأنه يسأل عن القرية، وعن إماتة وإحياء الناس الذين يسكنون القرية. والحق حين يذكر القرية في القرآن فهو يقصد في بعض الأحيان الحديث عن أهلها مثل قوله تعالى:

{وسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون "82" }
(سورة يوسف)

إن أبناء يعقوب عليه السلام حين عادوا من مصر وتركوا أخاهم الأصغر مع يوسف عليه السلام قالوا لأبيهم: أرسل من يأتيك بشهادة أهل مصر واسأل بنفسك زملاءنا الذين كانوا معنا في القافلة، وسيقولون لك: إننا قد تركنا أخانا بمصر. لكن سؤال الذي مر على القرية الخاوية على عروشها هو سؤال عن أهلها. "أنى يحيى هذه الله بعد موتها" وساعة تسمع "أنى" فهي تأتي مرة بمعنى "كيف"، ومرة تأتي بمعنى: "من أين"، والمناسب لها هنا هو أن يكون السؤال كالتالي: "كيف يحيي الله هذه بعد موتها"؟ وقوله هذا يدل على أنه مؤمن، فهو لا يشك في أن قضية الإحياء من الله، وإنما يريد أن يعرف الكيفية، فكأنه مؤمن بأن الله هو الذي يحيي ويميت، وهذه ستأتي في قصة سيدنا إبراهيم:

{أرني كيف تحيي الموتى }
(من الآية 260 سورة البقرة)

هو لا يشك في أن الله يحيي الموتى، إنما يريد أن يرى كيف تتم هذه الحكاية؛ لأن الذي يريد أن يعرف كيفية الشيء، لابد أن متعجب من وجود هذا الشيء، فيتساءل: كيف تم عمل هذا الشيء؟ مثلما نرى الأهرام، ونحن لا نشك أن الأهرام مبنية بهذا الشكل، لكننا نتساءل فقط: كيف بنوها؟ كيف نقلوا الحجارة بضخامتها لأعلى ولم يكن هناك سقالات أو روافع آلية؟ إذن فنحن نتعجب فقط، والتعجب فرع الإيمان بالحدث.
والسؤال عن الكيفية معناه التيقن من الحدث، فقول الحق: "أنى يحيي هذه الله" .. يعني: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها، فكأن القائل لا يشك في أن الله يحيي، ولكنه يريد الكيفية، والكيفية ليست مناط إيمان، فالله لم ينهنا عن التعرف عن الكيفية؛ فهو يعلم أننا نؤمن بأنه قادر على إيجاد هذا الحديث.
وأضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ فمصمم الملابس عندما يقوم بتفصيل أزياء جميلة، أنت تراها، فأنت تتيقن من أنه صانعها، ولكنك تتعجب فقط من دقة الصنعة، وتقول له: بالله كيف عملت هذه؟ كأنك قد عشقت الصنعة! فتشوقت إلى معرفة كيف صارت، فما بالنا بصنعة الحق تبارك وتعالى؟ إنك تندهش وتتعجب لتعيش في ظل السر السائح من الخالق في المخلوق، وتريد أن تنعم بهذه النعم.
ومثال آخر ـ ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد ـ أنت ترى مثلا لوحة رسمها رسام، فتقول له: بالله كيف مزجت هذه الألوان؟ أنت لا تشك في أنه قد مزج الألوان. بل تريد أن تسعد نفسك بأن تعرف كيف رسمها، إذن فقوله وقول إبراهيم بالسؤال في الإحياء والإماتة فيما يأتي ليس معناه أنه غير مؤمن بل هو عاشق ومشتاق لأن يعرف الكيفية؛ ليعيش في جو الإبداع الجمالي الذي أنشأ هذه الصنعة.
ونعلم أن إحياء الناس سيترتب عليه إحياء القرية، فالإنسان هو باعث الحركة التي تعمر الوجود، والناس لهم حياة ولهم موت، والقرية بأنقاضها وجدرانها وعروشها لها حياة ولها موت. وعندما سأل العبد هذا السؤال، أراد الله أن تكون الإجابة تجربة معاشة في ذات السائل؛ لذلك يأتي القرآن بالقول "فأماته الله مائة عام". إن صاحب السؤال قد أراد أن يعرف الكيفية، وطلبه هو إيمان دليل، ليصبح فيما بعد إيمانا بواقع مشاهد "فأماته الله مائة عام" لقد جعل الله الأمر والتجربة في السائل ذاته وهذا إخبار الله. لقد أماته مائة عام، والعام هو الحول، وقد سموا "الحول" عاما؛ لأن الشمس تعوم في الفلك كله في هذه المدة، والعوم سبح، والحق يقول:

{وكل في فلك يسبحون }
(من الآية 40 سورة يس)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:58 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 260

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم "260")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن إبراهيم عليه السلام يسأل: كيف تحيي الموتى؟ أي أنه يطلب الحال التي تقع عليها عملية الإحياء. فإبراهيم عليه السلام لا يتكلم في الإحياء، وإنما كان شكه ـ عليه السلام ـ في أن الله سبحانه قد يستجيب لطلبه في أن يريه ويطلعه على كيفية إحياء الموتى؟ ولنضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد ـ والمثل لتقريب المسألة من العقول؛ لأن الله منزه عن أي تشبيه.
إن الواحد منا يقول للمهندس: كيف بنيت هذا البيت؟ إن صاحب السؤال يشير إلى حدث وإلي محدث وهو البيت الذي تم بناؤه. فهل معرفة الكيفية تدخل في عقيدة الإيمان؟ لا. ولنعلم أولا ما معنى: عقيدة؟. إن العقيدة هي: أمر معقود، وإذا كان هذا فكيف يقول: "ليطمئن قلبي"؟ فهل هذا دليل على أن إبراهيم قبل السؤال، وقبل أن يجاب إليه، لم يكن قلبه مطمئناً؟ لا، لقد كان إبراهيم مؤمناً، ولكنه يريد أن يزداد اطمئناناً، لأنه أدار بفكره الكيفية التي تكون عليها عملية الإحياء، لكنه لا يعرف على أية صورة تكون.
إذن فالاطمئنان جاء لمراد في كيفية مخصوصة تخرجه من متاهات كيفيات متصورة ومتخيلة، ومادمت تريد الكيفية، وهذه الكيفية لا يمكن أن نشرحها لك بكلام. بل لابد أن تكون تجربة عملية واقعية، "فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك". و"صرهن" أي أملهن واضممهن إليك لتتأكد من ذوات الطير، ومن شكل كل طير، حتى لا تتوهم أنه قد جاء لك طير آخر. وقال المفسرون: إن الأربعة من الطير هي: الغرب، الطاووس، الديك، الحمامة، وهكذا كان كل طائر له شكلية مختلفة.
"ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعيا"، فهل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أو اكتفى بأن شرح الله له الكيفية؟ إن القرآن لم يتعرض لهذه الحكاية، فإما أن يكون الله قد قال له الكيفية، فإن أراد أن يتأكد منها فليفعل، وإما أنه قد تيقن دون أن يجري تلك العملية. إن القرآن لم يقل لنا هل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أم لا؟ والحق يقول مخاطبا إبراهيم بخطوات التجربة: "ثم ادعهن يأتينك سعيا" وكان المفروض أن يقول: يأتينك طيرانا. فكيف تسعى الطيور؟ إن الطير يطير في السماء وفي الجو. لكن الحق أراد بذلك ألا يدع أي مجال لاختلاط الأمر فقال: "سعيا" أي أن الطير سيأتي أمامه سائرا، لقد نقل الحق الأمر من الطيران إلى السعي كي يتأكد منها سيدنا إبراهيم، إذن فلكي تتأكد يا إبراهيم ويزداد اطمئنانك جئنا بها من طيور مختلفة وأنت الذي قطعتها، وأنت الذي جعلت على كل جبل جزءا، ثم أنت الذي دعوت الطير فجاءتك سعيا.
وهنا ملحظية في طلاقة القدرة، وفي الفرق بين القدرة الواجبة لواجب الوجود، وهو الحق سبحانه وتعالى، والقدرة الممنوحة من واجب الوجود وهو الله ـ سبحانه ـ لمنكر واجب الوجود وهو الإنسان، هذا له قدرة، وذاك له قدرة؛ إن قدرة الله هي قدرة واجبة، وقدرة الإنسان هي قدرة ممكنة، وقدرة الله لا ينزعها منه أحد، وقدرة الإنسان ينزعها الله منه؛ فالإنسان من البشر، والبشر تتفاوت قدراتهم؛ فحين تكون لأحدهم قدرة فهناك آخر لا قدرة له، أي عاجز. ويستطيع القادر من البشر أن يعدي أثر قدرته إلى العاجز؛ فقد يحمل القادر كرسيا ليجلس على من لا يقدر على حمله. لكن قدرة الحق تختلف.
كأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا أعدي من قدرتي إلى من لا يقدر فيقدر، أنا أقول للضيف: كن قادراً، فيكون. وهذا ما نفهمه من قوله سبحانه لإبراهيم: "ثم ادعهن يأتينك سعيا". إن إبراهيم كواحد من البشر عاجز عن كيفية الإحياء، ولكن الحق يعطيه القدرة على أن ينادي الطير، فيأتي الطير سعيا. إن الحق يعطي القدرة لإبراهيم أن يدعو الطير فيأتي الطير سعيا. وهذا هو الفرق بين القدرة الواجبة، وبين القدرة الممكنة. إن قدرة الممكن لا يعديها أحد لخال منها، ولكن قدرة وجب الوجود تعديها إلى من لا يقدر فيقدر، ولذلك يأتي القول الحكيم بخصائص عيسى ابن مريم عليه السلام:

{ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبريء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين "49"}
(سورة آل عمران)

إن خصائص عيسى ابن مريم لا تكون إلا بإذن من الله، فقدرة عيسى عليه السلام أن يصنع من الطين ما هو على هيئة الطير، وإذا نفخ فيه بإذن الله لأصبح طيرا، وكذلك إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى، إن ذلك كله بإذن ممن؟ بإذن من الله. وكذلك كان الأمر في تجربة سيدنا إبراهيم، لذلك قال له الحق: "واعلم أن الله عزيز حكيم". إن الله عزيز أي لا يغلبه أحد. وهو حكيم أي يضع كل شيء في موقعه. وكذلك يبسط الحق قصة الحياة وقصة الموت في تجربة مادية؛ ليطمئن قلب سيدنا إبراهيم، وقد جاءت قصة الحياة والموت؛ لأن الشك عند الذين عاصروا الدعوة المحمدية كان في مسألة البعث من الموت، وكل كلامهم يؤدي إلى ذلك، فهم تعجبوا من حدوث هذا الأمر:

{قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون "82"}
(سورة المؤمنون)

وفي قول آخر:

{وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم "78" قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم "79"}
(سورة يس)

لقد أمر الحق سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم ليجيب على ذلك: قل يا محمد: يحييها الذي أنشأها أول مرة؛ فقد خلقها من عدم ولذلك يقول الحق سبحانه:

{وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم "27" }
(سورة الروم)

إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يبدأ الخلق على غير مثال، ثم يعيده بعد الموت، وإعادته أهون عليه من ابتدائه بالنظر إلى مقاييس اعتقاد من يظن أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه؛ فالله له مطلق القدرة في خلقه، وهو الغالب في ملكه وهو الحكيم في فعله وتقديره. إن الذي يعيد إنما يعيد من موجود، أما الذي بدأ فمن معدوم. فالأهون هو الإعادة، أما الابتداء فهو ابتداء من معدوم، وكلاهما من قدرة الحق سبحانه وتعالى. إن هذه القضية إنما تثبت اليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر هو الميزان العقدي فإن استقر في القلب فالإنسان بكل جوارحه يتجه إلى الأفعال التي تسير على ضوء منهج الله لينال الإنسان الجزاء الأوفى.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:58 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 261

</td> </tr> <tr> <td align="center">(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم "261")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن الله ينسب المال للبشر المتحركين؛ لأنهم أخذوا هذه الأموال بحركتهم. وفي موضع آخر من القرآن يقول الحق:

{وآتوهم من مال الله الذي آتاكم }
(من الآية 33 سورة النور)

إن المال كله مال الله، وقد أخذه الإنسان بالحركة، فاحترام الله هذه الحركة، واحترام الله في الإنسان قانون النفعية، فجعل المال المتبقي من حركتك ملكا لك أيها الإنسان، لكن إن أراد الله هذا المال فسيأخذه، ومن فضل الله على الإنسان أنه سبحانه حين يطلب من الإنسان بعضا من المال المتبقي من حركته فهو يطلبه كقرض، ويرده مضاعفا بعد ذلك. إذن فالإنفاق في سبيل الله يرده الله مضاعفا، ومادام الله يضاعفه فهو يزيد، لذلك لا تحزن ولا تخف على مالك؛ لأنك أعطيته لمقتدر قادر واسع عليم. إنه الحق الذي يقدر على إعطاء كل واحد حسب ما يريد هو سبحانه؛ إنه يعطي على قدر نية العبد وقدر إنفاقه. وهذه الآية تعالج قضية الشح في النفس الإنسانية؛ فقد يكون عند الإنسان شيء زائد، وتشح به نفسه ويبخل، فيخاف أن ينفق منه فينقص هذا الشيء.
وهنا تقول لك قضية الإيمان: أنفق لأنه سبحانه سيزيدك، والحق سيعطيك مثلما يعطيك من الأرض التي تزرعها. أنت تضع الحبة الواحدة. فهل تعطيك حبة واحدة؟ لا. إن حبة القمح تعطي كمية من العيدان وكل عود فيه سنبلة وهي مشتملة على حبوب كثيرة، فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تضاعف لك ما تعطيه أفلا يضاعف العطاء لك الذي خلقها؟ وإذا كان بعض من خلق الله يضاعف لك، فما بالك بالله جل وعلا؟ إن الأرض الصماء بعناصرها تعطيك، أئذا ما أخذت كيلة القمح من مخزنك لتبذرها في الأرض أيقال: إنك أنقصت مخزنك بمقدار كيلة القمح؟ لا؛ لأنك ستزرع بها، وأنت تنتظركم ستأتي من حبوب، وهذه أرض صماء مخلوقة لله، فإذا كان المخلوق لله قد استطاع أن يعطيك بالحبة سبعمائة، ألا يعطيك الذي خلق هذه الأرض أضعاف ذلك؟
إنه كثير العطاء. والحق قد نسب للمنفقين الأموال التي رزقهم الله بها فقال: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله" وكلمة "في سبيل الله" كلمة عامة، يصح أن يكون معناها الجهاد، أو مصارف الصدقات؛ لأن كل هذا في سبيل الله؛ لأن الضعيف حين يجد نفسه في مجتمع متكافل، ويجد صاحب القوة قد عدى من أثر قوته وحركته إليه، أيحقد على ذي القوة؟ لا؛ لأن خيره يأتيه، نضرب المثل في الريف نقول:
البهيمة التي تدر لبناً ساعة تسير في الحارة. فالكل كان يدعو الله لها ويقول: "يحميكي" لماذا؟ لأن صاحبها يعطي كل من حوله من لبنها ومن جبنتها ومن سمنها، لذلك يدعو لها الجميع، ولا يربطها صاحبها، ولا يعلفها، ولا ينشغل عليها، والخير القادم منها يذهب إلى كل الأهل، وحين نجد مجتمعاً بهذا الشكل ويجد العاجز من القوي معيناً له، هنا يقول العاجز: إنني في عالم متكامل. وإذا ما وجد في إنسان قوة وفي آخر ضعف؛ فالضعيف لا يحقد وإنما يقول: إن خير غيري يصلني. وكذلك يطمئن الواهب أنه إن عجز في يوم ما سيجد من يكفله ـ والقدرة أغيار ـ مادام الإنسان من الأغيار. فقد يكون قويا اليوم ضعيفاً غداً.
إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: "مثل الذين ينفقون أموالهم" هو قانون يريد به الله أن يحارب الشح في نفس المخلوقين، إنه يقول لكل منا: انظر النظرة الواعية؛ فالأرض لا تنقص من مخزنك حين تعطيها كيلة من القمح! صحيح أنك أنقصت كيلة من مخزنك لتزرعها، ولكنك تتوقع أن تأخذ من الأرض أضعافها. وإياك أن تظن أن ما تعطيه الأرض يكون لك فيه ثقة، وما يعطيه الله لا ثقة لك فيه. "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم" إن الآية تعالج الشح، وتؤكد أن الصدقة لا تنقص ما عند الإنسان بل ستزيده.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:58 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 262

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "262")</td> </tr> <tr> <td align="right">إنها لقطة أخرى يوضح فيها الحق: إياك حين تنفق مالك في سبيل الله وأنت طامع في عطاء الله أن تمن على من تعطيه أو تؤذيه. والمن هو أن يعتد على من احسن إليه بإحسانه ويريه أنه أوجب عليه حقا له وأنه أصبح صاحب فضل عليه، وكما يقولون في الريف (تعاير بها)، والشاعر يقول:
وإن امرأ أسدى إلي صنيعة وذكـرنيها مـرة للـئـيم
ولذلك فمن الأدب الإيماني في الإنسان أن ينسى أنه أهدى وينسى أنه أنفق، ولا يطلع أحداً من ذويه على إحسانه على الفقير أو تصدقه عليه وخاصة الصغار الذين لا يفهمون منطق الله في الأشياء، فعندما يعرف ابني أنني أعطي لجاري كذا، ربما دل ابني ومن على ابن جاري، ربما أخذه غروره فعيره هو، ولا يمكن أن يقدر هذا الأمر إلا مكلف يعرف الحكم بحيثيته من الله. إن الحق يوضح لنا: إياك أن تتبع النفقة مناً أو أذى؛ لأنك إن اتبعتها بالمن ماذا يكون الموقف؟ يكرهها المعطي الذي تصدقت بها عليه ويتولد عنده حقد، ويتولد عنده بغض، ولذلك حينما قالوا: "اتق شر من أحسنت إليه" شرحوا ذلك بأن اتقاء شر ذلك الإنسان بألا تذكره بالإحسان، وإياك أن تذكره بالإحسان؛ لأن ذلك يولد عنده حقداً.
ولذلك تجد كثيرا من الناس يقولون: كم صنعت بفلان وفلان الجميل، هذا كذا وهذا كذا، ثم خرجوا على فانكروه. وأقول لكل من يقول ذلك: مادمت تتذكر ما أسديته إليهم فمن العدالة من الله أن ينكروه، ولو أنك عاملت الله لما أنكروه، فمادمت لم تعامل الله، فإنك تقابل بنكران ما أنفقت. فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسخي بالآية الأولى قلب المنفق ليبسط يده بالنفقة، لذلك قال: "ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
فالحق سبحانه وتعالى طمأننا في الآية الأولى على أن الصدقة والنفقة لا تنقص المال بل تزيده، وضرب لنا الحق سبحانه المثل بالأرض التي تؤتينا بدل الحبة الواحدة سبعمائة حبة، ثم يوضح الحق لنا أن آفة الإنفاق أن يكون مصحوباً بـ"المن" أو "الأذى"؛ لأن ذلك يفسد قضية الاستطراق الصفائي في الضعفاء والعاجزين، ولذلك يقول الحق سبحانه:

{الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم}
(من الآية 262 سورة البقرة)

انظر إلى الدقة الأدائية في قوله الكريم: "ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى". قد يستقيم الكلام لو جاء كالآتي: "الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى"، لكن الحق سبحانه قد جاء بـ"ثم" هنا؛ لأن لها موقعاً. إن المنفق بالمال قد لا يمن ساعة العطاء، ولكن قد يتأخر المنفق بالمن، فكأن الحق سبحانه وتعالى ينبه كل مؤمن: يجب أن يظل الإنفاق غير مصحوب بالمن وأن يبتعد المنفق عن المن دائماً، فلا يمتنع عن المن فقط وقت العطاء، ولكن لابد أن يستمر عدم المن حتى بعد العطاء وإن طال الزمن.
إن "ثم" تأتي في هذا المعنى لوجود مسافة زمنية تراخى فيها الإنسان عن فعل المن. فالحق يمنع المن منعاً متصلاً متراخياً، لا ساعة العطاء فحسب، ولكن بعد العطاء أيضاً. وشوقي أمير الشعراء ـ رحمه الله ـ عندما كتب الشعر في حمل الأثقال وضع أبياتاً من الشعر في مجال حمل الأثقال النفسية، فقال:
أحمـلت ديـنـاً في حياتك مرة؟
أحمـلت يـوما في الضـلوع غليلا؟
أحمـلت منـا في النهار مكررا؟
والليـل مـن مشـدٍ إليك جمـيلا؟
وبعد أن عدد شوقي أوجه الأحمال الثقيلة في الحياة قال:
تـلك الحـيـاة وهـذه أثقالها
وزن الحـديد بـهـا فعـاد ضئيلا</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:59 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 263

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم "263")</td> </tr> <tr> <td align="right">ما معنى "قول معروف"؟ إننا في العادة نجد أن المعروف مقابل للمنكر، كأن الأمر الخير أمر متعارف عليه بالسجية، وكأن المتعارف عليه دائما من جنس الجمال ومن جنس الخير، أما الأمر الذي تنكره النفس فمن جنس الشر وجنس القبح. ولذلك يقول الحق: "قول معروف" فكأن من شأن الجمال ومن شأن الحسن أن يكون معروفا، ومن شأن النقيض أن يكون منكرا، إذن فالقول المعروف هو أن ترد السائل الرد الجميل بحيث لا تمتلئ نفسه بالحفيظة عليك، وبحيث لا توبخه لأنه سألك، وإذا كان السائل قد تجهم عليك تجهم المحتاج فاغفر له ذلك، لماذا؟
لأن هناك إنسانا تلهب ظهره سياط الحاجة، ويراك أهلا لغنى أو ليسار أو جدة وسعة من المال، وقد يزيد بالقول واللسان قليلاً عليك، وربما تجاوز أدب الحديث معك، فعليك أن تتحمله. وإذا كنت أنت أيها العبد تصنع المعاصي التي تغضب الله، ويحلم الحق عليك ويغفرها لك ولا يعذبك بها، فإذا ما صنع إنسان معك شيئا فكن أيضا صاحب قول معروف ومغفرة وحلم؛ إن الحق سبحانه يقول لنا: "ألا تحبون أن يغفر الله لكم"؟ إننا جميعا نحب أن يغفر الله لنا، ولذلك يجب أن نغفر لغيرنا وخصوصا للمحتاج. والحق حين يقول: "والله غني حليم" ففي ذلك تنبيه للقادر الذي حرم الفقير، وكأنه يقول له: إنما حرمت نفسك أيها القادر من أجر الله. إنك أيها القادر حين تحرم فقيراً، فأنت المحروم؛ لأن الله غني عنك، وهو سبحانه يقول:

{ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم "38"}
(سورة محمد)

إن الله غني بقدرته المطلقة، غني وقادر أن يستبدل بالقوم البخلاء قوما يسخون بما أفاء الله عليهم من رزق في سبيل الله. فالذي يمسك عن العطاء إنما منع عن نفسه باب رحمة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:59 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 264

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين"264")</td> </tr> <tr> <td align="right">فالذي يتصدق ويتبع صدقته بالمن والأذى، إنما يبطل صدقته، وخسارته تكون خسارتين: الخسارة الأولى أنه أنقص ماله بالفعل؛ لأن الله لن يعوض عليه؛ لأنه أتبع الصدقة بما يبطلها من المن والأذى، والخسارة الأخرى هي الحرمان من الثواب؛ فالذي ينفق ليقول الناس عنه إنه ينفق، عليه أن يعرف أن الحق يوضح لنا: أنه يعطي الأجر على قاعدة أن الذي يدفع الأجر هو من عملت له العمل.
إن الإنسان على محدودية قدرته يعطي الأجر لمن عمل له عملا، والذي يعمل من أجل أن يقول الناس إنه عمل، فليأخذ أجره من القدرة المحدودة للبشر، ولذلك قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي يفعل الحسنة أو الصدقة ليقال عنه إنه فعل، فإنه يأتي يوم القيامة ولا يجد أجرا له. وقد جاء في الحديث الشريف: (ورجل آتاه الله من أنواع المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من شيء تجب أن أنفق فيه إلا أنفقت فيه لك، قال: كذبت إنما أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل، فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار).
إياك إذن أن تقول: أنا أنفقت ولم يوسع الله رزقي؛ لأن الله قد يبتليك ويمتحنك، فلا تفعل الصدقة من أجل توسيع الرزق، فعطاء الله للمؤمن ليس في الدنيا فقط، ولكن الله قد يريد ألا يعطيك في الفانية وأبقى لك العطاء في الباقية وهي الآخرة. وهو خير وأبقى.
والحق يقول: "ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب" والصفوان هو الحجر الأملس، ويسمى المروة والذي نسميه بالعامية "الزلطة". ويقال للأصلع "صفوان"، أي رأسه أملس كالمروة. والشيء الأملس هو الذي لا مسام له يمكن أن تدركها العين المدركة، إنما يدرك الإنسان هذه المسام بوضع الحجر تحت المجهر. وعندما يكون الشيء ناعما قد يأتي عليه تراب، ثم يأتي المطر فينزل على التراب وينزلق التراب من على الشيء الأملس، ولو كان بالحجر بعض من الخشونة، لبقى شيء من التراب بين النتوءات، فالذي ينفق ماله رئاء الناس، كالصفوان يتراكم عليه التراب، وينزل المطر على التراب فيزيله كله فيصير الأمر: "لا يقدرون على شيء مما كسبوا" أي فقدوا القدرة على امتلاك أي شيء؛ لأن الله جعل ما لهم من عمل هباء منثورا.
وهؤلاء كالحجر الصفوان الذي عليه تراب فنزل عليه وابل .. أي مطر شديد فتركه صلدا .. تلك هي صفات من قصدوا بالإنفاق رئاء الناس، فيبطل الله جزاءهم؛ لأن الله لا يوفقهم إلى الخير والثواب. ويأتي الله بالمقابل، وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله </td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 03:59 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 265

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير"265")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن ابتغاء مرضاة الله في الإنفاق تعني خروج الرياء من دائرة الإنفاق، فيكون خالصا لوجهه ـ سبحانه ـ وأما التثبيت من أنفسهم، فهو لأنفسهم أيضا. فكأن النفس الإيمانية تتصادم مع النفس الشهوانية، فعندما تطلب النفس الإيمانية أي شيء فإن النفس الشهوانية تحاول أن تمنعها. وتتغلب النفس الإيمانية على النفس الشهوانية وتنتصر لله. والمراد بـ"تثبيتا من أنفسهم" هو أن يتثبت المؤمن على أن يحب نفسه حبا أعمق لا حبا أحمق. إذن فعملية الإنفاق يجب أن تكون أولا إنفاقا في سبيل الله، وتكون بتثبيت النفس بأن وهب المؤمن أولا دمه، وثبت نفسه ثانيا بأن وهب ماله، وهكذا يتأكد التثبيت فيكون كما تصوره الآية الكريمة:

{كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير}
(من الآية 265 سورة البقرة)

والجنة كما عرفنا تطلق في اللغة على المكان الذي يوجد به زرع كثيف أخضر لدرجة أنه يستر من يدخله. ومنها "جن" أي "ستر"، ومن يدخل هذه الجنة يكون مستوراً. إن الحق يريد أن يضرب لنا المثل الذي يوضح الصنف الثاني من المنفقين في سبيل الله ابتغاء مرضاته وتثبيتا من أنفسهم الإيمانية ضد النفس الشهوانية، فيكون الواحد منهم كمن دخل جنة كثيفة الزرع، وهذه الجنة توجد بربوة عالية، وعندما تكون الجنة بربوة عالية فمعنى ذلك أنها محاطة بأمكنة وطيئة ومنخفضة عنها، فماذا يفعل المطر بهذه الجنة التي توجد على ربوة؟ وقد أخبرنا الحق بما يحدث لمثل هذه الجنة قبل أن يتقدم العلم الحديث ويكتشف آثار المياه الجوفية على الزراعة.
فهذه الجنة التي بربوة لا تعاني مما تعاني منه الأرض المستوية، ففي الأرض المستوية قد توجد المياه الجوفية التي تذهب إلى جذور النبات الشعرية وتفسدها بالعطن، فلا تستطيع هذه الجذور أن تمتص الغذاء اللازم للنبات، فيشحب النبات بالاصفرار أولا ثم يموت بعد ذلك، إن الجنة التي بربوة تستقبل المياه التي تنزل عليها من المطر، وتكون لها مصارف من جميع الجهات الوطيئة التي حولها، وترتوي هذه الجنة بأحدث ما توصل إليه العلم من وسائل الري، إنها تأخذ المياه من أعلى، أي من المطر، فتنزل المياه على الأوراق لتؤدي وظيفة أولى وهي غسل الأوراق.
إن أوراق النبات ـ كما نعلم ـ مثل الرئة بالنسبة للإنسان مهمتها التنفس، فإذا ما نزل عليها ماء المطر فهو يغسل هذه الأوراق مما يجعلها تؤدي دورها فيما نسميه نحن في العصر الحديث بالتمثيل الكلوروفيلي. وبعد ذلك تنزل المياه إلى الجذور لتذيب العناصر اللازمة في التربة لغذاء النبات، فتأخذ الجذور حاجتها من الغذاء المذاب في الماء، وينزل الماء الزائد عن ذلك في المصارف المنخفضة. وهذه أحدث وسائل الزراعة الحديثة، واكتشفوا أن المحصول يتضاعف بها.
إن الحق يخبرنا أن من ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل هذه الجنة التي تروي بأسلوب رباني، فإن نزل عليها وابل من المطر، أخذت منه حاجتها وانصرف باقي المطر عنها، "فإن لم يصبها وابل فطل"؛ والطل وهو المطر والرذاذ الخفيف يكفيها لتؤتي ضعفين من نتاجها. وإذا كان الضعف هو ما يساوي الشيء مرتين، فالضعفان يساويان الشيء أربع مرات</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:00 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 266

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون "266")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن الحق سبحانه يشركنا في الصورة كأنه يريد أن يأخذ منا الشهادة الواضحة. فهل يود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات. ونعلم أن النخيل والأعناب هما من أهم ثمار نتاج المجتمع الذي نزل به القرآن الكريم. ونعرف أن هناك حدائق فيها نخيل وأعناب، ويضيف إليها صاحبها أشجاراً من الخوخ وأشجاراً من الفواكة الأخرى. ولذلك يقول الحق في أصحاب الجنة:

{واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا "32" كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا "33" وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا "34" ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا "35" وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا "36" }
(سورة الكهف)

كأن الجنتين هنا فيهما أشياء كثيرة، فيهما أعناب، وزادهما الله عطاء النخيل، ثم الزرع، وهذا يسمى في اللغة عطف العام على الخاص، أو عطف الخاص على العام، ليذكر الشيء مرتين، مرة بخصوصه، ومرة في عموم غيره. وعندما يتحدث الحق سبحانه عن جنة الآخرة فإنه يقول مرة:

{أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم "89" }
(سورة التوبة)

لقد هيأ الله للمؤمنين به، المقاتلين في سبيل نصرة دينه وإعلاء كلمته جنات تتخللها الأنهار، وذلك هو الفوز والنجاح الكبير. ومرة أخرى يتحدث الحق عن جنة الآخرة بقوله:

{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم"100"}
(سورة التوبة)

إن الحديث عن الأنهار التي تجري تحت الجنة يأتي مرة مسبوقا بـ"من". ومرة أخرى غير مسبوق بـ"من". فعندما يأتي الحديث عن تلك الأنهار التي تحت الجنة مسبوقا بـ"من" فإن ذلك يوحي أن نبعها ذاتي فيها والمائية مملوكة لها. وعندما يأتي الحديث عن تلك الأنهار التي تجري تحت الجنة مسبوق بـ"من"، فمعنى ذلك أن نبع هذه الأنهار غير ذاتي فيها، ولكنه يجري تحتها بإرادة الله فلا يجرؤ أحد أن يمنع الماء عن هذه الجنة التي أعدها الله للمؤمنين. وعندما يشركنا الحق في التساؤل:

{أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون "266"}
(سورة البقرة)

إن الجنة التي بهذه الصفة وفيها الخير الكثير، لكن صاحبها يصيبه الكبر، ولم تعد في صحته فتوة الشباب، إنه محاط بالخير وهو أحوج ما يكون إلى ذلك الخير؛ لأنه أصبح في الكبر وليس له طاقة يعمل بها، وهكذا تكون نفسه معلقة بعطاء هذه الجنة، لا لنفسه فقط ولكن لذريته من الضعفاء. وهذه قمة التصوير للاحتياج للخير، لا للنفس فقط ولكن للأبناء الضعفاء أيضا. إننا أمام رجل محاط بثلاثة ظروف. الظرف الأول: هو الجنة التي فيها من كل خير.
الظرف الثاني: هو الكبر والضعف والعجز عن العمل.
والظرف الثالث: هو الذرية من الضعفاء.
فيطيح بهذه الجنة إعصار فيه نار فاحترقت، فأي حسرة يكون فيها الرجل؟ إنها حسرة شديدة. كذلك تكون حسرة من يفعل الخير رئاء الناس. والإعصار كما نعرف هو الريح الشديد المصحوبة برعد وبرق ومطر وقد يكون فيه نار، هذا إذا كانت الشحنات الكهربائية ناتجة من تصادم السحب أو حاملة لقذائف نارية من بركان ثائر. هكذا يكون حال من ينفق ماله رئاء الناس. ابتداء مطمع وانتهاء موئس أي ميئوس منه. إذن فكل إنسان مؤمن عليه أن يتذكر ساعة أن ينفق هذا الابتلاء المثير للطمع، وذلك الانتهاء المليء باليأس. إنها الفجيعة الشديدة. ويصورها الشاعر بقوله:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض
على الماء خانته فروج الأصابع
ويقول آخر:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة
فلما رأوهـا أقشـعت وتجـلت
إن الذي يرائي يخسر كل حاجاته، ولا يقدر على شيء مما كسب.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:00 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 267

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد"267")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن هذه الآية تعطي صورا تحدث في المجتمع البشري. وكانت هذه الصور تحدث في مجتمع المدينة بعد أن أسس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام. فبعض من الناس كانوا يحضرون العذق من النخل ويعلقه في المسجد من أجل أن يأكل منه من يريد، والعذق هو فرع قوي من النخل يضم الكثير من الفروع الصغيرة المعلقة عليها ثمار البلح. وكان بعضهم يأتي بعذق غير ناضج أو بالحشف الصغيرة المعلقة عليها ثمار البلح. وكان بعضهم يأتي بعذق غير ناضج أو بالحشف وهو أردأ التمر، فأراد الله أن يجنبهم هذا الموقف، حتى لا يجعلوا لله ما يكرهون، فأنزل هذا القول الحكيم: "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم".
إن الإنفاق يجب أن يكون من الكسب الطيب الحلال، فلا تأتي بمال من مصدر غير حلال لتنفق منه على أوجه الخير. فالله طيب لا يقبل إلا طيبا. ولا يكون الإنفاق من رذال ورديء المال. ويحدد الحق سبحانه وتعالى وسيلة الإنفاق من عطائه فيقول: "ومما أخرجنا لكم من الأرض" وهو سبحانه يذكرنا دائما حين يقول: "أنفقوا من طيبات ما كسبتم" ألا نظن الكسب هو الأصل في الرزق. لا، إن الكسب هو حركة موهوبة لك من الله. إنك أيها العبد إنما تتحرك بطاقة موهوبة لك من الله، وبفكر ممنوح لك من الله، وفي أرض سخرها لك الله، إنها الأدوات المتعددة التي خصك بها الله وليس فيها ما تملكه أنت من ذاتيتك. ولكن الحق يحترم حركة الإنسان وسعيه إلى الرزق فيقول: "أنفقوا من طيبات ما كسبتم".
ويحذرنا الحق من أن نختار الخبيث وغير الصالح من نتاج عملنا لننفق منه بقوله سبحانه: "ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون" أي لا يصح ولا يليق أن نأخذ لأنفسنا طيبات الكسب ونعطي الله رديء الكسب وخبيثه؛ لأن الواحد منا لا يرضى لنفسه أن يأخذ لطعامه أو لعياله هذا الخبيث غير الصالح لننفق منه أو لنأكله. "ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، واعلموا أن الله غني حميد" أي أنك أيها العبد المؤمن لن ترضى لنفسك أن تأكل من الخبيث إلا إذا أغمضت عينيك، أو تم تنزيل سعره لك؛ كأن يعرض عليك البائع شيئا متوسط الجودة أو شيئا رديئاً بسعر يقل عن سعر الجيد.
لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح لنا بهذه الصور أوجه الإنفاق:
* إن النفقة لا تنقص المال وإنما تزيده سبعمائة مرة.
* إن النفقة لا يصح أن يبطلها الإنسان بالمن والأذى.
* إن القول المعروف خير من الصدقة المتبوعة بالمن أو الأذى.
* إن الإنفاق لا يكون رئاء الناس إنما يكون ابتغاءً لمرضاة الله.
هذه الآيات الكريمة تعالج آفات الإنفاق سواءً آفة الشح أو آفة المن أو الأذى، أو الإنفاق من أجل التظاهر أمام الناس، أو الإنفاق من رديء المال.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:01 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 268

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم"268")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن الشيطان قد يوسوس لكم بأن الإنفاق إفقار لكم، ويحاول أن يصرفكم عن الإنفاق في وجوه الخير، ويغريكم بالمعاصي والفحشاء، فالغني حين يقبض يده عن المحتاج فإنه يدخل في قلب المحتاج الحقد. وأي مجتمع يدخل في قلبه الحقد نجد كل المنكرات تنتشر فيه. ويعالج الحق هذه المسائل بقوله:

{إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم "36" إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم "37"}
(سورة محمد)

إن الحق سبحان وتعالى لا يسألك أن ترد عطاءه لك من المال، إنما يطلب الحق تطهير المال بالإنفاق منه في سبيل الله ليزيد ولينمو، وليخرج الضغن من المجتمع؛ لأن الضغن حين يدخل مجتمعا فعلى هذا المجتمع السلام. ولا يفيق المجتمع من هذا الضغن إلا بأن تأتيه ضربة قوية تزلزله، فينتبه إلى ضرورة إخراج الضغن منه لذلك يحذرنا الله أن نسمع للشيطان:

{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم "268"}
(سورة البقرة)

فالذي يسمع لقول الشيطان ووعده، ولا يستمع إلى وعد الله يصبح كمن رجح عدو الله على الله ـ أعاذنا الله وإياكم من مثل هذا الموقف ـ إن الشيطان قد وسوس لكم بالفقر إذا أنفقتم، وخبرة الإنسان مع الشيطان تؤكد للإنسان أن الشيطان كاذب مضلل، وخبرة الإنسان مع الإيمان بالله تؤكد للإنسان أن الله واسع المغفرة، كثير العطاء لعباده. والحكمة تقتضي أن نعرف إلى أي الطرق نهتدي ونسير.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:01 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 269

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب "269")</td> </tr> <tr> <td align="right">والحكمة هي وضع الشيء في موضعه النافع. فكأن الحق يقول: كل ما أمرتكم به هو عين الحكمة؛ لأني أريد أن أؤمن حياتكم الدنيا فيمن تتركون من الذرية الضعفاء، وأؤمن لكم سعادة الآخرة. فإن صنع العبد المؤمن ما يأمر به الله فهذا وضع الأشياء في موضعها وهو أخذ بالحكمة.
وقد أراد الحق أن يعلم الإنسان من خلال عاطفته على أولاده، لأن الإنسان قد تمر عليه فترة يهون فيها عنده أمر نفسه، ولا ينشغل إلا بأمر أولاده، فقد يجوع من أجل أن يشبع الأولاد، وقد يعرى من أجل أن يكسوهم. ولنا المثل الواضح في سيدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، لقد ابتلاه ربه في بداية حياته بالإحراق في النار، ولأن إبراهيم قوى الإيمان قد جعل الله النار برداً وسلاماً.
وابتلاه الله في آخر حياته برؤيا ذبح ابنه، ولأن إبراهيم عظيم الإيمان فقد امتثل لأمر الرحمن الذي افتدى إسماعيل بكبش عظيم. والإنسان في العمر المتأخر يكون تعلقه بأبنائه اكبر من تعلقه بنفسه. وهكذا كان الترقي في ابتلاء الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام، ولذلك أراد الله أن يضرب للبشر على هذا الوتر وقال:

{وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا "9" }
(سورة النساء)

إن الحق سبحانه يريد من عباده أن يؤمنوا على أولادهم بالعمل الصالح والقول السديد. ومثال آخر حين أراد الحق أن يحمي مال اليتامى، وأعلمنا بدخول موسى عليه السلام مع العبد الصالح الذي أوتى العلم من الله، يقول ـ سبحانه ـ:

{فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجراً "77" }
(سورة الكهف)

كان موسى عليه السلام لا يعلم علم العبد الصالح من أن الجدار كان تحته كنز ليتيمين، كان أبوهما رجلاً صالحاً، وأهل هذه القرية لئام، فقد رفضوا أن يطعموا العبد الصالح وموسى عليه السلام، لذلك كان من الضروري إقامة الجدار حتى لا ينكشف الكنز في قرية من اللئام ويستولوا عليه ولا يأخذ الغلامان كنز أبيهما الذي كان رجلاً صالحاً. إذن فالحق سبحانه يعلمنا أن نؤمن على أبنائنا بالعمل الصالح، وهذه هي الحكمة عينها التي لا يصل إليها أصحاب العقول القادرة على الوصول إلى عمق التفكير السديد.
وسيدنا الحسن البصري يعطينا المثل في العمل الصالح عندما يقول لمن يدخل عليه طالبا حاجة: مرحباً بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. إن سيدنا الحسن البصري قد أوتي من الحكمة ما يجعله لا ينظر إلى الخير بمقدار زمنه، ولكن بمقدار ما يعود عليه بعد الزمن. وقد ضربت من قبل المثل بالتلميذ الذي يجد ويتعب في دروسه ليحصل على النجاح، بينما أخوه يحب لنفسه الراحة والكسل. ثم نجد التلميذ الذي يتعب هو الذي يرتقي في المجتمع، بينما الذي ارتضى لنفسه الكسل يصير صعلوكاً في المجتمع.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:01 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 270

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار "270")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقد عرفنا النفقة من قبل، فما هي مسألة النذر؟. إن النذر هو أن تلزم نفسك بشيء من جنس ما شرع الله فوق ما أوجب الله. فإذا نذرت أن تصلي لله كل ليلة عددا من الركعات فهذا نذر من جنس ما شرع الله؛ لأن الله قد شرع الصلاة وفرضها خمسة فروض، فإن نذرت فوق ما فرضه الله فهذا هو النذر. ويقال في الذي ينذر شيئا من جنس ما شرع الله فوق ما فرضه الله: إن هذا دليل على أن العبادة قد حلت له، فأحبها وعشقها، ودليل على أنه قارب أن يعرف قدر ربه؛ وأن ربه يستحق منه فوق ما افترضه عليه، فكأن الله في افتراضه كان رحيماً بنا، لأنه لو فرض ما يستحقه منا لما استطاع واحد أن يفي بحق الله.
إذن فعندما تنذر أيها العبد المؤمن نذراً، فإنك تلزم نفسك بشيء من جنس ما شرع الله لك فوق ما فرض الله عليك. وأنت مخير أن تقبل على نذر ما، أو لا تقبل. لكن إن نطقت بنذر فقد لزم. لماذا؟ لأنك ألزمت نفسك به. ولذلك فمن التعقل ألا يورط الإنسان نفسه ويسرف في النذر، لأنه في ساعة الأداء قد لا يقدر عليه. وأهل القرب من الله يقولون لمن يخل بالنذر بعد أن نذر: هل جربت ربك فلم تجده أهلاً لاستمرار الود. وليس فينا من يجرؤ على ذلك؛ لأن الله أهل لعميق الود. ولهذا فمن الأفضل أن يتريث الإنسان قبل أن ينذر شيئا. ونقف الآن عند تذييل الآية: "وما للظالمين من أنصار". إن الظالمين هم من ظلموا أنفسهم؛ لأن الحق عرفنا أن ظلم الإنسان إنما يكون لنفسه، وقال لنا:

{إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون "44"}
(سورة يونس)

ومن أشد الظلم للنفس الإنفاق رياءً، أو الإنفاق في المعاصي، أو عدم الوفاء بالنذر، فليس لمن يفعل ذلك أعوان يدفعون عنه عذاب الله في الآخرة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:02 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 271

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير "271")</td> </tr> <tr> <td align="right">فإن أظهرتم الصدقة فنعم ما تفعلون؛ لتكونوا قدوة لغيركم، ولتردوا الضغن عن المجتمع. وإن أخفيتم الصدقة وأعطيتموها الفقراء فإن الله يكفر عنكم بذلك من سيئاتكم، والله خبير بالنية وراء إعلان الصدقة ووراء إخفاء الصدقة. والتذييل في هذه الآية الكريمة يخدم قضية إبداء الصدقة وقضية إخفاء الصدقة، فالحق خبير بنية من أبدى الصدقة، فإن كان غنياً فعليه أن يبدي الصدقة حتى يحمي عرضه من وقوع الناس فيه؛ لأن الناس حين يعلمون بالغني فلابد أن يعلموا بإنفاق الغني، وإلا فقد يحسب الناس على الغني عطاء الله له، ولا يحسبون له النفقة في سبيل الله. لماذا؟ لأن الله يريد أن يحمي أعراض الناس من الناس.
أما إن كان الإنسان غير ظاهر الغنى فمن المستحسن أن يخفي الصدقة. وإن ظهرت الصدقة كما قلت ليتأسى الناس بك، وليس في ذهنك الرياء فهذا أيضا مطلوب. والحق يقول: "والله بما تعملون خبير" أي أن الله يجازي على قدر نية العبد في الإبداء أو في الإخفاء. إنه باستقراء الآيات التي تعرضت للإنفاق نجده سبحانه يسد أمام النفس البشرية كل منافذة الشح، ويقطع عنها كل سبيل تحدثه به إذا ما أرادت أن تبخل بما أعطاها الله، والخالق الذي وهب للمخلوق ما وهبه يطلب منه الإنفاق، وإذا نظرنا إلى الأمر في عرف المنطق وجدناه أمراً طبيعيا؛ لأن الله لا يسأل خلقه النفقة مما خلقوا ولكنه يسألهم النفقة مما خلقه لهم.
إن الإنسان في هذا الكون حين يطلب إيمانياً منه أن ينفق فلازم ذلك أن يكون عنده ما ينفقه، ولا يمكن أن يكون عنده ما ينفقه إلا إذا كان مالكاً لشيء زاد على حاجته وحاجة من يعوله، وذلك لا يتأتى إلا بحصيلة العمل. إذن فأمر الله للمؤمن بالنفقة يقتضي أن يأمره أولاً بأن يعمل على قدر طاقته لا على قدر حاجته، فلو عمل كل إنسان من القادرين على قدر حاجته، فكيف توجد مقومات الحياة لمن لا يقدر على العمل؟. إذن فالحق يريد منا أن نعمل على قدر طاقتنا في العمل لنعول أنفسنا ولنعول من في ولايتنا، فإذا ما زاد شيء على ذلك وهبناه لمن لا يقدر على العمل.
ولقائل أن يقول: إذا كان الله قد أراد أن يحنن قلوب المنفقين على العاجزين فلماذا لم يجعل العاجزين قادرين على أن يعملوا هم أيضاً؟
نقول لصاحب هذا القول: إن الحق حين يخلق .. يخلق كوناً متكاملاً منسجماً دانت له الأسباب، فربما أطغاه أن الأسباب تخضع له، فقد يظن أنه أصبح خالقاً لكل شيء، فحين تستجيب له الأرض إن حرث وزرع، وحين يستجيب الماء له إن أدلى دلوه، وحين تستجيب له كل الأسباب، ربما ظن نفسه أصيلاً في الكون. فيشاء الله أن يجعل القوة التي تفعل في الأسباب لتنتج، يشاء ـ سبحانه ـ أن يجعلها عرضاً من أعراض هذا الكون، ولا يجعلها لازمة من لوازم الإنسان، فمرة تجده قادراً، ومرة تجده عاجزاً.
فلو أنه كان بذاتيته قادراً لما وجد عاجز. إذن فوجود العاجزين عن الحركة في الحياة لفت للناس على أنهم ليسوا أصلاء في الكون، وأن الذي وهبهم القدرة يستطيع أن يسلبهم إياها ليعيدها إلى سواهم، فيصبح العاجز بالأمس قادراً اليوم، ويصبح القادر بالأمس عاجزاً اليوم وبذلك يظل الإنسان منتبها إلى القوة الواهبة التي استخلفته في الأرض. ولذلك كان الفارق بين المؤمن والكافر في حركة الحياة أنهما يجتمعان في شيء، ثم ينفرد المؤمن في شيء، يجتمعان في أن كل واحد من المؤمنين ومن الكافرين يعمل في أسباب الحياة لينتج ما يقوته ويقوت من يعول، ذلك قدر مشترك بين المؤمن والكافر. والكافر يقتصر على هذا السبب في العمل فيعمل لنفسه ولمن يعول.
ولكن المؤمن يشترك معه في ذلك ويزيد أنه يعمل لشيء آخر هو: أن يفيض عنه شيء يمكن أن يتوجه به إلى غير القادر على العمل. محتسبا ذلك عند الله. ولذلك قلنا سابقا: إن الحق سبحانه حينما تكلم عن الزكاة تكلم عنها مرة مطلوبة أداء، وتكلم عنها مرة أخرى مطلوبة غاية فقال: "والذين هم للزكاة فاعلون". ولم يقل للزكاة مؤدون، فالمؤمنون لا يعلمون لقصد الزكاة إلا إن عملوا عملا على قدر طاقاتهم ليقوتهم وليقوت من يعولهم، ثم يفيض منهم شيء يؤدون عنه الزكاة. والحق سبحانه وتعالى في أمر الزكاة:

{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير "110" }
(سورة البقرة)

إذن فحصيلة الأمر أن الزكاة مقصودة لهم حين يقبلون على أي عمل. لقد صارت الزكاة بذلك الأمر الإلهي مطلوبة غاية، فهي أحد أركان الإسلام وبذلك يتميز المؤمن على الكافر. والحق سبحانه وتعالى حين تعرض لمنابع الشح في النفس البشرية أوضح: أن أول شيء تتعرض له النفس البشرية أن الإنسان يخاف من النفقة لأنها تنقص ما عنده، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشح في قوله: "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم". هي كذلك، ولكن الحق سبحانه أوضح لكل مؤمن: أنها تنقص ما عندك، ولكنها تزيدك مما عند الله؛ فهي إن أنقصت ثمرة فعلك فقد أكملتك بفعل الله لك. وحين تكملك بفعل الله لك، يجب أن تقارن بين قوة مخلوقة عاجزة وقوة خالقة قادرة.
ويلفتنا سبحانه: أن ننظر جيداً إلى بعض خلقه وهي الأرض، الأرض التي نضع فيها البذرة الواحدة ـ أي الحبة الواحدة ـ فإنها تعطي سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فلو نظر الإنسان أول الأمر إلى أن ما يضعه في الأرض حين يحرث ويزرع يقلل من مخازنه لما زرع ولما غرس، ولكنه عندما نظر لما تعطيه الأرض من سبعمائة ضعف أقبل على البذر، وأقبل على الحرث غير هياب؛ لأنها ستعوضه أضعاف أضعاف ما أعطى. وإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعطي هذا العطاء، فكيف يكون عطاء خالق الأرض؟

{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم "261"}
(سورة البقرة)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:02 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 272

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون "272")</td> </tr> <tr> <td align="right">ما أصل هذه المسألة؟
أصل هذه المسألة أن بعض السابقين إلى الإسلام كانت لهم قرابات لم تسلم. وكان هؤلاء الأقرباء من الفقراء وكان المسلمون يحبون أن يعطوا هؤلاء الأقارب الفقراء شيئا من مالهم، ولكنهم تحرجوا أن يفعلوا ذلك فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر.
وهاهي ذي أسماء بنت أبي بكر الصديق وأمها "قتيلة" كانت مازالت كافرة. وتسأل أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعطي من مالها شيئا لأمها حتى تعيش وتقتات. وينزل الحق سبحانه قوله: "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء"، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: قدمت على أمي وهي راغبة. أفأصل أمي؟ قال: "نعم صلي أمك". ولقد أراد بعض من المؤمنين أن يضيقوا على أقاربهم ممن لم يؤمنوا حتى يؤمنوا، لكن الرحمن الرحيم ينزل القول الكريم: "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء".
إنه الدين المتسامي. دين يريد أن نعول المخلوق في الأرض من عطاء الربوبية وإن كان لا يلتقي معنا في عطاء الألوهية؛ لأن عطاء الألوهية تكليف، وعطاء الربوبية رزق وتربية. والرزق والتربية مطلوبات لكل من كان على الأرض؛ لأننا نعلم أن أحداً في الوجود لم يستدع نفسه في الوجود، وإنما استدعاه خالقه، ومادام الخالق الأكرم هو الذي استدعى العبد مؤمناً أو كافراً، فهو المتكفل برزقه. والرزق شيء، ومنطقة الإيمان بالله شيء آخر، فيقول الحق: "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء".
أو أن الآية حينما نزلت في الحث على النفقة ربما أن بعض الناس تكاسل، وربما كان بعض المؤمنين يعمدون إلى الرديء من أموالهم فينفقونه. وإذا كان الإسلام قد جاء ليواجه النفس البشرية بكل أغيارها وبكل خواطرها، فليس بعجيب أن يعالجهم من ذلك ويردهم إلى الصواب إن خطرت لهم خاطرة تسيء إلى السلوك الإيماني. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب حين ينزل أي أمر أن يلتفت المسلمون إليه لفتة الإقبال بحرارة عليه، فإذا رأى تهاوناً في شيء من ذلك حزن، فيوضح له الله: عليك أن تبلغهم أمر الله في النفقة، وما عليك بعد ذلك أن يطيعوا. "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء".
ولقائل أن يقول: مادام الله هو الذي يهدي فيجب أن نترك الناس على ما هم عليه من إيمان أو كفر، وما علينا إلا البلاغ، ونقول لأصحاب هذا الرأي: تنبهوا إلى معطيات القرآن فيما يتعلق بقضية واحدة، هذه القضية التي نحن بصددها هي الهداية، ولنستقرئ الآيات جميعا، فسنجد أن الذين يرون أن الهداية من الله، وأنه ما كان يصح له أن يعذب عاصياً، لهم وجهة نظر، والذين يقولون: إن له سبحانه أن يعذبهم؛ لأنه ترك لهم الخيار لهم وجهة نظر، فما وجهة النظر المختلفة حتى يصير الأمر على قدر سواء من الفهم؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم في قرآنه الكلام الموحي، فهو يطلب منا أن نتدبره، ومعنى أن نتدبره ألا ننظر إلى واجهة النص ولكن يجب أن ننظر إلى خلفية النص. "أفلا يتدبرون" يعني لا تنظر إلى الوجه، ولكن انظر ما يواجه الوجه وهو الخلف.

{أفلا يتدبرون القرآن }
(من الآية 82 سورة النساء)

فالحق سبحانه وتعالى قد قال:

{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}
(من الآية 17 سورة فصلت)

كيف يكون الله قد هداهم، ثم بعد ذلك يستحبون العمى على الهدى؟ إذن معنى "هدام" أي دلهم على الخير. وحين دلهم على الخير فقد ترك فيهم قوة الترجيح بين البدائل، فلهم أن يختاروا هذا، ولهم أن يختاروا هذا، فلما هداهم الله ودلهم استحبوا العمى على الهدى. والله يقول لرسول في نصين آخرين في القرآن الكريم:

{إنك لا تهدي من أحببت }
(من الآية 56 سورة القصص)

فنفى عنه أنه يهدي. وأثبت له الحق الهداية في آية أخرى يقول فيها:

{وإنك لتهدي إلى صراط مستقيمٍ }
(من الآية 52 سورة الشورى)فكيف يثبت الله فعلاً واحداً لفاعل واحد ثم ينفي الفعل ذاته عن الفاعل ذاته؟ نقول لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدل الناس على منهج الله ولكن ليس عليه أن يحملهم على منهج الله؛ لأن ذلك ليس من عمله هو، فإذا قال الله: "إنك لا تهدي" أي لا تحمل بالقصر والقهر من أحببت، وإنما أنت "تهدي" أي تدل فقط، وعليك البلاغ وعلينا الحساب. إذن فقول الحق: "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء" ليس فيه حجة على القسرية الإيمانية التي يريد بعض المتحللين أن يدخلوا منها إلى منفذ التحلل النفسي عن منهج الله ونقول لهؤلاء: فيه فرق بين هداية الدلالة وهداية المعونة، فالله يهدي المؤمن ويهدي الكافر أي يدلهم، ولكن من آمن به يهديه هداية المعونة، ويهديه هداية التوفيق، ويهديه هداية تخفيف أعمال الطاعة عليه.
"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم" تلك قضية تعالج الشح منطقياً، وكل معطٍ من الخلق عطاؤه عائد إليه هو، ولا يوجد معطٍ عطاؤه لا يعود عليه إلا الله، هو وحده الذي لا يعود عطاؤه لخلقه عليه، لأنه ـ سبحانه ـ أزلا وقديما وقبل أن يخلق الخلق له كل صفات الكمال، فعطاء الإنسان يعود إلى الإنسان وعطاء ربنا يعود إلينا. ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية: ما فعلت لأحد خيراً قط؟ فقيل له: أتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا؟ فقال: إنما فعلته لنفسي. فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه. ولقد قلنا سابقا: إن العارف بالله "الحسن البصري" كان إذا دخل عليه من يسأله هش في وجهه وبش وقال له: مرحباً بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة.
إذن فقد نظر إلى أنه يعطيه وإن كان يأخذ منه. فالحق سبحانه وتعالى يعالج في هذه القضية "وما تنفقوا من خير فلأنفسكم" أي إياكم أن تظنوا أنني أطلب منكم أن تعطوا غيركم، لقد طلبت منكم أن تنفقوا لأزيدكم أنا في النفقة والعطاء، ثم يقول: "وما تنفقوا من خير يوف إليكم" ومعنى التوفية: الأداء الكامل. ولا تظنوا أنكم تنفقون على من ينكر معروفكم؛ لأن ما أنفقتم من خير فالله به عليم. إذن فاجعل نفقتك عند من يجحد، ولا تجعل نفقتك عند من يحمد، لأنك بذلك قد أخذت جزاءك ممن يحمدك وليس لدى الله جزاء لك.
كنت أقول دائما للذين يشكون من الناس نكران الجميل ونسيان المعروف: أنتم المستحقون لذلك؛ لأنكم جعلتموهم في بالكم ساعة أنفقتم عليهم، ولو جعلتم الله في بالكم لما حدث ذلك منهم أبداً. "وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله" أهذه الآية تزكية لعمل المؤمنين، أم خبر أريد به الأمر؟ إنها الاثنان معا، فهي تعني أنفقوا ابتغاء وجه الله. "وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون" أنتم لا تظلمون من الخلق، ولا تظلمون من الخالق، أما من الخلق فقد استبرأتم دينكم وعرضكم حين أديتم بعض حقوق الله في أموالكم، فلن يعتدي أحد عليكم ليقول ما يقول، وأما عند الله فهو سبحانه يوفي الخير أضعاف أضعاف ما أنفقتم فيه.
وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن مصرف من مصارف النفقة كان في صدر الإسلام:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:02 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 273

</td> </tr> <tr> <td align="center">(للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم "273")</td> </tr> <tr> <td align="right">ساعة أن نسمع "جاراً ومجروراً" قد استهلت به آية كريمة فنعلم أن هناك متعلقاً. ما هو الذي للفقراء؟ هو هنا النفقة، أي أن النفقة للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله. وإذا سألنا: ما معنى "أحصروا" فإننا نجد أن هناك "حصر" وهناك "أحصر" وكلامهما فيه المنع، إلا أن المنع مرة يأتي بما لا تقدر أنت على دفعه، ومرة يأتي بما تقدر على دفعه.
فالذي مرض مثلاً وحصر على الضرب في الأرض، أكانت له قدرة أن يفعل ذلك؟ لا، ولكن الذي أراد أن يضرب في الأرض فمنعه إنسان مثله فإنه يكون ممنوعاً، إذن فيئول الأمر من الأمرين إلى المنع، فقد يكون المنع من النفس ذاتها أو منع من وجود فعل الغير، فهم أحصروا في سبيل الله. حصروا لأن الكافرين يضيقون عليهم منافذ الحياة، أو حصروا أنفسهم على الجهاد، ولم يحبوا أن يشتغلوا بغيره؛ لأن الإسلام كان لا يزال في حاجة إلى قوم يجاهدون. وهؤلاء هم أهل الصفة "للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض" وعدم استطاعتهم ناشئ من أمر خارج عن إرادتهم أو من أمر كان في نيتهم وهو أن يرابطوا في سبيل الله، هذا هو الجائز وذاك من الجائز.
وكان الأنصار يأتون بالتمر ويتركونه في سبائطه، ويعلقونه في حبال مشدودة إلى صواري المسجد، وكلما جاع واحد من أهل الصفة أخذ عصاه وضرب سباطة لتمر، فينزل بعض التمر فيأكل، وكان البعض يأتي إلى الرديء من التمر والشيص ويضعه، وهذا هو ما قال الله فيه: "ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه".
وإذا نظرنا إلى قول الحق: "لا يستطيعون ضرباً في الأرض" و"الضرب" هو فعل من جارحة بشدة على متأثر بهذا الضرب، وما هو الضرب في الأرض؟ إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أن الكفاح في الحياة يجب أن يكون في منتهى القوة، وإنك حين تذهب في الأرض فعليك أن تضربها حرثاً، وتضربها بذراً، لا تأخذ الأخر بهوادة ولين ولذلك يقول الحق:

{هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور"15"}
(سورة الملك)

إن الأرض مسخرة من الحق سبحانه للإنسان، يسعى فيها، ويضرب فيها ويأكل من رزق الله الناتج منها.
وحين يقول الله سبحانه في وصف الذين أحصروا في سبيل الله فلا يستطيعون الضرب في الأرض "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف" أي يظنهم الجاهل بأحوالهم أنهم أغنياء، وسبب هذا الظن هو تركهم للمسألة، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: "تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا" والسمة هي العلامة المميزة التي تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد فيهم خشوعاً وانكساراً ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أو يطلبوا، ولكنك تعرفهم من حالتهم التي تستحق الإنفاق عليهم، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: "لا يسألون الناس إلحافا" فكأنه أباح مجرد السؤال ولكنه نهى عن الإلحاح والإلحاف فيه، ولو أنهم سألوا مجرد سؤال بلا إلحاف ولا إلحاح أما كان هذا دليلا على أنهم ليسوا أغنياء؟ نعم، لكنه قال: "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف" إذن فليس هناك سؤال، لا سؤال على إطلاقه، ومن باب أولى لا إلحاف في السؤال؛ بدليل أن الحق يقول: "تعرفهم بسيماهم"، ولو أنهم سألوا لكنا قد عرفناهم بسؤالهم، إذن فالآية تدلنا على أن المنفي هو مطلق السؤال، وأما كلمة "الإلحاف" فجاءت لمعنى من المعاني التي يقصد إليها أسلوب الإعجازي، ما هو؟
"إن "السيما" ـ كما قلنا ـ هي العلامة المميزة التي تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد خشوعاً وانكساراً ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أي أنت تعرفهم من حالتهم البائسة، فإذا ما سأل السائل بعد ذلك اعتبر سؤاله إلحاحاً؛ لأن حاله تدل على الحاجة، ومادامت حالته تدل على الحاجة فكان يجب أن يجد من يكفيه السؤال، فإذا ما سأل مجرد سؤاله فكأنه ألحف في المسألة وألح عليها.
وأيضا يريد الحق من المؤمن أن تكون له فراسة نافذة في أخيه بحيث يتبين أحواله بالنظرة إليه ولا يدعه يسأل، لأنك لو عرفت بـ:السيما" فأنت ذكي، أنت فطن، أنا لو لم تعرف بـ"السيما" وتنتظر إلى أن يقول لك ويسألك، إذن فعندك تقصير في فطنة النظر، فهو سبحانه وتعالى يريد من المؤمن أن يكون فطن النظر بحيث يستطيع أن يتفرس في وجه إخوانه المؤمنين ليرى من عليه هم الحاجة ومن عنده خواطر العوز، فإذا ما عرف ذلك يكون عنده فطانة إيمانية.
ولنا العبرة في تلك الواقعة، فقد دق أحدهم الباب على أحد العارفين فخرج ثم دخل وخرج ومعه شيء، فأعطاه الطارق ثم عاد باكياً فقالت له امرأته: ما يبكيك؟. قال: إن فلاناً طرق بابي. قالت: وقد أعطيته فما الذي أبكاك؟. قال: لأني تركته إلى أن يسألني. إن العارف بالله بكى؛ لأنه أحس بمسئولية ما كان يجب عليه أن يعرفه بفراسته، وأن يتعرف على أخبار إخوانه . ولذلك شرع الله اجتماعات الجمعة حتى يتفقد الإنسان كل أخ من إخوانه، ما الذي أقعده: أحاجة أم مرض؟ أحدث أم مصيبة؟ وحتى لا يحوجه إلى أن يذل ويسأل، وحين يفعل ذلك يكون له فطنة الإيمان.
"وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم" يجب أن تعلم أنه قبل أن تعطي قد علم الله أنك ستعطي، فالأمر محسوب عنده بميزان، ويجيء تصرف خلقه على وفق قدره، وما قدره قديما يلزم حاليا، وهو سبحانه قد قدر؛ لأنه علم أن عبده سيفعل وقد فعل. وكل فعل من الأفعال له زمن يحدث فيه، وله هيئة يحدث عليها. والزمن ليل أو نهار.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:03 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 274

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "274")</td> </tr> <tr> <td align="right">إن المسألة في الإنفاق تقتضي أمرين: إما أن تنفق سراً، وإما أن تنفق علانية. والزمن هو الليل والنهار، فحصر الله الزمان والحال في أمرين: الليل والنهار فإياك أن تحجز عطية تريد أن تعطيها وتقول: "بالنهار أفعل أو في الليل أفعل؛ لأنه أفضل" وتتعلل بما يعطيك الفسحة في تأخير العطاء، إن الحق يريد أن تتعدى النفقة منك إلى الفقير ليلاً أو نهاراً، ومسألة الليلية والنهارية في الزمن، ومسألة السرية والعلنية في الكيفية لا مدخل لها في إخلاص النية في العطاء.
"الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم" أقالت الآية: الذين ينفقون أموالهم بالليل أو النهار؟ لا، لقد طلب من كل منا أن يكون إنفاقه ليلاً ونهاراً وقال: "سرا وعلانية" فأنفق أنت ليلاً، وأنفق أنت نهارا، وأنفق أنت سراً، وأنفق أنت علانية، فلا تحدد الإنفاق لا بليل ولا بنهار، لا بزمن ولا بكيفية ولا بحال. إن الحق سبحانه استوعب زمن الإنفاق ليلاً ونهارا، واستوعب أيضاً الكيفية التي يكون عليها الإنفاق سراً وعلانية ليشيع الإنفاق في كل زمن بكل هيئة، وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى عن هؤلاء: "فلهم أجرهم عند ربهم" وهذا القول يدل على عموم من يتأتى منه الإنفاق ليلاً أو نهاراً، سراً أو علانية.
وإن كان بعض القوم قد قال: إنها قيلت في مناسبة خاصة، وهي أن الإمام عليا كرم الله وجهه ورضى عنه كانت عنده أربعة دراهم، فتصدق بواحد نهاراً، وتصدق بواحد ليلا، وتصدق بواحد سراً، وتصدق بواحد علانية، فنزلت الآية في هذا الموقف، إلا أن قول الله: "فلهم" يدل على عموم الموضوع لا على خصوص السبب، فكأن الجزاء الذي رتبه سبحانه وتعالى على ذلك شائع على كل من يتأتى منه هذا العمل.
وقول الله: "فلهم أجرهم عند ربهم" هنا نجد أن كلمة "أجر" تعطينا لمحة في موقف المؤمن من أداءات الإنفاق كلها؛ لأن الأجر لا يكون إلا عن عمل فيه ثمن لشيء، وفي أجر لعمل. فالذي تستأجره لا يقدم لك شيئا إلا مجهودا، هذا المجهود قد ينشأ عنه مثمن، أي شيء له ثمن، فقول الله "فلهم أجرهم عند ربهم" يدل على أن المؤمن يجب أن ينظر إلى كل شيء جاء عن عمل فالله يطلب منه أن ينفق منه.
إن الله لا يعطيه ثمن ما أنفق، وإنما يعطيه الله أجر العمل، لماذا؟ لأن المؤمن الذي يضرب في الأرض يخطط بفكره، والفكر مخلوق لله، وينفذ التخطيط الذي خططه بفكره بوساطة طاقاته وأجهزته؛ وطاقاته وأجهزته مخلوقة لله، ويتفاعل مع المادة التي يعمل فيها، وكلها مخلوقة لله، فأي شيء يملكه الإنسان في هذا كله؟ لا الفكر الذي يخطط، ولا الطاقة التي تفعل، ولا المادة التي تنفعل؛ فكلها لله. إذن فأنت فقط لك أجر عملك؛ لأنك تعمل فكرا مخلوقا لله، بطاقة مخلوقة لله، في مادة مخلوقة لله، فإن نتج منها شيء أراد الله أن يأخذه منك لأخيك العاجز الفقير فإنه يعطيك أجر عملك لا ثمن عملك. لكن المساوي لك في الخلق هو الإنسان إن أخذ منك حصيلة عملك فهو يعطيك ثمن ما أخذ منك، فهي من المخلوق المساوي "ثمن"، وهي من الخالق الأعلى أجر؛ لأنك لا تملك شيئا في كل ذلك.
وبعد ذلك يقول الحق: "و لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" والخوف هو الحذر من شيء يأتي، فمن الخائف؟ من المخوف؟ ومن المخوف عليه؟ "ولا خوف عليهم" ممن؟
يجوز أن يكون "ولا خوف عليهم" من أنفسهم؛ فقد يخاف الطالب على نفسه من أن يرسب، فالنفس واحدة خائفة ومخوف عليها، إنها خائفة الآن ومخوف عليها بعد الآن. فالتلميذ عندما يخاف أن يرسب، لا يقال: إن الخائف هو عين المخوف؛ لأن هذا في حاله، وهذا في حاله. أو "لا خوف عليهم" من غيرهم، فمن الجائز أن يكون حول كثير من الأغنياء أناس حمقى حين يرون أيدي هؤلاء مبسوطة بالخير للناس فيغمرونهم ليمسكوا مخافة أن يفتقروا كأن يقولوا لهم: "استعدوا للزمن فوراءكم عيالكم". لكن أهل الخير لا يستمعون لهؤلاء الحمقى. إذن فـ"لا خوف عليهم" لا من أنفسهم، ولا من الحمقى حولهم. ويتابع الحق: "ولا هم يحزنون" أي لا خوف عليهم الآن، ولا حزن عندهم حين يواجهون بحقائق الخير التي ادخرها الله سبحانه وتعالى لهم بل إنهم سيفرحون.
بعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى قضية من أخطر قضايا العصر، وهذه القضية كان ولابد أن يتعرض لها القرآن؛ لأنه يتكلم عن النفقة وعن الإنفاق ولا شك أن ذلك يقتضي منفقا ومنفقا عليه؛ لأنه عاجز، فهب أن الناس شحوا، ولم ينفقوا، فماذا يكون موقف العاجز الذي لا يجد؟ إن موقفه لا يتعدى أمرين: إما أن يذهب فيقترض، وإن لم يقبل أحد أن يقرضه فهو يأخذ بالربا والزيادة وإلا فكيف يعيش؟
إذن فالآيات التي نحن بصددها تعرضت للهيكل الاقتصادي في أمة إسلامية جوادة، أو أمة إسلامية بخيلة شحيحة، لماذا؟
لأن الذي خلق الخلق قد صنع حسابا دقيقا لذلك الخلق، بحيث لو أحصيت ما يجب على الواجدين من زكاة، وأحصيت ما يحتاج إليه من لا يقدر لأن به عجزا طبيعيا عن العمل، لوجدت العاجزين يحتاجون لمثل ما يفيض عن القادرين بلا زيادة أو نقصان، وإلا كان هناك خطأ والعياذ بالله في حساب الخالق، ولا يمكن أن يتأتى ذلك أبداً.
وحين ننظر إلى المجتمعات في تكوينها نجد أن إنساناً غنيا في مكان قد نبا به مكانه، واختار أن يقيم في مكان آخر، فيعجب الناس لماذا ترك ذلك المكان وهو في يسر ورخاء وغنى؟ ربما لو كان فقيراً لقلنا طلبا للسعة، فلماذا خرج من هذا المكان وهو واجد، وهو على هذا الحال من اليسر؟ إنهم لم يفطنوا إلى أن الله الذي خلق الخلق يدير كونه بتسخير وتوجيه الخواطر التي تخطر في أذهان الناس، فتجد مكانه قد نبا به، وامتلأت نفسه بالقلق، واختار أن يذهب إلى مكان آخر.ولو أن عندنا أجهزة إحصائية دقيقة وحسبنا المحتاجين في البيئة التي انتقل منها لوجدنا قدرا من المال زائد على حاجة الذين يعيشون في هذه البيئة؛ فوجهه الله إلى مكان آخر يحتاج إلى مثل هذا الكم منه. وهكذا تجد التبادل منظما. فإن رأيت إنسانا محتاجا أو إنسانا يريد أن يرابي فاعلم أن هناك تقصيراً في حق الله المعلوم ولا أقول في الحق غير المعلوم. أي أن الغني بخل بما يجب عليه إنفاقه للمحتاج.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:03 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 275

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "275")</td> </tr> <tr> <td align="right">وانظروا إلى كلمة "يأكلون"، هل كل حاجات الحياة أكل؟ لا، فحاجات الحياة كثيرة، الأكل بعضها، ولكن الأكل أهم شيء فيها؛ لأنه وسيلة استبقاء النفس. و"الربا" هو الأمر الزائد، ومادام هو الأمر الزائد يعني هو لا يحتاج أن يأكل، فهذا تقريع له. إن الحق يريد أن يبشع هذا الأمر فيقول: لهم سمة. هذه السمة قال العلماء أهي في الآخرة يتميزون بها في المحشر، كما يقول الحق:

{يعرف المجرمون بسيماهم }
(من الآية 41 سورة الرحمن)

فهؤلاء غير المصلين لهم علامة مميزة، وهؤلاء غير المزكين لهم علامة أخرى مميزة بحيث إذا رأيتهم عرفتهم بسيماهم، وأنهم من أي صنف من أصناف العصاة فكأنهم حين يقومون يوم القيامة يقومون مصروعين كالذي يتخبطه ويضربه الشيطان من المس فيصرعه، أو أن ذلك أمر حاصل لهم في الدنيا، ولنبحث هذا الأمر:
"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقول الذي يتخبطه الشيطان من المس". نريد أن نعرف كلمة "التخبط" وكلمة "الشيطان" وكلمة "المس". "التخبط هو الضرب على غير استواء وهدى، أنت تقول: فلان يتخبط، أي أن حركته غير رتيبة، غير منطقية، حركة ليس لها ضابط، ذلك هو التخبط. و"الشيطان" جنس من خلق الله؛ لأن الله قال لنا: إنه خلق الإنس والجن، والجن منهم شياطين، وجن مطلق، والشيطان هو عاصي الجن. ونحن لم نر الشيطان، ولكننا علمنا به بوساطة إعلام الحق الذي آمنا به فقال: أنا لي خلقا مستتر، ولذلك سميته الجن، من الاستتار ومنه المجنون أي المستور عقله، والعاصي من هذا الخلق اسمه "شيطان".
إذن فإيماننا به لا عن حس، ولكن عن إيمان بغيب أخبرنا به من آمنا به. وحين نجد شيئاً اسمه الإيمان يجب أن نعرف أنه متعلق بشيء غير محس؛ لأن المحس لا يقال لك: آمن به؛ لأنه مشهود لك، فأنا لا أقول: أنا أؤمن بأن المصباح منير الآن، أنا لا أؤمن بأننا مجتمعون في المسجد الآن، لا أقول ذلك لأن هذا واقع مشهود ومحس. إذن فالأمر الإيماني يتعلق بالغيب، مثل الإيمان بوجود الملائكة. فإذا ما كنا قد آمنا بالغيب نجد الحق سبحانه وتعالى يعطي لنا صورة للشيطان، ولكنه حين يعطينا صورة للشيطان أو لرأس الشيطان المميزة له، كما أن رءوسنا نحن هي التي تميزنا يتكلم سبحانه عن شجرة الزقوم فيقول جل شأنه:

{إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم "64" طلعها كأنه رؤوس الشياطين "65"}
(سورة الصافات)

وشجرة الزقوم في الآخرة في النار، إذن فنحن لا نراها، ورءوس الشياطين لا نراها، فكيف يشبه الله ما لم نره بما لم نره، يشبه شيئا مجهولاً بشيء مجهول؟ نقول: نعم، وذلك أمر مقصود للإعجاز القرآني؛ لأن للشيطان صورة متخيلة بشعة، بدليل أنك لو طلبت من رسامي العالم في فن الكاريكاتير، وقلت لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان، ولم تعطهم ملامح صورة محددة، فكل منهم يرسم وفق تخيله كياناً غاية في القبح: فهذا يصوره بالقبح من ناحية، وذلك يصوره بالقبح من ناحية أخرى بحيث لو جمعت الرسوم لما اتحد رسم مع رسم.
إذن فكل واحد يستبشع صورة يرسمها. وساعة نعطي الجائزة لمن رسم صورة الشيطان أنعطي الجائزة لأجملهم صورة أم لأقبحهم صورة؟ إننا نعطي الجائزة لصاحب أشد الصور قبحا. إذن فصورة الشيطان المتمثلة صورة بشعة قبيحة، ولو جاء على صورة واحدة من القبح لاختلف الناس حول هذه الصورة فلعل هذا يكون قبحا عندك ولا يكون قبحا عن آخر، ولكن حين يطلق الله أخيلة الناس في تصور القبح، يكون القبح مائلا وواضحا في عمل كل إنسان فتكون الصورة اكمل وأوفى فالأكمل والأوفى أن يكون القبح شائعا فيها جميعا.
ويقول الحق: "الذي يتخبطه الشيطان من المس" الشيطان قلنا: إنه العاصي من الجن، وقلنا: إن ربنا سبحانه وتعالى حكى لنا كثيرا أن الشياطين لهم التصاق واتصال بكثير من الإنس:

{وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا "6" }
(سورة الجن)

و"لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" فكأن الشيطان قد مس التكوين الإنساني مساً أفسد استقامة ملكاته، فالتكوين الإنساني له استقامة ملكات مع بعضها البعض؛ فكل حركة لها استقامة، فإذا ما مسه الشيطان فسد تآزر الملكات، فملكاته النفسية تكون غير مستقيمة وغير منسجمة مع بعضها البعض، فتكون حركته غير رتيبة وغير منطقية. وما المناسبة بين هذه الصورة وبين عملية الربا؟. إن أردنا في الآخرة ميزة، فساعة ترى واحداً مصروعا فاعرف أنه من أصحاب الربا، هذا في الآخرة، وفي الدنيا تجد أيضاً أن له حركة غير منطقية، هستيرية، كيف؟
انظر إلى العالم الآن، لقد خلق الله العالم على هيئة من التكامل. فهذا إنسان يتمتع بإمكانات ومواهب، وذاك يتمتع بمواهب وإمكانات أخرى، حتى يحتاج صاحب هذه الإمكانات إلى صاحب تلك الإمكانات فيكتمل الكون، ولو أن كل إنسان كان وحده متكررة لاستغنى الكل عن الكل. ولو أن الأفراد متساوون في المواهب لما احتاج الناس لبعضهم البعض. لكن المواهب تختلف؛ لأنك إن أجدت فنا من فنون الحياة فقد أجاد سواك فنونا أخرى أنت محتاج إليها، فإن احتاجوا إليك فيما أجدت، فقد احتجت إليهم فيما أجادوا، وهكذا يتكامل العالم. وكذلك خلق الله الكون: مناطق حارة، ومناطق باردة، ومناطق بها معادن، ومناطق بها زراعة؛ حتى يضطر العالم إلى أن يتكامل، ويضطر العالم إلى أن يتعايش مع بعضه ولذلك يقول الحق في سورة "الرحمن"

{والأرض وضعها للأنام "10" }
(سورة الرحمن)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:04 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 276

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم "276")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكلمة "يمحق" من "محق" أي ضاع حالا بعد حال، أي لم يضع فجأة، ولكن تسلل في الضياع بدون شعور، ومنه "المحاق" أي الذهاب للهلال. "ويمحق الله الربا" أي يجعله زاهيا أمام صاحبه ثم يتسلل إليه الخراب من حيث لا يشعر. ولعلنا إن دققنا النظر في البيئات المحيطة بنا وجدنا مصداق ذلك. فكم من أناس رابوا، ورأيناهم، وعرفناهم، وبعد ذلك عرفنا كيف انتهت حياتهم. "يمحق الربا ويربي الصدقات" ويقول في آية أخرى:

{وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله}
(من الآية 39 سورة الروم)

فإياكم أن تعتقدوا أنكم تخدعون الله بذلك .. ما هو المقابل؟

{وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون }
(من الآية 39 سورة الروم)

و"المضعفون" هم الذين يجعلون الشيء أضعافاً مضاعفة. وعندما يقول الحق: "يمحق الله الربا" فلا تستهن بنسبة الفعل لله؛ إن نسبة الفعل لفاعله يجب أن تأخذ كيفيته من ذات الفاعل، فإذا قيل لك: فلان الضعيف يصفعك، أو فلان الملاكم يصفعك، فلابد أن تقيس هذه الصفعة بفاعلها، فإذا كان الله هو الذي قال: "يمحق الله". أيوجد محق فوق هذا؟ لا، لا يمكن. وأيضا حين يقول الله: "يمحق الله الربا ويربي الصدقات" في القرآن الذي يتلى وهو معجز؛ ومحفوظ ومتحدي بحفظه، فهذه قضية مصونة "يمحق الله الربا ويربي الصدقات"؛ لأن الذي قالها هو الله في كتاب الله المحفوظ، الذي يتلى متعبداً به، أي أن القضية على ألسنة الجماهير كلها، وفي قلوب المؤمنين كلها، أيقول الله قضية يحفظها ذلك الحفظ ليأتي واقع الزمن ليكذبها؟ لا، لا يمكن. فالإنسان لا يحفظ إلا المستند الذي يؤيده!! أنا لا أحفظ إلا "الكمبيالة" التي تخصني! فمادام هو حافظه وهو القائل:

{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "9" }
(سورة الحجر)

فمعنى ذلك أنه سبحانه سيطلق فيه قضايا، وهذه القضايا هو الذي تعهد بحفظها، ولا يتعهد بحفظها إلا لتكون حجة على صدقه في قولها. فالشيء الذي لا يكون فيه حجة لا نحافظ عليه. وهو سبحانه القائل:

{وإن جندنا لهم الغالبون "173" }
(سورة الصافات)

إن هذه قضية قرآنية تعهد الله بحفظها، فلابد أن يأتي واقع الحياة ليؤيدها، فإذا كان واقع الحياة لا يؤيدها، ماذا يكون الموقف؟ أنكذب القرآن ـ وحاشانا أن نكذب القرآن ـ الذي قاله الحق الذي لا إله سواه ليدير كونا من ورائه. "يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم". ولماذا قال الحق: "كفار" ولم يقل: "كافر"، ولماذا قال: "أثيم" وليس مجرد "آثم"؟ لأنه يريد أن يرد الحكم على الله ومادام يريد أن يرد الحكم على الله، فقد كفر كفرين اثنين: كفر لأنه لم يعترف بهذه، وكفر لأنه رد الحكم على الله، وهو "أثيم"، ليس مجرد "آثم"، وفي ذلك صيغة المبالغة لنستدل على أن القضية التي نحن بصددها قضية عمرانية اجتماعية كونية، إن لم تكن كما أرادها الله فسيتزلزل أركان المجتمع كله.
وبعد أن شر لنا الحق مرارة المبالغة في "كفار" وفي "أثيم" يأتي لنا بالمقابل حتى ندرك حلاوة هذا المقابل، ومثال ذلك ما يقول الشاعر:
فالـوجه مـثل الصـبح مـبـيض والشـعر مـثل اللـيل مسـود
ضـدان لمـا اسـتـجـمـعا حسنا والضـد يظـهر حسـنه الضد
فكأن الله بعد أن تكلم عن الكفار والأثيم يرجعنا لحلاوة الإيمان</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:04 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 277

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "277")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقلنا: إن كلمة "أجر" تقتضي أنه لا يوجد مخلوق يملك سلعة، إنما كلنا مستأجرون، لماذا؟ لأننا نشغل المخ المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله، في المادة المخلوقة لله، فماذا تملك أنت أيها الإنسان إلا عملك، ومادمت لا تملك إلا عملك فلك أجر "لهم أجرهم عند ربهم". وكلمة "عند ربهم" لها ملحظ؛ فعندما يكون لك الأجر عند المساوي لك قد يأكلك، أما أجرك عند رب تولى هو تربيتك، فلن يضيع أبداً. ويتابع الحق: "ولا خوف عليهم" لا من أنفسهم على أنفسهم، ولا من أحبابهم عليهم، "ولا هم يحزنون"؛ لأن أي شيء فاتهم من الخير سيجدونه محضرا أمامهم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:04 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 278

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين "278")</td> </tr> <tr> <td align="right">وحين يقول الحق: "يا أيها الذين آمنوا" فنحن نعرف أن النداء بالإيمان حيثية كل تكليف بعده، وساعة ينادي الحق ويقول: "يا أيها الذين آمنوا" أي يا من آمنتم بي إلها قادراً حكيماً، عزيزاً عنكم غالباً على أمري، لا تضرني معصيتكم، ولا تنفعني طاعتكم، فإذا كنتم قد آمنتم بي وأنا إله قادر حكيم فاسمعوا مني ما أحبه لكم من الأحكام.
إذن فكل "يا أيها الذين آمنوا" في القرآن هي حيثية كل حكم يأتي بعدها، وأنت تفعل ما يأمرك به الله، وإن سألك أحد: وقال لك: لماذا فعلت هذا الأمر؟ فقل له فعلته لأني مؤمن، والذي أمرني به هو الذي آمنت بحكمته وقدرته. وأنت لا تدخل في متاهة علل الأحكام، لأنك آمنت بأن الله إله حكيم قادر، أنزل لك تلك التكاليف، وإياك أن تدخل في متاهة علة الأحكام، لماذا؟ لأن هناك أشياء قد تغيب علتها عنك، أكنت تؤجلها إلى أن تعرف العلة؟.
أكنا نؤجل تحريم لحم الخنزير إلى أن يثبت حالياً بالتحليل أنه ضار؟ لا، إذا كان قد ثبت حاليا بالتحليل أنه ضار فنحن نزداد ثقة في كل حكم كلفنا الله به، ولم نهتد إلى علته، والحق يقول: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله" ومن عجائب كلمة "اتقوا" أنها تأتي في أشياء يبدو أنها متناقضة، إنما هي ملتقية "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله" ولم يقل هنا: اتقوا النار كما قال في آية أخرى: "اتقوا النار". إذن فكيف يقول: "اتقوا الله" ويقول: "اتقوا النار"؟ لأن معنى "اتقوا": أي اجعلوا وقاية بينكم وبين ربكم.
كيف نجعل وقاية بيننا وبين ربنا مع أن المطلوب منا إيمانياً أن نلتحم بمنهج الله لنكون دائما في معية الله؟ نقول: الله سبحانه وتعالى له صفات جلال كالقهار، والمنتقم، والجبار، وذي الطول وشديد العقاب؛ فهو يطلب من عبده المؤمن أن يجعل بينه وبين صفات جلاله وقاية، فالنار جند من جنود صفات الجلال، وحين يقول سبحانه: "اتقوا الله" يعني: اجعلوا وقاية بينكم وبين صفات الجلال التي من جنودها النار. إذن فـ"اتقوا الله" مثل "اتقوا النار" أي اجعلوا وقاية بينكم وبين النار.
ويتابع الحق: "وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين"، و"ذروا" أي اتركوا، ودعوا، وتناسوا، واطلبوا الخير من الله فيما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين حقاً بالله. كأن الله أراد أن يجعلها تصفية فاصلة، يولد من بعدها المؤمن طاهرا نقيا. إنه أمر من الحق: دعوا الربا الذي لم تقبضوه؛ لأن الذي قبضتموه أمره "فله ما سلف" والذي لم تقبضوه اتركوه: "اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين" فإن قلتم إن التعاقد قد صدر قبل التحريم، والتعاقد قد أوجب لك الحق في ذلك، تذكر أنك لم تقبض هذا الحق ليصير في يدك، ولا تقل إن حياتي الاقتصادية مترتبة عليه، فترتيب الحياة الاقتصادية لم ينشأ بالاتفاق على هذا الربا، ولكنه ينشأ بقبضه وأنت لم تقبضه.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:04 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 279

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون "279")</td> </tr> <tr> <td align="right">في هذه الآية قضية كونية يتغافل عنها كثير من الناس. لقد جاء نظام ليحمي طائفة من ظلم طائفة، ولم يأتي هذا النظام إلا بعد أن وجدت طائفة المرابين الذين ظلموا طائفة الفقراء المستضعفين. وحسب هؤلاء المستضعفين الذين استغلوا من المرابين أن ينصفهم القرآن وأن ينهي قضية الربا إنهاءً يعطي الذين رابوا ما سلف لأنهم بنوا حياتهم على ذلك.
و"فأذنوا بحرب" كلمة (الألف والذال والنون) من "الأذن" وكل المادة مشتقة من "الأذن" و"الأذُن" هي أصل في الإعلام؛ لأن الإنسان ليس مفروضاً أنه قارئ أولا، إنه لا يكون قارئاً إلا إذا سمع، إذن فلا يمكن أن ينشأ إعلام إلا بالسماع والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن أدوات العلم للإنسان قال:

{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون "78" }
(سورة النحل)

ولذلك عندما جاء علم وظائف الأعضاء ليبحث ذلك وجدوها طبق الأصل كما قال الله عنها. فالوليد الصغير حين يولد إن جاء إصبع إنسان عند عينيه فلا يهتز له رمش؛ لأن عينه لم تؤد مهمتها بعد، ولكن إن تصرخ بجانب أذنه فإنه ينفعل. وعرفنا أن أول أداة تؤدي مهمتها بالنسبة للإنسان الوليد هي أذنه، وهي أيضا الأداة التي تؤدي مهمتها بالنسبة للإنسان مستيقظا كان أو نائماً. إن العين تغمض في النوم فلا ترى، لكن الأذن مستعدة طوال الوقت لأن تسمع؛ لأنها آلة الاستدعاء. إذن فمادة "الأذان" و"الأذن" كلها جاءت من مهمة السمع، وقال الله سبحانه وتعالى:

{وأذنت لربها حقت "5" }
(سورة الانشقاق)

ما معنى أذنت؟. أنت حين تسمع من مساو لك، فقد تنفذ وقد لا تنفذ، لكن حين تسمعه من إله قادر فلا مناص لك إلا أن تنفذ، فكأن الله يقول: إن الأرض تنشق حين تسمع أمري بالانشقاق. فبمجرد أن تسمع الأرض أمر الحق فإنها تفعل، وحق لها أن تفعل ذلك؛ إنها أذنت لأمر الله، أي خضعت؛ لأن القائل لها هو الله. إذن كل المادة هنا جاءت من "الأذن". ولذلك فالله يقول لمن لا يفعل ما أمر به الله في الربا؛ "فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله". أما حرب الله فلا نقول فيها إلا قول الله:

{وما يعلم جنود ربك إلا هو }
(من الآية 31 سورة المدثر)

ولا يستطيع أحد أن يحتاط لها. وأما حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه هي الأمر الظاهر. كأن الله سبحانه وتعالى يجرد على المرابين تجريدة هائلة من جنوده التي لا يعلمها إلا هو، وحرب رسول الله جنودها هم المؤمنون برسوله، وعليهم أن يكونوا حربا على كل ظاهرة من ظواهر الفساد في الكون؛ ليطهروا حياتهم من دنس الربا. وهكذا وضع الله نهاية لأسلوب التعامل، حتى يتطهر المال من ذلك الربا، فإذا قال الحق: "فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون" فمعنى هذا أنه سبحانه يبين لنا بهذا القول أنه لا حق للمرابين في ضعف ولا ضعفين، ولا في أضعاف مضاعفة. وحينئذ "لا تظلمون" من رابيتم، بأن تأخذوا منهم زائدا عن رأس المال.
ولكن ما موقع "ولا تظلمون"، ومن الذي يظلمهم؟ قد يظلمهم الضعيف الذي ظلم لهم سابقا، ويأخذ منهم بعض رأس المال بدعوى أنهم طالما استغلوه فأخذوا منه قدراً زائدا على رأس المال. إن المشروع يريد أن يمنع الظالم السابق فينهي ظلمه، وأن يسعف المظلوم اللاحق فيعطيه حقه، وهو سبحانه لا يريد أن يوجه ظلما ليستغل به من ظلم فيظلم الذي ظلمه أولا، بل سبحانه يشاء بهذا الحكم أن ينهي هذا النوع من الظلم على إطلاقه، وأن يجعل الجميع على قدر سواء في الانتفاع بمزايا الحكم.
وكثيرا من النظريات التي تأتي لتقلب نظاما في مجتمع ما تعمد إلى الطائفة التي ظلمت، فلا تكتفي بأن تكفها عن الظلم، ولكن تمكن للمظلوم أن يظلم من ظلمه، وذلك هو الإجحاف في المجتمع، وهذا ما يجب أن يتنبه إليه الناس جيدا؛ لأن الله الذي أنصفك أيها المظلوم من ظالمك، فمنع ظلمه لك، هنا يجب أن تحترم حكمه حينما قال: "فله ما سلف" وبهذا القول انتهت القضية. ويستأنف سبحانه الأمر بعدالة جديدة تجمعك وتجمعه على قدم المساواة بدون ظلم منك أيها المظلوم سابقا بحجة أنه طالما ظلمك. والمجتمعات حين تسير على هذا النظام "لا تظلمون ولا تظلمون" إنما تسير على نمط معتدل لا على ظلم موجه. فنحن نعيب على قوم أنهم ظلموا، ثم نأتي بقوم لنجعلهم يظلمون، لا .. إن الجميع على قدم المساواة من الآن.
وفساد أي نظام في المجتمع يأتي من توجيه الظلم من فئة جديدة إلى فئة قديمة، فبذلك يظل النظام قائما، طائفة ظلمت، وتأتي طائفة كانت مظلومة لتظلم الطائفة الظالمة سابقا، نقول لهم: ذلك ظلم موجه، ونحن نريد أن تنتظم العدالة وتشمل كل أفراد المجتمع بأن يأخذ كل إنسان حقه، فالذي ظلم سابقا منعناه عن ظلمه، والمغلوب سابقا أنصفناه، وبذلك يصير الكل على قدم المساواة؛ ليسير المجتمع مسيرة عادلة تحكمه قضية إيمانية. إننا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
وبعد ذلك يجئ القرآن ليفتح باب جديدا من الأمل أمام المظلومين. وليضع حدا للذين كانوا ظالمين أولا، وحكم لهم برأس المال ومنعهم من الزائد على رأس المال، فحنن قلوبهم على هؤلاء. أي ليست ضربة لازب أن تأخذوا رأس المال الآن، ولكن عليكم أن تنظروا وتمهلوا المدين إن كان معسراً، وإن تساميتم في النضج الإيماني اليقيني وارتضيتم الله بديلا لكم عن كل عوض يفوتكم، فعليكم أن تتجاوزوا وتتنازلوا حتى عن رءوس أموالكم التي حكم الله لكم بها لتترفعوا بها وتهبوها لمن لا يقدر.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:05 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 280

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون"280")</td> </tr> <tr> <td align="right">و"وإن كان ذو عسرة" حكم بأن للدائن رأس المال، ولكن هب أن المدين ذو عسرة، هنا قضية يثيرها بعض المستشرقين الذين يدعون أنهم درسوا العربية، لقد درسوها صناعة، ولكنها عزت عليهم ملكة؛ لأن اللغة ليست صناعة فقط، اللغة طبع، واللغة ملكة، اللغة وجدان، يقولون: إن القرآن يفوته بعض التقعيدات التي تقعدها لغته. فمثلا جاءوا بهذه الآية: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون".
قال بعض المستشرقين: نريد أن نبحث مع علماء القرآن عن خبر "كان" في قوله: "وإن كان ذو عسرة"، صحيح لا نجد خبر "كان"، ولكن الملكة العربية ليست عنده؛ لأنه إذا كان قد درس العربية كان يجب أن يعرف أن "كان" تحتاج إلى اسم وإلى خبر، اسم مرفوع وخبر منصوب وهذه هي التي يقال عنها كان الناقصة، كان يجب أن يفهم أيضا معها أنها قد تأتي تامة أي ليس لها خبر، وتكتفي بالمرفوع، وهذه تحتاج إلى شرح بسيط.
إن كل فعل من الأفعال يدل على حدث وزمن، وكلمة "كان" إن سمعتها دلت على وجود وحدث مطلق لم تبين فيه الحالة التي عليها اسمها، كان مجتهدا؟ كان كسولا؟ مثلا فهي تدل على وجود شيء مطلق أي ليس له حالة، ومعنى ذلك أن (كان) دلت على الزمن الوجودي المطلق أي على المعنى المجرد الناقص، والشيء المطلق لا يظهر المراد منه إلا إذا قيد، فإن أردت أن تدل على وجود مقيد ليتضح المعنى، ويظهر، فلابد أن تأتيها بخبر، كأن تقول: كان زيد مجتهدا، هنا وجد شيء خاص وهو اجتهاد زيد. إذن فـ(كان) هنا ناقصة تريد الخبر يكملها وليعطيها الوجود الخاص، فإذا لم يكن الأمر كذلك وأردنا الوجود فقط تكون (كان) تامة أي تكتفي بمرفوعها فقط مثل أن تقول: عاد الغائب فكان الفرح أي وجد، أو أشرقت الشمس فكان النور، والشاعر يقول:
وكـانت وليـس الصـبح فيـها بأبيـض
وأضـحت وليـس اللـيـل فيـها بأسـود
فقوله "وإن كان ذو عسرة" أي فإن وجد ذو عسرة .. أي إن وجد إنسان ليس عنده قدرة على السداد، "فنظرة" من الدائن "إلى ميسرة" أي إلى أن يتيسر، ويكون رأس المال في هذه الحالة "قرضا حسنا"، وكلما صبر عليه لحظة أعطاه الله عليها ثوابا.
ولنا أن نعرف أن ثواب القرض الحسن أكثر من ثواب الصدقة؛ لأن الصدقة حين تعطيها فقد قطعت أمل نفسك منها، ولا تشغل بها، وتأخذ ثوابا على ذلك دفعة واحدة، لكن القرض حين تعطيه فقلبك يكون متعلقا به، فكلما يكون التعلق به شديدا، ويهب عليك حب المال وتصبر فأنت تأخذ ثوابا. لذلك يجب أن تلحظ أن القرض حين يكون قرضا حسنا والمقترض معذور بحق؛ لأن فيه فرقاً بين معذور بحق، ومعذور بباطل، المعذور بحق هو الذي يحاول جاهدا أن يسدد دينه، ولكن الظروف تقف أمامه وتحول دون ذلك، أما المعذور بباطل فيجد عنده ما يسد دينه ولكنه يماطل في السداد ويبقى المال ينتفع به وهو بهذا ظالم.
ولذلك جرب نفسك، ستجد أن كل دين يشتغل به قلبك فاعلم أن صاحبه حرص على السداد ولم يسدد، وكل دين كان برداً وسلاماً على قلبك فاعلم أن صاحبه معذور بحق ولا يقدر أن يسدد، وربما استحييت أنت أن تمر عليه مخافة أن تحرجه بمجرد رؤيتك. وهؤلاء لا يطول بها الدين طويلا؛ لأن الرسول حكم في هذه القضية حكما، فقال صلى الله عليه وسلم: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله".
فمادام ساعة أخذها في نيته أن يؤدي فإن الله ييسر له سبيل الأداء، ومن أخذها يريد إتلافها، فالله لا ييسر له أن يسدد؛ لأنه لا يقدر على ترك المال يسدد به دينه وهذه حادثة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسر لنا هذا الحديث، فقد مات رجل عليه دين، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مدين؛ قال لأصحابه: صلوا على أخيكم.
إذن فهو لم يصل، ولكنه طلب من أصحابه أن يصلوا، لماذا لم يصل؟ لأنه قال قضية سابقة: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه"، مادام قد مات ولم يؤد إذن فقد كان في نيته أن يماطل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنع أصحابه من الصلاة عليه. والرسول صلى الله عليه وسلم يأتي للمعسر ويعامله معاملة الأريحية الإيمانية فيقول: "من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله".
ومعنى "أنظر" أي أمهله وأخر أخذ الدين منه فلا يلاحقه، فلا يحبسه في دينه، فلا يطارده، وإن تسامى في اليقين الإيماني، يقول له: "اذهب، الله يعوض علي وعليك" وتنتهي المسألة، ولذلك يقول الحق: "وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون" والثمرة هي حسن الجزاء من الله. فإما أن تنظر وتؤخر، وإما أن تتصدق ببعض الدين أو بكل الدين، وأنت حر في أن تفعل ما تشاء. فانظروا دقة الحق عند تصفية هذه القضية الاقتصادية التي كانت الشغل الشاغل للبيئة الجاهلية.
ولقد عرفنا مما تقدم أن الإسلام قد بنى العملية الاقتصادية على الرفد والعطاء، وتكلم الحق سبحانه وتعالى عنها في آيات النفقة التي سبقت من أول قوله تعالى: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة". وتكلم طويلا عن النفقة. والنفقة تشمل ما يكون مفوضا عليك من زكاة، وما تتطوع به أنت. والمتطوع بشيء فوق ما فرض الله يعتبره سبحانه حقا للفقير، ولكنه حق غير معلوم، ولذلك حينما تعرضنا إلى قوله سبحانه:

{آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين "16" كانوا قليلا من الليل ما يهجعون "17" }
(سورة الذاريات)

أيتطلب الإسلام منا ألا نهجع إلا قليلا من الليل؟ لا، إن للمسلم أن يصلي العشاء وينام، ثم يقوم لصلاة الفجر، هذا ما يطلبه الإسلام. لكن الحق سبحانه هنا يتكلم عن المحسنين الذين دخلوا في مقام الإحسان مع الله.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:05 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 281

</td> </tr> <tr> <td align="center">(واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون "281")</td> </tr> <tr> <td align="right">ولقد أوضحنا من قبل أن تقوى الله تقتضي أن تقوم بالأفعال التي تقينا صفات الجلال في الله، وأوضحنا أن الله قال: "اتقوا النار" أي أن نفعل ما يجعل بيننا وبين النار وقاية، فالنار من متعلقات صفات الجلال. وهاهو ذا الحق سبحانه هنا يقول: "اتقوا يوما"، فهل نتقي اليوم، أو نتقي ما ينشأ في اليوم؟ إن اليوم ظرف زمان، والأزمان لا تخاف بذاتها، ولكن يخاف الإنسان مما يقع في الزمن.
لكن إذا كان شيء في الزمن مخيفاً، إذن فالخوف ينصب على اليوم كله، لأنه يوم هول؛ كل شيء فيه مفزع ومخوف، وقانا الله وإياكم ما فيه من هول، وانظر إلى الدقة القرآنية المتناهية في قوله: "ترجعون فيه إلى الله". إن الرجوع في هذا اليوم لا يكون بطواعية العباد ولكن بإرادة الله. وسبحانه حين يتكلم عن المؤمنين الذين يعملون الصالح من الأعمال؛ فإنه يقول عن رجوعهم إلى الله يوم القيامة:

{واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين "45" الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون "46"}
(سورة البقرة)

ومعنى ذلك أن العبد المؤمن يشتاق إلى العودة إلى الله؛ لأنه يرغب أن ينال الفوز. أما غير المؤمنين فيقول عنهم الحق:

{يوم يدعون إلى نار جهنم دعا "13" }
(سورة الطور)

إن رجوع غير المؤمنين يكون رجوعاً قسرياً لا مرغوباً فيه. والحق يقول عن هذا اليوم: "ثم توفى كل نفس ما كسبت، وهم لا يظلمون".</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:05 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 282

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم "282")</td> </tr> <tr> <td align="right">إنها أطول آية في آيات القرآن ويستهلها الله بقوله: "يا أيها الذين آمنوا" وهذا الاستهلال كما نعرف يوحي بأن ما يأتي بعد هذا الاستهلال من حكم، يكون الإيمان هو حيثية ذلك الحكم، فمادمت آمنت بالله فأنت تطبق ما كلفك به؛ لأن الله لم يكلف كافراً، فالإنسان ـ كما قلنا سابقاً ـ حر في أن يقبل على الإيمان بالله أو لا يقبل.
فإن أقبل الإنسان بالإيمان فليستقبل كل حكم ن الله بالتزام. ونضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ إن الإنسان حين يكون مريضاً، هو حر في أن يذهب إلى الطبيب أو لا يذهب، ولكن حين يذهب الإنسان إلى الطبيب ويكتب له الدواء فالإنسان لا يسأل الطبيب وهو مخلوق مثله: لماذا كتبت هذه العقاقير؟. إن الطبيب يمكن أن يرد: إنك كنت حرا في أن تأتي إلى أو لا تأتي، لكن مادمت قد جئت إلى فاسمع الكلام ونفذه. والطبيب لا يشرح التفاعلات والمعادلات لا، إن الطبيب يشخص المرض، ويكتب الدواء. فما بالنا إذا أقبلنا على الخالق الأعلى بالإيمان؟
إننا نفذ أوامره سبحانه، والله لا يأمر المؤمن إلا عن حكمة، وقد تتجلى للمؤمن بعد ذلك آثار الحكمة ويزداد المؤمن ثقة في إيمانه بالله. يقول الحق: "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم إلى أجل مسمى فاكتبوه" وعندما نتأمل قول الحق: "تداينتم" نجد فيها "دين"، وهناك "دين"، ومن معنى الدين الجزاء، ومن معنى الدين منهج السماء، وأما الدين فهو الاقتراض إلى موعد يسدد فيه. هكذا نجد ثلاثة معان واضحة: الدين: وهو يوم الجزاء، والدين وهو المنهج السماوي والدين: هو المال المقترض.
والله يريد من قوله: "تداينتم بدين" أن يزيل اللبس في معنيين، ويبقى معنى واحداً وهو الاقتراض فقال: "بدين" فالتفاعل هنا في مسألة الدين لا في الجزاء ولا في المنهج، والحق يحدد الدين بأجل مسمى. وقد أراد الله بكلمة "مسمى" مزيداً من التحديد، فهناك فرق بين أجل لزمن، وبين أجل لحدث يحدث، فإذا قلت: الأجل عندي مقدم الحجيج. فهذا حدث في زمن، ومقدم الحجيج لا يضمنه أحد، فقد تتأخر الطائرة، أو يصاب بعض من الحجيج بمرض فيتم حجز الباقين في الحجر الصحي.
أما إذا قلت: الأجل عندي شهران أو ثلاثة أشهر فهذا يعني أن الأجل هو الزمن نفسه، لذلك لا يصح أن يؤجل أجل دينه إلى شيء يحدث في الزمن؛ لأنه من الجائز ألا يحدث ذلك الشيء في هذا الزمن. إن التداين بدين إلى أجل مسمى يقتضي تحديد الزمن، والحق يوضح لنا: "إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه" وكلمة "فاكتبوه" هي رفع لحرج الأحباء من الأحباء. إنه تشريع سماوي، فلا تأخذ أحد الأريحية، فيقول لصاحبه: "نحن أصحاب"، إنه تشريع سماوي يقول لك: اكتب الدين، ولا تقل: "نحن أصدقاء" فقد يموت واحد منكما فإن لم تكتب الدين حرجاً فماذا يفعل الأبناء، أو الأرامل، أو الورثة؟.
إذن فإلزام الحق بكتابة الدين هو تنفيذ لأمر من الله يحقق رفع الحرج بين الأحباء. ويظن كثير من الناس أن الله يريد بالكتابة حماية الدائن. لا، إن المقصود بذلك والمهم هو حماية المدين، لأن المدين إن علم أن الدين عليه موثق حرص أن يعمل ليؤدي دينه، أما إذا كان الدين غير موثق فيمن الجائز أن يكسل عن العمل وعن سداد الدين. وبذلك يحصل هو وأسرته على حاجته مرة واحدة، ثم يضمن المجتمع الغني على المجتمع الفقير فلا يقرضه؛ ويأخذون عجز ذلك الإنسان عن السداد ذريعة لذلك، ويقع هذا الإنسان الذي لم يؤد دينه في دائرة تحمل الوزر المضاعف، لأنه ضيق باب القرض الحسن.
إن الله يريد أن يسير دولاب الحياة الاقتصادية عند من لا يملك، لأن من يملك يستطيع أن يسير حياته، أما من لا يملك فهو المحتاج. ولذلك فهناك مثل في الريف المصري يقول: من يأخذ ويعطي يصير المال ماله. إنه يقترض ويسدد، لذلك يثق فيه كل الناس، ويرونه أميناً ويرونه مجداً، ويرونه مخلصاً، ويعرفون عنه أنه إذا أخذ وفى، فكل المال يصبح ماله. إذن فالله ـ سبحانه ـ بكتابة الدين يريد حماية حركة الحياة عند غير الواجد؛ لأن الواجد في غير حاجة إلى القرض. لذلك جاء الأمر من الحق سبحانه: "إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه". ومن الذي يكتب الدين؟.
انظر الدقة: لا أنت أيها الدائن الذي تكتب، ولا أنت أيها المدين، ولكن لابد أن يأتي كاتب غير الاثنين، فلا مصلحة لهذا الثالث من عملية الدين "وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله". وفي ذلك إيضاح بأن الإنسان الذي يعرف الكتابة إن طلب منه أن يكتب ديناً ألا يمتنع عن ذلك، لماذا؟ لأن الآية ـ آية الدين ـ قد نزلت وكانت الكتابة، فكان هناك طلب شديد على من يعرف الكتابة.
ولكن إن لم يطلب أحد من الذين يعرفون الكتابة أن يكتب الدين فماذا يفعل؟. إن الحق يأمره بأن يتطوع، وفي ذلك يأتي الأمر الواضح "فليكتب"؛ لأن الإنسان إذا ما كان هناك أمر يقتضي منه أن يعمل، والظرف لا يحتمل تجربة، فالشرع يلزمه أن يندب نفسه للعمل. هب أنكم في زورق وبعد ذلك جاءت عاصفة، وأغرقت الذي يمسك بدفة الزورق، أو هو غير قادر على إدارة الدفة، هنا يجب أن يتقدم من يعرف ليدير الدفة، إنه يندب نفسه للعمل، فلا مجال للتجربة. والحق سبحانه وتعالى حين عرض قضية الجدب في قصة سيدنا يوسف قال:

{تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون "47" ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون "48"}
(سورة يوسف)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:06 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 283

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم "283")</td> </tr> <tr> <td align="right">والسفر كما نعلم هو خروج عن رتابة الحياة في المواطن، ورتابة الحياة في الموطن تجعل الإنسان يعلم تمام العلم مقومات حياته، لكن السفر يخرج الإنسان عن رتابة الحياة فلا يتمكن من كثير من الأشياء التي يتمكن بها في الإقامة. فهب أنك مسافر، واضطررت إلى أن تستدين، ولا يوجد كاتب ولا يوجد شهيد، فماذا يكون الموقف؟ هاهو ذا الحق يوضح لك: "فرهان مقبوضة". إذن فلم يترك الله مسألة الدين حتى في السفر فلم يشرع فقط للإقامة ولكن الحق قد شرع أيضا للسفر "فرهان مقبوضة" وهكذا الكتابة، والشهادة في الإقامة والرهان المقبوضة في السفر هدفها حماية الإنسان أمام ظروف ضغط المجتمع.
ولكن هل يمنع الحق سبحانه وتعالى طموحية الإيثار؟ هل يمنع الحق سبحانه وتعالى رجولية التعامل؟ هل يمنع الحق سبحانه وتعالى المروءات من أن تتغلغل في الناس؟ لا. إنه الحق سبحانه يقول: "فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته" إنه الطموح الإيماني، لم يسد الله مسألة المروءة والإيثار في التعامل. إن كتابة الدين والإشهاد والرهن ليس إلزاماً لأن الله قال: "فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته".
وأيضا قد نفهم أن الذي اؤتمن هو المدين، وهنا نقول: لا، إن الأمر مختلف، فهنا رهان، وذلك معناه وجود مسألتين، المسألة الأولى هي "الدين"، والمسألة الثانية هي "الرهان المقبوضة" وهي مقابل الدين. فواحد مأمون على الرهن في يده. والآخر مأمون على الدين. ولهذا يكون القول الحكيم مقصودا به من بيده الرهن، ومن بيده الدين ومعنى ذلك أن يؤدي من معه الرهن أمانته، وأن يؤدي الآخر دينه. وحين نرتقي إلى هذا المستوى في التعامل فإن وازع الإنسان ليس في التوثيق الخارج عن ذات النفس، ولكنه التوثيق الإيماني بالنفس، ولكن أنضمن أن يوجد التوثيق الإيماني عند كل الناس؟. أنضمن الظروف؟. نحن لا نضمن الظروف، فقد توجد الأمانة الإيمانية وقت التحمل والأخذ، ولا نضمن أن توجد الأمانة الإيمانية وقت الأداء فقد يأتي واحد ويقول لك: إن عندي مائة جنيه وخذها أمانة عندك.
ومعنى "أمانة" أنه لا يوجد صك، ولا شهود، وتكون الذمة هي الحكم، فإن شئت أقررت بهذه الجنيهات المائة، وإن شئت أنكرتها. إن الرجل الذي يفعل معك ذلك إنما يطلب منك توثيق المائة جنيه في الذمة الإيمانية، ومن الجائز أن تقول له لحظة أن يفعل معك ذلك: نعم سأحتفظ لك بالمائة جنيه بمنتهى الأمانة. وتكون نيتك أن تؤديها له ساعة أن يطلبها، ولكنك لا تضمن ظروف الحياة بالنسبة لك، وأنت كإنسان من الأغيار. ومن الجائز أن تضغط عليك الحياة ضغطا يجعلك تماطل معه في أداء الأمانة، أو يجعلك تنكرها، فتقول لمن ائتمنك:
ابعد عني؛ أنا لا أملك نفسي في وقت الأداء، وإن ملكت نفسي وقت التحمل. والأمانة هي القضية العامة في الكون، وإن كانت خاصة الآن بالنسبة للآية الكريمة التي نحن بصددها والحق ـ سبحانه ـ يعرضها بعمومها على الكون كله فيقول ـ جل شأنه ـ:

{إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً "72" }
(سورة الأحزاب)

إن الكون كله أشفق على نفسه من تحمل الأمانة وهذا يعني أن الأمانة سوف تكون عرضة للتصرف والاختيار، ولا كائن في الكون قد ضمن لنفسه القدرة على الوفاء وقت الأداء. لقد أعلنت الكائنات قولها فأبين تحمل الأمانة وكأنها قالت: إنا يا ربنا نريد أن نكون مسخرين مقهورين لا اختيار لنا؛ ولذلك نجد الكون كله يؤدي مهمته كما أرادها الله، ما عدا الإنسان، أي أنه الذي قبل بما له من عقل وتفكير أن يتحمل أمانة الاختيار، وبلسان حاله أو بلسان مقاله قال: إنني قادر على تحمل الأمانة؛ لأني أستطيع الاختيار بين البدائل.
وهنا نذكر الإنسان: إنك قد تكون قوياً لحظة التحمل، ولكن ماذا عن حالك وقت الأداء؟ لذلك قال الله عن الإنسان: "وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً" لقد ظلم الإنسان نفسه حيث حمل الأمانة ولم يف بها فلذلك فهو ظلوم. وهو جهول لأنه قدر وقت التحمل، ولم يقدر وقت الأداء، أو ضمنها ثم خاس وخالف ما عاهد نفسه على أدائها. إذن فالإنسان وإن كان واثقاً أنه سيؤدي الأمانة إلا أنه عرضة للأغيار، لذلك قال الحق سبحانه: "ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله" فالكتابة فرصة ليحمي الإنسان نفسه من الضعف وقت الأداء، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يوثق الأمر توثيقاً لا يجعلك أيها العبد خاضعاً لذمتك الإيمانية فقط، ولكنك تكون خاضعاً للتوثيق الخارج عن إيمانيتك أيضاً، وذلك يكون بكتاب الدين صغيرا أو كبيرا إلى أجله.
ويقول الحق سبحانه: "ولا تكتموا الشهادة" وهذه الكلمة "ولا تكتموا" إنما هي أداء معبر، لأن كلمة "شهادة" تعني الشيء الذي شهدته، فمادمت قد شهدت شيئاً فهو واقع، والواقع لا يتغير أبداً، ولذلك فالإنسان الذي يحكي لك حكاية صدق لا يختلف قوله في هذه الحكاية حتى وإن رواها ألف مرة؛ لأنه يستوحي واقعاً.
لكن الكذاب يستوحي غير واقع، فيقول كلمة، وينسى أنه كذب من قبل فيكذب كذبة أخرى؛ لأنه لا يستوحي واقعاً. فكلمة الشهادة هي عن أمر مشهود واقع، ومادام الأمر مشهوداً وواقعاً، فإنه يلح على نفس من يراه أن يخرج، فإياك أن تكتبه بالكتم؛ لأن كلمة "الكتم" تعني أن شيئاً يحاول أن يخرج وأنت تحاول كتمانه، لذلك يقول الحق: "ولا تكتموا الشهادة" فكأن الطبيعة الإيمانية الفطرية تلح على صاحبها لتنطقه بما كان مشهوداً له لأنه واقع. لذلك يأتي الأمر من الحق؛ "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه". وقد يسأل الإنسان: هل الكتم هنا صفة للقلب أو للإنسان الذي لم يقل الشهادة؟. إن الشاعر يقول:
إن الكـلام لفـي الفـؤاد وإنـما
جعـل اللسـأن على الفؤاد دليلاً
وساعة يؤكد الله شيئاً فهو يأتي بالجارحة التي لها علاقة بهذا الصدد، فتقول: أنا رأيته بعيني وسمعته بأذني، وأعطيته بيدي ومشيت له برجلي. إنك تذكر الجارحة التي لها دخل في هذه المسألة. وعندما يقول الحق: "فإنه آثم قلبه" إن كل الجوارح تخضع للقلب: "والله بما تعملون عليم" أي أن كتمك للحقيقة لن يغير من واقع علم الله شيئاً، وحينما تنتهي مسألة المداينة والتوثيق فيها وظروفها سواء كانت في المواطن العادي أو في أثناء السفر فإن الله يضمن للإنسان المتحرك في الحياة حركة شريفة وطاهرة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:06 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 284

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير"284")</td> </tr> <tr> <td align="right">استهلت الآية بتقديم "لله" على ما في السماوات والأرض، والحق سبحانه يقول: "لله ما في السماوات وما في الأرض" ذلك هو الظرف الكائنة فيه المخلوقات، السماوات والأرض لم يدع أحد أنها له، لكن قد يوجد في السماوات أو في الأرض أشياء يدعي ملكيتها المخلوقون، فإذا ما نظرنا إلى خيرات الأرض فإننا نجدها مملوكة في بعض الأحيان لأناس بما ملكهم الله، والبشر الذين صعدوا إلى السماء وأداروا في جوها ما أداروا من أقمار صناعية ومراكب فضائية فمن الممكن أن يعلنوا ملكيتهم لهذه الأقمار وتلك المراكب.
ويلفتنا الحق سبحانه هنا بقوله: "لله ما في السماوات وما في الأرض" وهو يوضح لنا: إنه إن كان في ظاهر الأمر أن الله قد أعطى ملكية السببية لخلقه فهو لم يعط هذه الملكية إلا عرضاً يؤخذ منهم، فإما أن يزولوا عنه فيموتوا، وإما أن يزول عنهم فيؤخذ منهم عن بيع أو هبة أو غصب أو نهب. وكلمة "لله" تفيد الاختصاص، وتفيد القصر، فكل ما في الوجود أمره إلى الله، ولا يدعي أحد بسببية ما آتاه الله أنه يملك شيئا لماذا؟ لأن المالك من البشر لا يملك نفسه أن يدوم.
نحن لم نر واحداً لم تنله الأغيار، ومادامت الأغيار تنال كل إنسان فعلينا أن نعلم أن الله يريد من خلقه أن يتعاطفوا، وأن يتكاملوا، ويريد الله من خلقه أن يتعاونوا، والحق لا يفعل ذلك لأن الأمر خرج من يده ـ والعياذ بالله ـ لا، إن الله يبلغنا: أنا لي ما في السماوات وما في الأرض، وأستطيع أن أجعل دولاً بين الناس. ولذلك نقول للذين يصلون إلى المرتبة العالية في الغنى، أو الجاه، أو أي مجال، لهؤلاء نقول: احذر حين تتم لك النعمة، لماذا؟ لأن النعمة إن تمت لك علواً وغنى وعافية وأولاداً، أنت من الأغيار، ومادامت قد تمت وصارت إلى النهاية وأنت لاشك من الأغيار، فإن النعمة تتغير إلى الأقل. فإذا ما صعد إنسان إلى القمة وهو متغير فلابد له أن ينزل عن هذه القمة، ولذا يقول الشاعر:
إذا تـم شـيء بـدا نقـصـه تـرقـب زوالاً إذا قـيـل تـم
والتاريخ يحمل لنا قصة المرأة العربةي التي دخلت على الخليفة وقالت له: أتم الله عليك نعمته. وسمعها الجالسون حول الخليفة ففرحوا، وأعلنوا سرورهم، لكن الخليفة قال لهم: والله ما فهمتم ما تقول، إنها تقول: أتم الله عليك نعمته، فإنها إن تمت تزول؛ لأن الأغيار تلاحق الخلق. وهكذا فهم الخليفة مقصد المرأة.
والشاعر يقول:
نفـسي التي تمـلك الأشـياء ذاهبة
فكـيف آسـى على شيء لها ذهـبا
إن النفس المالكة هي نفسها ذاهبة؛ فكيف يحزن على شيء له ضاع منه؟ والحق سبحانه يطلب منا أن نكون دائما على ذكر من قضية واضحة هي: أن الكون كله لله، والبشر جميعا بذواتهم ونفوسهم وما ظهر منها وما بطن لا يخفي على الله، والحق سبحانه لا يحاسبنا على مقتضى ما علم فحسب، بل يحاسبنا على ما تم تسجيله علينا. إن كل إنسان يقرأ كتابه بنفسه .. فسبحانه يقول:

{وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا "13" اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا "14"}
(سورة الإسراء)

والحساب معناه أن للإنسان رصيدا، وعليه أيضا رصيد. والحق سبحانه وتعالى يفسر لنا (له وعليه) بالميزان كما نعرف في موازين الأشياء عندنا وهو سبحانه يقول:

{والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون "8" ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون "9" }
(سورة الأعراف)

إن حساب الحق دقيق عادل، فالذين ثقلت كفة أعمالهم الحسنة هم الذين يفوزون بالفردوس، والذين باعوا أنفسهم للشيطان وهوى النفس تثقل كفة أعمالهم السيئة، فصاروا من أصحاب النار.
إذن نحن أمام نوعين من البشر، هؤلاء الذين ثقلت كفة الخير في ميزان الحساب، وهؤلاء الذين ثقلت كفة السيئات والشرور في ميزان الحساب. فماذا عن الذين تساوت الكفتان في أعمالهم. استوت حسناتهم مع سيئاتهم؟ إنهم أصحاب الأعراف، الذين ينالون المغفرة من الله؛ لأن مغفرة الله وهو الرحمن الرحيم قد سبقت غضبه جل وعلا. ولو لم يجئ أمر أصحاب الأعراف في القرآن لقال واحد: لقد قال الله لنا خبر الذين ثقلت موازينهم، وأخبار الذين خفت موازين الخير عندهم، ولم يقل لنا خبر الذين تساوت شرورهم مع حسناتهم. لكن الحليم الخبير قد أوضح لنا خبر كل أمر وأوضح لنا أن المغفرة تسبق الغضب عنده، لذلك فالحساب لا يكتفي الحق فيه بالعلم فقط، ولكن بالتسجيل الواضح الدقيق، لذلك يطمئننا الحق سبحانه فيقول:

{قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين "70" }
(سورة الأعراف)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:06 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 285

</td> </tr> <tr> <td align="center">(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"285")</td> </tr> <tr> <td align="right">عندما نتأمل هذه الآية الكريمة نجد أن الإيمان الأول بالله كان من الرسول صلى الله عليه وسلم: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه". وبعد ذلك يأتي إيمان الذين بلغهم الرسول بالدعوة "والمؤمنون". وبعد ذلك يمتزج إيمان الرسول بإيمان المؤمنين "كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير".
أي أن كلا من الرسول والمؤمنين آمنوا بالله. إن الإيمان الأول هو إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان أيضاً من المؤمنين بالرسالة التي جاء بها الرسول بناءً على توزيع الفاعل في "آمن" بين الرسول والمؤمنين. وبعد ذلك يجمعهما الله ـ الرسول والمؤمنين ـ في إيمان واحد، وهذا أمر طبيعي، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم آمن بالله أولاً، وبعد ذلك بلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنا بالله وبه ثم امتزج الإيمان فصار إيماننا هو إيمان الرسول وإيمان الرسول هو إيماننا، وهذا ما يوضحه القول الحق: "كل آمن بالله".
إذن فالرسول في مرحلته الأولى سبق بالإيمان بالله، والرسول مطلوب منه حتى حين يؤمن بالله أن يؤمن بأنه رسول الله، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: أشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكان الرسول إذا ما أعجبه أمر في سيرته ذاتها يقول: أشهد أني رسول الله .. إنه يقولها بفرحة.
ومثال ذلك ما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: " كان بالمدينة يهودي وكان يسلفني في تمري إلى الجذاذ، وكان لجابر الأرض التي بطريق رومة فجلست فخلا عاما فجاءني اليهودي عند الجذاذ ولم أجد منها شيئا فجعلت أستنظره إلى قابل "أي أطلب نه أن يمهلني إلى عام ثان" فيأبى فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه: امشوا نستنظر لجابر من اليهودي فجاءوني في نخلي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلم اليهودي فيقول (اليهودي) أبا القاسم، لا أنظره فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قام فطاف في النخل ثم جاءه فكلمه فأبى فجئت بقليل رطب فوضعته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فأكل ثم قال: أين عريشك يا جابر فأخبرته، فقال: افرش لي فيه ففرشته، فدخل فرقد ثم استيقظ فجئته بقبضة أخرى فأكل منها، ثم قام فكلم اليهودي فأبى عليه، فقام في الرطاب في النخل الثانية ثم قال يا جابر، جذ واقض فوقف في الجذاذ فجذذت منها ما قضيته، وفضل منه فخرجت حتى جئت النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته فقال: أشهد أني رسول الله.
والحق سبحانه وتعالى يشهد أن لا إله إلا هو:

{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم "18" }
(سورة آل عمران)

إذن فالله يشهد أن لا إله إلا هو، ورسول الله يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أيضا أنه رسول الله، يبلغ ذلك للمؤمنين فيكتمل التكوين الإيماني، ولذلك يقول الحق عن ذلك: "كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله". والحق يأتي بـ"كل" ـ بالتنوين ـ أي كل من الرسول والمؤمنين. ويورد لنا سبحانه عناصر الإيمان: "كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". ونحن نعرف أن الإيمان بالله وكل ما يتعلق بالإيمان لابد أن يكون غيباً؛ فلا يوجد إيمان بمحس أبداً. فالأشياء المحسة لا يدخلها إيمان؛ لأنها مشهودة. وعناصر الإيمان في هذه الآية هي:
إيمان بالله وهو غيب. وإيمان بالملائكة وهي غيب من خلق الله، ولو لم يبلغنا الله أن له خلقاً هم الملائكة لما عرفنا، إن الحق أخبرنا أنه خلق الملائكة وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم غيب، ولولا ذلك لما عرفنا أمر الملائكة إيمان بالكتب والرسل. وقد يقول قائل: هل الرسل غيب؟ وهل الكتب السماوية غيب؟ إن الرسل بشر، والكتب مشهودة. ولمثل هذا القائل نقول: لا، لا يوجد واحد منا قد رأى الكتاب ينزل على الرسول، وهذا يعني أن عملية الوحي للرسول بالكتاب هي غيب يعلمه الله ويؤمن به المؤمنون.
وكيف نؤمن بكل الرسل ولا نفرق بين أحد منهم؟. ونقول: إن الرسل المبلغين عن الله إنما يبلغون منهجاً عن الله فيه العقائد التي تختلف باختلاف العصور، وفيه الأحكام التي تختلف باختلاف العصور ومواقع القضايا فيها. إذن فالأصل العقدي في كل الرسالات أمر واحد، ولكن المطلوب في حركة الحياة يختلف؛ لأن أقضية الحياة تختلف، وحين تختلف أقضية الحياة فإن الحق سبحانه ينزل التشريع المناسب، لكن الأصل واحد والبلاغ من خالق لا إله إلا هو، ولذلك يأتي القول الحكيم: "لا نفرق بين أحد من رسله" فنحن لا نفرق بين الرسل في أنهم يبلغون عن الله ما تتفق فيه مناهج التبليغ من ناحية الاعتقاد، وما تختلف من ناحية الأحكام التي تناسب أقضية كل عصر.
وبعد ذلك يقول الحق؛ "وقالوا سمعنا وأطعنا" إذن السماع هو بلوغ الدعوة والطاعة هي انفعال بالمطلوب، وأن يمتثل المؤمن أمراً ويمتثل المؤمن نهياً في كل أمر يتعلق بحركة الكون. فالذين يريدون أن يعزلوا الدين عن حركة الحياة يقولون: إن الدين يهتم بالعبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج. وبعد ذلك يحاولون عزل حركة الحياة عن الدين.
لهؤلاء نقول: أنتم تتكلمون عما بلغكم من دين لم يجئ لينظم حركة الحياة، وإنما جاء ليعطي الجرعة المفقودة عند اليهود وهي الجرعة الروحية، لكن الدين الإسلامي جاء خاتماً للأديان منظماً لحركة الحياة، فكل أمر في الحياة وكل حركة فيها داخلة في حدود الطاعة. ونحن حين نقرأ القرآن الكريم، نجد القول الحكيم:

{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون "9" }
(سورة الجمعة)

إذن الحق سبحانه يأمر المؤمنين ويخرجهم من حركة من حركات الحياة إلى حركة أخرى، فهو لم يأخذهم من فراغ، إنما ناداهم لإعلان الولاء الجماعي، وهو إعلان من كل مؤمن بالعبودية لله أمام بقية المخلوقات. وبعد أن يقضي المؤمنون الصلاة ماذا يقول لهم الحق سبحانه؟ يقول لهم:

{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون "10" }
(سورة الجمعة)

إذن فالانتشار في الأرض هو حركة في الحياة، تماما كما كان النداء إلى السعي لذكر الله. وهكذا تكون كل حركة في الحياة داخلة في إطار الطاعة، إذن "سمعنا وأطعنا" أي سمعنا كل المنهج، ولكن نحن حين نسمع المنهج، وحين نطيع فهل لنا قدرة على أن نطيع كل المنهج أو أن لنا هفوات؟. ولأن أحداً لن يتم كل الطاعة ولنا هفوات جاء قوله الحق: "غفرانك ربنا وإليك المصير" فالغاية والنهاية كلها عائدة إليك، وأنت الإله الحق، لذلك فنحن العباد نطلب منك المغفرة حتى نلقاك</td></tr></tbody></table>

الشاكر
09-10-2011, 04:07 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة البقرة - الآية: 286

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين "286")</td> </tr> <tr> <td align="right">"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" إنه سبحانه لم يكلفكم إلا ما هو في الوسع. لماذا؟ لأن الأحداث بالنسبة لعزم النفس البشرية ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو ما لا قدرة لنا عليه، وهذا بعيد عن التكليف. القسم الثاني: لنا قدرة عليه لكن بمشقة أي يجهد طاقتنا قليلا. القسم الثالث: التكليف بالوسع. إذن "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" أي أن الحق لا يكلف النفس إلا بتكليف تكون فيه طاقتها أوسع من التكليف، كل الحق كل مسلم بالصلاة خمسة فروض كل يوم، وتملأ أوقاتها بالصلاة وكان من الممكن أن تكون عشرة، بدليل أن هناك أناساً تتطوع وهو سبحانه كلف كل مسلم بالصوم شهراً، ألا يوجد من يصوم ثلاثة أشهر؟ ومثل هذا في الزكاة؛ فهناك من كان يخرج عن ماله كله لله، ولا يقتصر على ما يجب عليه من زكاة.
إذن فهذا في الوسع، ومن الممكن أن تزيد، إذن فالأشياء ثلاثة: شيء لا يدخل في القدرة فلا تكليف به، شيء يدخل في القدرة بشيء من التعب، وشيء في الوسع، والحق حين كلف، كلف ما في الوسع. ومادام كلف ما في الوسع فإن تطوعت أنت بأمر زائد فهذا موضوع آخر "فمن تطوع خيراً فهو خير له" مادمت تتطوع من جنس ما فرض.
إذن فالتكليف في الوسع وإلا لو لم يكن في الوسع لما تطوعت بالزيادة. فسبحانه يقول: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" ويأتي بعد ذلك ليعلمنا فيقول: "ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، وهو القائل: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" إذن ـ سبحانه ـ يكلفنا بما نقدر عليه ونطيقه. فقد روي أن الله حينما سمع رسوله وسمع المؤمنين يقولون: "ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا" قال سبحانه: قد فعلت.
وعندما قالوا: "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" قال سبحانه: قد فعلت. ولم يكلفنا سبحانه إلا بما في الوسع، وهو القدر المشترك عند كل المؤمنين. وهناك أناس تكون همتهم أوسع من همة غيرهم، ومن تتسع همته فإنه يدخل بالعبادات التي يزيد منها في باب التطوع، ومن لا تتسع همته فهو يؤدي الفروض المطلوبة منه فقط وعندما يطرأ على الإنسان ما يجعل الحكم في غير الوسع؛ فإن الله يخفف التكليف؛ فالمسافر تقول له الشريعة: أنت تخرج عن حياتك الرتيبة، وتذهب إلى أماكن ليس لك بها مستقر، لذلك يخفف الحق عليك التكليف؛ فلك أن تفطر في نهار رمضان، ولك أن تقصر الصلاة.
والحق سبحانه يعلم أن الوسع قد يضيق لذلك فإنه ـ جل شأنه ـ يخفف حكم التكليف ويمنح الرخص عند ضيق الوسع، ومثال ذلك قوله الحق:

{الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين }
(من الآية 66 سورة الأنفال)

كانت النسبة في القتال قبل هذه الآية هي واحداً لعشرة، وخففها الحق وجعلها واحداً إلى اثنين لأن هناك ضعفا، وهكذا نرى أنه سبحانه سيخفف التكليف إذا ما زاد عن الوسع. وكثير من الناس يخطئون التفسير؛ فيقولون عن بعض التكاليف: إنها فوق وسعهم ولهؤلاء نقول: لا. لا تحدد أنت الوسع، ثم تقيس التكليف عليه، بل انظر هل كلفك أو لم يكلفك؟ فإذا كان قد كلفك الحق فاحكم بأنه كلفك بما في الوسع، وكل تكاليف الرحمن تدخل في الوسع "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت".
و"لها" تفيد الملكية والاختصاص وهي ما تفيد وتكسب النفس ثوابا، و"عليها" تفيد الوزر، ونلاحظ أن كل "لها" جاءت مع "كسبت"، وكل "عليها" جاءت مع "اكتسبت" إلا في آية واحدة يقول فيها الحق:

{بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "81" }
(سورة البقرة)

وهنا وقفة في الأسلوب؛ لأن "كسب" تعني أن هناك فرقاً في المعالجة الفعلية الحدثية بينها وبين كلمة "اكتسبت"، لأن "اكتسب" فيها "افتعل" أي تكلف، وقام بفعل أخذ منه علاجاً، أما "كسب" فهو أمر طبيعي إذن فـ"كسب" غير "اكتسب" وكل أفعال الخير تأتي كبساً لا اكتساباً. مثال ذلك عندما ينظر الرجل إلى زوجته، ويرى جمالها، فهل هو يفتعل شيئاً، أو أن ذلك أمر طبيعي؟ إنه أمر طبيعي، ولكن عندما ينظر الرجل إلى غير محارمه فإنه يرقب هل يرى أحد النظرة؟ وهل رآه أحد من الناس؟ وهل سينال سخرية واستهزاء على ذلك الفعل أو لا؟ لماذا؟ لأنه ارتكب عملاً مفتعلاً.
مثال آخر، إنسان يأكل من ماله، أو من مال أبيه، إنه يأكل كأمر طبيعي، أما من يدخل بستاناً ويريد أن يسرق منه فهو يتكلف ذلك الفعل، ويريد أن يستر نفسه، فصاحب الشر يفتعل، أما صاحب الخير فإن أفعاله سهلة لا افتعال فيها .. فالشر هو الذي يحتاج إلى افتعال.
والمصيبة الكبرى ألا يحتاج الشر إلى افتعال؛ لأن صاحبه يصير إلى بلادة الحس الإيماني، وتكون الشرور بالنسبة إليه سهلة؛ لأنه تعود عليها كثيراً، ويقول الحق: "بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته" إن الخطيئة تحيط به من كل ناحية، ولم يعد هناك منفذ، وهو لا يفتعل حتى صارت له ملكة في الشر؛ فاللص مثلاً في بداية عمله يخاف ويترقب، لكن عندما تصبح اللصوصية مهنته فإنه يحمل أدوات السرقة ويصير حسه متبلداً.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
10-10-2011, 12:47 PM
<table width="95%" align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0"><tbody><tr> <td align="middle"> تفسير سورة آل عمران - الآية: 1

</td></tr> <tr> <td align="middle">(الم "1")</td></tr> <tr> <td align="right">وهذه السورة التي نحن بصددها ـ سورة آل عمران ـ كان من السياق أن تأتي بعد سورة البقرة؛ لأن سورة البقرة جاءت لتخدمنا في قضية الوجود الأول، فتكلمت عن خلق آدم، وتكلمت عن خلافته في الأرض، وتكلمت عن تعليمه الأسماء، ثم تكلمت عن بعض مواكب الرسل لذلك الإنسان الذي استخلف في الأرض. وتعرضت لقضايا تعلقت بأحداث، هذه الأحداث ارتبطت بأزمنة مخصوصة. والقرآن قد جاء بها، ثم جاء مترتباً على الصورة النهائية. ناسب أن تأتي بعد سورة البقرة سورة آل عمران؛ لأنها تكلمت عن نوع جديد من الخلق، لم يأت على نمط الخلق الأول، وإن جاء من الخلق الأول؛ لأنها جاءت لتكلمنا عن خلق عيسى. وخلق عيسى جاء بغير الناموس الذي خلق به آدم. فكما أن آدم خلق بلا أب وبلا أم، كان المنطق أن يأتي بخلق آخر وجد من دون أب.
لقد استهل الحق سبحانه وتعالى سورة البقرة بأسماء ثلاثة من حروف المعجم وهي: "ألف ـ لأم ـ ميم" وتلك القضية تعرضنا لها طويلاً عند استهلال سورة البقرة. وبينا الحكمة في ورود بعض الحروف، وعرفنا أن للحروف "مسمى" وله "اسم". "المسمى" هو الذي ننطق به، و"الاسم" هو الذي يعتبر عنواناً على هذا المسمى. فأنت حين تقرأ مثلاً، تقول: قرأ، فعندما تنطق حرف "ق" تنطقه حرفاً متصلاً ببقية الحروف، وهذا النطق اسمه "المسمى". ولكن اسم ذلك المسمى "قاف". إذن فلكل حرف اسم، ومسمى. حين نتكلم جميعاً نتكلم بالمسمى، وسواء منا الأمي أو المتعلم، فكل واحد ينطق المسمى "ق.ر.أ" ولكن لا يعرف اسم "قاف" إلا من تعلم؛ لأنه قيل له هذه اسمها "قاف". فذلك هو الاسم.
إذن فالتعليم يعطينا أسماء المسميات، واللفظ الذي يلفظ به الأمي والمتعلم هو المسميات، ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمياً، لم يجلس إلى معلم ولم يتعلم، فمن الذي لقنه أسماء الحروف التي لا يعرفها إلا من تعلم؟ هذه الحروف لقنت على صور مختلفة، فتنطق بالمسمى مرة وتنطق مرة أخرى بأسماء قلنا: إننا حين نقرأ في أول سورة الفيل "ألم تر" هي (الألف واللام والميم) ونقرأها كثلاثة حروف تكون تساؤلاً: "ألم تر"، ولم تقرأ أسماء حروفها، وإنما قرأتها بمسميات مرة أخرى ألم؟ لاشك أنها توقيف من الله، وهي حقاً توقيف من الله، هذه تقرأ ألم وهذه تقرأ ألف، لام، ميم.
إن الحق يدلنا على أن هذا القرآن ليس من صنعة البشر، وإلا فصنعة البشر لم تأت قبل نزول القرآن لتنطق بأسماء الحروف، اللهم إلا بعض أسماء قالوا فيها: إنها أداة مثل "هاء التنبيه" أي لتنبيه السامع. لماذا؟ لأن المتكلم حر في أن يتكلم وهو الذي يحدد وقت كلامه ولكن السامع يفاجأ. إذن فالكلام من المتكلم يحدده المتكلم، يتكلم متى شاء. ولكن السامع لا يسمع متى شاء، ولكنه يسمع بعد أن يتكلم المتكلم، لكن السامع ليس عنده اختيار، فكانوا يريدون لبعض الحروف أن يخرجوا بها إلى السامع كلون من ألوان الانجذاب إلى المتكلم، فقبل أن يجئ بالكلام الذي يريده يأتي بهاء التنبيه. كأن المتكلم يقول: تنبه لي فأنا أريد أن أتكلم حتى لا يفوت منك بعض الكلمات التي أنطق بها. وبعضها يسمونه "أداة استفتاح" مثل القول: ألا هبي بصحنك فأصبحينا: لأنه ربما نطق ببعض الكلمات في شغل من السامع عن المتكلم، فتفوته الفائدة.
إذن فكل الألفاظ التي تأتي بأسماء حروف أو بأسماء يراد بها التنبيه، إنما هي تهيئة للذهن. وما الذي يمنعنا أن يكون أيضا ذلك من باب تهيئة السامع إلى ضرورة حضور الذهن؟ ومما يدل على أن لهذه الحروف التوفيقية مواقع في النفس البشرية، أن الذين عارضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعواه لم يستدركوا عليه شيئا وهم أهل فصاحة وأهل لغة. هل سمعنا أن واحداً منهم قال: انظروا إلى محمد كيف يأتي بألفاظ وكلمات لا مدلول لها ولا معنى، ثم يدعي أنه أفصح العرب؟!
هل قال واحد منهم ذلك؟ لم يقل، وقبلوها ولم يستدركوا، ولم يقولوا: "ما هذه" "ألف، لام، ميم" التي جاء بها محمد؟ مما يدل على أنها أخذت من أسماعهم موقعاً كما أرادها الله، بدليل أنهم لم يستدركوا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يجعلوها من النقد الذي وجه إلى رسول الله، وقلنا في ذلك: إنه بعض من أسرار هذه الحروف. ويريد الله حين يؤكد معنى من المعاني ألا يمسه مرة واحدة، فقد جاءت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم على فترة من النبوات، ومن خطاب السماء، والمعنى الذي يريد الله أن يوضحه ويؤكده يردده كثيراً حتى يستقر في ذهن المتلقي. وعلى هذا النمط جاء قول الحق سبحانه في أول سورة آل عمران</td></tr></tbody></table>

الشاكر
10-10-2011, 12:48 PM
<table width="95%" align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0"><tbody><tr> <td align="middle"> تفسير سورة آل عمران - الآية: 2

</td></tr> <tr> <td align="middle">(الله لا إله إلا هو الحي القيوم "2")</td></tr> <tr> <td align="right">تلك هي قضية القمة، ولذلك يتكرر في القرآن التأكيد على هذه القضية، "الله لا إله إلا هو". و"الله" كما يقولون مبتدأ، و"لا إله إلا هو" خبر، والمبتدأ لابد أن يكون متضحاً في الذهن، فكأن كلمة "الله" متضحة في الذهن، ولكنه يريد أن يعطي لفظ "الله" الوصف الذي يليق به وهو "لا إله إلا هو". ولذلك يقول الحق:

{ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون "61" }
(سورة العنكبوت)

إذن فالله متضح في أذهانهم، ولكن السلطات الزمنية أرادت أن تطمس هذا الإيضاح، فجاء القرآن ليزيل ويمحو هذا الطمس مؤكدا "الله لا إله إلا هو" فهذه قضية أطلقها الحق شهادة منه لنفسه:

{شهد الله أنه لا إله إلا هو}
(من الآية 18 سورة آل عمران)

وكفى بالله شهيداً؛ لأنها شهادة الذات للذات، وشهدت الملائكة شهادة المشهد فلم يروا أحداً آخر إلا هو، وكذلك، شهد أولو العلم الذين يأخذون من الأدلة في الكون ما يثبت صدق الملائكة ويؤكد صدق الله، فإذا ما نظرنا نظرة أخرى نقول: إن الحق أطلقها على نفسه وقال: "لا إله إلا هو"؛ وجعلها كلمة التوحيد وجعل الأمر في غاية اليسر والسهولة والبساطة؛ فلم يشأ الله أن يجعل دليل الإيمان بالقوة العليا دليلاً معقداً، أو دليلاً فلسفياً، أو لا يستطيع أحد أن يصل إليه إلا أهل الثقافة العالية، لا، إن الدين مطلب للجميع؛ من راعي الشاة إلى الفيلسوف؛ إنه مطلوب للذي يكنس في الشارع كما هو مطلوب من الأستاذ الجامعي.
فيجب أن تكون قضية الإيمان في مستوى هذه العقول جميعاً؛ فلا فلسفة في هذه المسألة، لذلك شاء الحق أن يجعل المسألة في منتهى البساطة فأوضح الله: أنا شهدت ألا إله إلا أنا، فإما أن يكون الأمر صدقاً وبذلك ينتهي المشكلة، وليس من حق أحد الاعتراض، وإن لم تكون صدقاً فقولوا لنا: أين الإله الآخر الذي سمع التحدي، وأخذ الله منه ذلك الكون، وقال: أنا وحدي في الكون، وأنا الذي خلقت، ثم لم نسمع رداً عليه ولا عن معارض له، ألم يدر ذلك الإله الآخر؟
إذن فذلك الآخر لا ينفع أن يكون إلهاً، فإن علم ذلك الآخر ولم يدافع عن نفسه وملكيته للكون فإنه لا يصلح أن يكون إلهاً. وتصبح القضية لله إلى أن يظهر مدع ليناقضها، فـ"لا إله إلا هو" كلمة حق، وبالعقل والمنطق هو إله ولم نجد معارضاً. وقلنا سابقاً: إن الدعوى حين تدعي ولا يوجد معارض حين نسمعها تكون لصاحبها إلى أن يوجد المعارض. وضربنا مثلا: نحن مجتمعون في حجرة، عشرة أشخاص، وبعد ذلك انصرفوا فوجد صاحب البيت حافظة نقود، فجاء واحد متلهفا وقال: لقد ضاعت مني حافظة نقود. فقال له صاحب البيت: وجدنا حافظة ولكن كان هنا عشرة، فلما جئ بالعشرة، وسئلوا لم يدعها أحد، إذن فهي له.
إن الله قد قال: "لا إله إلا هو"، فإن كان هناك إله آخر فليظهر لنا، ولكن لا تظهر لنا إلا قوة الله "لا إله إلا هو" ومادام لا إله إلا هو، وهذا الكون يحتاج إلى قيومية لتدبيره، فلابد أن يكون حيا حياة تناسبه، لأنه سيهب حيوات كثيرة لكل الأجناس، للإنسان وللحيوان وللنبات وللجماد، إذن فالذي يوجدها لابد أن يكون حياً ولابد أن تكون حياته مناسبة له.
و"قيوم" هذه يمسونها صيغة مبالغة؛ لأن الحديث إذا وقع فإنه يقع مرة على صورة عادية، ومرة يقع على صورة قوية. مثلما تقول: فلان أكول، و"أكول" غير "آكل"، فكلنا نأكل، وكلنا يطلق علينا "آكل"، لكن ليس كلنا يطلق علينا "أكول" لأن هذه اسمها صيغة مبالغة في الحديث. وإذا كان الله هو الذي يدبر ويقوم على أمر كل عوالم الكون هل يكون قائما أو قيوماً؟ لابد أن يكون قيوماً. و"قيوم" معناها أيضا: قائم بذاته. فما شكل هذا القيام؟ إنه قيام أزلي كامل.
إذن فكلمة "قيوم" صيغة مبالغة من القيام على الأمر، قائم بنفسه، قائم بذاته، ويقيم بغيره، والغير متعدد متكرر، فعندما يكون هذا الغير متعدداً ومتكرراً فهو يحتاج إلى صفة قوية في خالقه، فيكون الخالق قيوما. إن قوله الحق: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" هو سند المؤمن في كل حركات حياته،

<عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" فضرب في صدري وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر">

وقولوا لنا بالله: حين يوجد ولد وأب، هل يحمل الولد هما لأي مسألة من مسائل الحياة؟ لا؛ لأن الأب متكفل بها، والمثل العامي يقول: الذي له أب لا يحمل هما، إذن فالذي له رب عليه أن يستحي؛ لأنه سبحانه يقول: أنا حي، وأنا قيوم، و"قيوم" يعني قائم بأمرك. ويؤكد سبحانه هذه القيومية في سورة البقرة، فقال في آية الكرسي: "لا تأخذه سنة ولا نوم"، كأنه يقول لنا: ناموا أنتم لأنني لا أنام، وإلا فإن نمت أنت عن حراسة حركة حياتك فمن يحرسها لك؟ إنه سبحانه يتفضل علينا بقيوميته فـ"الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، ومادام هو "الحي" و"القيوم" فأمر منطقي أنه قائم بأمر الخلق جميعا وقد وضع لكل الخلق ما تقوم به حياتهم من مادة وصيانة مادة ومن قيم وصيانة قيم.
ومادام هو القيوم القائم بالأمر والمتولي الشئون للخلق فلابد أن يؤدي لهم مطلوبات مادتهم وما يبقيها، ومطلوبات قيمهم وما يبقيها. أما مطلوبات المادة فيقول فيها:

{وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين "10" }
(سورة فصلت)

</td></tr></tbody></table>

الشاكر
10-10-2011, 12:48 PM
<table width="95%" align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0"><tbody><tr> <td align="middle"> تفسير سورة آل عمران - الآية: 3

</td></tr> <tr> <td align="middle">(نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل "3")</td></tr> <tr> <td align="right">إذن فلم يعطنا سبحانه مقومات المادة فقط، ولكن أعطانا مقومات القيم أيضا؛ لأن المادة بدون قيم تكون شرسة هوجاء رعناء، فيريد الله أن يجعل المادة في مستوى إيماني. إذن لابد أن تنزل القيم. لذلك قال سبحانه: "نزل عليك الكتاب بالحق" و"نزل" تفيد شيئا قد وجب عليك؛ لأن النزول معناه: شيء من أعلى ينزل، وهو يقول لك: لا تتأبى على القيم التي جاءت لك من أعلى منك؛ لأنها ليست من مساو لك، إنها من خالق الكون والبشر، والذي يمكنك أن تتأبى عليه ما يأتي مما ه أدنى منك.
لكن حين يجئ لك التقنين ممن هو أعلى منك فلا تتأب عليه؛ لأن خضوعك له ليس ذلة بل عزة، فقال: "نزل عليك الكتاب". وفي سياق القرآن نجده سبحانه يقول:

{نزل به الروح الأمين "193"}
(سورة الشعراء)

ومرة أخرى يقول في القرآن الكريم:

{وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا "105"}
(سورة الإسراء)

ولكن هل نزل القرآن وحده؟ لقد كان جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعني ذلك خروج القرآن عن كونه "نزل"، فجبريل عليه السلام كان ينزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه وتعالى يقول:

{وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا "105"}
(سورة الإسراء)

وبذلك تتساوى "أنزل" مع "نزل". وحين نأتي للحدث أي الفعل في أي وقت من الأوقات فإننا نتساءل: أهو موقوت بزمن أم غير موقوت بزمن؟ إن القرآن الكريم قد نزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وعشرين عاما وينزل القرآن حسب الحوادث، فكل نجم من نجوم القرآن ينزل حسب متطلبات الأحداث. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول:

{إنا أنزلناه في ليلة القدر "1"}
(سورة القدر)

والحق هنا يحدد زمنا. ولنا أن نعرف أن القرآن الذي نزل في ثلاثة وعشرين عاما هو الذي أنزله الله في ليلة القدر.
إذن فللقرآن نزولان اثنان: الأول: إنزال من "أنزل".
الآخر: تنزيل من "نزل".
إذن فالمقصود من قوله ـ سبحانه ـ: "إنا أنزلناه في ليلة القدر" أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليباشر مهمته في الكون، وهذا ما أنزله الله في ليلة القدر. والكتاب الكريم الذي أنزله الله في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ينل منجما على حسب الأحداث التي تتطلب تشريعا أو إيضاحا لأمر. لكن الكتب الأخرى لم يكن لها ذلك اللون من النزول والتنزيل، لقد نزلت مرة واحدة؛ لا حسب الأحداث والمناسبات، لقد جاءت مرة واحدة، كما نزل القرآن أولا من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. ولننظر إلى السماء الدنيا. ولننظر إلى الأداء القرآني حين يقول:

{نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل "3"}
(سورة آل عمران)

وهنا يجب أن نلتفت إلى أن الحق قال عن القرآن: "نزل" وقال عن التوراة والإنجيل: "أنزل". لقد جاءت همزة التعدية وجمع ـ سبحانه ـ بين التوراة والإنجيل في الإنزال، وهذا يوضح لنا أن التوراة والإنجيل إنما أنزلهما الله مرة واحدة، أما القرآن الكريم فقد نزله الله في ثلاث وعشرين سنة منجما ومناسباً للحوادث التي طرأت على واقع المسلمين، ومتضمنا البلاغ الشامل من يوم الخلق إلى يوم البعث. ونزل الله القرآن منجما مناسباً للأحداث، ليثبت فؤاد رسول الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أن يتعرض لأحداث شتى، كلما يأتي حدث يري تثبيتا ينزل نجم من القرآن.

{وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا "32"}
(سورة الفرقان)

كان النجم من القرآن ينزل، ويحفظه المؤمنون، ويعملون بهديه، ثم ينزل نجم آخر، والله سبحانه يقول:

{ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا "33"}
(سورة الفرقان)

فمن رحمته سبحانه وتعالى بالمسلمين أن فتح المجال لأن يسألوا، وأن يستوضحوا الأمور التي تغمض عليهم. وجعل الحق سبحانه لأعمال المؤمنين الاختيارية خلال الثلاثة والعشرين عاما فرصة ليقيموا حياتهم في ضوء منهج القرآن، وصوب لهم القرآن ما كان من خطأ وذلك يدل على أن القرآن قد فرض الجدل والمناقشة، وفرض مجيء الشيء في وقت طلبه؛ لأن الشيء إذا ما جيء به وقت طلبه فإن النفس تقبل عليه وترضى به.
ومثال ذلك في حياتنا اليومية أن الواحد منا قد يملك في منزله صندوقا للأدوية ممتلئا بألوان شتى من الداء، ولكن عندما يصاب صاحب هذا الصندوق بقليل من الصداع فهو يبحث عن قرص أسبرين، قد لا يعرف مكانه في صندوق الدواء فيبعث في شرائه، وذلك أسهل وأوثق.

</td></tr></tbody></table>

الشاكر
10-10-2011, 12:50 PM
<table width="95%" align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0"><tbody><tr> <td align="middle"> تفسير سورة آل عمران - الآية: 4

</td></tr> <tr> <td align="middle">(من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام "4")</td></tr> <tr> <td align="right">ويأتي القول الفصل في: ـ "وأنزل الفرقان". هنا الجمع بين "نزل" و"أنزل". وساعة يقول الحق عن القرآن: "مصدقا لما بين يديه" فمعنى ذلك أن القرآن يوضح المتجه؛ إنه مصدق لما قبله ولما سبقه، إنه مصدق للقضايا العقدية الإيمانية التي لا يختلف فيها دين عن دين؛ لأن الديانات إن اختلفت فإنما تختلف في بعض الأحكام، فهناك حكم يناسب زمنا وحكم آخر لا يناسب ذلك الزمن. أما العقائد فهي لا تتغير ولا تتبدل، وكذلك الأخبار وتاريخ الرسل، فليس في تلك الأمور تغيير.
ومعنى "مصدق" أي أن يطابق الخبر الواقع، وهذا ما نسميه "الصدق". وإن لم يطابق الخبر الواقع فإننا نسميه "كذبا". إن، فالواقع هو الذي يحكم. ولذلك قلنا من قبل: إن الصادق هو الذي لا تختلف روايته للأحداث؛ لأنه يستوحي واقعا، وكلما روى الحادثة فإنه يرويها نفسه بكلماتها وتفاصيلها، أما الكاذب فلا يود له واقع يحكي عنه، لذلك ينشئ في كل حديث واقعا جديدان ولذلك يقول الناس: "إن كنت كذوبا فكن ذكورا". أي إن كنت تكذب ـ والعياذ بالله ـ فتذكر ما قلت؛ حتى لا تناقضه بعد ذلك. فالصادق هو من يستقرئ الواقع، ومادام يروي عن صدق فهو يروي عن أمر ثابت لا تلويه الأهواء، فلا يحكي مرة بهوى، ومرة بهوى آخر.
ومادم الخبر صادقاً فإنه يصبح حقاً؛ لأن الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير وسبحانه يقول هنا: "نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس. وقد تكلمنا من قبل عن التوراة، وقلنا: إن بعضا من العلماء حين يتعرض للفظ من الألفاظ فهو يحاول أن يجعله من اللغة العربية، ويحاول أن يعثر له على وزن من الأوزان العربية، وأن يأتي له بصفة من الصفات العربية، فقال بعضهم من التوراة: إنها "الورى" ـ بسكون الراء ـ وكان الناس قديما يشعلون النار بضرب عود في عود آخر، ويقولون: الزند قد ورى"، أي قد خرجت ناره. وقال بعض العلماء أيضا: إن الإنجيل من "النجل"، وهو الزيادة.
وأقول لهؤلاء العلماء: لقد نظرتم إلى هذه الألفاظ على أنها ألفاظ عربية، لكن التوراة لفظ عبري، والإنجيل لفظ سرياني أو لفظ يوناني، وصارت تلك الكلمات علما على تلك الكتب وجاءت إلى لغتنا. ولا تظنوا أن القرآن مادام قد نزل عربيا فكل ألفاظه عربية، لا. صحيح أن القرآن عربي، وصحيح أيضا أنه قد جاء وهذه الألفاظ دائرة على لسان العرب، وإذا تم النطق بها يفهم معناها.
والمثال على ذلك أننا في العصر الحديث أدخلنا في اللغة كلمة "بنك" وتكلمنا بها، فأصبحت عربية؛ لأنها تدور على اللسان العربي، فمعنى أن القرآن عربي أن الله حينما خاطب العرب خاطبهم بألفاظ يفهمونها، وهي دائرة في ألسنتهم، وإن لم تكن في أصلها عربية. وحينما تكلم الحق عن التوراة والإنجيل وقال: إن القرآن جاء مصدقا لهما قال ـ جل شأنه ـ:

{من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام "4" }
(سورة آل عمران)

فأي ناس هؤلاء الذين قال عنهم: "هدى الناس"؟ لاشك أنهم الناس الذين عاصروا الدعوة لتلك الكتب. وإذا كان القرآن قد جاء مصداقا لما في التوراة والإنجيل ألا تكون هذه الكتب هداية لنا أيضا؟ نعم هي هداية لنا، ولكن الهداية إنما تكون بتصديق القرآن لها، حتى لا يكون كل ما جاء فيهما ومنسوبا إليهما حجة علينا. فالذي يصدقه القرآن هو الحجة علينا، فيكون "هدى للناس" معناها: الذين عاصروا هذه الديانات وهذه الكتب ، ونحن مؤمنون بما فيها بتصديق القرآن لها.
وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: "وأنزل الفرقان" يدل على أن الكتاب ـ أي القرآن ـ سيعاصر مهمة صعبة؛ فكلمة "الفرقان" لا تأتي إلا في وجود معركة، ونريد أن نفرق بين أمرين: هدى وضلال، حق وباطل، شقاء وسعادة، استقامة وانحراف، إذن فكلمة "الفرقان" تدل على أن القرآن إنما جاء ليباشر مهمة صعبة وهو أنه يفرق بين الخير والشر، ومادام يفرق بين الخير والشر إذن ففيه خير وله معسكر، وفيه شر وله معسكر، إذن ففيه فريقان. ويأتي للفريق الذي يدافع عن الحق نضالاً وجهاداً بما يفرق له ويميز به بين الحق والباطل ويختم الحق هذه الآية بقوله: "إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام".
ولماذا جاء هذا التذييل على هذه الصورة في هذه الآية؟ أي مادام القرآن فرقاناً فلابد أن يفرق بين حق وباطل، والحق له جنوده، وهم المؤمنون، والباطل له جنوده وهم الكافرون، والشر قد جاء من الكافرين فلابد أن يتكلم عن الذين كفروا "إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد". والعذاب إيلام، ويختلف قوة وضعفا باعتبار المؤلم المباشر للعذاب. فصفعة طفل غير صفعة شاب غير صفعة رجل قوي، كل واحد يوجه الصفعة بما يناسب قوته، فإذا كان العذاب صادراً من قوة القوي وهو الله، إذن فلابد أنه عذاب لا يطاق. "لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام" أي لا يغلب على أمره، ولا توجد قوة أخرى ضده، وانتقامه لن يستطيع أحد أن يرده.
وقوله الحق سبحانه وتعالى: إنه "قيوم" أي يقوم بشئون خلقه إيجاداً وإمداداً، بناء مادة وإيجاد قيم، لابد أن يتفرع من ذلك أنه يعلم كل الخلق ويعلم الخبايا، ولذلك يضع التقنين المناسب لكل ما يجري لهم، والتقنينات التي تأتي من البشر تختلف عن التقنينات الموجودة من الله، لماذا؟ لأن الله حين يقنن بكتاب ينزله على رسوله ليبلغ حكم الله فيه فهو سبحانه يقنن لما يعلم، وما يعلمه سبحانه قد يعلمه خلقه وقد لا يعلمونه، وقد تأتي الأحداث بما لم يكن في بال المشرع البشري المقنن حين يقنن، ولذلك يضطرون عادة إلى تغيير القانون؛ لأنه قد جدت أحداث لم يلتفت إليها المشرع البشري. ولماذا لم يلتفت إليها المشرع البشري؟ لأن علمه مقصور على المرئيات التي توجد في عصره وغير معاصر للأشياء التي تحدث بعد عصره، وأيضا يقنن لملكات خفية عنه.
إن الحق سبحانه وتعالى لكونه قيوما وينزل ما يفرق بين الحق والباطل، فهو ـ سبحانه ـ يعلم علماً واسعاً، بحيث لا يستدرك عليه، ولذلك فالذين يحاولون أن يقولوا: إن هذا الحكم غير ملائم للعصر، نقول لهم: أتستدركون على الله؟! كأنكم تقولون: إن الله قد فاته مثل هذه الحكاية ونريد أن نصححها له!.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 05:02 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة آل عمران - الآية: 5

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء "5")</td> </tr> <tr> <td align="right">انظروا إلى خدمة الآية لكل الأغراض التي سبقتها، مادام قيوما وقائما بأمور الخلق، فلابد أن يعلم كل شيء عن الخلق، فلا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومادام سيفرق بين الحق والباطل وينزل بالكفار عذابا شديدا فلا يخفي عليه شيء. إن الآية تخدم كل الأغراض، وهو سبحانه يعلم كل الأغراض، فحين يقنن بقيوميته، فهو يقنن بلا استدراك عليه، وحين يخرج أحد عن منهجه لا يخفي عليه. إذن فالآية حصاد على التشريع وعلى الجزاء "إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء".</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 05:02 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة آل عمران - الآية: 6

</td> </tr> <tr> <td align="center">(هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم "6")</td> </tr> <tr> <td align="right">والتصوير في الرحم هو إيجاد المادة التي سيوجد منها الإنسان على هيئة خاصة؛ هذه الهيئة تختلف نوعيتها: ذكورة وأنوثة. والذكورة والأنوثة تختلفان أشكالاً؛ بيضاء وسمراء وقمحية وخمرية وقصيرة وطويلة، هذه الأشكال التي يوجد عليها الخلق والتي منها:

{واختلاف ألسنتكم وألوانكم}
(من الآية 22 سورة الروم)

هذا الاختلاف في الألوان والألسنة والأشياء المتعددة يدل على أنها ليست من إنتاج مصنع يصنع قالباً ثم يشكل عليه، لا؛ فكل إنسان يولد يصنع بيد قديرة بقدرة ذاتية. إن الصانع الآن إذا أرادت أن يصنع لك كوباً يصنع قالباً ويكرره، لكن في الخلق البشري كل واحد بقالبه الخاص، وكل واحد بشكله المخصوص، وكل واحد بصوته الذي ثبت أن له بصمة كبصمة اليد، وكل واحد بلون، إذن فهي من الآيات، وهذا دليل على طلاقة القدرة، وفوق كل هذا هو الخلق الذي لا يحتاج إلى عملية علاج، معنى عملية علاج أي يجعل قالباً واحدا ليصب فيه مادته. لا، هو ـ جل شأنه ـ يقول:

{بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون "117" }
(سورة البقرة)

إن الأب والأم قد يتحدان في اللون ولكن الابن قد ينشأ بلون مختلف، ويخلق الله معظم الناس خلقاً سويا، ويخلق قلة من الناس خلقاً غير سوي؛ فقد يولد طفل أعمى أو مصاب بعاهة ما أو بإصبع زائدة أو إصبعين .. وهذا الشذوذ أراده الله في الخلق ليلفتنا الحق إلى حسن وجمال خلقه. لأن من يرى ـ وهو السوي ـ إنساناً آخر معوقاً عن الحركة فإنه يحمد الله على كامل خلقه.
وحين يرى إنسان له في كل يد خمس أصابع إنساناً آخر له إصبع زائدة يعوق حركة يده، يعرف حكمة وجود الأصابع الخمس، فالجمال لا يثبت إلا بوجود القبح، وبضدها تتمايز الأشياء، الإنسان الذي له سبع أصابع في يد واحدة، يضع الطب أمام مهمة يجند نفسه لها؛ حتى يستطيع الطبيب أن يستأصل الزائد عن حاجة الإنسان الطبيعي. ولو خلق الله الإنسان بثلاث أصابع لما استطاع ذلك الإنسان أن يتحكم عند استعماله الأشياء الدقيقة.
إن الإنسان العادي في حركته اليومية لا يدرك جمال استواء خلقه إلا إذا رأى فردا من أفراد الشذوذ. والحق يلفت الناس الساهين عن نعم الله عليهم لرتابتها فيهم بفقدها في غيرهم. فساعة أن يرى مبصر مكفوفا يسير بعكاز، يفطن إلى نعمة البصر التي وهبها له الله فيشعر بنعمة الله عليه. إن الشذوذ في الخلق هو نماذج إيضاحية تلفت الناس إلى نعم الله التي أنعم الله عليهم بها. هذه المثل في الكون تلفت الناس إلى نعم الله فيهم، ولذلك تجدها أمامك، وأيضا كي لا تستدرك على خالقك، ولا تقل ما ذنب هذا الإنسان أن يكون مخلوقا هكذا؟ فهو سبحانه سيعوضه في ناحية أخرى؛ فقد يعطيه عبقرية تفوق إمكانات المبصر.
ونضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ عن الذي ساح في الدنيا "تيمور لنك الأعرج" وهو القائد الذي أذهل الدنيا شجاعة، إن الله قد أعطاه موهبة التخطيط والقتال تعويضاً له عن العرج. ونحن نجد العبقريات تتفجر في الشواذ غالباً، لماذا؟ لأن الله يجعل للعاجز عجزاً معيناً همة تحاول أن تعوض ما افتقده في شيء آخر، فيأتي النبوغ. إذن فـ"هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء" وكل تصوير له حكمته. ومادام كل تصوير له حكمة فكل خلق الله جميل.
عليك ألا تأخذ الخلق مفصولاً عن حكمة خالقه، بل خذ كل خلق مع حكمته. إن الذي يجعلك تقول: هذا قبيح، إنك تفصل المخلوق عن حكمته، ومثال ذلك: التلميذ الذي يرسب قد يحزن والده، ولكن لماذا يأخذ الرسوب بعيداً عن حكمته؟ لقد رسب حتى يتعلم معنى الجدية في الاستذكار، فلو نجح مع لعبه ماذا سيحدث؟ كل أقرانه الذين عرفوا أنه لعب ونجح سيلعبون ويقولون: هذا لعب ونجح .. إذن فلابد أن تأخذ كل عمل ومعه حكمة وجوده.
كذلك لا تأخذ العقوبة منفصلة عن الجريمة، فكل عقوبة علينا أن نأخذها ملتصقة بجريمتها، فساعة ترى واحداً مثلاً سيحكمون عليه بالإعدام تأخذك الرحمة به وتحزن، هنا نقول لك: أنت فصلت إعدامه عن القتل الذي ارتكبه سابقاً، إنما لو استحضرت جريمته لوجدته يقتل عدالة وقصاصاً فقد قتل غيره ظلماً، فلا تبعد هذه عن هذه.
"هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو" ومعنى "لا إله إلا هو" أي سيصور وهو عالم أن ما يصوره سيكون على هذه الصورة؛ لأنه لا يوجد إله آخر يقول له: هذه لا تعجبني وسأصور صورة أخرى، لا؛ لأن الذي يفعل ذلك عزيز، أي لا يغلب على أمر، وكل ما يريده يحدث وكل أمر عنده لحكمة، لأنه عندما يقول: "يصوركم في الأرحام" قد يقول أحد من الناس: إن هناك صوراً شاذة وصوراً غير طبيعية. وهو سبحانه يقول لك: أنا حكيم، وأفعلها لحكمة فلا تفصل الحدث عن حكمته، خذ الحدث بحكمته، وإذا أردت الحدث بحكمته تجده الجمال عينه، وهو سبحانه المصور في الرحم كيف يشاء، هذا من ناحية مادته.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 05:02 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة آل عمران - الآية: 7

</td> </tr> <tr> <td align="center">(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب "7")</td> </tr> <tr> <td align="right">إذن فبعدما صورنا في الأرحام كيف يشاء على مقتضى حكمته لن يترك الصور بدون منهج للقيم، بل صنع منهج القيم بأن أنزل القرآن وفيه منهج القيم، ولابد أن نأخذ الشيء بجوار الحكمة منه، وإذا أخذنا الشيء بجوار الحكمة منه يوجد كل أمر مستقيما كله جميل وكله خير. فيقول سبحانه: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات". ماذا يعني الحق بقول: "آيات محكمات"؟ إن الشيء المحكم هو الذي لا يتسرب إليه خلل ولا فساد في الفهم؛ لأنه محكم، وهذه الآيات المحكمة هي النصوص التي لا يختلف فيها الناس، فعندما يقول:

{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}
(من الآية 38 سورة المائدة)

هذه آية تتضمن حكما واضحا. وهو سبحانه يقول:

{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما}
(من الآية 2 سورة النور)

هذه أيضا أمور واضحة، هذا هو المحكم من الآيات، فالمحكم هو ما لا تختلف فيه الأفهام؛ لأن النص فيه واضح وصريح لا يحتمل سواه، و"المتشابه" هو الذي نتعب في فهم المراد منه، ومادمنا سنتعب في فهم المراد منه فلماذا أنزله؟
ويوضح لنا سبحانه ـ كما قلت لك ـ خذ الشيء مع حكمته كي تعرف لماذا نزل؟ فالحكم جاء للأحكام المطلوبة من الخلق، أي افعل كذا، ولا تفعل كذا، ومادامت أفعالا مطلوبة من الخلق فالذي فعلها يثاب عليها، والذي لم يفعلها يعاقب، إذن فسيترتب عليها ثواب وعقاب، فيأتي بها صورة واضحة، وإلا لقال واحد: "أنا لم أفهم"، إن الأحكام تقول لك: "افعل كذا ولا تفعل كذا" فهي حين تقول: "افعل"؛ أنت صالح ألا تفعل، فلو كنت مخلوقاً على أنك تفعل فقط؛ لا يقول لك: افعل، لكن لأنك صالح أن تفعل وألا تفعل فهو يقول لك: "افعل".
وساعة يقول لك: "لا تفعل"، فأنت صالح أن تفعل، فلا يقال: "افعل ولا تفعل" إلا لأنه خلق فيك صلاحية أن تفعل أو لا تفعل، ونلحظ أنه حين يقول لي: افعل كذا ولا تفعل كذا يريد أن أقف أمام شهوة نفسي في الفعل والترك، ولذلك يقول الحق في الصلاة:

{وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين }
(من الآية 45 سورة البقرة)

فعندما يقول لي: "افعل ولا تفعل" معناها: أن فيه أشياء تكون ثقيلة أن أفعلها، وأن شيئا ثقيلا علي أن أتركه، فمثلا البصر خلقه الله صالحا لأن يرى كل ما في حيزه. على حسب قانون الضوء، والحق يقول له:

{قل انظروا ما ذا في السماوات والأرض}
(من الآية 101 سورة يونس)

ولكن عند المرأة التي لا يحل لك النظر إليها يقول الحق: اغضض.

{قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون "30" وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن }
(سورة النور)

ومعنى "يغضوا" و"يغضض" أنه سبحانه حدد حركة العين، ومثال آخر؛ اليد تتحرك فيأمرك ـ سبحانه ـ ألا تحركها إلا في مأمور به، فلا تضرب بها أحداً، ولا تشعل بها ناراً تحرق وتفسد بل أشعل بها النار لتطبخ مثلاً. إذن فهو سبحانه يأتي في "افعل ولا تفعل" ويحدد شهوات النفس في الفعل أو الترك، فإن كانت شهوة النفس بأنها تنام، يقول الأمر التعبدي: قم وصل، وإن كانت شهوة النفس بأنها تغضب يقول الأمر الإيماني: لا تغضب.
إذن فالحكم إنما جاء بافعل ولا تفعل لتحديد حركة الإنسان، فقد يريد أن يفعل فعلاً ضاراً؛ فيقول له: لا تفعل، وقد يريد ألا يفعل فعل خير يقول له: افعل. إذن فكل حركات الإنسان محكومة بـ"افعل ولا تفعل"، وعقلك وسيلة من وسائل الإدراك، مثل العين والأذن واللسان. إن مهمة العقل أن يدرك، فتكليفه يدعوه إلى أن يفهم أمراً ولا يفهم أمرا آخر، وجعل الله الآيات المحكمة ليربح العقل من مهمة البحث عن حكمة الأمر المحكم؛ لأنها قد تعلو الإدراك البشري. ويريد الحق أن يلزم العبد آداب الطاعة حتى في الشيء الذي لا تدرك حكمة تشريعه، وأيضا لتحرك عقلك لترد كل المتشابه إلى المحكم من الآيات. وإذا قرأنا قول الحق:

{لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير "103"}
(سورة الأنعام)

نرى أن ذلك كلام عام. وفي آية أخرى يقول سبحانه:

{وجوه يومئذٍ ناضرة "22" إلى ربها ناظرة "23" }
(سورة القيامة)

ويتكلم عن الكفار فيقول:

{كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون "15" }
(سورة المطففين)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 05:03 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة آل عمران - الآية: 8

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب"8")</td> </tr> <tr> <td align="right">فكأن قول الراسخين في العلم: إن كل محكم وكل متشابه هو من عند الله، والمحكم نعمل به، والمتشابه نؤمن به، فهذه هي الهداية؛ ثم يكون الدعاء بالثبات على هذه الهداية، والمعنى: يا رب ثبتنا على عبادتك ولا تجعل قلوبنا تميل أو تزيع. وهذا يدلنا على أن القلوب تتحول وتتغير؛ لذلك يأتي القول الفصل بالدعاء على الثبات الإيماني:

{ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب "8" }
(سورة آل عمران)

إنهم يطالبون رحمة هبة لا رحمة حق، فليس هناك مخلوق له حق على الله إلا ما وهبه الله له. والراسخون في العلم يطلبون من الله الرحمة من الوقوع في الهوى بعد أن هداهم الله إلى هذا الحكم السليم بأن المتشابه والمحكم كل من عند الله ويعلموننا كيف يكون الطريق إلى الهداية وطلب رحمة الهبة. والراسخ في العلم مادام قد علم شيئا فهو يريد أن يشيعه في الناس، لذلك يقول لنا:
إياكم أن تظنوا أن المسألة مسألة فهم لنص وتنتهي، إن المسألة يترتب عليها أمر آخر، هذا الأمر الآخر لا يوجد في الدنيا فقط، فهناك آخرة، فالدنيا مقدور عليها لأنها محدودة الأمد ومنتهية، ولكن هناك الآخرة التي تأتي بعد الدنيا حيث الخلود، فيقول الحق على لسان الراسخين في العلم:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 05:03 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة آل عمران - الآية: 9

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد "9")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقولهم: "ربنا" نفهم منه أنه الحق المتولي التربية، ومعنى التربية هو إيصال من تتم تربيته إلى الكمال المطلوب له، فهناك رب يربي، وهناك عبد تتم تربيته، والرب يعطي الإنسان ما يؤهله إلى الكمال المطلوب له.
والمؤمنون يرجون الله قائلين: يا رب من تمام تربيتك لنا أن تحمينا من عذاب الآخرة، فإذا ما عشنا الدنيا وانتهت فنحن نعلم أنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومادمت ربا، ومادمت إلها فإنك لا تخلف الميعاد؛ فالذي يخلف الميعاد لا يكون إلها؛ لأن الإله ساعة الوعد يعلم بتمام قدرته وكمال علمه أنه قادر على الإنفاذ، إنما الذي ليس لديه قدرة على الإنفاذ لا يستطيع أن يعد إلا مشمولا بشيء يستند إليه، كقولنا نحن العباد: "إن شاء الله" لماذا؟ لأن الواحد منا لا يملك أن يفي بما وعد.
حينما تعرضنا إلى قول الحق سبحانه وتعالى:

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا "23" إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا "24" }
(سورة الكهف)

قلنا إياك أن تقول: إني سأفعل شيئا إلا أن تشتمله وتربطه بمشيئة الله؛ لأنك أنت إن وعدت، فأنت لا تضمن عمرك ولا إنفاذ وعدك، إنك لن تفعل شيئا إلا بإرادة الله، لذلك فلا تعد إلا بالمشيئة، لأنك تعد بما لا تضمن، فأنت في حقيقة الأمر لا تملك شيئا، فإن أردت فعل أي شيء أو الذهاب إلى أي مكان فالفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول وزمان ومكان وسبب، ثم يحتاج إلى قدرة لتنفيذ الفعل. والإنسان لا يملك من هذه الأشياء إلا ما يشاء الله له أن يملكه. إن الإنسان لا يملك أن يظل فاعلا. والإنسان لا يملك إن وجد الفاعل أن يوجد المفعول. والإنسان لا يملك الزمن، ولا يملك المكان، بل لا يملك الإنسان أن يظل السبب قائما ليفعل ما كان يريد أن يفعله؛ فكل هذه العناصر، الفاعل والمفعول، والزمان، والمكان، والسبب، لا يملكها إلا الله. لذلك فليحم الإنسان نفسه من أن يكون كاذبا ومجازفا وليكن في ظل قوله تعالى:

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا "23" إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا "24" }
(سورة الكهف)

إن كلمة "إلا أن يشاء الله" تعصم الإنسان من أن يكون كاذبا. وعندما لا يحدث الذي يعد به الإنسان فمعنى ذلك أن الله لم يشأ؛ لأن الإنسان لا يملك عنصراً واحداً من عناصر هذا الفعل. وعندما يقول الحق: "ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد" لأن الذي يخلف الميعاد إنما تمنعه قوة قاهرة تأتيه؛ ولو من تغير نفسه تمنعه أن يفعل، أما الله فلا تأتي قوة قاهرة لتغير ما يريد أن يفعل، ولا يمكن أن يتغير؛ لأن التغير ليس من صفات القديم الأزلي.
وحين يؤكد الحق أنه سيتم جمعنا بمشيئته في يوم لا ريب فيه، وأن الله لا يخلف الميعاد، فمن المؤكد أننا سنلتقي. وسنلتقي لماذا؟ لقد قال الراسخون في العلم: علمنا بالمحكم، وآمنا بالمتشابه، ودعوا الله أن يثبت قلوبهم على الهداية رحمة من عنده، وأن يبعد قلوبهم عن الزيغ؛ لأنهم خائفون من اليوم الذي سيجمع الله الناس فيه، إننا سنلتقي للحساب على أفعالنا وإيماننا.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 05:03 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة آل عمران - الآية: 10

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار "10")</td> </tr> <tr> <td align="right">ساعة تسمع وأنت المؤمن، ويسمع معك الكافر، ويسمع معك المنافق: "ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد" ربما فكر الكافر أو المنافق أن هناك شيئا قد ينقذه مما سيحدث في ذلك اليوم، كعزوة الأولاد، أو كثرة مال يشتري نفسه به، أو خلة، أو شفاعة، هنا يقول الحق لهم: لا، إن أولادكم وأموالكم لا تغني عنكم شيئا. وفي اللغة يقال: هذا الشيء لا يغني فلاناً، أي أنه يظل محتاجاً إلى غيره؛ لأن الغني هو ألا تحتاج إلى الغير، فالأموال والأولاد لا تغني أحداً في يوم القيامة، والمسألة لا عزوة فيها، ولا أنساب بينهم يومئذ والجنة ليست للبيع، فلا أحد يستطيع شراء مكان في الجنة بمال يملكه.
وكان الكافرون على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ذلك القول الشاذ يقولون: مادام الله قد أعطانا أموالاً وأولاداً في الدنيا فلابد أن يعطينا في الآخرة ما هو أفضل من ذلك. ولذلك يقول الله لهم: "إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا" إذن فالأمر كله مردود إلى الله. صحيح في هذه الدنيا أن الله قد يخلق الأسباب، والكافر تحكمه الأسباب، وكذلك المؤمن، فإذا ما أخذ الكافر بالأسباب فإنه يأخذ النتيجة، ولكن في الآخرة فالأمر يختلف؛ فلن يملك أحد أسباباً، ولذلك يقول الحق عن اليوم الآخر:

{يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار "16"}
(سورة غافر)

إن البشر في الدنيا يملكون الأسباب، ويعيشون مختلفين في النعيم على اختلاف أسبابهم، واختلاف كدحهم في الحياة، واختلاف وجود ما يحقق للإنسان المتع، لكن الأمر في الآخرة ليس فيه كدح ولا أسباب؛ لأن الإنسان المؤمن يعيش بالمسبب في الآخرة وهو الله ـ جلت قدرته ـ فبمجرد أن يخطر الشيء على بال المؤمن في الجنة فإن الشيء يأتي له. أما الكفار فلا يغني عنهم مالهم ولا أولادهم، لأنهم انشغلوا في الدنيا بالمال والأولاد وكفروا بالله.

{سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم }
(من الآية 11 سورة الفتح)

إذن فما انشغل به الكفار في الدنيا لن ينفعهم، ويضيف الحق عن الكفار في تذييل التي نحن بصددها: "وأولئك هم وقود النار" إنهم المعذبون، وسوف يتعذبون في النار. ولنر النكاية الشديدة بهم، إن الذين يعذبون هم الذي يعذبون؛ لأنهم بأنفسهم سيكونون وقود النار. إن المعذب ـ بفتح العين وفتح الذال مع التشديد ـ يكون هو المعذب ـ بفتح العين وكسر الذال مع التشديد.
فهذه ثورة الأبغاض. فذرات الكافر مؤمنة، وذرات العاصي طائعة، والذي جعل هذه الذرات تتجه إلى فعل ما يغضب الله هو إرادة صاحبها عليها. وضربنا قديما المثل ـ ولله المثل الأعلى ـ وقلنا: هب أن كتيبة لها قائد فالمفروض في الكتيبة أن تسمع أمر القائد، وتقوم بتنفيذ ما أمر به؛ فإذا ما جاءوا للأمر والقائد الأعلى بعد ذلك فإنهم يرفعون أمرهم إليه ويقولون له: بحكم الأمر نفذنا العمل الذي صدر لنا من قائدنا المباشر وكنا غير موافقين على رأيه. وفي الحياة الإيمانية نجد القول الحكيم من الخالق:

{يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون "24"}
(سورة النور)

فكان اللسان ينطق بكلمة الكفر وهو لاعن لصاحبه. واليد تتقدم إلى المعصية وهي كارهة لصاحبها ولا عنة له، إن إرادة الله العليا هي التي جعلت للكافر إرادة على يده ولسانه في الدنيا، وينزع الله إرادة الكافر عن جوارحه يوم القيامة فتشهد عليه أنه أجبرها على فعل المعاصي، وتعذب الأبعاض بعضها، وعندما يقول الحق: "وأولئك هم وقود النار" وهنا مسألة يجب أن نلتفت إليها ونأخذها من واقع التاريخ، هذه المسألة هي أن الذين يجب أن نلتفت إليها ونأخذها من واقع التاريخ، هذه المسألة هي أن الذين كفروا برسالات الله في الأرض تلقوا بعض العذاب في الدنيا؛ لأن الله لا يدخر كل العقاب للآخرة وإلا لشقي الناس بالكافرين وبالعاصين، ولذلك فإن الله يعجل بشيء من العقاب للكافرين والعاصين في هذه الدنيا.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 05:03 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة آل عمران - الآية: 11

</td> </tr> <tr> <td align="center">(كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب "11")</td> </tr> <tr> <td align="right">وساعة تسمع "كدأب كذا" فالدأب هو العمل بكدح وبلا انقطاع فنقول: فلان دأبه أن يفعل كذا أي هو معتاد دائما أن يفعل كذا. أو نقول: ليس لفلان دأب إلا أن يغتاب الناس. فهل معنى ذلك أن كل أفعاله محصورة في اغتياب الناس، أو أنه يقوم بأفعال أخرى؟ إنه يقوم بأفعال أخرى لكن الغالب عليه هو الاغتياب، وهذا هو الدأب. فالدأب هو السعي بكدح وتوال حتى يصبح الفعل بالتوالي عادة. إذن فقوله الحق: "كدأب آل فرعون" أي كعادة آل فرعون. وآل فرعون هم قوم جاءوا قبل الرسالة الإسلامية، وقبلهم كان قوم ثمود وعاد وغيرهم.
ويلفتنا الحق سبحانه إلى أن ننظر إلى هؤلاء ونرى ما الذي حدث لهم، إنه سبحانه لم يؤخر عقابهم إلى الآخرة؛ لأنه ربما ظن الناس أن الله قد ادخر عذاب الكافرين إلى الآخرة؛ لأنه قال:

{إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار "10"}
(سورة آل عمران)

لا، بل العذاب أيضا في الدنيا مصداقاً لقوله الحق:

{لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق "34" }
(سورة الرعد)

إن العذاب لو تم تأجيله إلى الآخرة لشقي الناس بالأشقياء، لذلك يأتي الله بأمثلة من الحياة ويقول: "كدأب آل فرعون" أي كعادة آل فرعون، ولا تصير مسألة عادة إلا بالكدح في العمل، وكان دأب آل فرعون هو التكذيب والطغيان وادعاء فرعون الألوهية. ويقول سبحانه: "والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا، فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب" فصار الدأب منهم، ومما وقع بهم، فإذا كانوا قد اعتادوا الكفر والتكذيب فقد أوقع الله عليهم العذاب. لقد كان دأب آل فرعون هو التكذيب، والخالق ـ سبحانه ـ يجازيهم على ذلك بتعذيبهم، ولتقرأ إن شئت قول الحق سبحانه وتعالى:

{والفجر "1" وليال عشر "2" والشفع والوتر "3" والليل إذا يسر "4" هل في ذلك قسم لذي حجر "5" ألم تر كيف فعل ربك بعاد "6" إرم ذات العماد "7" التي لم يخلق مثلها في البلاد "8" وثمود الذين جابوا الصخر بالواد "9" وفرعون ذي الأوتاد "10" الذين طغوا في البلاد "11" فأكثروا فيها الفساد "12" فصب عليهم ربك سوط عذاب "13" إن ربك لبالمرصاد "14"}
(سورة الفجر)

فدأبهم التكذيب وجزاء الله لهم على ذلك هو العذاب والعقاب. إذن فقوله الحقك "فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب" أي أوقع بهم العذاب في الدنيا، وكانت النهاية ما كانت في آل فرعون وثمود ومن قبلهم من القوم الكافرين.
وعندما تسمع قول الله: "والله شديد العقاب" فالذهن ينصرف إلى أن هناك ذنباً يستحق العقاب. وكل الأمور من المعنويات مأخوذة دائماً من المحسات؛ لأن الأصل في إيجاد أي معلومات معنوية هو المشاهد الحسية، وتنقل الأشياء الحسية إلى المعنويات بعد ذلك. لماذا؟ لأن الشيء الحسي مشهود من الجميع، أما الشيء المعنوي فلا يفهمه إلا المتعقلون، والإنسان له أطوار كثيرة. ففي طور الطفولة لا يفهم ولا يعقل الإنسان إلا الأمر المحسوس أمامه.
وقلت قديما في معنى كلمة "الغصب": إنه أخذ وسلب شيء من إنسان صاحب حتى بقوة، وهذا أمر معنوي له صورة مشهدية؛ لأن الذي يسلخ الجلد عن الشاة نسميه غاصباً. ولنر كيف يكون أخذ الحق من صاحبه، إنه كالسلخ تماماً، فالكلمة تأتي للإيضاح. وكلمة "ذنب" وكلمة "عقوبة" مترابطتان؛ فكلمة "ذنب" مأخوذة من مادة ذنب؛ لأن المادة كلها تدل على "التالي" والذنب يتلو المقدمة في الحيوان. والعقاب هو ما يأتي عقب الشيء.
إذن فهناك ذنب وهناك عقاب. ولكن ماذا قبل الذنب، وماذا يتلو العقاب؟ لا يوجد ذنب إلا إذا وجد نص يجرم، فلا ذنب إلا بنص. فليس كل فعل هو ذنب، بل لابد من وجود نص قبل وقوع الذنب. يجرم فعله؛ ولذلك أخذ التقنين الوضعي هذا الأمر، فقال: لا يمكن أن يعاقب إنسان إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص، فلا يمكن أن يأتي إنسان فجأة ويقول: هذا العمل جريمة يعاقب عليها. بل لابد من التنبيه والنص من قبل ذلك على تجريم هذا العمل.
إنه لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. فالنص يوضح تجريم فعل نوع ما من العمل، وإن قام إنسان بهذا العمل فإنه يجرم، ويكون ذلك هو الذنب، فكأن الذنب جاء تالياً لنص التجريم. والعقاب يأتي عقب الجريمة، وهكذا نجد أن كلا من الذنب والجريمة يأخذان واقع اللفظ ومدلوله ومعناه؛ فالذنب هو التالي للشيء. ولذلك يسمون الدلو الذي يملأونه بالماء "ذنوبا" لأنه هو الذي يتلو الحبل. وأيضا الجزاء في الآخرة:

{فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون "59" }
(سورة الذاريات)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 05:04 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة آل عمران - الآية: 12

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد "12")</td> </tr> <tr> <td align="right">إنه أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو المبلغ عن الله، أن يحمل للكافرين خبراً فيه إنذار. من هم هؤلاء الكفار؟ هل هم كفار قريش؟ الأمر جائز. هل هم اليهود؟ الأم جائز. فالبلاغ يشمل كل كافر.
والنص القرآني حينما يأتي فهو يأتي على غير عادة الناس في الخطاب، ولأضرب هذا المثل ـ ولله المثل الأعلى وسبحانه منزه عن التشبيه أو المثل ـ أنت تقول لابنك: اذهب إلى عمك، وقل له: إن أبي سيحضر لزيارتك غدا. فماذا يكون كلام الابن للعم؟ إن الابن يذهب للعم ويقول له: إن أبي سيزورك غدا. لكن الآمر وهو الأب يقول: قل لعمك إن أبي سيزورك غدا. فإذا كان الابن دقيق الأمانة فهو يقول:
ـ قال أبي: ـ قل لعمك إن أبي سيزورك غدا. وعندما يقول الحق سبحانه "قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد". فهذا معناه قمة الأمانة من الرسول المبلغ عن الله، فنقل للكافرين النص الذي أمره الله بتبليغه للكافرين. وإلا كان يكفي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهب للكافرين ويقول لهم: ستغلبون وتحشرون. لكن من يدريهم أن هذا الكلام ليس من عند محمد وهو بشر؟ لذلك يبلغهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أبلغه أن يبلغهم بقوله: "قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد".
إن الرسول لم يبلغهم بمقول القول: لا، إنما أبلغهم نص البلاغ الذي أبلغه به الله. وساعة يأمر الحق في قرآنه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ أمرا للكافرين فإن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطب، والكفار مخاطبون، فعندما يواجههم فإنه يقول لهم: ستغلبون .. وفي آية أخرى يقول الحق:

{قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين "38"}
(سورة الأنفال)

إن القياس أن يقول: إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف، لكن الحق قال: "إن ينتهوا"، فكأن الله حينما قال كان الكفار غير حاضرين للخطاب ورسول الله هو الحاضر للخطاب، والله يتكلم عن غائبين.
ولكن الله ـ سبحانه ـ في هذه الآية التي نحن بصددها يحمل الرسول تمام البلاغ فمرة يكون النقل من الآمر الأول كما صدر منه سبحانه كقوله: "إن ينتهوا" ومرة يأمره الآمر الأول أن يبلغ الكلمة التي يكون بها مخاطبا أي لا تقل: سيغلبون وقل: "ستغلبون" لأنك أنت الذي ستخاطبهم. وهذه الدقة الأدائية لا يمكن أن تكون قادر حكيم. إنه بلاغ إلى كفار قريش أو إلى مطلق الذين كفروا. والغلب سيكون في الدنيا، والحشر يكون في الآخرة.
فإذا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل النص القرآني "ستغلبون" فمتى قالها رسول الله؟ لقد قالها والمسلمون قلة لا يستطيعون حماية أنفسهم، ولا يقدرون على شيء. وكل مؤمن يحيا في كنف آخر، أو يهاجر إلى مكان بعيد. فهل يمكن أن يأتي هذا البلاغ إلا ممن يملك مطلق الأسباب؟
لقد قالها الرسول مبلغا عن الله، والمسلمون في حالة من الضعف واضحة ومادام قد قالها، فهي حجة عليه، لأن من أبلغه إياها وهو الله قادر على أن يفعلها. "قل للذين كفروا ستغلبون" ليس العقاب في الدنيا فقط، ولكن في الآخرة أيضا "وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد" هذه المسألة بشارة لرسول الله ولأصحابه وإنذار للكافرين به، ويتم تحقيقها في موقعة بدر. فسيدنا عمر بن الخطاب لما نزل قول الله:

{سيهزم الجمع ويولون الدبر "45"}
(سورة القمر)

تساءل عمر بن الخطاب: أي جمع هذا؟ إنه يعلم أن المسلمين ضعاف لا يقدرون على ذلك، وأسباب انتصار المسلمين غير موجودة، ولكن رسول الله لم يكن يكلم المؤمنين بالأسباب، إنما برب الأسباب، فإذا ما تحدى وأنذرهم، مع أنه وصحبه ضعاف أمامهم، فقد جاء الواقع ليثبت صدق الحق في قوله: "ستغلبون" ويتم انتصار المسلمين بالفعل، ويغلبون الكافرين.
ألا يجعل صدق بلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يحدث في الدنيا دليل صدق على ما يحدث في الآخرة؟ إن تحقيق "ستغلبون" يؤكد "وتحشرون إلى جهنم". وفي هذه الآية شيئان: الأول؛ بلاغ عن هزيمة الكفار في الدنيا وهو أمر يشهده الناس جميعا، والأمر الآخر هو في الآخرة وقد يكذبه بعض الناس. وإذا كان الحق قد أنبأ رسوله بأنك يا محمد ستغلب الكافرين وأنت لا تملك أسباب الغلبة عليهم. ومع ذلك يأتي واقع الأحداث فيؤكد أن الكافرين وأنت لا تملك أسباب الغلبة عليهم. ومع ذلك يأتي واقع الأحداث فيؤكد أن الكافرين قد تمت هزيمتهم. ومادام قد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الأولى ولم يكن يملك الأسباب فلابد أن يكون صادقا في البلاغ في الثانية وهي البلاغ عن الحشر في نار جهنم.
وبعض المفسرين قد قال: إن هذه المقولة لليهود؛ لأن اليهود حينما انتصر المسلمون في بدر زلزلوا زلزالا شديدا، فلم يكن اليهود على ثقة في أن الإسلام والمسلمين سينتصرون في بدر، فلما انتصر الإسلام في بدر؛ قال بعض اليهود: إن محمداً هو الرسول الذي وعدنا به الله والأولى أن نؤمن به فقال قوم منهم: انتظروا إلى معكرة أخرى. أي لا تأخذوها من أول معركة، فانتظروا، وجاءت معركة أحد، وكانت الحرب سجالا.
ولنا أن نقول: وما المانع أن تكون الآية لليهود وللمشركين ولمطلق الذين كفروا؟ فاللفظ عام وإن كان قد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال لهم: يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش واسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل. فماذا قالوا له؟ قالوا له: لا يعرنك أنك لقيت قوما أغماراً ـ أي قوما من غمار الناس لم يجربوا الأمور ـ لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فأنزل الله قوله: "قل للذين كفروا ستغلبون .. " إلخ الآية.
والمهاد هو ما يمهد عادة للطفل حتى ينام عليه نوماً مستقراً أي له قرار، وكلمة "بئس المهاد" تدل على أنهم لا قدرة لهم على تغيير ما هم فيه، كما لا قدرة للطف على أن يقاوم من يضعه للنوم في أي مكان.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 05:04 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة آل عمران - الآية: 13

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار "13")</td> </tr> <tr> <td align="right">وحين يقول الحق: "قد كان لكم آية". فمن المخاطب بهذه الآية؟ لاشك أن المخاطب بهذه الآية كل من كانت حياته بعد هذه الواقعة، سواء كان مؤمنا أو كافرا، فالمؤمن تؤكد له أن نصر الله يأتي ولو من غير أسباب، والكافر تأتي له الآية بالعبرة في أن الله يخذله ولو بالأسباب، إن الله جعل من تلك الموقعة آية. والآية هي الشيء العجيب أي إن واقعه ونتائجه لا تأتي وفق المقدمات البشرية.
نعم هذا خطاب عام لكل من ينتسب إلى أي فئة من الفئتين المتقاتلين، سواء كانت فئة الإيمان أو فئة الكفر. ففئة الإيمان لكي تفهم أنه ليست الأسباب المادية هي كل شيء في المعركة بين الحق والباطل، لأن لله جنودا لا يرونها. وكذلك يخطئ هذا الخطاب فئة الكافرين فلا يقولون: إن لنا أسبابنا من عدد وعدة قوية، فقد وقعت المعركة بين الحق والباطل من قبل؛ وقد انتصر الحق.
وكلمة "فئة" إذا سمعتها تصورت جماعة من الناس، ولكن لها خصوصية؛ فقد توجد جماعة ولكن لكل واحد حركة في الحياة. ولكن حين نسمع كلمة "فئة" فهي تدل على جماعة، وهي بصدد عمل واحد. ففي غير الحرب كل واحد له حركة قد تختلف عن حركة الآخر. ولكن كلمة "فئة" تدل على جماعة من الناس لها حركة واحدة في عمل واحد لغاية واحدة.
ولاشك أن الحرب تصور هذه العملية أدق تصوير، بل إن الحرب هي التي توحد كل فئةٍ في سبيل الحركة الواحدة والعمل الواحد للغاية الواحدة؛ لأن كل واحد ن أي فئة لا يستطيع أن يحمي نفسه وحده، فكل واحد يفئ ويرجع إلى الجماعة، ولا يستطيع أن ينفصل عن جماعته. ولكن الفرد في حركة الحياة العادية يستطيع أن ينفصل عن جماعته.
إذن فكلمة "فئة" تدل على جماعة من الناس في عملية واحدة، وتأتي الكلمة دائما في الحرب لتصور كل معسكر يواجه آخر. وحين يقول الحق: "قد كان لكم آية في فئتين التقتا" أي أن هناك صراعا بين فئتين، ويوضح الحق ماهية كل فئة فيقول: "فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة". وحين ندقق النظر في النص القرآني، نجد أن الحق لم يورد لنا وصف الفئة التي تقاتل في سبيل الله ولم يذكر أنها فئة مؤمنة، وأوضح أن الفئة الأخرى كافرة، وهذا يعني أن الفئة التي تقاتل في سبيل الله لابد أن تكون فئة مؤمنة، ولم يورد الحق أن الفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان اكتفاء بأن كفرها لابد أن يقودها إلى أن تقاتل في سبيل الشيطان.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 07:53 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 1

</td> </tr> <tr> <td align="center">(المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون "1")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقد سبق لنا أن تكلمنا طويلاً في خواطرنا عن الحروف التي تبدأ بها من سور القرآن الكريم: مثل قوله الحق:

{آلم "1"}
(سورة البقرة)

وقوله:

{آلمر .. "1"}
(سورة الرعد)

ومثل قوله:

{آلمص "1"}
(سورة الأعراف)

وغير 1لك من الحروف التوقيفية التي جاءت في أول بعض من فواتح السور. ولكن الذي أحب أن أؤكد عليه هنا هو أن آيات القرآن كلها مبنية على الوصل؛ لا على الوقف؛ ولذلك تجدها مشكولة؛ لأنها موصولة بما بعدها.
وكان من المفروض ـ لو طبقنا هذه القاعدة ـ أن نقرأ "المر" فننطقها: "ألف" "لام" "ميم" "راء"، ولكن شاء الحق سبحانه هنا أن تأتي هذه الحروف في أول سورة الرعد مبنية على الوقف، فنقول: "ألف" "لام" "ميم" "راء".
وهكذا قرأها جبريل عليه السلام على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؛ وهكذا نقرأها نحن. ويتابع سبحانه:

{تلك آيات الكتاب .. "1"}
(سورة الرعد)

أي: أن السورة القادمة إليك هي من آيات الكتاب الكريم ـ القرآن ـ وهي إضافة إلى ما سبق وأنزل إليك، فالكتاب كله يشمل من أول

{بسم الله الرحمن الرحيم "1"}
(سورة الفاتحة)

في أول القرآن، إلى نهاية سورة الناس.
ونعلم أن الإضافة تأتي على ثلاث معان؛ فمرة تأتي الإضافة بمعنى "من" مثل قولنا "أردب قمح" والمقصود: أردب من القمح. ومرة تأتي الإضافة بمعنى "في" مثل قولنا: "مذاكرة المنزل" والمقصود: مذاكرة في المنزل. ومرة ثالثة تأتي الإضافة بمعنى "اللام" وهي تتخذ شكلين.
إما أن تكون تعبيراً عن ملكية، كقولنا "مال زيد لزيد". والشكل الثاني أن تكون اللام للاختصاص كقولنا "لجام الفرس" أي: أن اللجام يخص الفرس؛ فليس معقول أن يملك الفرس لجاماً. إذن: فقول الحق سبحانه هنا:

{تلك آيات الكتاب .. "1"}
(سورة الرعد)

يعني تلك آيات من القرآن؛ لأن كلمة "الكتاب" إذا أطلقت؛ فهي تنصرف إلى القرآن الكريم. والمثل هو القول "فلان الرجل" أي: أنه رجل حقاً؛ وكأن سلوكه هو معيار الرجولة، وكأن خصال الرجولة في غيره ليست مكتملة كاكتمالها فيه، أو كقولك "فلان الشاعر" أي: أنه شاعر متميز للغاية.
وهكذا نعلم أن كلمة "الكتاب" إذا أطلقت ينصرف في العقائد إلى القرآن الكريم، وكلمة الكتاب إذا أطلقت في النحو انصرفت إلى كتاب سيبوية الذي يضم قواعد النحو. ويتابع سبحانه في وصف القرآن الكريم:

{والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون "1"}
(سورة الرعد)ونعلم أن مراد الذي يخالف الحق هو أن يكسب شيئاً من رواء تلك المخالفة. وقد قال سبحانه في أواخر سورة يوسف:

{وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين "103"}
(سورة يوسف)

ثم وصف القرآن الكريم، فقال تعالى:

{ما كان حديثاً يفتري ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيءٍ وهدىً ورحمة لقوم يؤمنون "111"}
(سورة يوسف)

وهكذا نرى أن الحق سبحانه لا يريد الكسب منكم، لكنه شاء أن ينزل هذا الكتاب لتكسبوا أنتم:

{ولكن أكثر الناس لا يؤمنون "1"}
(سورة الرعد)

أي: أن أكثر من دعوتهم إلى الإيمان بهذا الكتاب الحق لا يؤمنون بأنه نزل إليك من ربك؛ لأنهم لم يحسنوا تأمل ما جاء فيه؛ واستسلموا للهوى. وأرادوا السلطة الزمنية، ولم يلتفتوا إلى أن ما جاء بهذا الكتاب هو الذي يعطيهم خير الدنيا والآخرة. ويقول سبحانه بعد ذلك:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 07:53 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 2

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون "2")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكلمة "الله" علم على واجب الوجود؛ مطمورة فيه كل صفات الكمال؛ ولحظة أن تقول "الله" كأنك قلت "القادر" "الضار" "النافع" "السميع" "البصير" "المعطي" إلى آخر أسماء الله الحسنى.

<ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "كل عمل لا يبدأ باسم الله هو أبتر">

لأن كل عمل لا يبدأ باسمه سبحانه؛ لا تستحضر فيه أنه سبحانه قد سخر لك كل الأشياء، ولم تسخر أنت الأشياء بقدرتك. ولذلك، فالمؤمن هو من يدخل على أي عمل بحيثية "بسم الله الرحمن الرحيم"؛ لأنه سبحانه هو الذي ذلل للإنسان كل شيء، ولو لم يذللها لما استجابت لك أيها الإنسان.
وقد أوضح الحق سبحانه ذلك في أمثلة بسيطة؛ فنجد الطفل الصغير يمسك بحبل ويربطه في عنق الجمل، ويأمره بأن "ينخ" ويركع على أربع؛ فيمتثل الجمل لذلك. ونجد البرغوث الصغير؛ يجعل الإنسان ساهراً الليل كله عندما يتسلل إلى ملابسه؛ ويبذل هذا الإنسان الجهد الجهيد ليمسك به؛ وقد يستطيع ذلك؛ وقد لا يستطيع.
وهكذا نعرف أن أحداً لم يسخر أي شيء بإرادته أو مشيئته، ولكن الحق سبحانه هو الذي يذلل كل الكائنات لخدمة الإنسان. والحق سبحانه هو القائل:

{وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون "72"}
(سورة يس)

وأنت حين تقبل على أي عمل يحتاج إلى قدرة فتقول: "باسم القادر الذي أعطاني بعض القدرة". وإن أقبلت على عمل يحتاج مالاً؛ تقول: "باسم الغني الذي وهبني بعضاً من مال أقضي به حاجتي".
وفي كل عمل من الأعمال التي تقبل عليها تحتاج إلى قدرة؛ وحكمة؛ وغنى، وبسط؛ وغير ذلك من صفات الحق التي يسخر بها سبحانه لك كل شيء؛ فشاءت رحمته سبحانه أن سهل لنا أن نفتتح أي عمل باسمه الجامع لكل صفات الجمال والكمال "بسم الله الرحمن الرحيم".
ولذلك يسمونه "علم على واجب الوجود". وبقية الأسماء الحسنى صفات لا توجد بكمالها المطلق إلا فيه؛ فصارت كالاسم.
فالعزيز على إطلاقه هو الله. ولكنا نقول عن إنسان ما "عزيز قومه"، ونقول "الغني" على إطلاقه هو الله، ولكن نقول "فلان غني" و"فلان فقير". وهكذا نرى أنها صفات أخذت مرتبة الأسماء؛ وهي إذا أطلقت إنما تشير إليه سبحانه.
وعرفنا من قبل أن أسماء الله؛ إما أن تكون أسماء ذات؛ وإما أن تكون أسماء صفات؛ فإن كان الاسم لا مقابل له فهو اسم ذات؛ مثل: "العزيز". أما إن كان الاسم صفة الصفة والفعل، مثل "المعز" فلابد أن له مقابلاً، وهو هنا "المذل".
ولو كان يقدر أن يعز فقط؛ ولا يقدر أن يذل لما صار إلهاً، ولو كان يضر فقط، ولا ينفع أحداً لما استطاع أن يكون إلهاً، ولو كان يقدر أن يبسط، ولا يقدر أن يقبض لما استطاع أن يكون إلهاً.
وكل هذه صفات لها مقابلها؛ ويظهر فعلها في الغير؛ فسبحانه ـ على سبيل المثال ـ عزيز في ذاته؛ ومعز لغيره، ومذل لغيره. وكلمة "الله" هي الاسم الجامع لكل صفات الكمال، وهناك أسماء أخرى علمها الله لبعض من خلقه، وهناك أسماء ثالثة سنعرفها إن شاء الله حين نلقاه:

{وجوه يومئذ ناضرة "22" إلى ربها ناظرة "23"}
(سورة القيامة)

ونلحظ أن الحق سبحانه بدأ هذه الآية بالحديث عن العالم العلوي أولاً؛ ولم يتحدث عن الأرض؛ فقال:

{الله الذي رفع السماوات .. "2"}
(سورة الرعد)

وكلمة "رفع" إذا استعملتها استعمالاً بشرياً؛ تدل أن شيئاً كان في وضع ثم رفعته عن موضعه إلى أعلى؛ مثل قول الحق سبحانه:

{ورفع أبويه على العرش .. "100"}
(سورة يوسف)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 07:54 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 3

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون "3")</td> </tr> <tr> <td align="right">ويتابع الحق سبحانه سرد آياته الكونية في هذه الآية:

{مد الأرض .. "3"}
(سورة الرعد)

يعني أنها موجودة أمامك وممتدة، وبعض الناس يفهمون المد بمعنى البسط، ونقول: إن البسط تابع للمد. ولذلك وقف بعض العلماء وقالوا: ومن قال إن الأرض كروية؟
إن الحق سبحانه قال: إنها مبسوطة، وهو سبحانه الذي قال: إنه قد مد الأرض.
وقلت لهؤلاء العلماء: فلنفهم كلمة المد أولاً، ولنفهم أيضاً كلمة "الأرض" وهي التي تقف عليها أنت وغيرك، وتعيش عليها الكائنات، وتمتد شمالاً إلى القطب الشمالي، وجنوباً إلى القطب الجنوبي، أياً ما كنت في أي موقع فهي ممدودة شرقاً وغرباً. ومعنى:

{مد الأرض .. "3"}
(سورة الرعد)

تعني أنك إن وقفت في مكان وتقدمت منه؛ تجد الأرض ممدودة أمامك؛ ولا توجد حافة تنتهي لها، ولو أنها كانت مبسوطة لكان لها نهاية، ولكانت على شكل مثلث أو مربع أو مستطيل؛ ولكان لها حافة؛ ولوجدنا من يسير إلى تلك الحافة، هو يقول: "لقد وصلت لحافة الأرض؛ وأمامي الفراغ" ولم يحدث أن قال ذلك واحد من البشر.
وإذا ما سار إنسان على خط الاستواء مثلاً؛ فسيظل ماشياً على اليابسة أو راكباً لمركب تقطع به البحر أو المحيط ليصل إلى نفس النقطة التي بدأ منها سيره.
وهكذا نجد الأرض ممدودة غير محدودة، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض مكورة، بحيث إذا مشيت متتبعاً أي خط من خطوط العرض أو خطوط الطول لانتهت إلى النقطة التي بدأت منها سيرك.
وكان هذا هو الدليل الذي يقدمه العلماء على كروية الأرض؛ قبل أن يخترعوا فكرة التصوير من خارج الغلاف الجوي. ونأخذ من قول الحق سبحانه:

{وهو الذي مد الأرض .. "3"}
(سورة الرعد)

معنى آخر هو ضرورة أن ينظر الإنسان في هذا الامتداد؛ ومن تضيق به الحياة في مكان يمكنه أن يرحل إلى مكان آخر، فأرض الله واسعة، والحق سبحانه هو القائل:

{ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها .. "97"}
(سورة النساء)

ونعلم أن فساد العالم في زمننا إنما نشأ من فساد السياسات وزيادة الاضطرابات، وذلك واحد من نتائج تعوق مد الأرض فساعة يحاول إنسان أن يترك حدود موطنه؛ يجد الحراسات والعوائق عند حدود البلاد المجاورة، وتناسى الجميع قول الحق سبحانه:

{والأرض وضعها للأنام "10"}
(سورة الرحمن)

فسبحانه قد سخر الأرض وأخضعها للأنام كل الأنام، وإذا لم يتحقق هذا المبدأ القرآني؛ سيظل العالم في صراع؛ وستظل بعض من البلاد في حاجة للبشر وبعض من البلاد في ضيق من الرزق؛ لزيادة السكان عن إمكانات الأرض التي يعيشون عليها. وستظل هناك أرض بلا رجال؛ ورجال بلا أرض، نتيجة للحواجز المصطنعة بين البلاد. وحتى تحل هذه القضية ـ كما قلنا في الأمم المتحدة ـ لابد من تطبيق المبدأ القرآني:

{والأرض وضعها للأنام "10"}
(سورة الرحمن)

ومن تضيق به الأرض التي نشأ فيها فليسمح له بالهجرة. ويتابع سبحانه في نفس الآية:

{وجعل فيها رواسي وأنهار .. "3"}
(سورة الرعد)

والرواسي هي جمع "راسٍ" وهو الشيء الثابت. وسبحانه يقول:

{والجبال أرسها "32"}
(سورة النازعات)

وهكذا جاء الحق بالحكم الذي شاء أن تكون عليه الجبال، وفي آية أخرى يأتينا الله بعلة كونها رواسي؛ فيقول:

{وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم .. "31"}
(سورة الأنبياء)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 07:54 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 4

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون "4")</td> </tr> <tr> <td align="right">هذه الآية جاءت بشيء من التفصيل لقول الحق سبحانه في أواخر سورة يوسف:

{وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون "105"}
(سورة الرعد)

وتلك آية تنضم إلى قوله تعالى:

{رفع السماوات بغير عمدٍ ترونها .. "2"}
(سورة الرعد)

وتنضم إلى:

{يدبر الأمر يفصل الآيات .. "2"}
(سورة الرعد)

وتنضم إلى قوله سبحانه:

{وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهار ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار .. "3"}
(سورة الرعد)

وحين نتأمل قول الحق سبحانه:

{وفي الأرض قطع متجاورات .. "4"}
(سورة الرعد)

نجد أننا لا نستطيع أن نعرفها بأنها التي يعيش عليها أمثالنا؛ تلك هي الأرض، ولو أردنا تعريفها لأبهمناها، فهي أوضح من أن تعرف. وكلمة "قطع" تدل أول ما تدل على "كل" ينقسم إلى أجزاء، وهذا الكل هو جنس جامع للكلية؛ وفيه خصوصية تمييز قطع عن قطع. وأنت تسمع كلام العلماء عن وجود مناطق من الأرض تسمى حزام القمح، ومناطق أخرى تسمى حزام الموز؛ ومناطق حارة؛ وأخرى باردة. وقول الحق سبحانه:

{قطع متجاورات .. "4"}
(سورة الرعد)

هو قول يدل على الإعجاز؛ فعلى الرغم من أنها متجاورات إلا أن كلاً منها تناسب الطقس الذي توجد فيه؛ فزراعة الذرة تحتاج مناخاً معيناً؛ وكذلك زراعة الموز. وهكذا تجد كل منطقة مناسبة لما تنتجه، فالأرض ليست عجينة واحدة استطراقية، لا بل هي تربة مناسبة للجو الذي توجد به.
ومن العجيب أن فيها الأسرار التي يحتاجها الإنسان؛ هذا السيد الذي تخدمه كل الكائنات، فليست الأرض سائلة في التماثل؛ بل تختلف بما يناسب الظروف، فهناك قطعة سبخة لا تنبت؛ وأخرى خصبة تنبت.
بل وتختلف الخصوبة من موقع إلى آخر؛ ومن قطعة إلى أخرى؛ فثمرة الجوافة من شجرة معينة في منطقة معينة تختلف عن ثمرة الجوافة من شجرة في منطقة أخرى؛ والقمح في منطقة معينة يختلف عن القمح في منطقة أخرى؛ ويقال لك "إنه قمح فلان". ويحدث ذلك رغم أن الأرض تسقى بماء واحد.
ويقول العلماء البعيدون عن منطق السماء: "إن السبب في الاختلاف هو عملية الاختيار والانتخاب". وكأنهم لا يعرفون أن الاختيار يتطلب مختراً، وأن يكون له عقل يفكر به ليختار، وكذلك الانتخاب فهل البذيرات تملك عقلاً تفكر به وتختار؟ طبعاً لا.
ويقولون: إن النبات يتغذى بالخاصية الشعرية، ونعلم أن الأنابيب الشعرية التي نراها في المعامل تكون من الزجاج الرفيع؛ وإذا وضعناها في حوض ماء، فالماء يرتفع فيها على مستوى الإناء.
وإن صدقنا العلماء في ذلك، فكيف نصدقهم في أن شجرة ما تأخذ ماءً من الشجرة الأخرى؛ وتنتج كل منهما نفس الثمار؛ لكن ثمار شجرة تختلف عن الأخرى في الطعم؟
ونقول: إن كل شجرة تأخذ من الأرض ما ينفعها؛ ولذلك تختلف النباتات، ويحدث كل ذلك بقدرة الذي قدر فهدى. وهكذا نرى الأرض قطعاً متجاورات؛ منها ما يصلح لزراعة تختلف عن زراعة الأرض الأخرى.
وقد يقول بعض من الملاحدة: إن هذا الاختلاف بسبب الطبيعة والبيئة. وهؤلاء يتجاهلون أن الطبيعة في مجموعها هي الشمس التي تعطي الضوء والحرارة والإشعاع، والقمر أيضاً يعكس بعضاً من الضوء، والنجوم تهدي من يسير في الفلاة، وتيارات الهواء تتناوب ولها مسارات ومواعيد.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 07:54 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 5

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون "5")</td> </tr> <tr> <td align="right">والعجب هو أن تبدي دهشة من شيء لا تعرف سببه، وهذا التعجب لا يتأتى من الله؛ لأنه سبحانه يعلم كل شيء، فإذا صدر عجب من الله مثل قوله الحق:

{كيف تكفرون بالله .. "28"}
(سورة البقرة)

فمعنى هذا أنه سبحانه ينكر أن يكفر الإنسان مع قيام الأدلة على الإيمان؛ لكن بعضاً من الناس ـ رغم ذلك ـ يكفر بالله. وقول الحق سبحانه:

{وإن تعجب .. "5"}
(سورة الرعد)

هو خطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعجب من أنهم كانوا يسمونه قبل أن يبعثه الله رسولاً بالصادق الأمين؛ وبعد ما جاءت الرسالة قالوا: إنه ساحر كذاب.
فكيف يكون صادقاً أميناً ببشريته وذاتيته؛ ثم إذا أمده الحق سبحانه بالمدد الرسالي تتهمونه بالكذب؟ ألم يكن من الأجدر أن تقولوا إنه صار أكثر صدقاً؟ وهل من الممكن أن يكون صادقاً عندكم، ثم يكذب على الله؟
والتعجب أيضاً من أنهم أنكروا البعث من بعد الموت، رغم أنه سبحانه أوضح الأدلة على ذلك؛ ولكن المؤمنين وحدهم هم الذين استقبلوا أمر البحث بالتصديق؛ بمجرد أن أبلغهم به رسول الله مبلغاً عن ربه. ونجد الحق سبحانه وتعالى قد احترم فضول العقل البشري، فأوضح سبحانه ذلك ونصب الأدلة عليه؛ وأبلغنا أنه لم يعجز عن الخلق الأول؛ لذلك لن يعجز عن البعث.
فقد جاء بنا سبحانه من عدم، وفي البعث سيأتي بنا من موجود، ومن الغباء إذن أن يتشكك أحد في البعث، والمسرف على نفسه إنما ينكر البعث؛ لأنه لا يقدر على ضبط النفس؛ ويظن أنه بإنكار البعث لن يلقى المصير الأسود الذي سيلقاه في الآخرة.
ولذلك تجد المسرفين على أنفسهم يحاولون التشكيك في البعث ويأتي الحق سبحانه بتشكيكهم هذا في قول الحق سبحانه:

{وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر .. "24"}
(سورة الجاثية)

ولو أن الواحد منهم وضع مسألة البعث في يقينه لانصرف عن شهواته، بينما هو يريد أن ينطلق بالشهوات؛ ولذلك نجدهم يقولون:

{أئذا ضللنا في الأرض .. "10"}
(سورة السجدة)

وهم يقصدون بذلك أنهم بعد الموت سيصيرون تراباً، ويعودون إلى الأرض كعناصر وتراب تذروه الرياح، فكيف سيأتي بهم الله للبعث، وينشئهم من جديد؟ ويقول سبحانه:

{قال من يحيي العظام وهي رميم "78" قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم "79"}
(سورة يس)

ومن الكافرين من قال: سنصير تراباً، ثم نختلط بالتربة، ويتم زراعة هذه التربة، فتمتزج عناصرنا بما تنبته الأرض من فواكه وخضر وأشجار؛ ثم يأكل طفل من الثمرة التي تغذت بعناصرنا؛ فيصير بعض منا في مكونات هذا الطفل؛ والقياس يوضح أننا سوف نتناثر؛ فكيف يأتي بنا الله؟
كل ذلك بطبيعة الحال من وسوسة الشيطان ووحيه:

{وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم .. "121"}
(سورة الأنعام)

وأقول: لنفترض أن إنساناً قد مرض؛ وأصابه هزال، وفقد ثلاثين كيلوجراماً من وزنه، وما نزل من هذا الوزن لابد أنه قد ذهب إلى الأرض كعناصر اختلطت بها، ثم جاء طبيب قام بتشخيص الداء وكتب الدواء، وشاء الله لهذا المريض الشفاء واسترد وزنه، وعاد مرة أخرى لحالته الطبيعية؛ فهل الثلاثين كيلو جراماً التي استردها هي هي نفس الكمية بنوعيتها وخصوصيتها التي سبق أن فقدها؟ طبعاً لا.
وهكذا نفهم أن التكوين هو تكوين نسبي للعناصر، كذا من الحديث؛ كذا من الصوديوم؛ كذا من المغنسيوم؛ وهكذا. إذن: فالجزاء في اليوم الآخر عملية عقلية لازمة، يقول الحق:

{كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون "28"}
(سورة البقرة)

مادام هناك أمر؛ وهناك نهي؛ وهناك نهي؛ وهناك منهج واضح يبين كل شيء. وإن كنت تعجب يا محمد من الكفار وما يثيرونه من أقضية، فلك أن تعجب لأنها أمور تستحق العجب. والحق سبحانه حين يخاطب الخلق فهو يخاطبهم إما في أمر يشكون فيه، أو في أمر لا يشك فيه أحد.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
11-10-2011, 07:55 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 6

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب "6")</td> </tr> <tr> <td align="right">والاستعجال أن تطلب الشيء قبل زمنه، وتقصير الزمن عن الغاية، فأنت حين تريد غاية ما؛ فأنت تحتاج لزمن يختلف من غاية لأخرى، وحين تتعجل غاية، فأنت تريد أن تصل إليها قبل زمنها.
وكل اختيار للتعجل أو الاستبطاء له مميزاته وعيوبه، فهل الاستعجال هنا لمصلحة أمر مطلوب؟ إنهم هنا يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، وهذا دليل على اختلال وخلف موازين تفكيرهم، وقد سبق لهم أن قالوا:

{لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا "90" أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا "91" أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا .. "92"}
(سورة الإسراء)

وهكذا نجد هؤلاء الكافرين وهم يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، كما استعجلوا أن تنزل عليهم الحجارة، وهم لا يعرفون أن كل عذاب له مدة، وله ميعاد موقوت. ولم يفكروا في أن يقولوا: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه". بل إنهم قالوا:

{اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم "32"}
(سورة الأنفال)

وهكذا أوضح لنا الحق سبحانه ما وصلوا إليه من خلل في نفوسهم وفسادهم؛ ذلك أن مقاييسهم انتهت إلى الكفر، وليس أدل على فساد المقاييس إلا استعجالهم للسيئة قبل الحسنة؛ لأن العاقل حين يخير بين أمرين؛ فهو يستعجل الحسنة؛ لأنها تنفع، ويستبعد السيئة.
ومادامت نفوس هؤلاء الكافرين فاسدة؛ ومادامت مقاييسهم مختلة، فلابد أن السبب في ذلك هو الكفر.
إذن: فاستعجال السيئة قبل الحسنة بالنسبة للشخص أو للجماعة؛ دليل حمق الاختيار في البدائل؛ فلو أنهم أرادوا الاستعجال الحقيقي للنافع لهم؛ لاستعجلوا الحسنة ولم يستعجلوا السيئة. وهنا يقول الحق سبحانه:

{ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات .. "6" }
(سورة الرعد)

فلماذا يستعجلون العذاب؟ ألم ينظروا ما الذي حاق بالذين كذبوا الرسل من قبلهم؟ وحين يقول الرسول: احذروا أن يصيبكم عذاب، أو احذروا أن كذا وكذا؛ فهل في ذلك كذب؟ ولماذا لم ينظروا للعبر التي حدثت عبر التاريخ للأقوام التي كذبت الرسل من قبلهم؟
و"المثلات" جمع "مثلة"؛ وفي قول آخر "مثلة". والحق سبحانه يقول لنا:

{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .. "126"}
(سورة النحل)

ويقول أيضاً:

{وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها .. "40"}
(سورة الشورى)

وهكذا تكون "مثلات" من المثل؛ أي: أن تكون العقوبة مماثلة للفعل. وقول الحق سبحانه:

{وقد خلت من قبلهم المثلات .. "6"}
(سورة الرعد)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:48 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 7

</td> </tr> <tr> <td align="center">ونحن نعلم أن "لولا" إن دخلت على جملة اسمية تكون حرف امتناع لوجود؛ مثل قولك "لولا زيد عندك لزرتك"، أي: أن الذي يمنعك من زيارة فلان هو وجود زيد. ولو دخلت "لولا" على جملة فعلية؛ فالناطق بها يحب أن يحدث ما بعدها؛ مثل قولك "لولا عطفت على فلان" أو "لولا صفحت عن ولدك"، أي: أن في ذلك حضاً على أن يحدث ما بعدها. وظاهر كلام الكفار في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها أنهم يطلبون آية لتأييد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في البيان الذي يحمله من الحق لهم، وكأنهم بهذا القول ينكرون المعجزة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم، رغم أنهم أمة بلاغة وأدب وبيان، وأداء لغوي رائع؛ وأقاموا أسواقاً للأدب، وخصصوا الجوائز للنبوغ الأدبي؛ وعلقوا القصائد على جدران الكعبة، وتفاخرت القبائل بمن أنجبتهم من الشعراء ورجال الخطابة. فلما نزل القرآن من جنس نبوغكم؛ وتفوق على بلاغتكم؛ ولم تستطيعوا أن تأتوا بآية مثل آياته؛ كيف لم تعتبروه معجزة؛ وتطالبون بمعجزة أخرى كمعجزة موسى عليه السلام؛ أو كمعجزة عيسى عليه السلام؟ لقد كان عليكم أن تفخروا بالمعجزة الكاملة التي تحمل المنهج إلى قيام الساعة. ولكن الحمق جعلهم يطلبون معجزة غير القرآن، ولم يلتفتوا إلى المعجزات الأخرى التي صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يلتفتوا إلى أن الماء قد نبع من أصابع صلى الله عليه وسلم؛ والطعام القليل أشبع القوم وفاض منه، والغمامة قد ظللته، وجذع النخلة قد أنُ بصوت مسموع عندما نقل رسول الله منبره؛ بعد أن كان صلى الله عليه وسلم يخطب من فوق الجذع. وقد يكونون أصحاب عذر في ذلك؛ لأنهم لم يروا تلك المعجزات الحسية؛ بحكم أنهم كافرون؛ واقتصرت رؤياهم على من آمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم. وهكذا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحرم من المعجزات الكونية؛ تلك التي تحدث مرة واحدة وتنتهي؛ وهي حجة على من يراها؛ وقد جاءت لتثبت إيمان القلة المضطهدة؛ فحين يرون الماء متفجراً بين أصابعه، وهم مزلزلون بالاضطهاد؛ هنا يزداد تمسكهم بالرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن الكافرين لم يروا تلك المعجزات. <وكان عليهم الاكتفاء بالمعجزة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القرآن كافيني"> والقرآن معجزة من جنس ما نبغتم فيه أيها العرب، ومحمد رسول من أنفسكم، لم يأت من قبيلة غير قبيلتكم، ولسانه من لسانكم، وتعلمون أنه لم يجلس إلى معلم؛ ولا علم عنه أنه خطب فيكم من قبل، ولم يقرض الشعر، ولم يعرف عنه أنه خطيب من خطباء العرب. ولذلك جاء الحق سبحانه بالقول على لسانه: [{قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون "16"} (سورة يونس)] أي: أنني عشت بينكم ولم أتكلم بالبلاغة؛ ولم أنافس في أسواق الشعر؛ وكان يجب أن تؤمنوا أنه قول من لدن حكيم عليم. ولكن منهم من قال: "لقد كان يكتم موهبته وقام بتأجيلها". وهؤلاء نقول لهم: هل يمكن أن يعيش طفل يتيم الأب وهو في بطن أمه؛ ثم يتيم الأم وهو صغير، ويموت جده وهو أيضاً صغير، ورأى تساقط الكبار من حوله بلا نظام في التساقط؛ فقد ماتوا دون مرض أو سبب ظاهر؛ أكان مثل هذا الإنسان يأمن على نفسه أن يعيش إلى عمر الأربعين ليعلن عن موهبته؟ ثم من قال: إن العبقرية تنتظر إلى الأربعين لتظهر؟ وكلنا يعلم أن العبقريات تظهر في أواخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث. ورغم عدم اعترافكم بمعجزة القرآن؛ هاهو الحق سبحانه يجري على ألسنتكم ما أخفيتموه في قلوبكم؛ ويظهره الناس في محكم كتابه: [{وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيمٍ "31"} (سورة الزخرف)] وهكذا اعترفتم بعظمة القرآن؛ وحاولتم أن تغالطوا في قيمة المنزل عليه القرآن. ويقول سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: [{ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه .. "7"} (سورة الرعد)]</td> </tr> <tr> <td align="right">ونحن نعلم أن "لولا" إن دخلت على جملة اسمية تكون حرف امتناع لوجود؛ مثل قولك "لولا زيد عندك لزرتك"، أي: أن الذي يمنعك من زيارة فلان هو وجود زيد. ولو دخلت "لولا" على جملة فعلية؛ فالناطق بها يحب أن يحدث ما بعدها؛ مثل قولك "لولا عطفت على فلان" أو "لولا صفحت عن ولدك"، أي: أن في ذلك حضاً على أن يحدث ما بعدها.
وظاهر كلام الكفار في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها أنهم يطلبون آية لتأييد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في البيان الذي يحمله من الحق لهم، وكأنهم بهذا القول ينكرون المعجزة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم، رغم أنهم أمة بلاغة وأدب وبيان، وأداء لغوي رائع؛ وأقاموا أسواقاً للأدب، وخصصوا الجوائز للنبوغ الأدبي؛ وعلقوا القصائد على جدران الكعبة، وتفاخرت القبائل بمن أنجبتهم من الشعراء ورجال الخطابة.
فلما نزل القرآن من جنس نبوغكم؛ وتفوق على بلاغتكم؛ ولم تستطيعوا أن تأتوا بآية مثل آياته؛ كيف لم تعتبروه معجزة؛ وتطالبون بمعجزة أخرى كمعجزة موسى عليه السلام؛ أو كمعجزة عيسى عليه السلام؟ لقد كان عليكم أن تفخروا بالمعجزة الكاملة التي تحمل المنهج إلى قيام الساعة.
ولكن الحمق جعلهم يطلبون معجزة غير القرآن، ولم يلتفتوا إلى المعجزات الأخرى التي صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يلتفتوا إلى أن الماء قد نبع من أصابع صلى الله عليه وسلم؛ والطعام القليل أشبع القوم وفاض منه، والغمامة قد ظللته، وجذع النخلة قد أنُ بصوت مسموع عندما نقل رسول الله منبره؛ بعد أن كان صلى الله عليه وسلم يخطب من فوق الجذع. وقد يكونون أصحاب عذر في ذلك؛ لأنهم لم يروا تلك المعجزات الحسية؛ بحكم أنهم كافرون؛ واقتصرت رؤياهم على من آمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم.
وهكذا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحرم من المعجزات الكونية؛ تلك التي تحدث مرة واحدة وتنتهي؛ وهي حجة على من يراها؛ وقد جاءت لتثبت إيمان القلة المضطهدة؛ فحين يرون الماء متفجراً بين أصابعه، وهم مزلزلون بالاضطهاد؛ هنا يزداد تمسكهم بالرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن الكافرين لم يروا تلك المعجزات.

<وكان عليهم الاكتفاء بالمعجزة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القرآن كافيني">

والقرآن معجزة من جنس ما نبغتم فيه أيها العرب، ومحمد رسول من أنفسكم، لم يأت من قبيلة غير قبيلتكم، ولسانه من لسانكم، وتعلمون أنه لم يجلس إلى معلم؛ ولا علم عنه أنه خطب فيكم من قبل، ولم يقرض الشعر، ولم يعرف عنه أنه خطيب من خطباء العرب. ولذلك جاء الحق سبحانه بالقول على لسانه:

{قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون "16"}
(سورة يونس)

أي: أنني عشت بينكم ولم أتكلم بالبلاغة؛ ولم أنافس في أسواق الشعر؛ وكان يجب أن تؤمنوا أنه قول من لدن حكيم عليم. ولكن منهم من قال: "لقد كان يكتم موهبته وقام بتأجيلها". وهؤلاء نقول لهم: هل يمكن أن يعيش طفل يتيم الأب وهو في بطن أمه؛ ثم يتيم الأم وهو صغير، ويموت جده وهو أيضاً صغير، ورأى تساقط الكبار من حوله بلا نظام في التساقط؛ فقد ماتوا دون مرض أو سبب ظاهر؛ أكان مثل هذا الإنسان يأمن على نفسه أن يعيش إلى عمر الأربعين ليعلن عن موهبته؟
ثم من قال: إن العبقرية تنتظر إلى الأربعين لتظهر؟ وكلنا يعلم أن العبقريات تظهر في أواخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث. ورغم عدم اعترافكم بمعجزة القرآن؛ هاهو الحق سبحانه يجري على ألسنتكم ما أخفيتموه في قلوبكم؛ ويظهره الناس في محكم كتابه:

{وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيمٍ "31"}
(سورة الزخرف)

وهكذا اعترفتم بعظمة القرآن؛ وحاولتم أن تغالطوا في قيمة المنزل عليه القرآن. ويقول سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه .. "7"}
(سورة الرعد)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:49 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 8

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار "8")</td> </tr> <tr> <td align="right">وما المناسبة التي يقول فيها الحق ذلك؟
لقد شاء الحق سبحانه أن يؤكد مسألة أن لكل قوم هادياً، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو منذر، وأن طلبهم للآيات المعجزة هو ابن لرغبتهم في تعجيز الرسول صلى الله عليه وسلم. ولو جاء لهم الرسول بآية مما طلبوا لأصروا على الكفر، فهو سبحانه العالم بما سوف يفعلون، لأنه يعلم ما هو أخفى من ذلك؛ يعلم ـ على سبيل المثال ـ ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد.
ونحن نعلم أن كل أنثى حين يشاء الله لها أن تحبل؛ فهي تحمل الجنين في رحمها؛ لأن الرحم هو مستقر الجنين في بطن الأم. وقوله تعالى:

{وما تغيض الأرحام وما تزداد .. "8"}
(سورة الرعد)

أي: ما تنقص وما تذهب من السقط في أي إجهاض، أو ما ينقص من المواليد بالموت؛ فغاضت الأرحام، أي: نزلت المواليد قبل أن تكتمل خلقتها؛ كأن ينقص المولود عيناً أو إصبعاً؛ أو تحمل الخلقة زيادة تختلف عما نألفه من الخلق الطبيعي؛ كأن يزيد إصبع أو أن يكون برأسين.
أو أن تكون الزيادة في العدد؛ أي: أن تلد المرأة توأمان أن أكثر، أو أن تكون الزيادة متعلقة بزمن الحمل.
وهكذا نعلم أنه سبحانه يعلم ما تغيض الأرحام. أي: ما تنقصه في التكوين العادي أو تزيده، أو يكون النظر إلى الزمن؛ كأن يحدث إجهاض للجنين وعمره يوم أو شهر أو شهران، ثم إلى ستة أشهر؛ وعند ذلك لا يقال إجهاض؛ بل يقال ولادة.
وهناك من يولد بعد ستة شهور من الحمل أو بعد سبعة شهور أو ثمانية شهور؛ وقد يمتد الميلاد لسنتين عند أبي حنيفة؛ وإلى أربع سنوات عند الشافعي؛ أو لخمس سنين عند الإمام مالك، ذلك أن مدة الحمل قد تنقص أو تزيد.
ويقال: إن الضحاك ولد لسنتين في بطن أمه، وهرم بن حيان ولد لأربع سنين؛ وظل أهل أمه يلاحظون كبر بطنها؛ واختفاء الطمس الشهري طوال تلك المدة؛ ثم ولدت صاحبنا؛ ولذلك سموه "هرم" أي: شاب وهو في بطنها.
وهكذا نفهم معنى "تغيض" نقصاً أو زيادة؛ سواء في الخلقة أو للمدة الزمنية. ويقول الحق سبحانه:

{وكل شيءٍ عنده بمقدار "8"}
(سورة الرعد)

والمقدار هو الكمية أو الكيف؛ زماناً أو مكاناً، أو مواهب ومؤهلات. وقد عدد الحق سبحانه
مفاتيح الغيب الخمس حين قال:

{إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام .. "34"}
(سورة لقمان)

وقد حاول البعض أن يقيموا إشكالاً هنا، ونسبوه إلى الحضارة والتقدم العلمي، وهذا التقدم يتطرق إليه الاحتمال، وكل شيء يتطرق إليه الاحتمال يبطل به الاستدلال، وذلك بمعرفة نوعية الجنين قبل الميلاد، أهو ذكر أم أنثى؟ وتناسوا أن العلم لم يعرف أهو طويل أم قصير؟ ذكي أم غبي؟ شقي أم سعيد؟ وهذا ما أعجز الأطباء والباحثين إلى اليوم وما بعد اليوم. ثم إن سألت كيف عرف الطبيب ذلك؟
إنه يعرف هذا الأمر من بعد أن يحدث الحمل؛ ويأخذ عينة من السائل المحيط بالجنين، ثم يقوم بتحليلها، لكن الله يعلم دون أخذ عينة، وهو سبحانه الذي قال لواحد من عباده:

{يا زكريا إنا نبشرك بغلامٍ اسمه يحيى .. "7"}
(سورة مريم)

وهكذا نعلم أن علم الله لا ينتظر عينة أو تجربة، فعلمه سبحانه أزلي؛ منزه عن القصور، وهو يعلم ما في الأرحام على أي شكل هو أو لون أو جنس أو ذكاء أو سعادة أو شقاء أو عدد.
وشاء سبحانه أن يجلي طلاقة قدرته في أن تحمل امرأة زكريا عليه السلام في يحيى عليه السلام، وهو الذي خلق آدم بلا أب أو أم؛ ثم خلق حواء من أب دون أم؛ وخلق عيسى من أم دون أب، وخلقنا كلنا من أب وأم، وحين تشاء طلاقة القدرة؛ يقول سبحانه:

{كن فيكون "82"}
(سورة يس)

والمثل ـ كما قلت ـ هو في دخول زكريا المحراب على مريم عليها السلام؛ فوجد عندها رزقاً؛ فسألها:

{إني لك هذا .. "37"}
(سورة آل عمران)

قالت:

{هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حسابٍ "37"}
(سورة آل عمران)

وكان زكريا يعلم أن الله يرزق من يشاء بغير حساب؛ ولكن هذا العلم كان في حاشية شعوره؛ واستدعاه قول مريم إلى بؤرة الشعور، فزكريا يعلم علم اليقين أن الله هو وحده من يرزق بغير حساب.
وما أن يأتي هذا القول محركاً لتلك الحقيقة الإيمانية من حافة الشعور إلى بؤرة الشعور؛ حتى يدعو زكريا ربه في نفس المكان ليرزقه بالولد؛ فيبشره الحق بالولد. وحين يتذكر زكريا أنه قد بلغ من الكبر عتياً، وأن امرأته عاقر؛ فيذكره الحق سبحانه بأن عطاء الولد أمر هين عليه سبحانه:

{قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً "9"}
(سورة مريم)
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:49 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 9

</td> </tr> <tr> <td align="center">(عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال "9")</td> </tr> <tr> <td align="right">ومن كل شيء عنده بمقدار؛ لا يغيب عنه شيء أبداً، وما يحدث لأي إنسان في المستقبل بعد أن يولد هو غيب؛ لكن المطلع عليه وحده هو الله. وكأن هناك "نموذجاً" مصغراً يعلمه الله أولاً؛ وإن اطلع عليه الإنسان في أواخر العمر؛ لوجده مطابقاً لما أراده وعلمه الله أولاً؛ فلا شيء يتأبى عليه سبحانه؛ فكل شيء عنده بمقدار.
وهو عالم الغيب والشهادة؛ يعلم ما خفي من حجاب الماضي أو المستقبل، وكل ما غاب عن الإنسان، ويعلم ـ من باب أولى ـ المشهود من الإنسان، فلم يقتصر علمه على الغيب، وترك المشهود بغير علم منه؛ لا بل هو يعلم الغيب ويعلم المشهود:

{عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال "9"}
(سورة الرعد)

والكبير اسم من أسماء الله الحسنى؛ وهناك من تساءل: ولماذا لا يوجد "الأكبر" ضمن أسماء الله الحسنى؛ ويوجد فقط قولنا "الله اكبر" في شعائر الصلاة؟
وأقول: لأن مقابل الكبير الصغير، وكل شيء بالنسبة لموجده هو صغير. ونحن نقول في أذان الصلاة "الله اكبر"؛ لأنه يخرجك من عملك الذي أوكله إليك، وهو عمارة الكون؛ لتستعين به خلال عبادتك له وتطبيق منهجه، فيمدك بالقوة التي تمارس بها إنتاج ما تحتاجه في حياتك من مأكل، وملبس، وستر عورة.
إذن: فكل الأعمال مطلوبة حتى لإقامة العبادة، فإياك أن تقول: إن الله كبير والباقي صغير، لأن الباقي فيه من الأمور ما هو كبير من منظور أنها نعم من المنعم الأكبر؛ ولكن الله اكبر منا؛ ونقولها حين يطلب منا أن نخرج من أعمالنا لنستعين بعبادته سبحانه.
ونعلم أن العمل مطلوب لعمارة الكون، ومطلوب حتى لإقامة العبادة، ولن توجد لك قوة لتعبد ربك لو لم يقوك ربك على عبادته؛ فهو الذي يستبقي لك قوتك بالطعام والشراب، ولن تطعم أو تشرب؛ لو لم تحرث وتبذر وتصنع، وكل ذلك يتيح لك قوة لتصلي وتزكي وتحج؛ وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وسبق أن قلت: إن الحق سبحانه حينما نادانا لصلاة الجمعة قال:

{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون "9"}
(سورة الجمعة)

وهكذا يخرجنا الحق سبحانه من أعمالنا إلى الصلاة الموقوتة؛ ثم يأتي قول الحق سبحانه:

{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون "10"}
(سورة الجمعة)

وهكذا أخرجنا سبحانه من العمل، وهو أمر كبير إلى ما هو اكبر؛ وهو أداء الصلاة. وقول الحق سبحانه في وصف نفسه (المتعال) يعني أنه المنزه ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً؛ فلا ذات كذاته؛ ولا صفة كصفاته، ولا فعل كفعله، وكل ما له سبحانه يليق به وحده، ولا يتشابه أبداً مع غيره. ويقول سبحانه من بعد ذلك:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:49 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 10

</td> </tr> <tr> <td align="center">(سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار "10")</td> </tr> <tr> <td align="right">وساعة تسمع كلمة "سواء" فالمقصود بها عدد لا يقل عن اثنين، فنقول "سواء زيد وعمرو" أو "سواء زيد وعمر وبكر وخالد". والمقصود هنا أنه مادام الحق سبحانه عالم الغيب والشهادة؛ فأي سر يوجد لابد أن يعلمه سبحانه، وهو سبحانه القائل:

{الرحمن على العرش استوى "5" له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى "6" وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى "7"}
(سورة طه)

وهل السر هو ما ائتمنت عليه غيرك؟ إذا كان السر هو ذلك؛ فالأخفى هو ما بقى عندك، وإن كان السر بمعنى ما يوجد عندك ولم تقله لأحد؛ فسبحانه يعلمه قبل أن يكون سراً. ويتابع سبحانه:

{ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار "10"}
(سورة الرعد)

وهكذا جمع الحق سبحانه هنا كل أنواع العمل؛ فالعمل كما نعلم هو شغل الجوارح بمتعلقاتها؛ فعمل اللسان أن يقول وأن يذوق، وعمل الأيدي أن تفعل، وعمل الأذن أن تسمع، وعمل القلب هو النية، والعمل كما نعلم يكون مرة قولاً، ومرة يكون فعلاً.
وهكذا نجد "القول" وقد أخذ مساحة نصف "العمل"، لأن البلاغ عن الله قول، وعمل الجوارح خاضع لمقول القول من الحق سبحانه وتعالى.
ولذلك أوضح لنا الحق سبحانه أن العمل هو كل فعل متعلق بالجوارح؛ وأخذ القول شقاً بمفرده؛ وأخذت أفعال الجوارح الشق الآخر؛ لأن عمل بقية الجوارح يدخل في إطار ما سمع من منهج الله. ولذلك تجمع الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها كل العمل من قول وفعل:

{سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار "10"}
(سورة الرعد)

ومن يستخفي بالليل لابد أنه يدبر أمراً؛ كأن يريد أن يتسمع ما وراء كل حركة؛ أو ينظر ما يمكن أن يشاهده، وكذلك من يبرز ويظهر في النهار فالله عالم به. وكان على الكفار أن ينتبهوا لأمر عجيب كانوا يسرونه في أنفسهم؛ لحظة أن حكى الله؛ فقال:

{ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول "8"}
(سورة المجادلة)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:50 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 11

</td> </tr> <tr> <td align="center">(له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال "11")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكلمة (له) تفيد النفعية، فإذا قلت "لك كذا" فهي عكس أن نقول "عليك كذا". وحين يقول سبحانه:

{له معقبات .. "11" }
(سورة الرعد)

فكأن المعقبات لصالح الإنسان. و"معقبات" جمع مؤنث، والمفرد "معقبة"، أي: أن للحق سبحانه وتعالى ملائكة يتناوبون على حراسة الإنسان وحفظه ليلاً ونهاراً من الأشياء التي لا يمكن الاحتراز منها.
والمثل هو تلك الإحصاءات التي خرجت عن البشر الذين تلدغهم الثعابين، فقد ثبت أنها لا تلدغهم وهم نائمون؛ بل في أثناء صحوتهم؛ أي: ساعة يكونون في ستر النوم فهناك ما يحفظهم؛ أما في اليقظة فقد يتصرف الإنسان بطيش وغفلة فتلدغه الأفعى.
ونحن نقول في أمثالنا الشعبية: "العين عليها حارس"؛ ونلحظ كثيراً من الأحداث التي تبدو لنا غريبة كأن يسقط طفل من نافذة دور علوي؛ فلا يصاب بسوء؛ لأن الحق سبحانه شاء أن تحفظه الملائكة المعقبات من السوء؛ لأن مهمة الحفظة أن يحفظوا الإنسان من كل سوء.
وهكذا نرى أن الحق سبحانه قد أعد للإنسان الكون قبل أن يخلقه ليستخلفه فيه؛ أعد السماوات وأعد الأرض؛ وسخر الشمس والقمر؛ وأخرج الثمرات؛ وجعل الليل يغشى النهار.
كل ذلك أعده سبحانه للخليفة قبل أن يوجد الخليفة؛ وهو سبحانه قيوم على هذا الخليفة؛ فيصونه أيضاً بعد الخلق، ولا يدعه لمقومات نفسه ليدافع عنها فيما لا يستطيع الدفاع عنها، ويكلف الله الملائكة المعقبات بذلك.
وقد ينصرف معنى المعقبات إلى الملائكة الذين يتعقبون أفعال الإنسان وكتابة حسناته وكتابة سيئاته، ويمكن أن يقوما بالعملين معاً؛ حفظه وكتابة أعماله، فإن كتبوا له الحسنات فهذا لصالحه.
ولقائل أن يقول: ولكنهم سيكتبون السيئات؛ وهذه على الإنسان وليست له. وأقول: لا؛ ويحسن أن نفهم جيداً عن المشروع الأعلى؛ ونعلم أن الإنسان إذا ما عرف أن السيئة ستحسب عليه وتحصى؛ وتكتب؛ يمسك كتابه ليقرأه؛ فلسوف يبتعد عن فعل السيئات.
وهكذا يكون الأمر في مصلحته، مثله مثل الطالب الذي يرى المراقب في لجنة الامتحان، فلا يكرهه؛ لأنه يحمي حقه في الحصول على التقدير الصحيح؛ بدلاً من أن يغش غيره، فيأخذ فرصة اكبر منه في التقدير والنجاح؛ فضلاً عن أن كل الطلبة يعلمون أن وجود المراقب اليقظ هو دافع لهم للمذاكرة.
ولذلك أقول دائماً: إياك أن تكره أن يكون لك أعداء؛ لأن الذي يغر الإنسان في سلوكه هو نفاق أصحابه له، أما عدوك فهو يفتح عينيه عليك طوال الوقت؛ ولذلك فأنت تحذر أن تقع في الخطأ. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

عداي لهم فضل علي وميزة فهم كالدواء والشفاء لمزمن هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها فتعدي لهم شكر على نفعهم ليا فلا أبعد الرحمان عني الأعاديا فأصبحت مما ذله العرب خاليا

إذن: فكتابة الحسنات والسيئات هي مسألة لصالح الإنسان؛ وحين يتعاقبون على الإنسان؛ فكأنهم يصنعون دوريات لحماية الفرد؛

ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر؛ فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم ـ وهو أعلم بكم ـ: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون">

وكأن الملائكة دوريات. ويقول الحق سبحانه:

{إن قرآن الفجر كان مشهوداً "78"}
(سورة الإسراء)

أي: أن ملائكة الليل يشهدون؛ ومعهم ملائكة النهار. وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ملحوظ فيه الوقت الزمني للحركة الإنسانية؛ فكل حركات الإنسان وعمله يكون من الصبح إلى العصر، ثم يرتاح الإنسان غالباً من بعد ذلك؛ ثم ينام.
والمعقبات يكن من بين يدي الإنسان ومن خلفه؛ و (من بين يديه) من أجل الرصد، ولذلك وجدنا أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أثناء الهجرة النبوية كان يسير بعض الوقت أمام النبي صلى الله عليه وسلم؛ وكان يسير البعض الآخر خلف النبي صلى الله عليه وسلم. كان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يتقدم ليرقب: هل هناك من يرصد الرسول أم لا؟ ثم يتراجع إلى الخلف ليمسح كل المكان بنظره ليرقب: أهناك من يتتبعهما؟ وهكذا حرص أبو بكر على أن يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم من الرصد أو التربص.
ويقول الحق سبحانه:

{له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله .. "11"}
(سورة الرعد)

والسطحي يقول: إن تلك الملائكة يحفظون الإنسان من الأمر المراد به من الله.
ونقول: إن الله لم ينزل الملائكة ليعارضوا قدره؛ وهذا الحفظ لا يكون من ذات الإنسان لنفسه، أو من الملائكة ضد قدر الله؛ والمعنى هنا ينصرف إلى أن الملائكة إنما يحفظون الإنسان بأمر الله. ولذلك نجد في القرآن قول الحق سبحانه:

{مما خطيئاتهم أغرقوا .. "25"}
(سورة نوح)

أي: بسبب خطيئتهم أغرقوا، فإياك أن تظن أن الملائكة يحفظون الإنسان من قدر الله؛ لأننا نعلم أن الحق سبحانه إذا أراد أمراً فلا راد له. ويتابع سبحانه:

{إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم .. "11"}
(سورة الرعد)

وهو سبحانه الذي خلق الكون الواسع بكل أجناسه؛ جماداً ونباتاً وحيواناً وأفلاكاً وأملاكاً؛ وجعل كل ذلك مسخراً للإنسان؛ ثم يحفظ الحق سبحانه الإنسان ويصونه بقيوميته. وقد يقول قائل: ولماذا إذن تحدث الابتلاءات لبعض من الناس؛ رغم أنه سبحانه قد قال إنه يحفظهم؟
ونقول: إن تلك الابتلاءات إنما تجري إذا ما غير البشر من منهج الله؛ لأن الصيانة تقوم ما قام بالمنهج. واقرءوا قول الحق سبحانه:

{وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون "112"}
(سورة النحل)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:50 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 12

</td> </tr> <tr> <td align="center">(هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال"12")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكلنا يعرف البرق، ونحن نستقبله بالخوف مما يزعج وبالطمع فيما يحب ويرغبن فساعة يأتي البرق فنحن نخاف من الصواعق؛ لأن الصواعق عادة تأتي بعد البرق؛ أو تأتي السحابات الممطرة.
وهكذا يأتي الخوف والطمع من الظاهرة الواحدة. أو: أن يكون الخوف لقوم؛ والرجاء والطمع لقوم آخرين.
والمثل الذي أضربه لذلك دائماً هو قول أحد المقاتلين العرب وصف سيفه بأنه "فتح لأحبابه، وحتف لأعدائه".
والمثل الآخر الذي أضربه ما رواه لنا أمير بلدة اسمها "الشريعة" وهي تقع بين الطائف ومكة؛ وقد حدثنا أمير الشريعة عام 1953 عن امرأة صالحة تحفظ القرآن؛ اسمها "آمنة".
هذه المرأة كان لها بنتان؛ تزوجتا؛ وأخذ كل زوج زوجته إلى محل إقامته؛ وكان أحد زوجي البنتين يعمل في الزراعة؛ والآخر يعمل بصناعة "الشرك". وقالت آمنة لزوجها: ألا تذهب لمعرفة أحوال البنتين؟ فذهب الرجل لمعرفة أحوال البنتين، فكان أول من لقي في رحلته هي ابنته المتزوجة ممن يحرث ويبذر، فقال لها: كيف حالك وحال زوجك وحال الدنيا معك أنت وزوجك؟
قالت: يا أبت، أنا معه على خير، وهو معي على خير، وأما حال الدنيا؛ فادع لنا الله أن ينزل المطر؛ لأننا حرثنا الأرض وبذرنا البذور؛ وفي انتظار ري السماء.
فرفع الأب يديه إلى السماء وقال: اللهم إني أسألك الغيث لها.
وذهب إلى الأخرى؛ وقال لها: ما حالك؟ وما حال زوجك؟
فقالت: خير، وأرجوك يا أبي أن تدعو لنا الله أن يمنع المطر؛ لأننا قد صنعنا الشراك من الطين؛ ولو أمطرت لفسدت الشرك، فدعا لها.
وعاد إلى امرأته التي سألته عن حال البنتين؛ فبدا عليه الضيق وقال: هي سنة سيئة على واحدة منهما، وروي لها حال البنتين؛ وأضاف: ستكون سنة مرهقة لواحدة منهما.
فقالت له آمنة: لو صبرت؛ لقلت لك: إن ما تقوله قد لا يتحقق؛ وسبحانه قادر على ذلك.
قال لها: ونعم بالله، قولي لي كيف؟ فقال آمنة: ألم تقرأ قول الله:

{ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء .."43"}
(سورة النور)

فسجد الرجل لله شكراً أن رزقه بزوج تعينه على أمر دينه، ودعا: اللهم اصرف عن صاحب الشراك المطر؛ وأفض بالمطر على صاحب الحرث. وقد كان. وهذا المثل يوضح جيداً معنى الخوف والطمع عند رؤية الرعد:

{هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً .. "12"}
(سورة الرعد)

إما من النفس الواحدة بأن يخاف الإنسان من الصواعق، ويطمع في نزول المطر، أو من متقابلين؛ واحد ينفعه هذا؛ وواحد يضره هذا. ويضيف الحق سبحانه:

{وينشئ السحاب الثقال "12"}
(سورة الرعد)

ونحن نعلم أن السحاب هو الغيم المتراكم؛ ويكون ثقيلاً حين يكون معبئاً؛ وهو عكس السحاب الخفيف الذي يبدو كنتف القطن.
ويقال عند العرب: "لا تستبطئ الخيل؛ لأن أبطأ الدلاء فيضاً أملؤها، وأثقل السحاب مشياً أحفلها".
فحين تنزل الدلو في البئر؛ وترفعه؛ فالدلو الملآن هو الذي يرهقك حين تشده من البئر؛ أما الدلو الفارغ فهو خفيف لحظة جذبه خارج البئر؛ وكذلك السحاب الثقال تكون بطيئة لما تحمله من ماء.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:50 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 13

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال"13")</td> </tr> <tr> <td align="right">وسبق أن جاء الحق سبحانه بذكر البرق وهو ضوئي؛ وهنا يأتي بالرعد وهو صوتي، ونحن نعرف أن سرعة الضوء أسرع من سرعة الصوت؛ ولذلك جاء بالبرق أولاً، ثم جاء بالرعد من بعد ذلك.
وحين يسمع أحد العامة واحداً لا يعجبه كلامه؛ يقول له "سمعت الرعد"؛ أي: يطلب له أن يسمع الصوت المزعج الذي يتعب من يسمعه. ولنا أن ننتبه أن المزعجات في الكون إذا ما ذكرت مسبحة لربها فلا تنزعج منها أبداً، ولا تظن أنها نغمة نشاز في الكون، بل هي نغمة تمتزج ببقية أنغام الكون.
ونحن نفهم أن التسبيح للعاقل القادر على الكلام، ولكن هذا عند الإنسان؛ لأن الذي خلق الكائنات كلها علمها كيف تتفاهم، مثلما علم الإنسان كيف يتفاهم مع بني جنسه؛ وكذلك علم كل جنس لغته. وكلنا نقرأ في القرآن ماذا قالت النملة حين رأت جنود سليمان:

{ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون "18"}
(سورة النمل)

وقد سمعها سليمان عليه السلام؛ لأن الله علمه منطق تلك اللغات، ونحن نعلم أن الحق سبحانه علم سليمان منطق الطير، قال تعالى:

{علمنا منطق الطير .. "16"}
(سورة النمل)

ألم يتخاطب سليمان عليه السلام مع الهدهد وتكلم معه؟ بعد أن فك سليمان بتعليم الله له شفرة حديث الهدهد؛ وقال الهدهد لسليمان:

{أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين "22" إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم "23"}
(سورة النمل)

إذن: فكل شيء له لغة يتفاهم بها لقضاء مصالحه، ومن يفيض الله عليه من أسرار خلقه يسمعه هذه اللغات، وقد فاض الحق سبحانه على سليمان بذلك، ففهم لغة الطير وتكلم بها مع الهدهد؛ وقال له:

{اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون "28"}
(سورة النمل)

وهكذا عرفنا بقصة سليمان وبلقيس؛ وكيف فهم سليمان منطق الطير وتكلم بها مع الهدهد؟ وهكذا علمنا كيف يتعلم الإنسان لغات متعددة؛ فحين يذهب إنسان إلى مجتمع آخر ويبقى به مدة؛ فهو يتعلم لغة ذلك المجتمع، ويمكن للإنسان أن يتعلم أكثر من لغة.
وقد عرض الحق سبحانه مسألة وجود لغات للكائنات في قصة النملة وقصة الهدهد مع سليمان؛ وهما من المرتبة التالية للبشر، ويعرض الحق سبحانه أيضاً قضية وجود لغة لكل كائن من مخلوقاته في قوله:

{وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين "79"}
(سورة الأنبياء)

وكأن الجبال تفهم تسبيح داود وتردده من خلفه. أيضاً يقول الحق سبحانه:

{إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق "18" والطير محشورة كل له أواب"19"}
(سورة ص)

وكذلك يخاطب الله الأرض والسماء، فيقول:

{فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها .. "11"}
(سورة فصلت)

فيمتثلان لأمره:

{قالتا أتينا طائعين "11"}
(سورة فصلت)

وهكذا نعلم أن لكل جنس لغة يتفاهم بها، ونحن نلحظ أن لكل نوع من الحيوانات صوتاً يختلف من نوع إلى آخر، ويدرس العلماء الآن لغة الأسماك، ويحاولون أن يضعوا لها معجماً. إذن: فساعة تسمع:


{تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده .. "44"}
(سورة الإسراء)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:50 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 14

</td> </tr> <tr> <td align="center">(له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال"14")</td> </tr> <tr> <td align="right">وسبحانه قد دعانا إلى أن تؤمن بإله واحد وهي دعوة حق، والذين من دونه يدعون لإله غير حق. والضمير هنا قد يعود إلى الله فكأن الله قد دعا خلقه إلى كلمة الحق وهي "لا إله إلا الله"، وهو سبحانه قد شهد بأنه لا إله إلا هو؛ وشهدت الملائكة شهادة المشهد، وشهد بها أولو العلم شهادة الاستدلال؛ تلك هي دعوة الحق.
أو "له" أي: للإنسان الذي يدعو إلى الحق، وحين يدعو الإنسان فهذا يدل على أن أمراً قد خرج عن نطاق أسبابه؛ لذلك يدعو من يعينه على هذا الأمر.
والدعاء لون من الطلب، إلا أن الطلب يختلف باختلاف الطالب والمطلوب منه؛ فإن كان الطالب أدنى من المطلوب منه لا يقال له فعل أمر؛ كقولك "اغفر لي يا رب" وهذا لا يقال له فعل أمر؛ بل يقال له دعاء.
وهكذا نرى أنه إن كان فعل الأمر من الأدنى للأعلى؛ لا نسميه فعل أمر بل نسميه دعاءً، والطالب الذكي هو من يلحظ أثناء الإعراب إن كان المطلوب هو من الأدنى إلى الأعلى؛ فهو لا يقول "فعل أمر" بل يقول "فعل دعاء" مثل قول العبد لله: يا رب اغفر لي، وإن كان المطلوب من مساو؛ فهو يقول "التماس". وإن كان المطلوب قد صدر من الأعلى للأدنى فهو "فعل أمر".
وحين يدعو الإنسان ربه؛ فهذا يعني أن أسباب العبد قد نفدت؛ وهو يلجأ إلى من يعلو الكون ويملك كل الأسباب، ولذلك فكل منا يدعو الله؛ لأنه سبحانه القادر على إنفاذ مطلوب العباد؛ ولا يعجزه شيء.
ولكن إن دعوت من لا يستطيع؛ فهو دعوة لا تنفع العبد، وهم كانوا يدعون الأصنام؛ والأصنام لا تضر ولا تنفع؛ فالصنم من هؤلاء لا يقدر على نفسه أو لنفسه؛ فقد كان من الحجر. وبطبيعة الحال فالدعاء لمثل تلك الأصنام لا تحقق شيئاً؛ لأنها لا تقدر على أي شيء.
وهكذا يتأكد لنا أن دعوة الحق هي أن تدعو القادر؛ أما الذين يدعون المعبودات الباطلة فإنها تخيب من يدعوها في مقصده، ولذلك يقول الحق سبحانه هنا:

{له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيءٍ .. "14"}
(سورة الرعد)

لأنهم لا يملكون شيئاً فالصنم من هؤلاء لا يسمع فكيف يستجيب؟ ثم يضرب الحق سبحانه المثل بشيء محس؛ نفعله كلنا؛ فيقول:

{لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه .. "14"}
(سورة الرعد)

فالعطشان ما أن يرى ماءً حتى يمد يده إليه ليغترف منه؛ لكن يده لا تصل إلى الماء؛ هذا هو الحال من يدعو غير الله؛ فقد سأل غير القادر على إنفاذ مطلبه، وهكذا يكون دعاء غير الله؛ وهو دعاء في ضلال وفي غير متاهة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:51 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 15

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال"15")</td> </tr> <tr> <td align="right">والسجود كما نعرفه حركة من حركات الصلاة، والصلاة هي وقفة العبد بين يدي ربه بعد ندائه له، والصلاة أقوال وأفعال مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالسلام؛ بفرائض وسنن ومستحبات مخصوصة.
والسجود هو الحركة التي تبرز كامل الخضوع لله؛ فالسجود وضع لأعلى ما في الإنسان في مستوى الأدنى وهو قدم الإنسان؛ ونجد العامة وهم يقولون: "لا ترفع رأسك علي" أي: لا تتعالى علي، لأن رفع الرأس معناه التعالي، وتخفيضها بالركوع أو السجود هو إظهار للخضوع، فإذا قال الله:

{ولله يسجد من في السماوات والأرض .. "15"}
(سورة الرعد)

عليك أن تفهم أن هذا ما يحدث فعلاً؛ وإن لم يتسع ذهنك إلى فهم السجود كما يحدث منك؛ فليتسع ظنك على أنه منتهى الخضوع والذلة لله الآمر.
وأنت تعلم أن الكون كله مسخر بأمر الله ولأمر الله، والكون خاضع له سبحانه؛ فإن استجاب الإنسان لأمر الله بالإيمان به فهذا خير. وإن لم يستجب الإنسان ـ مثلما يفعل الكافر ـ فعليه سوء عمله.
ولو استقصيت المسألة بدقة الفهم؛ لوجدت أن الكافر إنما يتمرد بإرادته المسيطرة على جوارحه؛ لكن بقية أبعاضه مسخرة؛ وكلها تؤدي عملها بتسخير الله لها، وكلها تنفذ الأوامر الصادرة من الله لها؛ وهكذا يكون الكافر متمرداً ببعضه ومسخراً ببعضه الآخر، فحين يمرضه الله؛ أيستطيع أن يعصي؟
طبعاً لا. وحين يشاء الله أن يوقف قلبه أيقدر أن يجعل قلبه يخالف مشيئة الله؟ طبعاً لا.
إذن: فالذي يتعود على التمرد على الله في العبادة؛ وله دربة على هذا التمرد؛ عليه أن يجرب التمرد على مرادات الله فيما لا اختيار له فيه؛ وسيقابل العجز عن ذلك.
وعليه أن يعرف أنه لم يتمرد بالكفر إلا بما أوسع الله له من اختيار؛ بدليل أن تسعة وتسعين بالمائة من قدراته محكوم بالقهر؛ وواحد بالمائة من قدراته متروك للاختيار، وهكذا يتأكد التسخير.
وخضوع الكافر في أغلب الأحيان؛ وتمرده في البعض الآخر؛ هو منتهى العظمة لله؛ فهو لا يجرؤ على التمرد بما أراده الله مسخراً منه. ولقائل أن يقول: ولماذا قال الله هنا:

{ولله يسجد من في السماوات والأرض .. "15"}
(سورة الرعد)

ولم يقل: "ما في السماوات وما في الأرض"؟
وأقول: مادام في الأمر هنا سجود؛ فهو دليل على قمة العقل؛ وسبحانه قد جعل السجود هنا دليلاً على أن كافة الكائنات تعقل حقيقة الألوهية؛ وتعبد الحق سبحانه. وهو هنا يقول:

{ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً .. "15"}
(سورة الرعد)

وهنا يعلمنا الحق سبحانه أن كل الكائنات ترضخ لله سجوداً؛ سواء المسخر؛ أو حتى أبعاض الكافر التي يستخدمها بإرادته في الكفر بالله؛ هذه الأبعاض تسجد لله. ويتابع الحق سبحانه:

{وظلالهم بالغدو والآصال "15"}
(سورة الرعد)

ونحن في حياتنا اليومية نسمع من يقول: "فلان يتبع فلاناً كظله"؛ أي: لا يتأبى عليه أبداً مطلقاً، ويلازمه كأنه الظل؛ ونعلم أن ظل الإنسان تابع لحركته.
وهكذا نعلم أن الظلال نفسها خاضعة لله؛ لأن أصحابها خاضعون لله؛ فالظل يتبع حركته؛ وإياك أن تظن أنه خاضع لك؛ بل هو خاضع لله سبحانه.
وسبحانه هنا يحدد تلك المسألة بالغدو والآصال؛ و"الغدو" جمع "غداة" وهو أول النهار، والآصال هو المسافة الزمنية بين العصر والمغرب.
وأنت حين تقيس ظلك في الصباح ستجد الظل طويلاً، وكلما اقتربت من الشمس طال الظل، وكلما اقترب الزوال يقصر الظل إلى أن يتلاشى؛ وأبزر ما يتمايل الظل بتمايل صاحبه هو في الصبح وبعد العصر.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:51 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 16

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار "16")</td> </tr> <tr> <td align="right">و"قل" هي أمر للرسول أن يقول للكافرين، وهناك في آيات أخرى يقول سبحانه:

{ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون "87"}
(سورة الزخرف)

ولقائل أن يسأل: لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالإجابة؛ ولم يتركها لتأتي منهم؟
ونقول: إن مجيء الإجابة من الحق هنا عن الذي خلق السماوات والأرض أقوى مما لو جاءت الإجابة منهم.
والمثل من حياتنا؛ ولله المثل الأعلى؛ قد تقول لابنك الصغير المتشاحن مع أخيه الكبير؛ من الذي جاء لك بالحلة الجديدة؟ فيرتبك خجلاً؛ لأنه يعلم أن من جاء بالحلة الجديدة هو أخوة الأكبر الذي تشاحن معه؛ فتقول أنت: جاء لك بها أخوك الأكبر الذي تشاحنت معه.
وهنا لحظة أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ما أمره الله أن يقول:

{قل من رب السماوات والأرض .. "16"}
(سورة الرعد)

فسوف يرتكبون؛ فيؤكد لهم بعد ذلك ما أمره الله أن يقول:

{قل الله .. "16"}
(سورة الرعد)

ويتتابع أمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول له الحق سبحانه:

{قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً .. "16"}
(سورة الرعد)

وهكذا يكشف لهم الرسول ببلاغ الحق سبحانه مدى جهلهم؛ وهم من سبق لهم الاعتراف بأن الله هو خالق السماوات والأرض؛ ولم يجرؤ واحد منهم على أن ينسب خلق السماوات والأرض للأصنام.
وهنا يوضح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمر الحق سبحانه بإيضاحه: لقد خلق الله السماوات والأرض أفبعد ذلك تتخذون من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً؛ ولا ضراً؟ بدليل أن الصنم من هؤلاء لا يقدر لهم على شيء. ويتابع الحق سبحانه:

{قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء "16"}
(سورة الرعد)

وبطبيعة الحال لا يمكن أن يستوي الأعمى بالمبصر. وساعة ترى "أم" اعلم أنها ضرب انتقالي، وهكذا يستنكر الحق ما فعلوه بالاستفهام عنه؛ لأنه شيء منكر فعلاً:

{أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم .. "16"}
(سورة الرعد)

أي: لو كان هؤلاء الشركاء قد خلقوا شيئاً مثل خلق الله؛ لكان لهم أن يعقدوا مقارنة بين خلق الله وخلق هؤلاء الشركاء؛ ولكن هؤلاء الشركاء الذين جعلوا مشاركين لله في الألوهية لا يقدرون على خلق شيء؛ فكيف يختارونهم شركاء لله؟ ويأتي الأمر من الحق سبحانه:

{قل الله خالق كل شيءٍ وهو الواحد القهار "16"}
(سورة الرعد)

وفي آية أخرى يقدم الحق سبحانه تفسيراً لتلك الآية:

{إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له .. "73"}
(سورة الحج)

فهؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئاً، ولن يستطيع أحد الإدعاء بأن هؤلاء الشركاء عندهم نية الخلق، ولكن مجيء "لن" هنا يؤكد أنهم حتى بتنبيههم لتلك المسألة؛ فلسوف يعجزون عنها؛ لأن نفي المستقبل يستدعي التحدي؛ رغم أنهم آلهة متعددة؛ ولو اجتمعوا فلن يخلقوا شيئاً. يستمر التحدي في قوله سبحانه:

{وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب "73"}
(سورة الحج)

أي: لو أخذ الذباب بساقه الرفيعة شيئاً مما يملكون لما استطاعوا أن يستخلصوه منه. وهكذا يتضح أن الحق سبحانه وحده هو الخالق لكل شيء؛ وتلزم عبادته وحده لا شريك له؛ وهو جل وعلا المتفرد بالربوبية والألوهية؛ وهو القهار المتكبر؛ والغالب على أمره أبداً، فكيف يكون من دونه مساوياً له؟ لذلك لا شريك له أبداً.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:51 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 17

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال "17")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهو سبحانه ينزل الماء من جهة العلو وهو السماء، ونعلم أن الماء يتبخر من البحار والأنهار والأرض التي تتفجر فيها العيون ليتجمع كسحاب؛ ثم يتراكم السحاب بعضه على بعض؛ ويمر بمنطقة باردة فيتساقط المطر. ويقول الحق سبحانه:

{أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها .. "17"}
(سورة الرعد)

والوادي هو المنخفض بين الجبلين؛ وساعة ينزل المطر على الجبال فهو يسيل على الأودية؛ وكل وادٍ يستوعب من المياه على اتساعه. ولنا أن نلحظ أن حكمة الله شاءت ذلك كيلا يتحول الماء إلى طوفان، فلو زاد الماء في تلك الأودية لغرقت نتيجة ذلك القرى، ولخربت الزراعات، وتهدمت البيوت.
والمثل على ذلك هو فيضان النيل حين كان يأتي مناسباً في الكمية لحجم المجري؛ وكان مثل هذا القدر من الفيضان هو الذي يسعد أهل مصر؛ أما إذا زاد فهو يمثل خطراً يدهم القرى ويخربها. وهكذا نجد أن من رحمة الحق سبحانه أن الماء يسيل من السماء مطراً على قدر اتساع الأودية؛ اللهم إلا إذا شاء غير ذلك.
والحق سبحانه هنا يريد أن يضرب مثلاً على ما ينفع الناس؛ لذلك جاء بجزئية نزول الماء على قدر اتساع الأودية. ومن رأى مشهد نزول المطر على هذا القدر يمكنه أن يلحظ أن نزول السيل إنما يكنس كل القش والقاذورات؛ فتصنع تلك الزوائد رغوة على سطح الماء الذي يجري في النهر، ثم يندفع الماء إلى المجرى؛ ليزيح تلك الرغاوى جانباً؛ ليسير الماء من بعد ذلك صافياً رقراقاً.

{أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً .. "17"}
(سورة الرعد)

وهذا المثل يدركه أهل البادية؛ لأنها صحراء وجبال ووديان؛ فماذا عن مثل يناسب أهل الحضر؟ ويأتي الحق سبحانه بهذا المثل المناسب لهم؛ فيقول:

{ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حليةٍ أو متاعٍ زبد مثله .. "17"}
(سورة الرعد)

وأنت حين تذهب إلى موقع عمل الحداد أو صائغ الذهب والفضة؛ تجده يوقد النار ليتحول المعدن إلى سائل مصهور؛ ويطفو فوق هذا السائل الزبد وهو الأشياء التي دخلت إلى المعدن، وليست منه في الأصل؛ ويبقى المعدن صافياً من بعد ذلك.
والصانع يضع الذهب في النار ليخلصه من الشوائب؛ ثم يضيف إليه من المواد ما يقوي صلابته؛ أو ينقله من حالة النقاء إلى درجة أقل نقاءً، وحالة النقاء في الذهب هي ما نطلق عليه "عيار 24"، والأقل درجة هو الذهب من "عيار 21"، والأقل من ذلك هو الذهب من "عيار 18". والذهب الخالص النقاء يكون ليناً؛ لذلك يضيفون إليه ما يزيد من صلابته، ويصنع الصائغ من هذا الذهب الحلي.
وهذا هو المثل المناسب لأهل الحضر؛ حين يصنعون الحلي، وهم أيضاً يصنعون أدوات أخرى يستعملونها ويستعملها مثلهم أهل البادية كالسيوف مثلاً، وهي لابد أن تكون من الحديد الصلب؛ ذلك أن كل أداة تصنع منه لها ما يناسبها من الصلابة؛ فإن أراد الحداد أن يصنع سيفاً فلابد أن يختار له من الحديد نوعية تتناسب مع وظائف السيف.
والزبد في الماء النازل من السماء إنما يأتي إليه نتيجة مرور المطر أثناء نزوله على سطح الجبال؛ فضلاً عن غسيل مجرى النهر الذي ينزل فيه؛ وعادة ما يتراكم هذا الزبد على الحواف؛ ليبقى الماء صافياً من بعد ذلك.
وحين تنظر إلى النيل ـ مثلاً ـ فأنت تجد الشوائب، وقد ترسبت على جانبي النهر وحوافه، وكذلك حين تنظر إلى مياه البحر؛ فأنت تجد ما تلقيه المركب، وهو طافٍ فوق الأمواج؛ لتلقيه الأمواج على الشاطئ.
وهكذا ضرب الله المثل لأهل البدو ولأهل الحضر بما يفيدهم في حياتهم؛ سواء حلية يلبسونها، أو أداة يقاتلون بها، أو أداة أخرى يستخدمونها في أوجه أعمالهم الحياتية؛ وهم في كل ذلك يلجئون إلى تصفية المعادن التي يصنعون منها تلك الحلي أو الأدوات الحياتية ليستخلصوا المعادن من الخبث أو الزبد. وكذلك يفعل الحق سبحانه:

{كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .. "17"}
(سورة الرعد)

وحين يضرب الله الحق بالباطل؛ فهو يستخلص ما يفيد الناس؛ ويذهب ما يضرهم، وقوله:

{فيذهب جفاءً .. "17"}
(سورة الرعد)

أي: يبعده؛ فـ"جفاء" يعني "مطروداً"؛ من الجفوة؛ ويقال: "فلان جفا فلاناً" أي: أبعده عنه. ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:

{كذلك يضرب الله الأمثال "17"}
(سورة الرعد)

وشاء سبحانه أن يبين لنا بالأمور الحسية؛ ما يساوي الأمور المعنوية؛ كي يعلم الإنسان أن الظلم حين يستشري ويعلو ويطمس الحق، فهو إلى زوال؛ مثله مثل الزبد. </td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:52 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 18

</td> </tr> <tr> <td align="center">(للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد "18")</td> </tr> <tr> <td align="right">والذين يستجيبون للرب الذي خلق من عدم، وأوجد لهم مقومات الحياة واستبقاء النوع بالزواج والتكاثر؛ فإذا دعاهم لشيء فليعلموا أن ما يطلبه منهم متمم لصالحهم؛ الذي بدأه بإيجاد كل شيء لهم من البداية.
وهؤلاء الذين يستجيبون لهم الحسنى؛ فسبحانه جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وأنت في الدنيا موكول لقدرتك على الأخذ بالأسباب؛ ولكنك في الآخرة موكول إلى المسبب. ففي الدنيا أنت تبذر وتحرث وتروي وتحصد، وقد تختلف حياتك شظفاً وترفاً بقدرتك على الأسباب.
فإذا استجبت لله واتبعت منهجه؛ فأنت تنتقل إلى حياة أخرى؛ تحيا فيها مع المسبب؛ لا الأسباب؛ فإذا خطر ببالك الشيء تجده أمامك؛ لأنك في الحياة الأخرى لا يكلك الله إلى الأسباب، بل أنت موكول لذات الله، والموكول إلى الذات باقٍ ببقاء الذات. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول:

{فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمةٍ منه .. "175"}
(سورة النساء)

وبعض المفسرين يقولون "إنها الجنة" وأقول: هذا تفسير مقبول؛ لأن الجنة من رحمة الله؛ ولكن الجنة باقية بإبقاء الله لها؛ ولكن رحمة الله باقية ببقاء الله. وهنا يقول الحق سبحانه:

{للذين استجابوا لربهم الحسنى .. "18"}
(سورة الرعد)

ويقول تعالى في آية أخرى:

{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة .. "26"}
(سورة يونس)

والحسنى هي الأمر الأحسن؛ وسبحانه خلق لك في الدنيا الأسباب التي تكدح فيها؛ ولكنك في الآخرة تحيا بكل ما تتمنى دون كدح، وهذا هو الحسن.
وهب أن الدنيا ارتقت؛ والذين يسافرون إلى الدول المتقدمة؛ وينزلون في الفنادق الفاخرة؛ يقال لهم اضغط على هذا الزر تنزل لك القهوة؛ والزر الآخر ينزل لك الشاي.
وكل شيء يمكن أن تحصل عليه فور أن تطلبه من المطعم حيث يعده لك آخرون؛ ولكن مهما ارتقت الدنيا فلن تصل إلى أن يأتي لك ما يمر على خاطرك فور أن تتمناه؛ وهذا لن يحدث إلا في الآخرة.
وكلمة "الحسنى" مؤنثة وافعل تفضيل؛ ويقال "حسنة وحسنى"؛ وفي المذكر يقال "حسن واحسن". والمقابل لمن لم يستجيبوا معروف. والحق سبحانه يقول هنا:

{والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به .. "18"}
(سورة الرعد)

أي: يقول خذوا ما أملك كله واعتقوني، لكن لا يستجاب له. ويقول الحق سبحانه:

{أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد "18"}
(سورة الرعد)

لأن الحساب يترتب عليه مرة خير؛ ويترتب عليه مرة أخرى شر؛ وجاء الحق سبحانه بكلمة:

{وبئس المهاد "18"}
(سورة الرعد)

هنا؛ لأن الواحد من هؤلاء والعياذ بالله لن يستطيع أن يتصرف لحظة وضعه في النار، كما لا يستطيع الطفل الوليد أن يتصرف في مهاده؛ ومن المؤكد أن النار بئس المهاد.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:52 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 19

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب "19")</td> </tr> <tr> <td align="right">والمؤمن هو من يعلم أن القرآن الحامل للمنهج هو الذي أنزله سبحانه على رسوله؛ ولا يمكن مقارنته بالكافر وهو الموصوف هنا من الحق سبحانه:

{كمن هو أعمى "19"}
(سورة الرعد)

وجاء هنا بـ"علم" و"عمى"؛ لأن الآيات الدالة على القدرة من المرئيات. ويقول الحق سبحانه:

{إنما يتذكر أولوا الألباب "19" }
(سورة الرعد)

أي: أصحاب العقول القادرة على التدبر والتفكر والتمييز</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:52 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 20

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق "20")</td> </tr> <tr> <td align="right">والواحد من أولي الألباب ساعة آمن بالله؛ فهو يعلم أنه قد تعاهد مع الله عهداً بألا يعبد غيره؛ وألا يخضع لغيره؛ وألا يتقرب لغيره؛ وألا ينظر أو ينتظر من غيره؛ وهذا هو العهد الأول الإيماني.
ويتفرع من هذا العهد العقدي الأول كل عهد يقطع سواء بالنسبة لله، أو بالنسبة لخلق الله؛ لأن الناشئ من عهد الله مثله مثل عهد الله؛ فإذا كنت قد آمنت بالله؛ فأنت تؤمن بالمنهج الذي أنزله على رسوله؛ وإذا أوفيت بالمنهج؛ تكون قد أوفيت بالعهد الأول. ولذلك نجد كل التكليفات المهمة البارزة القوية في حياة المؤمنين نجد الحق سبحانه يأتي بها في صيغة البناء؛ فما يسمى "البناء للمجهول"؛ مثل قوله:

{كتب عليكم الصيام .. "183"}
(سورة البقرة)

وقوله:

{كتب عليكم القصاص في القتلى .. "178"}
(سورة البقرة)

وقوله:

{كتب عليكم القتال وهو كره لكم .. "216"}
(سورة البقرة)

وكل التكليفات تأتي مسبوقة بكلمة "كتب" والذي كتب هو الله؛ وسبحانه لم يكلف إلا من آمن به؛ فساعة إعلان إيمانك بالله؛ هي ساعة تعاقدك مع الله على أن تنفذ ما يكلفك به. وأنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن؛ لكنك لحظة إيمانك بالله تدخل إلى الالتزام بما يكلفك به، وتكون قد دخلت في كتابة التعاقد الإيماني بينك وبين الله.
ولذلك قال الحق سبحانه "كتب" ولم يقل: "كتبت"؛ لأن العهد بينك وبين الله يقتضي أن تدخل أنت شريكاً فيه، وهو سبحانه لم يكلف إلا من آمن به. وسبحانه هنا يقول:

{الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق "20"}
(سورة الرعد)

أي: أن العهد الإيماني موثق بما أخذته على نفسك من التزام. </td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:52 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 21

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب"21")</td> </tr> <tr> <td align="right">وأول ما أمر به الله أن يوصل هو صلة الرحم؛ أي: أن تصل ما يربطك بهم نسب. والمؤمن الحق إذا سلسل الأنساب؛ فسيدخل كل المؤمنين في صلة الرحم؛ لأن كل المؤمنين رحم متداخل؛ فإذا كان لك عشرة من المؤمنين تصلهم بحكم الرحم؛ وكل مؤمن يصل عشرة مثلك، انظر إلى تداخل الدوائر وانتظامها؛ ستجد أن كل المؤمنين يدخلون فيها.
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في الحديث القدسي:
"أنا الرحمن؛ خلقت الرحم، واشتققت لها اسماً من اسمي؛ فمن وصلها وصلته؛ ومن قطعها قطعته".
وقد رويت من قبل قصة عن معاوية رضي الله عنه؛ فقد جاء حاجبه ليعلن له أن رجلاً بالباب يقول: إنه أخوك يا أمير المؤمنين.
ولابد أن حاجب معاوية كان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان لا إخوة له، لكنه لم يشأ أن يتدخل فيما يقوله الرجل؛ وقال معاوية لحاجبه: ألا تعرف إخوتي؟ فقال الحاجب: هكذا يقول الرجل. فأذن معاوية للرجل بالدخول؛ وسأله: أي إخوتي أنت؟ أجاب الرجل: أخوك في آدم. قال معاوية: رحم مقطوعة؛ والله لأكون أول من يصلها.
والتقى الفضيل بن عياض بجماعة لهم عنده حاجة؛ وقال لهم: من أين أنتم؟ قالوا: من خراسان. قال: اتقوا الله، وكونوا من حيث شئتم.
وقد أمرنا سبحانه أن نصل الأهل أولاً؛ ثم الأقارب؛ ثم الدوائر الأبعد فالأبعد؛ ثم الجار، وكل ذلك لأنه سبحانه يريد الالتحام بين الخلق؛ ليستطرق النافع لغير النافع، والقادر لغير القادر، فهناك جارك وقريبك الفقير إن وصلته وصلك الله. ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ومن خلاله يأمر كل مؤمن برسالته:

{قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى .. "23"}
(سورة الشورى)

وقال بعض من سمعوا هذه الآية: قرباك أنت في قرباك. وقال البعض الآخر: لا، القربى تكون في الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن القرآن قال في محمد صلى الله عليه وسلم:

{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "6"}
(سورة الأحزاب)

وهكذا تكون قرابة الرسول أولى لكل مؤمن من قرابته الخاصة. يستمر قول الحق سبحانه في وصف أولي الألباب:

{ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب "21"}
(سورة الرعد)

والخشية تكون من الذي يمكن أن يصيب بمكروه؛ ولذلك جعل الحق هنا الخشية منه سبحانه؛ أي: أنهم يخافون الله مالكهم وخالقهم ومربيهم؛ خوف إجلال وتعظيم. وجعل سبحانه المخاف من سوء العذاب؛ وأنت تقول: خفت زيداً، وتقول: خفت المرض، ففيه شيء تخافه؛ وشيء يوقع عليك ما تخافه.
وأولو الألباب يخافون سوء حساب الحق سبحانه لهم؛ فيدعهم هذا الخوف على أن يصلوا ما أمر به سبحانه أن يوصل، وأن يبتعدوا عن أي شيء يغضبه. ونحن نعلم أن سوء الحساب يكون بالمناقشة واستيفاء العبد لكل حقوقه؛ فسبحانه منزه عن ظلم أحد، ولكن من يناقش الحساب فهو من يلقي العذاب؛ ونعوذ بالله من ذلك، فلا أحد بقادر على أن يتحمل عذاب الحق له.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:53 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 22

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرأون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار "22")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونجد هذه الآية معطوفة على ما سبقها من صفات أولي الألباب الذين يتذكرون ويعرفون مواطن الحق بعقولهم اهتداءً بالدليل؛ الذين يوفون بالعهد الإيماني بمجرد إيمانهم بالله في كليات العقيدة الوحدانية، ومقتضيات التشريع الذي تأتي به تلك العقيدة.
ولذلك جعلها سبحانه صفقة أوضحها في قوله تعالى:

{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً .. "111"}
(سورة التوبة)

وهي صفقة إيجاب وقبول، والعهد إيجاب وقبول؛ وهو ميثاق مؤكد بالأدلة الفطرية أولاً، والأدلة العقلية ثانياً.
وهم في هذه الآية من صبروا ابتغاء وجه ربهم، والصبر هو تحمل متاعب تطرأ على النفس الإنسانية لتخريجها عن وقار استقامتها ونعيمها وسعادتها، وكل ما يخرج النفس الإنسانية عن صياغة الانسجام في النفس يحتاج صبراً.
والصبر يحتاج صابراً هو الإنسان المؤمن، ويحتاج مصبوراً عليه؛ والمصبور عليه في الأحداث قد يكون في ذات النفس؛ كأن يصبر الإنسان على مشقة التكليف الذي يقول "افعل" و"لا تفعل".
فالتكليف يأمرك بترك ما تحب، وأن تنفذ بعض ما يصعب عليك، وأن تمتثل بالابتعاد عما ينهاك عنه، وكل هذا يقتضي مجاهدة من النفس، والصبر الذاتي على مشاق التكليف. ولذلك يقول الحق سبحانه عن الصلاة مثلاً:

{إنما أنت منذر ولكل قومٍ هادٍ "45"}
(سورة البقرة)

وهذا صبر الذات على الذات. ولكن هناك صبر آخر؛ صبر منك على شيء يقع من غيرك؛ ويخرجك هذا الشيء عن استقامة نفسك وسعادتها. وهو ينقسم إلى قسمين: قسم تجد فيه غريماً لك؛ وقسم لا تجد فيه غريماً لك. فالمرض الذي يخرج الإنسان عن حيز الاستقامة الصحية ويسبب لك الألم؛ ليس لك فيه غريم؛ لكنك تجد الغريم حين يعتدي عليك إنسان بالضرب مثلاً؛ ويكون هذا الذي يعتدي عليك هو الغريم لك.
وكل صبر له طاقة إيمانية تحتمله؛ فالذي يقدر على شيء ليس فيه غريم؛ يكون صبره معقولاً بعض الشيء؛ لأنه لا يوجد له غريم يهيج مشاعره. أما صبر الإنسان على ألم أوقعه به من يراه أمامه؛ فهذا يحتاج إلى قوة ضبط كبيرة؛ كي لا يهيج الإنسان ويفكر في الانتقام. ولذلك تجد الحق يفصل بين الأمرين؛ يفصل بين شيء أصابك ولا تجد لك غريماً فيه، وشيء أصابك ولك من مثلك غريم فيه. ويقول سبحانه عن الصبر ليس لك غريم فيه.

{واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور "17"}
(سورة لقمان)

ويقول عن الصبر الذي لك فيه غريم، ويحتاج إلى كظم الغيظ، وضبط الغضب:

{ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور "43"}
(سورة الشورى)

وحينما يريد الحق سبحانه منك أن تصبر؛ فهو لا يطلب ذلك منك وحدك؛ ولكن يطلب من المقابلين لك جميعاً أن يصبروا على إيذائك لهم؛ فكأنه طلب منك أن تصبر على الإيذاء الواقع من الغير عليك؛ وأنت فرد واحد.
وطلب من الغير أيضاً أن يصبر على إيذائك، وهذا هو قمة التأمين الاجتماعي لحياة النفس الإنسانية، فإذا كان سبحانه قد طلب منك أن تصبر على من آذاك؛ فقد طلب من الناس جميعاً أن يصبروا على آذاك لهم.
فإذا بدرت منك بادرة من الأغيار؛ وتخطئ في حق إنسان آخر وتؤلمه؛ فإن لك رصيداً من صبر الآخرين عليك؛ لأن الحق سبحانه طلب من المقابل لك أن يصبر عليك وأن يعفو.
وإذا كان لك غريم؛ فالصبر يحتاج منك إلى ثلاث مراحل: أن تصبر صبراً أولياً بأن تكظم في نفسك؛ ولكن الغيظ يبقى، وإن منعت الحركة النزوعية من التعبير عن هذا الغيظ؛ فلم تضرب ولم تصب؛ ويسمى ذلك:

{الكاظمين الغيظ .. "134"}
(سورة آل عمران)

والكظم مأخوذ من عملية ربط القربة التي نحمل فيها الماء؛ فإن لم نحكم ربطها انسكب منها الماء؛ ويقال "كظم القربة" أي: أحكم ربطها.
ثم يأتي الحق سبحانه بالمرحلة الثانية بعد كظم الغيظ فيقول:

{والعافين عن الناس .. "134"}
(سورة آل عمران)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:54 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 23

</td> </tr> <tr> <td align="center">(جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب "23")</td> </tr> <tr> <td align="right">إذن: فالدار الآخرة التي تعقب الدنيا بالنسبة لأولي الألباب هي جنات عدن. و"العدن" هو الإقامة الدائمة؛ وجنات عدن هي جنات الإقامة الدائمة، لأن الدنيا ليست دار إقامة. وكل نعيم في الدنيا إما أن تفوته بالموت أو يفوتك بأغيار الحياة. أما جنات عدن فهي دار إقامة دائمة؛ بما أن "عدن" تعني مرافقة دائمة للجنات.
والجنات معناها كما نفهم هي البساتين التي فيها أشجار وفيها ثمار؛ وكل ما تشتهي الأنفس، مع ملاحظة أن هذه الجنات ليست هي المساكن؛ بل في تلك الجنات مسكن بدليل قول الحق سبحانه:

{ومساكن طيبة في جنات عدنٍ .. "72"}
(سورة التوبة)

فالجنات هي الحدائق؛ وفيها مساكن، ونحن في حياتنا الدنيا نجد الفيلات في وسط الحدائق، فما بالنا بما يعد به الله من طيب المساكن وسط الجنات؟
لابد أن ينطبق عليه وصف الرسول صلى الله عليه وسلم للجنة في الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه:
"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". وهكذا بين الله سبحانه عقبى الدار؛ فهي:

{جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم .. "23"}
(سورة الرعد)

وآباء جمع "أب" أي: يدخلها مع أولي الألباب من كان صالحاً من الآباء متبعاً لمنهج الله. وإن سأل سائل: وأين الأمهات؟
أقول: نحن ساعة نثني المتماثلين نغلب الذكر دائماً، ولذلك فآباؤهم تعني الأب والأم، ألم يقل الحق سبحانه في سورة يوسف:

{ورفع أبويه على العرش .. "100"}
(سورة يوسف)

وهؤلاء هم الذين يدخلون الجنة من أولي الألباب الذين استوفوا الشروط التسعة التي تحدثنا عنها؛ فهل استوفى الآباء والأزواج والأبناء الشروط التسعة؟
ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى يعامل خلقه في الدنيا بمقتضى العواطف الموجودة في الذرية؛ فالواحد منا يحب أولاده وأزواجه وآباءه؛ ومادام يحبهم وقد صلحوا كل حسب طاقته؛ فالحق سبحانه يلحقهم به. ولذلك تأتي آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه:

{والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئٍ بما كسب رهين "21"}
(سورة الطور)

وهنا يمسك القرآن القضية العقلية في الإلحاق بمعنى أن تلحق ناقصاً بكامل، فلو كان مساوياً له في العمل ما سمى إلحاقاً، فكل إنسان يأخذ حقه؛ وقد اشترط الحق سبحانه شرطاً واحداً في إلحاق الذرية بالآباء، أو إلحاق الآباء بالذرية في الجنة، وهو الإيمان فقط.
وأوضح لنا هنا أن الآباء قد تميزوا بعمل إيماني بدليل قوله تعالى:

{وما ألتناهم من عملهم من شيءٍ .. "21"}
(سورة الطور)

فلم يأخذ سبحانه عمل الأب الذي عمل؛ الابن الذي لم يعمل، ومزج الاثنين، ليأخذ المتوسط، لا، وذلك كي لا يظلم من عمل من الآباء أو الأبناء.
ثم إن ذلك لو حدث؛ لما اعتبر تواجد الآباء مع الأبناء في الجنة إلحاقاً؛ لأن الإلحاق يقتضي أن يبقى حق كل من عمل؛ ثم يتكرم سبحانه من بعد ذلك بعملية الإلحاق؛ بشرط واحد هو أن يكون الشخص الملحق مؤمناً. وهكذا نفهم قول الحق سبحانه:

{والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان .. "21"}
(سورة الطور)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:54 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 24

</td> </tr> <tr> <td align="center">(سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار "24")</td> </tr> <tr> <td align="right">والسلام يعني الاطمئنان والرضا الذي لا تأتي بعده الأغيار؛ لأن السلام في الدنيا قد تعكر أمنه أغيار الحياة؛ فأنتم أيها المؤمنون الذين دخلتم الجنة بريئون من الأغيار.

<وقال صلى الله عليه وسلم عن لحظات ما بعد الحساب: "الجنة أبداً، أو النار أبداً">

ولذلك يقول سبحانه عن خيرات الجنة:

{لا مقطوعة ولا ممنوعةٍ "33"}
(سورة الواقعة)

والملائكة كما نعلم نوعان:
الملائكة المهيمون الذين يشغلهم ذكر الله تعالى عن أي شيء ولا يدرون بنا؛ ولا يعلمون قصة الخلق؛ وليس لهم شأن بكل ما يجري؛ فليس في بالهم إلا الله وهم الملائكة العالون؛ الذين جاء ذكرهم في قصة السجود لآدم حين سأل الحق سبحانه الشيطان:

{استكبرت أم كنت من العالين "75"}
(سورة ص)

أي: أن العالين هنا هم من لم يشملهم أمر السجود، وليس لهم علاقة بالخلق، وكل مهمتهم ذكر الله فقط.
أما النوع الثاني فهم الملائكة المدبرات أمراً، ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد استدعى آدم إلى الوجود هو وذريته، وأعد له كل شيء في الوجود قبل أن يجئ؛ الأرض مخلوقة والسماء مرفوعة؛ والجبال الرواسي بما فيها من قوتٍ؛ والشمس والقمر والنجوم والمياه والسحاب. والملائكة المدبرات هم من لهم علاقة بالإنسان الخليفة، وهم من قال لهم الحق سبحانه:

{اسجدوا لآدم .. "34"}
(سورة البقرة)

وهم الذين يتولون أمر الإنسان تنفيذاً لأوامر الحق سبحانه لهم، ومنهم الحفظة الذين قال فيهم الحق سبحانه:

{له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظون من أمر الله .. "11"}
(سورة الرعد)

أي: أن الأمر صادر من الله سبحانه، وهم بعد أن يفرغوا من مهمتهم كحفظة من رقيب وعتيد على كل إنسان، ولن يوجد ما يكتبونه من بعد الحساب وتقرير الجزاء؛ وهنا سيدخل هؤلاء الملائكة على أهل الجنة ليحملوا ألطاف الله والهدايا؛ فهم منوط بهم الإنسان الخليفة.
وسبحانه حين يورد كلمة في القرآن بموقعها البياني الإعرابي؛ فهي تؤدي المعنى الذي أراده سبحانه. والمثل هو كلمة "سلام"؛ فضيف إبراهيم من الملائكة:

{قالوا سلاماً قال سلام .. "69"}
(سورة هود)

وكان القياس يقتضي أن يقول هو "سلاماً"، ولكنها قضية إيمانية، لذلك قال:

{سلام .. "69"}
(سورة هود)

فالسلام هنا يأت منصوباً؛ بل جاء مرفوعاً؛ لأن السلام للملائكة أمر ثابت لهم؛ وبذلك حياهم إبراهيم بتحية هي احسن من التحية التي حيوه بها. فنح نسلم سلاماً؛ وهو يعني أن نتمنى حدوث الفعل، ولكن إبراهيم عليه السلام فطن إلى أن السلام أمر ثابت لهم.
وهكذا الحال هنا حين تدخل الملائكة على العباد المكرمين بدخول الجنة، فهم يقولون:

{سلام .. "24"}
(سورة الرعد)

وهي مرفوعة إعرابياً؛ لأن السلام أمر ثابت مستقر في الجنة، وهم قالوا ذلك؛ لأنهم يعلمون أن السلام أمر ثابت هناك؛ لا يتغير بتغير الأغيار؛ كما في أمر الدنيا.
والسلام في الجنة لهؤلاء بسبب صبرهم، كما قال الحق سبحانه على ألسنة الملائكة:

{سلام عليكم بما صبرتم .. "24"}
(سورة الرعد)

وجاء الصبر في صيغة الماضي، وهي صيغة صادقة؛ فهم قد صبروا في الدنيا؛ وانتهى زمن الصبر بانتهاء التكليف.
وهم هنا في دار جزاء؛ ولذلك يأتي التعبير بالماضي في موقعه؛ لأنهم قد صبروا في دار التكليف على مشقات التكليف؛ صبروا على الإيذاء؛ وعلى الأقدار التي أجراها الحق سبحانه عليهم. وهكذا يكون قول الحق سبحانه:

{سلام عليكم بما صبرتم .. "24"}
(سورة الرعد)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:54 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 25

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار "25")</td> </tr> <tr> <td align="right">ولقائل أن يسأل: وهل آمن هؤلاء وكان بينهم وبين الله عهد ونقضوه؟ ونقول: يصح أنهم قد آمنوا ثم كفروا، أو: أن الكلام هنا ينصرف إلى عهد الله الأزلي.
يقول سبحانه:

{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى .. "172"}
(سورة الأعراف)

وهنا يوضح سبحانه أن من ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه وتأكيده بالآيات الكونية التي تدل على وجود الخالق الواحد:

{يقطعون ما أمر الله به أن يوصل .. "25"}
(سورة الرعد)

والمقابل لهم هم أولو الألباب الذين كانوا يصلون ما أمر سبحانه أن يوصل ـ وهؤلاء الكفرة نقضة العهد:

{ويفسدون في الأرض .. "25"}
(سورة الرعد)

ولم يأت الحق سبحانه بالمقابل لكل عمل أداه أولو الألباب؛ فلم يقل: "ولا يخشون ربهم"؛ لأنهم لا يؤمنون بإله؛ ولم يقل: "لا يخافون سوء الحساب" لأنهم لا يؤمنون بالبعث. وهكذا يتضح لنا أن كل شيء في القرآن جاء بقدرٍ، وفي تمام موقعه.
ونحن نعلم أن الإفساد في الأرض هو إخراج الصالح عن صلاحه، فأنت قد أقبلت على الكون، وهو معد لاستقبالك بكل مقومات الحياة من مأكل ومشرب وتنفس؛ وغير ذلك من الرزق، واستبقاء النوع بأن أحل لنا سبحانه أن نتزاوج ذكراً وأنثى.
والفساد في الكون أن تأتي إلى صالح في ذاته فتفسده؛ ونقول دائماً: إن كنت لا تعرف كيف تزيد الصالح صلاحاً؛ فاتركه على حاله؛ واسمع قول الحق سبحانه:

{ولا تقف ما ليس لك به علم .. "36"}
(سورة الإسراء)

فلا تنظر في أي أمر إلى الخير العاجل منه؛ بل انظر إلى ما يؤول إليه الأمر من بعد ذلك؛ أيضر أم ينفع؟
لأن الضر الآجل قد يتلصص ويتسلل ببطء وأناة؛ فلا تستطيع له دفعاً من بعد ذلك. ويقول الحق سبحانه في آخر الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار "25"}
(سورة الرعد)

ونلحظ أن التعبير هنا جاء باللام مما يدل على أن اللعنة عشقتهم عشق المال للملوك:

{ولهم سوء الدار "25"}
(سورة الرعد)

أي: عذابها، وهي النار والعياذ بالله.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:55 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 26

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع"26")</td> </tr> <tr> <td align="right">والبسط هو مد الشيء. وقد أقام العلماء معركة عند تحديد ما هو الرزق، فهل الرزق هو ما أحله الله فقط؟ أم أن الرزق هو كل ما ينتفع به الإنسان سواء أكان حلالاً أم حراماً؟
فمن العلماء من قال: إن الرزق هو الحلال فقط؛ ومنهم من قال: إن الرزق هو كل ما ينتفع به سواء أكان حلالاً أم حراماً؛ لأنك إن قلت إن الرزق محصور في الحلال فقط؛ إذن: فمن كفر بالله من أين يأكل؟
أم يخاطب الحق سبحانه المكابرين قائلاً:

{قل من يرزقكم من السماء والأرض .. "31"}
(سورة يونس)

وقال سبحانه:

{إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين "58"}
(سورة الذاريات)

ويقول تعالى:

{وفي السماء رزقكم وما توعدون "22" فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون "23"}
(سورة الذاريات)

إذن: فالرزق هو من الله؛ ومن بعد ذلك يأمر "افعل كذا" و"لا تفعل كذا". وقول الحق سبحانه:

{الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر .. "26"}
(سورة الرعد)

أي: أنه سبحانه يمد الرزق لمن يشاء:

{ويقدر .. "26"}
(سورة الرعد)

من القدر. أي: في حالة إقداره على المقدر عليه؛ وهو من يعطيه سبحانه على قدر احتياجه؛ لأن القدر هو قطع شيء على مساحة شيء، كأن يعطي الفقير ويبسط له الرزق على قدر احتياجه.
والحق سبحانه أمرنا أن نعطي الزكاة للفقير؛ ويظل الفقير عائشاً على فقره؛ لأنه يعيش على الكفاف.
أو: يقدر بمعنى يضيق؛ وساعة يحدث ذلك إياك أن تظن أن التضييق على الفقير ليس لصالحه، فقد يكون رزقه بالمال الوفير دافعاً للمعصية؛ ومن العفة ألا يجد.
أو: يقدر بمعنى يضيق على إطلاقها، يقول سبحانه:

{لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا "7"}
(سورة الطلاق)

ولأن الله قد آتاه فهذا يعني أنه بسط له بقدره. ويتابع سبحانه:

{وفرحوا بالحياة الدنيا .. "26"}
(سورة الرعد)

وطبعاً سيفرح بها من كان رزقه واسعاً؛ والمؤمن هو من ينظر إلى الرزق ويقول: هو زينة الحياة الدنيا؛ ولكن ما عند الله خير وأبقى. أما أهل الكفر فقد قالوا:

{لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيمٍ "31"}
(سورة الزخرف)

ويرد الحق سبحانه عليهم:


{أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات .. "32"}
(سورة الزخرف)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:55 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 27

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب"27")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن "لولا" إذا دخلت على جملة اسمية فلها وضع يختلف عنه وضعها إذا دخلت على جملة فعلية، فحين نقول: "لولا زيد عندك لزرتك" يعني امتناع حدوث شيء لوجود شيء آخر. وحين نقول: لولا تذاكر دروسك. فهذا يعني حضاً على الفعل. والحق سبحانه يقول:

{لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون "13"}
(سورة النور)

والجملة التي دخلت عليها "لولا" في هذه الآية هي جملة فعلية، وكأن الحق سبحانه يحضنا هنا على أن نلتفت إلى الآية الكبرى التي نزلت عليه صلى الله عليه وسلم، وهي القرآن.
وقد تساءل الكافرون ـ كذباً ـ عن مجيء آية؛ وكان تساؤلهم بعد مجيء القرآن، وهذا كذب واقع؛ يناقضون به أنفسهم؛ فقد قالوا:

{وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيمٍ "31"}
(سورة الزخرف)

وهم بذلك قد اعترفوا أن القرآن بلغ حد الإعجاز وتمنوا لو أنه نزل على واحد من عظماء القريتين ـ مكة أو الطائف. وهم من قالوا أيضاً:

{وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون "6"}
(سورة الحجر)

ثم يعودون هنا لينكروا الاعتراف بالقرآن كمعجزة، على الرغم من أنه قد جاء من جنس ما نبغوا فيه، فهم يتذوقون الأدب، ويتذوقون البيان، ويتذوقون الفصاحة؛ ويقيمون الأسواق ليعرضوا إنتاجهم في البلاغة والقصائد، فهم أمة تطرب فيها الأذن لما ينطقه اللسان.
ولكنهم هنا يطلبون آية كونية كالتي نزلت على الرسل السابقين عليهم السلام، ونسوا أن الآية الكونية عمرها مقصور على وقت حدوثها؛ ومن رآها هو من يصدقها، أو يصدقها من يخبره بها مصدر موثوق به.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبعوث لتنظيم حركة الحياة في دنيا الناس إلى أن تقوم الساعة؛ ولو أنه قد جاء بآية كونية؛ لأخذت زمانها فقط.
ولذلك شاء الحق سبحانه أن يأتي بآية معجزة باقية إلى أن تقوم الساعة، فضلاً عن أنه صلى الله عليه وسلم قد جاءت له معجزات حسية؛ كتفجر الماء من بين أصابعه؛ وحفنة الطعام التي أشبعت جيشاً؛ وأظلته السحابة؛ وحن جذع الشجرة حنيناً إليه ليقف من فوقه خطيباً وجاءه الضب مسلماً.
كل تلك آيات كونية هي حجة على من رآها، وكذلك معجزات الرسل السابقين، ولولا أن رواها لنا القرآن لما آمنا بها، وكانت الآيات الكونية التي جاءت مع الرسل هي مجرد إثبات لمن عاشوا في أزمان الرسل السابقين على أن هؤلاء الرسل مبلغون عن الله.
وقد شرح الحق سبحانه هذا الأمر بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:

{وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون "59"}
(سورة الإسراء)

أي: أن الرسل السابقين الذين نزلوا في أقوامهم وصحبتهم الآيات الكونية قابلوا أيضاً المكذبين بتلك الآيات، وقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا أيضاً:

{وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا "90" أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا "91" أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً "92"}
(سورة الإسراء)

ويقول الحق سبحانه في موقع آخر:

{ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون "111"}
(سورة الأنعام)

وهكذا يبين لنا الحق سبحانه أنهم غارقون في العناد ولن يؤمنوا، وأن أقوالهم تلك هي مجرد حجج يتلكئون بها. وهم هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقولون:

{لولا أنزل عليه آية من ربه .. "27"}
(سورة الرعد)

وهكذا نجد أنهم يعترفون أن له رباً؛ على الرغم من أنهم قد اتهموه من قبل أنه ساحر، وأنه ـ والعياذ بالله ـ كاذب، وحين فتر عنه الوحي قالوا: "إن رب محمد قد قلاه". وأنزل الحق سبحانه الوحي:

{والضحى "1" والليل إذا سجى "2" ما ودعك ربك وما قلى "3" وللآخرة خير لك من الأولى "4" ولسوف يعطيك ربك فترضى "5"}
(سورة الضحى)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:55 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 28

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب "28")</td> </tr> <tr> <td align="right">ومعنى الاطمئنان سكون القلب واستقراره وأنسه إلى عقيدة لا تطفو إلى العقل ليناقشها من جديد.
ونعلم أن الإنسان له حواس إدراكية يستقبل بها المحسات؛ وله عقل يأخذ هذه الأشياء ويهضمها؛ بعد إدراكها؛ ويفحصها جيداً، ويتلمس مدى صدقها أو كذبها؛ ويستخرج من كل ذلك قضية واضحة يبقيها في قلبه لتصبح عقيدة، لأنها وصلت إلى مرحلة الوجدان المحب لاختيار المحبوب.
وهكذا تمر العقيدة بعدة مراحل؛ فهي أولاً إدراك حسي؛ ثم مرحلة التفكر العقلي؛ ثم مرحلة الاستجلاء للحقيقة؛ ثم الاستقرار في القلب لتصبح عقيدة. ولذلك يقول سبحانه:

{وتطمئن قلوبهم .. "28"}
(سورة الرعد)

فاطمئنان القلب هو النتيجة للإيمان بالعقيدة؛ وقد يمر القلب بعض من الأغيار التي تزلزل الإيمان، ونقول لمن تمر به تلك الهواجس من الأغيار: أنت لم تعط الربوبية حقها؛ لأنك أنت الملوم في أي شيء ينالك.
فلو أحسنت استقبال القدر فيما يمر بك من أحداث، لعلمت تقصيرك فيما لك فيه دخل بأي حادث وقع عليك نتيجة لعملك، أما ما وقع عليك ولا دخل لك فيه؛ فهذا من أمر القدر الذي أراده الحق لك لحكمة قد لا تعلمها، وهي خير لك.
إذن: استقبال القدر إن كان من خارج النفس فهو لك، وإن كان من داخل النفس فهو عليك.
ولو قمت بإحصاء ما ينفعك من وقوع القدر عليك لوجدته أكثر بكثير مما سلبه منك. والمثل هو الشاب الذي استذكر دروسه واستعد للامتحان؛ لكن مرضاً داهمه قبل الامتحان ومنعه من أدائه.
هذا الشاب فعل ما عليه؛ وشاء الله أن ينزل عليه هذا القدر لحكمة ما؛ كأن يمنع عنه حسد جيرانه؛ أو حسد من يكرهون أمه أو أباه، أو يحميه من الغرور والفتنة في أنه معتمد على الأسباب لا على المسبب. أو تأخير مرادك أمام مطلوب الله يكون خيراً.
وهكذا فعلي الإنسان المؤمن أن يكون موصولاً بالمسبب الأعلى، وأن يتوكل عليه سبحانه وحده، وأن يعلم أن التوكل على الله يعني أن تعمل الجوارح، وان تتوكل القلوب؛ لأن التوكل عمل قلبي، وليس عمل القوالب. ولينتبه كل منا إلى أن الله قد يغيب الأسباب كي لا نغتر بها، وبذلك يعتدل إيمانك به؛ ويعتدل إيمان غيرك.
وقد ترى شاباً ذكياً قادراً على الاستيعاب، ولكنه لا ينال المجموع المناسب للكلية التي كان يرغبها؛ فيسجد لله شكراً؛ متقبلاً قضاء الله وقدره؛ فيوفقه الله إلى كلية أخرى وينبغ فيها؛ ليكون أحد البارزين في المجال الجديد. ولهذا يقول الحق سبحانه:

{وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون "216"}
(سورة البقرة)

وهكذا نجد أن من يقبل قدر الله فيه، ويذكر أن له رباً فوق كل الأسباب؛ فالاطمئنان يغمر قلبه أمام أي حدث مهما كان. وهكذا يطمئن القلب بذكر الله؛ وتهون كل الأسباب؛ لأن الأسباب إن عجزت؛ فلن يعجز المسبب.
وقد جاء الحق سبحانه بهذه الآية في معرض حديثه عن التشكيك الذي يثيره الكافرون، وحين يسمع المسلمون هذا التشكيك؛ فقد توجد بعض الخواطر والتساؤلات: لماذا لم يأت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزة حسية مثل الرسل السابقين لتنفض هذه المشكلة، وينتهي هذا العناد؟ ولكن تلك الخواطر لا تنزع من المؤمنين إيمانهم؛ ولذلك ينزل الحق سبحانه قوله الذي يطمئن:

{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله .. "28"}
(سورة الرعد)

والذكر في اللغة جاء لمعانٍ شتى؛ فمرة يطلق الذكر، ويراد به الكتاب أي: القرآن:

{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "9"}
(سورة الحجر)

ويأتي الذكر مرة، ويراد به الصيت والشهرة والنباهة، يقول تعالى:

{وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون "44"}
(سورة الزخرف)

أي: أنه شرف عظيم لك في التاريخ، وكذلك لقومك أن تأتي المعجزة القرآنية من جنس لغتهم التي يتكلمون بها. وقد يطلق الذكر على الاعتبار؛ والحق سبحانه يقول:

{ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً "18"}
(سورة الفرقان)

أي: نسوا العبر التي وقعت للأمم التي عاشت من قبلهم؛ فنصر الله الدين رغم عناد هؤلاء. وقد يطلق الذكر على كل ما يبعثه الحق سبحانه على لسان أي رسول:

{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "43"}
(سورة النحل)

وقد يطلق الذكر على العطاء الخير من الله. ويطلق الذكر على تذكر الله دائماً؛ وهو سبحانه القائل:

{فاذكروني أذكركم .. "152"}
(سورة البقرة)

أي: اذكروني بالطاعة أذكركم بالخير والتجليات، فإذا كان الذكر بهذه المعاني؛ فنحن نجد الاطمئنان في أي منها، فالذكر بمعنى القرآن يورث الاطمئنان. ويقول الحق سبحانه:

{يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا "41" وسبحوه بكرة وأصيلا "42" هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيماً "43"}
(سورة الأحزاب)

فكل آية تأتي من القرآن كانت تطمئن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صادق البلاغ عن الله؛ فقد كان المسلمون قلة مضطهدة، ولا يقدرون على حماية أنفسهم، ولا على حماية ذويهم. ويقول الحق سبحانه في هذا الظرف:

{سيهزم الجمع ويولون الدبر "45"}
(سورة القمر)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:56 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 29

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب "29")</td> </tr> <tr> <td align="right">وطوبى من الشيء الطيب؛ أي: سيلاقون شيئاً طيباً في كل مظاهره: شكلاً ولوناً وطعماً ومزاجاً وشهوة، فكل ما يشتهيه الواحد منهم سيجده طيباً؛ وكأن الأمر الطيب موجوداً لهم. وقول الحق سبحانه:

{وحسن مآب "29"}
(سورة الرعد)

أي: حسن مرجعهم إلى من خلقهم أولاً، وأعاشهم بالأسباب؛ ثم أخذهم ليعيشوا بالمسبب الأعلى؛ وبإمكانية "كن فيكون". ويريد الحق سبحانه من بعد ذلك أن يوضح لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الرسل؛ وكان كل رسول إلى أي أمة يصحب معه معجزة من صنف ما نبغ فيه قومه.
وقد أرسل الحق سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم ومعه المعجزة التي تناسب قومه؛ فهم قد نبغوا في البلاغة والبيان وصناعة الكلام، وقول القصائد الطويلة وأشهرها المعلقات السبع؛ ولهم أسواق أدبية مثل: سوق عكاظ، وسوق ذي المجاز. ولذلك جاءت معجزته صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغوا فيه؛ كي تأتيهم الحجة والتعجيز. ولو كانت المعجزة في مجال لم ينبغوا فيه؛ لقالوا: "لم نعالج أمراً مثل هذا من قبل؛ ولو كنا قد عالجناه لنبغنا فيه".
وهكذا يتضح لنا أن إرسال الرسول بمعجزة في مجال نبغ فيه قومه هو نوع من إثبات التحدي وإظهار تفوق المعجزة التي جاء بها الرسول. وهكذا نرى أن إرسال محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن ـ وإن لم يقنع الكفار ـ إنما كان مطابقاً لمنطق الوحي من السماء للرسالات كلها.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:56 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 30

</td> </tr> <tr> <td align="center">(كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب "30")</td> </tr> <tr> <td align="right">فكما أرسلك الله إلى أمتك؛ فقد سبق أن أرسل سبحانه رسلاً إلى الأمم التي سبقت؛ ولم يرسل مع أي منهم معجزة تناقض ما نبغ فيه قومه؛ كي لا يقول واحد أن المعجزة التي جاءت مع الرسول تتناول ضرباً لم يألفوه؛ ولو كانوا قد ألفوه لما تفوق عليهم الرسول.
وقول الحق:
{كذلك}
(سورة الرعد)

يعني: كهذا الإرسال السابق للرسل جاء بعثك إلى أمتك، كتلك الأمم السابقة. ويأتي الحق سبحانه هنا بالاسم الذي كان يجب أن يقدروه حق قدره وهو "الرحمن" فلم يقل: وهم يكفرون بالله بل قال:

{وهم يكفرون بالرحمن .. "30"}
(سورة الرعد)

فهم يعيشون ـ رغم كفرهم ـ في رزق من الله الرحمان، وكل ما حولهم وما يقيتهم وما يستمتعون به من نعم عطاءات من الله.
وهم لا يقومون بأداء أي من تكاليف الله؛ فكان من اللياقة أن يذكروا فضل الله عليهم؛ وأن يؤمنوا به؛ لأن مطلوب الألوهية هو القيام بالعبادة.
وهو سبحانه هنا يأتي باسمه "الرحمن"؛ والذي يفيد التطوع بالخير؛ وكان من الواجب أن يقدروا هذا الخير الذي قدمه لهم سبحانه، دون أن يكون لهم حول أو قوة. وكان يجب أن يعتبروا ويعلنوا أنهم يتجهون إليه سبحانه بالعبادة؛ وأن ينفذوا التكليف العبادي.
وفي صلح الحديبية دارت المفاوضات بين المسلمين وكفار قريش الذين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخول مكة، ولكنهم قبلوا التعاهد معه، فكان ذلك اعترافاً منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الذين صاروا قوة تعاهد؛ تأخذ وتعطي.
ولذلك نجد سيدنا أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ يقول: "ما كان في الإسلام نصر أعظم من نصر الحديبية".
فقد بدأت قريش في الحديبية الاعتراف برسول الله وأمة الإسلام؛ وأخذوا هدنة طويلة تمكن خلالها محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته من أن يغزوا القبائل التي تعيش حول قريش؛ حيث كانت تذهب سرية ومعها مبشر بدين الله؛ فتسلم القبائل قبيلة من بعد قبيلة.
وهكذا كانت الحديبية هي أعظم نصر في الإسلام؛ فقد سكنت قريش؛ وتفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه لدعوة القبائل المحيطة بها للإسلام. ولكن الناس لم يتسع ظنهم لما بين محمد وربه. والعباد دائماً يعجلون، والله لا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد.
وحين جاءت لحظة التعاقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش في الحديبية، وبدأ علي بن أبي طالب في كتابة صيغة المعاهدة، كتب "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله" فاعترض سهيل بن عمرو وقال: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو".
وأصر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تكتب صفة محمد كرسول، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله". ولكن علياً ـ كرم الله وجهه ـ يصر على أن يكتب صفة محمد كرسول من الله؛ فينطق الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ليقول لعلي: "ستسام مثلها فتقبل".
ولما تولى علي ـ كرم الله وجهه ـ بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، وقامت المعركة بين علي ومعاوية؛ ثم اتفق الطرفان على عقدة معاهدة؛ وكتب الكاتب "هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب" فقال عمرو بن العاص مندوب معاوية: "اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم وليس أميرنا".
وهنا تذكر علي ـ كرم الله وجهه ـ

<ما قاله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستسام مثلها فتقبل" وقبلها فقال: "امح أمير المؤمنين، واكتب هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب">

وتحققت مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن الوقائع التي تثبت الإيمان؛ نجد قصة عمار بن ياسر، وكان ضمن صفوف علي ـ كرم الله وجهه وأرضاه ـ في المواجهة مع معاوية؛ وقتله جنود معاوية؛ فصرخ المسلمون وقالوا: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية". وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال.
وبذلك فهم المسلمون أن الفئة الباغية هي فئة معاوية، وانتقل كثير من المسلمين الذين كانوا في صف معاوية إلى صف علي بن أبي طالب؛ فذهب عمرو بن العاص إلى معاوية وقال: تفشت في الجيش فاشية، إن استمرت لن يبقى معنا أحد؛ فقد قتلنا عمار بن ياسر؛ وذكر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية"، وقد فهم المقاتلون معنا أن الفئة الباغية هي فئتنا.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:56 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 31

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد"31")</td> </tr> <tr> <td align="right">و (لو) حرف شرط يلزم لها جواب شرط، وقد ترك الحق سبحانه جواب الشرط هنا اعتماداً على يقظة المستمع. وإن كان مثل هذا القول ناقصاً حين ننطق نحن به، فهو ليس كذلك حين يأتي من قول الله سبحانه؛ فهو كامل فيمن تكلم، وقد تركها ليقظة المستمع للقرآن الذي يبتدر المعاني، ويتذكر مع هذه الآية قوله الحق:

{لو أنزلنا عليك كتاباً في قرطاسٍ فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين"7"}
(سورة الأنعام)

وكذلك قول الحق سبحانه:

{ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيءٍ قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون "111"}
(سورة الأنعام)

إذن: من كل نظائر تلك الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نأخذ جواب الشرط المناسب لها من تلك الآيات؛ فيكون المعنى: لو أن قرآناً سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لما آمنوا.
ويروي أن بعضاً من مشركي قريش مثل: أبي جهل وعبد الله ابن أبي أمية جلسا خلف الكعبة وأرسلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقال له عبد الله: إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، حتى نغرس ونزرع، فلست ـ كما زعمت ـ بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه، وسخر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد سخرت الريح لسليمان بن داود، ولست بأهون على ربك من سليمان، وأحيى لنا قصب جدك، أو من شئت أنت من موتانا نسأله، أحق ما تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على الله منه، فأنزل الحق سبحانه هذه الآية وما قبلها للرد عليهم.
وكانت تلك كلها مسائل يتلككون بها ليبتعدوا عن الإيمان؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه؛ وجاء القرآن يحمل منهج السماء إلى أن تقول الساعة.
وقد طلبوا أن تبتعد جبال مكة ليكون الوادي فسيحاً؛ ليزرعوا ويحصدوا؛ وطلبوا تقطيع الأرض، أي: فصل بقعة عن بقعة؛ وكان هذا يحدث بحفر جداول من المياه، وقد قال الكافرون:

{لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً "90"}
(سورة الإسراء)

والمراد من تقطيع الأرض ـ حسب مطلوبهم ـ أن تقصر المسافة بين مكان وآخر، بحيث يستطيع السائر أن يستريح كل فترة؛ فالمسافر يترك في كل خطوة من خطواته أرضاً؛ ويصل إلى أرض أخرى، وكل يقطع الأرض على حسب قدرته ووسيلة المواصلات التي يستخدمها.
فالمترف يريد أن يكون المسافة كبيرة بين قطعة الأرض والأخرى؛ لأنه يملك الجياد التي يمكن أن يقطع بها المسافة بسهولة، أما من ليس لديه مطية؛ فهو يحب أن تكون المسافات قريبة ليستطيع أن يستريح.
ونلحظ أن ذلك في زماننا المعاصر، فحين زاد الترف صارت السارات تقطع المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية دون توقف؛ عكس ما كان يحدث قديماً حين كانت السيارات تحتاج إلى راحة ومعها المسافرون بها، فيتوقفون في منتصف الطريق.
ومثل ذلك قد حدث في مملكة سبأ، يقول الحق سبحانه:

{فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم .. "19"}
(سورة سبأ)

أي: اجعل المسافة بين مكان وآخر بعيدة، كي يتمتع المسافر القادر بالمناظر الطيبة. ولاحظنا أيضاً تمادي المشركين من قريش في طلب المعجزات الخارقة؛ بأن طلبوا إحياء الموتى في قول الحق سبحانه:

{أو كلم به الموتى .. "31"}
(سورة الرعد)

وبعضهم طلب إحياء قصي بن كلاب الجد الأكبر لرسول الله ولقريش؛ ليسألوه: أحق ما جاء به محمد؟ ولكن القرآن لم يأت لمثل تلك الأمور؛ وحتى لو كان قد جاء بها لما آمنوا. ومهمة القرآن تتركز في أنه منهج خاتم صالح لكل عصر؛ وتلك معجزته.
ويقول سبحانه:

{بل لله الأمر جميعاً .. "31"}
(سورة الرعد)

وكلمة "أمر" تدل على أنه شيء واحد، وكلمة "جميعاً" تدل على متعدد، وهكذا نجد أن تعدد الرسالات والمعجزات إنما يدل على أن كل من أمر تلك الرسالات إنما صدر عن الحق سبحانه؛ وهو الذي اختار كل معجزة لتناسب القوم الذين ينزل فيهم الرسول.
ويتابع سبحانه:

{أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً .. "31"}
(سورة الرعد)

وكلمة "ييأس" يقال إنها هنا بمعنى "يعلم"؛ فهي لغة بلهجة قريش، أي: ألم يعلم الذين آمنوا أن هؤلاء الكفار لم يهتدوا؛ لأن الله لم يشأ هدايتهم. وكان المؤمنون يودون أن يؤمن صناديد قريش كي يخف الجهد عن الفئة المسلمة؛ فلا يضطهدونهم، ولا يضايقونهم في أرزاقهم ولا في عيالهم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:57 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 32

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب"32")</td> </tr> <tr> <td align="right">ويقال "هزأ بفلان" أي: سخر منه، أما "استهزئ بفلان" أي: طلب من الغير أن يهزأ بشخص معين، وهذا عليه إثمه وإثم من أوعز له بالسخرية ن هذا الشخص. وقول الحق سبحانه:

{ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك "32"}
(سورة الرعد)

أي: لست بدعاً يا محمد في أن يقف بعض الكافرين منك هذا الموقف. والمثل هو الحكم بين أبي العاص أبو مروان الذي كان يقلد مشية النبي صلى الله عليه وسلم؛ وكان رسول الله يمشي كأنما يتحدر من صبب؛ وكان بصره دائماً في الأرض.
ولم يكن الناس معتادين على تلك المشية الخاشعة؛ فقد كانوا يسيرون بغرور مستعرضين مناكبهم.
وحين قلد الحكم رسول الله رآه صلى الله عليه وسلم بنور البصيرة، فقال له صلى الله عليه وسلم: "كن على هذا"، فصارت مشيته عاهة، بينما كانت مشية رسول الله تطامناً إلى ربه، وتواضعاً منه صلى الله عليه وسلم.
ونفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم إلى الطائف؛ وراح يراعي الغنم هناك، ولم يعف النبي صلى الله عليه وسلم عنه؛ وكذلك أبو بكر في خلافته؛ ولا عمر بن الخطاب؛ ولكن الذي عفا عنه هو عثمان بن عفان، وكان قريباً له.
وشهد عثمان بن عفان وقال: "والله لقد استأذنت رسول الله فيه فقال لي: إن استطعت أن تعفو عنه فاعف، وحين وليت أمر المسلمين عفوت عنه".
وحدث من بعد ذلك أن تولى عبد الملك بن مروان أمر المسلمين؛ وكان لابنه الوليد خيل تتنافس مع خيل أولاد يزيد بن معاوية؛ واحتال أولاد يزيد بالغش، ووضعوا ما يعرقل خيل الوليد.
وحدث خلاف بين الفريقين فشتم الوليد أبناء يزيد؛ فذهب أولاد يزيد إلى عبد الملك يشكون له ولده؛ وكان الذي يشكو لا يتقن نطق العربية دون أخطأ؛ فقال له عبد الملك: ما لك لا تقيم لسانك من اللحن؟ فرد الذي يشكو ساخراً: "والله لقد أعجبتني فصاحة الوليد". ويعني: أن حال لسان ابن عبد الملك لا يختلف عن حال لسان من يشكو؛ فكلاهما لا ينطق بسلاسة، ويكثر اللحن في النطق بالعربية.
فقال عبد الملك: أتعيرني بعبد الله ابني الذي لا يتقن العربية دون لحن؟ إن أخاه خالداً لا يلحن. وتبع ذلك بقوله: اسكت يا هذا، فلست في العير ولا في النفير.
وهذا مثل نقوله حالياً، وقد جاء إلينا عبر قريش؛ حيث كانت السلطة فيها ذات مصدرين؛ مصدر العير؛ أي: التجارة التي تأتي من القوافل عبر الشام وقائدها أبو سفيان؛ والنفير؛ وهم القوم الذين نفروا لنجدة أبي سفيان في موقعة بدر؛ وكان يقودهم عتبة. فقال ابن يزيد: ومن أولى بالعير والنفير مني؟ ويعني أنه حفيد أبي سفيان من ناحية الأب؛ وحفيد عتبة من ناحية الأم.
وأضاف: لكن لو قلت شويهات وغنيمات وذكرت الطائف لكنت على حق؛ ورحم الله عثمان الذي عفا عن جدك، وأرجعه من المنفي. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم:

{إنا كفيناك المستهزئين "95"}
(سورة الرعد)

وكان أي إنسان يخسر من رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى عقاباً إلهياً. وهنا يقول الحق سبحانه:

{ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب "32"}
(سورة الرعد)

فأنت يا رسول الله لست بدعاً في الرسالة، ولك أسوة في الرسالة، والحق سبحانه يعدك هنا في محكم كتابه:

{فأمليت للذين كفروا .. "32"}
(سورة الرعد)

أي: أمهلت الذين كفروا، والإملاء بمعنى الإمهال ليس معناه ترك العقوبة على الذنب، وإنما تأخير العقوبة لذنب قادم، والمثل هو أن تترك مخطئاً ارتكب هفوة؛ إلى أن يرتكب هفوة ثانية؛ ثم ثالثة، ثم تنزل به العقاب من حيث لا يتوقع.
وإذا كان هذا ما يحدث في عالم البشر؛ فما بالنا بقوة الحق سبحانه اللامتناهية، وهو القائل:

{سنستدرجهم من حيث لا يعلمون "182"}
(سورة الأعراف)

ويقول تعالى:

{ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين "178"}
(سورة آل عمران)

تماماً مثلما نجد من يصنع فخاً لعدوه. وهنا يقول الحق سبحانه:

{ولقد استهزئ برسلٍ من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب "32"}
(سورة الرعد)

وكلمة:

{فكيف كان عقاب "32"}
(سورة الرعد)

توضح أنه كان عقاباً صارماً؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في موقع آخر:

{إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون "29" وإذا مروا بهم يتغامزون "30" وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين "31" وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون "32" وما أرسلوا عليهم حافظين "33" فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون "34" على الأرائك ينظرون "35" هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون "36"}
(سورة المطففين)

إذن: فلسوف يلقي الذين استهزءوا بالرسل العقاب الشديد.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:57 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 33

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هادٍ"33")</td> </tr> <tr> <td align="right">ولقائل أن يتساءل: ألم يكن من الواجب ما دام قد قال:

{أفمن هو قائم على كل نفس "33" }
(سورة الرعد)

أن يأتي بالمقابل، ويقول: كمن ليس قائماً على كل نفس بما كسبت؟
ولمثل هذا السائل نقول: إنها عظمة القرآن الذي يترك للعقل ما يمكن أن يستنبطه؛ فيأتي بأشياء تتطلب التفكير والاستنباط، كي يتنبه الإنسان أنه يستقبل كلام رب حكيم؛ وعليه أن يبحث فيه.
ولذلك يقول سيدنا عبد الله بن مسعود: "ثوروا القرآن" أي: أثيروه، كي تكتشفوا ما فيه من كنوز.
ونحن نعلم أن كلمة "قائم على الأمر" تعني أنه هو الذي يديره ويدبره، ولا تخفى عليه خافية. وجاء الحق سبحانه هنا بصيغة القيام؛ كي نعلم أن الحق سبحانه لا يدير الأمر من حالة قعود؛ بل يديره وهو قائم عليه، فكل أمر هو واضح عنده غير خفي.
وهو سبحانه قائم على كل نفس بما كسبت إن خيراً فخير؛ وإن شراً فشر، ولكنكم أيها الكافرون المشركون لا تملكون لأنفسكم ضراً ولا نفعاً؛ فهل يمكن لعاقل أن يساوي بين الذي يقوم على أمر كل نفس، بغيره ممن ليس كذلك؟
ولكن هناك من قال فيهم الحق سبحانه في نفس الآية:

{وجعلوا لله شركاء .. "33"}
(سورة الرعد)

أي: جعلوا للقائم على أمر كل نفس شركاء لا يقدر الواحد فيهم على أمر نفسه؛ وبالتالي لا يقدر على أمر غيره؛ بل قد يصاب الصنم من هؤلاء بشرخ؛ فيأتي من يعبدونه ليقوموا على أمره صارخين بأن إلههم قد انشرخ؛ ويحتاج إلى مسمارين لتثبيته، فكيف يسوون ذلك الصنم بالله الذي لا يحده شيء ولا يحد قدرته شيء؟
وقول الحق سبحانه:

{وجعلوا لله شركاء .. "33"}
(سورة الرعد)

دليل على النص المحذوف: "كمن هو غير قائم على كل نفس"، فسبحانه ليس كهذه الأصنام العاجزة؛ لأنه سبحانه قائم على كل نفس؛ نفسك ونفس غيرك ونفس كل إنسان عاش أو سيعيش.
ولذلك يقول سبحانه بعدها:

{قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهرٍ من القول .. "33"}
(سورة الرعد)

وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يقول للكافرين بالله: قولوا أسماء من تعبدونهم من غير الله؛ وهي أحجار، والأحجار لا أسماء لها؛ وهم قد سموا الأصنام بأسماء كاللاّت والعزي وهبل؛ وهي أسماء لم تضف لتلك الأصنام شيئاً، فهي لا تقدر على شيء؛ ولو سموها لنسبت لعمرو بن لحي، الذي أوجدهم؛ وهم سموها.
والإله الحق لا يسميه أحد، بل يسمى هو نفسه، ولكن بما أن المسألة كذب في كذب، لذلك يسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أسماء تلك الآلهة. ويقول لهم: هل تنبئون أنتم الله خالق كل الكون بما لا يعلم في كونه الذي أوجده من عدم؟
سبحانه يعلم كل ما خلق؛ وأنتم لا تعبدون إلا أصناماً ينطبق عليها أنها من ظاهر القول؛ أي: قول لا معنى له؛ لأنهم أطلقوا أسماء على أشياء لا باطن لها ولا قدرة تستطيعها، وهم اكتفوا بالظاهر والمسمى غير موجود.
ويقول الحق سبحانه:

{بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل .. "33"}
(سورة الرعد)

أي: أنهم ظنوا أنهم يمكرون على الله، ويقولون إن تلك الأصنام آلهة، وهي ليست كذلك. ثم يقول سبحانه:

{ومن يضلل الله فما له من هادٍ "33"}
(سورة الرعد)

أي: أن العذاب الذي يلقونه في الحياة الدنيا هو لصيانة حركة المجتمع من الفساد، ولابد أن يقع لهم عذاب في الحياة الدنيا؛ ولأن من يؤجل عذابه للآخرة؛ لابد أن يرى في نفسه آية العذاب قبل أن يلقي عذابه في الآخرة.
إذن: فعذاب الدنيا هو لحماية حركة الحياة؛ ولذلك نجد القوانين وهي تسن لتطبق على المنحرف؛ ومن يرتكب الجرم يخاف أن تقع عليه العين؛ وإن رآه أحد فهو يبلغ عنه ليلقى عقابه؛ وبذلك تستقيم حركة الحياة.
ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في سورة الكهف:

{ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا "83" إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا "84" فأتبع سببا "85" حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا "86" قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا "87"}
(سورة الكهف)

أي: أنه قد أخذ تفويضاً بأن يقيم الأمر في هؤلاء الناس، فأقامه على أساس من الثواب والعقاب؛ فمن احسن فله الجزاء الحسن؛ ومن أساء يلقى العقاب، وهكذا نجد عذاب الدنيا ضرورياً لسلامة حركة الحياة من بطش من لا يؤمنون بالله.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:58 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 34

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واقٍ "34")</td> </tr> <tr> <td align="right">ولهؤلاء المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة عذاب في الدنيا بالقتل والأسر والمصائب والكوارث التي لا يقدرون عليها، وفوق ذلك لهم عذاب في الآخرة أكثر شدة من عذاب الدنيا؛ فليس لهم من يحميهم، أو يقيم بينهم وبين عذاب الله وقاية أو عصمة</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:58 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 35

</td> </tr> <tr> <td align="center">(مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار "35")</td> </tr> <tr> <td align="right">والمصدر الأساسي الذي وعد المتقين بالجنة هنا هو الله، وقد بلغ عنه الرسل ـ عليهم السلام ـ هذا الوعد، وتلاهم العلماء المبلغون عن الرسل. وأنت حين تنظر إلى فعل يشيع بين عدد من المصادر، تستطيع أن تبحث عن المصدر الأساسي، والمثل هو قول الحق سبحانه:

{الله يتوفى الأنفس حين موتها .. "42"}
(سورة الزمر)

ويقول في موقع آخر من القرآن:

{قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم .. "11"}
(سورة السجدة)

وهكذا تكون التوفية قد آلت إلى الله؛ وآلت إلى ملك الموت، وقد أخذ ملك الموت مسئولية التوفية من إسناد الحق له تلك المهمة؛ ويكون نسبتها لملك الموت هو نوع من إيضاح الطرف الذي يوكل له الحق سبحانه تنفيذ المهمة. ومرة يأتي الحق سبحانه بالمصدر الأصلي الذي يصدر الأمر لملك الموت بمباشرة مهمته. وهنا في الآية الكريمة نجد قول الحق سبحانه:

{وعد المتقون .. "35"}
(سورة الرعد)

وهي مبنية لما لم يسم فاعله؛ فالوعد منه سبحانه. ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعد أيضاً، فهانحن قد جاء إلينا خبر بيعة العقبة؛ حين أخذ البيعة من الأنصار، وقالوا له: خذ لنفسك، فأخذ لنفسه ما أراد، ثم قالوا له: وماذا نأخذ نحن إن أدينا هذا؟ فقال لهم: "لكم الجنة".
وقال صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأن العمل الذي فعلوه؛ لا يكفيه أجراً إلا الجنة، ومن المعقول أن أي واحد من الذين حضروا العقبة قد يتعرض للموت من بعد معاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أنه وعدهم بما في الدنيا من متاع قد يأخذه البعض فيما بعد؛ فالذي يموت قبل هذا لابد أن يدرك شيئاً مما وعد الرسول من عاهدوه؛ ولذلك أعطاهم ما لا ينفذ، وهو الوعد بالجنة.
والحق سبحانه هنا ـ في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ـ يقول:

{مثل الجنة .. "35"}
(سورة الرعد)

أي: أنه يضرب لنا المثل فقط؛ لأن الألفاظ التي نتخاطب بها نحن قد وضعت لمعان نعرفها؛ وإذا كانت في الجنة أشياء لم ترها عين ولم تسمعها أذن، ولم تخطر على بال بشر؛ فمن الممكن أن نقول إنه لا توجد ألفاظ عندنا تؤدي معنى ما هناك، فيضرب الله الأمثال لنا بما نراه من الملذات؛ ولكن يأخذ منها المكدرات والمعكرات.
وهكذا نعرف أن هناك فارقاً بين "مثل الجنة" وبين "الجنة"، فالمثل يعطيني صورة أسمعها عن واقع لا أعلمه؛ لأن معنى التمثيل أن تلحق مجهولاً بمعلوم لتأخذ منه الحكم. مثلما تقول لصديق: أتعرف فلاناً؛ فيقول لك: "لا". فتقول له: "إنه يشبه فلاناً الذي تعرفه".
وأنت تفعل ذلك كي تشبه مجهولاً بمعلوم؛ لتأتي الصورة في ذهن سامعك. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم شرحاً لما أجمله القرآن:

{وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين .. "71"}
(سورة الزخرف)

<ويضيف صلى الله عليه وسلم: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ">

وحين تدقق في هذا القول النبوي الكريم تجد الترقي كاملاً؛ فقوله: "ما لا أذن سمعت" جاء لأنه يعلم أن مدركات العين محدودة بالنسبة لما تعلم الأذن؛ لأن الأذن تسمع ما لا تدركه العين؛ فهي تسمع ما يراه غيرك بالإضافة إلى ما تراه أنت.
فالأذن تسمع القريب وتسمع البعيد وتنقل صوته وتستحضره ثم تميزه، بخلاف العين فهي محدودة المسافة حسب قوة الإبصار، ومع كل فنعيم الجنة فوق كل هذا الفوق. ثم يأتي الترقي الأكبر في قوله: "ولا خطر على قلب بشر". والخواطر أوسع من قدرة الأذن وقدرة العين؛ فالخواطر تتخيل أشياء قد تكون غير موجودة.
وهكذا نرى عجز اللغة عن أن توجد بها ألفاظ تعبر عن معنى ما هو موجود بالجنة، ولا أحد فينا يعلم ما هي الأشياء الموجودة بالجنة، ومادام أحد منا لم ير الجنة؛

<ومادام الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر">

فلابد أن نعلم قدر عجز اللغة عن التعبير عما في الجنة، فإذا أراد الله أن يعبر عما فيها؛ فهو يوضح لنا بالمثل؛ لا بالوصف، لأنه يعلم أن لغتنا تضع الألفاظ لما هو موجود في حياتنا؛ ولا توجد ألفاظ في لغتنا تؤدي معاني ما في الجنة. ولذلك قال لنا الحق سبحانه:

{مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى .. "15"}
(سورة محمد)

ومع أن الحق سبحانه يضرب مثلاً، إلا أنه خلص المثل من شوائبه التي نعرفها في الدنيا، فالمياه عندما تجري؛ تكون حلوة ورائقة وصافية؛ وإن ركدت فهي تأسن وتكون عطنة. ولذلك يوضح لنا الحق سبحانه أن المياه في الجنة غير آسنة؛ وأنها تكون أنهاراً منزوعاً من مياهها ما يكدرها.
وكذلك المثل بأنهار من لبن لم يتغير طعمه. واللبن كما نعرف هو غذاء البدو؛ فهم يحلبون الماشية، ويحتفظون بألبانها في قرب لمدة طويلة؛ فيتغير طعم اللبن؛ ولذلك يضرب لهم المثل بوجود أنهار من لبن لم يتغير طعمه.
وأيضاً يضرب المثل بوجود أنهار من عسل مصفى، والعسل ـ كما نعرف ـ كان في الأصل يأتي من النحل الذي كان يسكن الجبال قبل استئناسه؛ ووضعه في مناحل في الحدائق. والحق ـ سبحانه وتعالى ـ هو القائل:

{وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون "68"}
(سورة النحل)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 05:59 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 36

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب "36")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن الإسلام قد سبق بدينين؛ دين النصارى قوم عيسى عليه السلام؛ ومن قبله دين اليهود قوم موسى عليه السلام؛ وكلا الدينين له كتاب؛ الإنجيل كتاب المسيحية؛ والتوراة كتاب اليهودية؛ والقرآن هو كتاب الله المهيمن الخاتم؛ كتاب الإسلام، وهناك كتب سماوية أخرى مثل: صحف إبراهيم؛ وزبور داود، وغير ذلك.
وكان على من نزل عليهم التوراة والإنجيل أن يواصلوا الإيمان بمدد السماء، والخير القادم منها إلى الأرض، وقد سبق أن أخذ الله من أنبيائهم الميثاق على ذلك، وقال تعالى:

{وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين "81" }
(سورة آل عمران)

وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد شاء أن يستقبل كل دين سابق الدين الذي يليه بالإيمان به؛ وفي كل دين سابق لآخر كانت النصوص تؤكد ضرورة الإيمان بالرسول القادر، كي لا يحدث اقتراع بين الأديان الناسخة والأديان المنسوخة.
فمن صميم مواد أي دين سابق أن ينتظر الدين الذي يليه، وإذا ما جاء الدين الجديد فهو يستقبله فرعاً وتكملة، ولا يستقبله كدين يضاد الدين السابق.
وإذا كان الإسلام هو الدين الذي تختم به مواكب الرسل؛ فلابد أن الأديان السابقة عليه قد بشرت به، وكل مؤمن بالأديان السابقة موصى بضرورة الإيمان به. ويقول الحق سبحانه:

{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه "13"}
(سورة الشورى)

ويقول الحق سبحانه:

{والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك .. "36"}
(سورة الرعد)

أي: أن أهل التوراة والإنجيل يفرحون بما جاء يا محمد من القرآن، والإنسان لا يفرح بشيء إلا إذا حقق له غاية تسعده، ولابد أن تكون هذه الغاية منشورة ومعروفة. وهم قد فرحوا بما نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حقق لهم ما جاء في كتبهم من نبوءة به.
ومعنى ذلك أن كتبهم قد صدقت، ومن جاء بالرسالة الخاتم صادق، وكان عليهم أن يكونوا أول المبادرين إلى الإيمان به. ذلك أن الفرحة هي العملية التعبيرية أو النزوعية من مواجيد الحب، والإنسان إنما يفرح بتحقيق أمر طيب كان ينتظره. ولذلك كان يجب أن يهرولوا للإيمان بالدين الجديد، وأن يعلنوا الإيمان به مثلما فعل كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي الذي جاب أغلب البلاد باحثاً عن الدين الحق.
وهؤلاء هم مجرد أمثلة لمن أرادوا أن يعبروا بالفرحة واستقبال مدد السماء عبر مجيء النبي الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأعلنوا البيعة للرسول الجديد كما بشرت به الكتب السماوية السابقة على بعثته، ثم وقفوا موقف العداء من الذين لم يفرحوا بمقدم الرسول، ثم غيروا ما جاء في كتبهم السماوية طمعاً في السلطة الزمنية.
وعرف من آمنوا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذين أنكروا نبوة محمد بن عبد الله قد دلسوا على أنفسهم وعلى غيرهم، وأتوا بأشياء لم تكن موجودة في كتبهم المنزلة على رسلهم كادعائهم أن لله أبناء، وسبحانه منزه عن ذلك:

{والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب "36"}
(سورة الرعد)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:00 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 37

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واقٍ "37")</td> </tr> <tr> <td align="right">والمقصود بـ"كذلك" إشارة إلى إرسال الرسل المتقدمين بمعجزات شاءها الحق سبحانه، ولم يقترحها أحد. وقوله:

{أنزلناه .. "37"}
(سورة الرعد)

ساعة نسمعه نرى أن هناك مكانة علية ينزل منها شيئاً لمكانة أدنى، ومثل ذلك أمر معروف في الحسيات، وهو معروف أيضاً في المعنويات.
بل وقد يكون هذا الشيء لم يصل إلى السماء؛ ولكنه في الأرض، ومع ذلك يقول فيه الحق سبحانه:

{وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس .. "25"}
(سورة الحديد)

وهو إنزال، لأنه أمر من تدبير السماء، حتى وإن كان في الأرض:

{وكذلك أنزلناه حكماً عربياً .. "37"}
(سورة الرعد)

والحكم هو المعنى، والمقصود بالإنزال هنا هو القرآن، وهو كتاب؛ والكتاب بمني ومعنى، وشاء الحق سبحانه هنا أن يأتي بوصف المبالغة ليأتي الوصف وكأنه الذات، أي: أنه أنزل القرآن حكماً؛ وهذا يعني أن القرآن في حد ذاته حكم.
وأنت حين تصف قاضياً يحكم تمام العدل؛ لا تقول "قاض عادل" بل تقول "قاض عدل" أي: كأن العدل قد تجسم في القاضي؛ وكأن كل تكوينه عدل. والحق سبحانه هنا يوضح أن القرآن هو الحكم العدل، ويصفه بأنه:

{حكماً عربياً .. "37"}
(سورة الرعد)

لأن اللسان الذي يخاطب به الرسول القوم الذين يستقبلون بآذانهم ما يقوله لهم لابد أن يكون عربياً. ولذلك يقول في آية أخرى.

{وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون "44"}
(سورة الزخرف)

أي: أنه شرف كبير لك ولقومك، أن نزل القرآن بلغة العرب.
وقد حفظ القرآن لنا اللغة العربية سليمة صافية؛ بينما نجد كل لغات العالم قد تشعبت إلى لهجات أولاً، ثم استقلت كل لهجة فصارت لغة، مثل اللغة اللاتينية التي خرجت منها أغلب لغات أوربا المعاصر من: إنجليزية وفرنسية وإيطالية، ووجدنا تلك اللغات تتفرق إلى لغات استقلالية، وصار لكل منها قواعد مختلفة.
بل إن اللغة الإنجليزية على سبيل المثال صارت "إنجليزية ـ إنجليزية" يتكلم بها أهل بريطانيا؛ و"إنجليزية ـ أمريكية" يتكلم بها أهل الولايات المتحدة.
ول تركنا ـ نحن ـ لغة التخاطب بيننا كمسلمين وعرب إلى لغة التخاطب الدارجة في مختلف بلادنا؛ فلن يفهم بعضنا البعض، ومرجع تفاهمنا مع بعضنا البعض ـ حين نتكلم ـ هو اللغة الفصحى. ودليلنا ما رأينا في مغربنا العربي، فنجد إنساناً تربى على اللغة الفرنسية، أو تكون لغة جمعاً بين لهجات متعددة من البربرية والفرنسية وبقايا لغة عربية، فإذا حدثته باللغة العامية لا يفهم منك شيئاً، وإن تحدثت معه باللغة العربية استجاب وأجاب؛ لأن فطرته تستقبل الفصحى فهماً وإدراكاً.
وهكذا رأينا كيف صان القرآن الكريم اللغة العربية واللسان العربي. ومن ضمن معاني قول الحق سبحانه:

{حكماً عربياً .. "37"}
(سورة الرعد)

أي: أن الذي يصون ويعصم هذا اللسان العربي هو القرآن الكريم. ويتابع سبحانه بقوله:

{ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واقٍ "37"}
(سورة الرعد)وهذا خطاب موجه منه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم يكشف فيه الحق سبحانه أمام رسوله صلى الله عليه وسلم مضار وخطورة اتباع الهوى؛ وهو خطاب يدل على أن الدين الذي نزل على موسى ثم عيسى، وهما السابقان لرسول الله؛ لم يعد كما كان على عهد الرسولين السابقين؛ بل تدخل فيه الهوى؛ ولم يعد الدين متماسكاً كما نزل من السماء. ولذلك يقول سبحانه في آية أخرى:

{لو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض .. "71"}
(سورة المؤمنون)

ذلك أنه سبحانه لو اتبع أهواءهم لضاع نظام الكون؛ ألم يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

{أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً .. "92"}
(سورة الإسراء)

ولو استجاب الحق مثلاً لهذه الدعوة، ألم تكن السماء لتفسد؟
إذن: فبعد أن نزل القرآن من السماء حكماً وعلماً ومنهجاً يسهل عليهم فهمه، لأنه بلغتهم، وهم يحمل كامل المنهج إلى أن تقوم الساعة، وفيه دليل السعادة في الدنيا والآخرة.
لذلك فليس لأحد أن يتبع هواه؛ فالهوى ـ كما نعلم ـ يختلف من إنسان لآخر، والخطاب الموجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتضمن في طياته الخطاب لأمته صلى الله عليه وسلم.
ومن يفعل ذلك فليس له من دون الله ولي يؤازره أو ينصره، أو يقيه عذاب الحق: شقاءً في الدنيا، وإلقاءً في الجحيم في الآخرة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:00 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 38

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب "38")</td> </tr> <tr> <td align="right">وأنت يا محمد لست بدعاً من الرسل في مسألة الزواج والإنجاب. وهي تحمل الرد على من قالوا:

{ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .. "7"}
(سورة الفرقان)

ومنهم من قال: ما لهذا الرسول يتزوج النساء؟ ألم يكن من اللائق أن يتفرغ لدعوته؟ وهؤلاء الذين قالوا ذلك لم يستقرئوا الموكب الرسالي، لأنهم لو فعلوا لوجدا أن أغلب الرسل قد تزوجوا وأنجبوا.
وحين تكون حياة الرسول قريبة ـ كمثال واضح ـ من حياة الناس الذين أرسل إليهم؛ ليكون أسوة لهم؛ فالأسوة تتأتى بالجنس القابل للمقارنة؛ وحين تكون حياة الرسول كحياة غيره من البشر في إطارها العام؛ كأب وزوج، فالأسوة تكون واضحة للناس. ونعلم أن هناك من جاء إلى رسول الله؛ ليطلب الإذن بالتفرغ التام للعبادة من: صوم وصلاة وزهد عن النساء،

<فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال في حديث شريف: "إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني">

ويتابع الحق سبحانه:

{وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب "38"}
(سورة الرعد)

أي: ما كان لأحد أن يقترح على الله الآية التي تأتي مع أي رسول من الرسل، ولم يكن لأي رسول حق في اختيار الآية المصاحبة له.
وبهذا القول حسم الحق سبحانه قضية طلب المشركين لآيات الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن كل رسول جاء لزمنه ولقومه؛ وكل معجزة كانت من اختيار الله، وكل رسول يؤدي ما يكلفه به الله؛ وليس للرسول أن يقترح على الله آية ما؛ لأن الخالق الأعلى هو الأعلم بما يصلح في هذه البيئة على لسان هذا الرسول. ونأخذ من قوله الحق:

{لكل أجل كتاب "38"}
(سورة الرعد)

أن لكل رسالة رسولها، ولكل رسالة مكانها، ولكل رسالة معجزتها، فإذا كان الأمر كذلك فدعوا محمد صلى الله عليه وسلم وما اختاره الله له؛ في المكان الذي شاءه سبحانه، وفي الزمان؛ وفي المعجزة المصاحبة له صلى الله عليه وسلم.
ولكن، أهناك تغيير بعد أن يقول الحق سبحانه:

{لكل أجل كتاب "38"}
(سورة الرعد)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:00 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 39

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب "39")</td> </tr> <tr> <td align="right">والمحو كما نعلم هو الإزالة، والتثبيت أي: أن يبقى الحق ما يراه ثابتاً. وقد فهم بعض الناس ـ خطأ ـ أن كل حكم في القرآن قد جاء ليثبت وسيظل هكذا أبد الدهر؛ ولكن عند التطبيق ظهر أن بعض الأحكام يقتضي تغييرها يغيرها الله لحكمة فيها خير البشرية.
ونقول: لا، لم يحدث ذلك، ولكن كانت هناك أحكام مرحلية؛ ولها مدة محددة؛ ولذلك جاء قول الحق سبحانه:

{وعنده أم الكتاب "39"}
(سورة الرعد)

أي: عنده اللوح المحفوظ الذي تحددت فيه الأحكام التي لها مدة محددة؛ وما أن تنتهي إلا وينزل حكم آخر مكانها، وعلى هذا المعنى يمكن أن نقول: إنه لم يوجد نسخ للأحكام، لأن معنى يمكن أن نقول: إنه لم يوجد نسخ للأحكام يتزحزح عن زمانه؛ لأن كل حكم موقوت بوقت محدود؛ وما أن ينتهي الوقت حتى يبدأ حكم جديد.
أقول ذلك كي أنبه العلماء إلى ضرورة أن يجلسوا معاً لدراسة ذلك، حتى لا يختلف العلماء: أهناك نسخ أم لا، وأقول: فلنحدد النسخ أولاً، لأن البعض يظن أن هناك حكماً كان يجب أن ينسحب على كل الأزمنة، ثم جاء حكم آخر ليحل محله لحكمة تقتضيها مصلحة البشرية والمراد لله منها.
ولا يوجد حكم أنهى حكماً وطرأ عليه ساعة الإنهاء؛ بل كل الأحكام كانت مقدرة أزلاً؛ وعلى ذلك فلا يوجد نسخ لأي حكم، ولكن هناك أحكام ينتهي وقتها الذي قدره الله لها؛ ويأتي حكم سبق تقديره أزلاً ليواصل الناس الأخذ به؛ ومادام الأمر كذلك فلا يوجد نسخ. ولننظر إلى قول الحق سبحانه:

{ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخيرٍ منها أو مثلها .. "106"}
(سورة البقرة)

ويتضح من منطوق الآية ومفهومها أن عند نسخ حكم يأتي الله بمثله أو خير منه. إذن: ليس هناك نسخ وإنما هناك أحكام تؤدي مهمتها في زمن ثم يأتي زمن يحتاج إلى حكم خير منه أو مثله في الحكم، ولكنه يوافق المصالح المرسلة مع مراد الله.
ولقائل أن يقول: مادام سيأتي بخير من الآية المنسوخة أو المنسأة فذلك افضل، ولكن لماذا يأتي بالمثل؟
وأقول: لأنك إن جاءك ما هو خير منها قد تستسيغه، ولكن حين ننتقل إلى مثل ما جاءت به الآية؛ فهذا محك الإيمان.
والمثل هو التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس في أول الدعوة؛ ثم مجيء الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة؛ فلا مشقة في ذلك.
ولكن هنا يتم اختبار الالتزام الإيماني بالتكليف، وهنا الانصياع للحكم الذي ينزله الله، وهو حكم مقدر أزلاً؛ وفي هذا اختبار لليقين الإيماني في إدارة توجيه المدبر لهذا السير.
وكذلك في الحج يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ليقبل الحجر الأسود؛ ثم يرجم الحجر الذي يرمز لإبليس، ونحن نفعل ذلك أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلاهما حجر، ولكننا نمتثل لأمره صلى الله عليه وسلم. فتقبيل الحجر الأسود ورجم الحجر الذي يشير إلى رمزية إبليس، كل هذا استجابة لأمر الآمر.
وحين يقول الحق سبحانه:

{يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب "39"}
(سورة الرعد)

فهو يعني أنه سبحانه ينهي زمن الحكم السابق الذي ينتهي زمنه في أم الكتاب أي اللوح المحفوظ؛ ثم يأتي الحكم الجديد.
والمثال: هو حكم الخمر؛ وقد عالجها الحق سبحانه أولاً بما يتفق مع قدرة المجتمع؛ وكان المطلوب الأول هو تثبيت العقيدة؛ ثم تجيء الأحكام من بعد ذلك.
وهناك فرق بين العقيدة ـ وهي الأصل ـ وبين الأحكام، وهي تحمل أسلوب الالتزام العقدي، وكان الحكم في أمر العقيدة ملزماً ومستمراً.
أما الأحكام مثل حكم الخمر فقد تدرج في تحريمها بما يتناسب مع إلف الناس؛ واعتيادهم؛ فقلل الحق سبحانه زمن صحبة الخمر؛ ثم جاء التحريم والأمر بالاجتناب، وعدم القرب منها. والمثل في حياتنا؛ حيث نجد من يريد أن يمتنع عن التدخين وهو يوسع من الفجوة الزمنية بين سيجارة وأخرى، إلى أن يقلع عنها بلطف، وينفيها من حياته تماماً.
ونجد القرآن يقول في الخمر:

{ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً .. "67"}
(سورة النحل)

وهنا يمتن الله عليهم بما رزقهم به؛ ولكن أهل الذوق يلتفتون إلى أنه لم يصف الخمر بأنها من الرزق الحسن؛ ووصف البلح والعنب بأنه رزق حسن؛ لأن الإنسان يتناوله دون أن يفسده. وهكذا يلتفت أهل الذوق إلى أن الخمر قد يأتي لها حكم من بعد ذلك، ثم ينزل الحق سبحانه عظة تقول:

{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما اكبر من نفعهما .. "219"}
(سورة البقرة)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:01 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 40

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب "40")</td> </tr> <tr> <td align="right">هذه الآية تحدد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يبلغ منهج الله، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إلا أن قول الحق سبحانه في رسوله صلى الله عليه وسلم:

{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم "128"}
(سورة التوبة)

جعله هذا القول متعلقاً بهداية قومه جميعاً، وكان يرجو أن يكون الكل مهتدياً؛ ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله في موقع آخر:

{فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا "6"}
(سورة الكهف)

أي: أنك لست مسئولاً عن إيمانهم، وعليك ألا تحزن إن لم ينضموا إلى الموكب الإيماني، وكل ما عليك أن تدعوهم وتبلغهم ضرورة الإيمان؛ والحق سبحانه هو الذي سوف يحاسبهم إما في الدنيا بالمحو والإهاب، أو في الآخرة بأن يلقوا عذاب النار.
وحين يقول الحق سبحانه:

{وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب "40"}
(سورة الرعد)

فنحن نعلم أن كل دعوة من دعوات الخير تكبر يوماً بعد يوم؛ ودعوات الشر تبهت يوماً بعد يوم. ومن يدعو إلى الخير يحب ويتشوق أن يرى ثمار دعوته وقد أينعت، ولكن الأمر في بعض دعوات الخير قد يحتاج وقتاً يفوق عمر الداعي.
ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:

{وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك .. "40"}
(سورة الرعد)

أي: اغرس الدعوة، ودع من يقطف الثمرة إلى ما بعد ذلك، وأنت حين تتفرغ للغرس فقط؛ ستجد الخير والثمار تأتي حين يشاء الله؛ سواء شاء ذلك إبان حياتك أو من بعد موتك.
وأنت إذا نظرت إلى الدعوات التي تستقبلها الحياة تجد أن لكل دعوة أنصاراً أو مؤيدين، وأن القائمين على تلك الدعوات قد تعجلوا الثمرة؛ مع أنهم لو تمهلوا ليقطفها من يأتي بعدهم لنجحت تلك الدعوات.
ونحن في الريف نرى الفلاح يغرس؛ ومن خلال غرسه نعرف مراداته، هل يعمل لنفسه، أو يعمل من أجل من يأتي بعده؟
فمن يغرس قمحاً يحصد بسرعة تفوق سرعة من يغرس نخلة أو شجرة من المانجو، حيث لا تثمر النخلة أو شجرة المانجو إلا بعد سنين طويلة، تبلغ سبع سنوات في بعض الأحيان، وهذا يزرع ليؤدي لمن يجئ ما أداه له من ذهب.
ونحن نأكل من تمر زرعه لنا غيرنا ممن ذهبوا، ولكنهم فكروا فيمن سيأتي من بعدهم، ومن يفعل ذلك لابد وأن يكون عنده سعة في الأرض التي يزرعها؛ لأن من لا يملك سعة من الأرض فهو يفكر فقط فيمن يعول وفي نفسه فقط؛ لذلك يزرع على قدر ما يمكن أن تعطيه الأرض الآن.
أما من يملك سعة من الأرض وسعة في النفس؛ فهو من وضع في قلبه مسئولية الاهتمام بمن سيأتون بعده. وأن يرد الجميل الذي أسداه له من سبقوه، بأن يزرع لغيره ممن سيأتون من بعده.
ودعوة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ شهدت له بأنه لم يبحث لنفسه عن ثمرة عاجلة؛ بل نجد الدعوة وهي تقابل الصعاب تلو الصعاب، ويلقي صلى الله عليه وسلم ما تلقى من العنت والإرهاق والجهد؛ بعد أن جهر بالدعوة في عشيرته الأقربين.
ثم ظلت الدعوة تتسع في بعض العشائر والبطون إلى أن دالت عاصمة الكفر؛ وصارت مكة بيت الله الحرام كما شاء الله، وأسلمت الجزيرة كلها لمنهج الله، وأرسل صلى الله عليه وسلم الكتب إلى الملوك والقياصرة،

<وكلها تتضمن قوله صلى الله عليه وسلم "أسلم تسلم">

ودلت هذه الكتب على أن الدعوة الإسلامية هي دعوة ممتدة لكل الناس؛ تطبيقاً لما قاله الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه: "رسول للناس كافة".
قال تعالى:

{وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً .. "28"}
(سورة سبأ)

وفهم الناس الفارق بين رسالته صلى الله عليه وسلم وبين كافة الرسالات السابقة، فإلى قوم عاد أرسل هوداً عليه السلام. يقول الحق سبحانه:

{وإلى عادٍ أخاهم هوداً .. "65"}
(سورة الأعراف)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:01 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 41

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب "41")</td> </tr> <tr> <td align="right">و"يروا" هنا بمعنى "يعلموا"، ولم يقل ذلك؛ لأن العلم قد يكون علماً بغيب، ولكن "يروا تعني أنهم قد علموا ما جاء بالآية علم مشهد ورؤية واضحة، وليس مع العين أين.
وإذا جاء قول الحق سبحانه ليخبرنا بأمر حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل؛ ووجدنا فيه فعل الرؤية؛ فهذا يعني أننا يجب أن نؤمن به إيمان مشهدٍ، لأن قوله سبحانه أوثق من الرؤية، وعلمه أوثق من عينيك. وسبق أن قال الحق سبحانه لرسوله:

{ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل "1"}
(سورة الفيل)

ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ولد في عام الفيل، ولا يمكن أن يكون قد رأى ما حدث لأصحاب الفيل، ولكنه صدق ما جاء به القول الحق وكأنه رؤيا مشهدية. وقال الحق سبحانه:

{ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً .. "45"}
(سورة الفرقان)

وحين يعبر القرآن عن أمر غيبي يأتي بفعل "يرى" مثل قوله الحق:

{ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم .. "12"}
(سورة السجدة)

وحين يتكلم القرآن عن أمر معاصر يقول:

{أفلا يرون .. "44"}
(سورة الأنبياء)

وهنا يقول الحق سبحانه:

{أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها .. "41"}
(سورة الرعد)

وهذا قول للحاضر المعاصر لهم.
وتعريف الأرض هنا يجعلها مجهولة، لأننا حين نرغب في أن نعرف الأرض؛ قد يتجه الفكر إلى الأرض التي نقف عليها؛ وبالمعنى الأوسع يتجه الفكر إلى الكرة الأرضية التي يعيش عليها كل البشر.
وقد تنسب الأرض إلى بقعة خاصة وقع فيها حدث ما؛ مثل قول الحق سبحانه عن قارون:

{فخسفنا به وبداره الأرض .. "81"}
(سورة القصص)

ويقول الحق سبحانه عن الأرض كلها:

{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض .. "55"}
(سورة النور)

وبطبيعة الحال هم لن يأخذوا كل الأرض، ولكن ستكون لهم السيطرة عليها. وسبحانه يقول أيضاً:

{فذروها تأكل في أرض الله .. "73"}
(سورة الأعراف)

وهكذا نفهم أن كلمة "الأرض" تطلق على بقعة لها حدث خاص، أما إذا أطلقت؛ فهي تعني كل الأرض، مثل قول الحق سبحانه:

{والأرض وضعها للأنام "10"}
(سورة الرحمن)

ومثل قوله تعالى لبني إسرائيل:

{وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض .. "104"}
(سورة الإسراء)

مع أنه قد قال لهم في آية أخرى:

{ادخلوا الأرض المقدسة .. "21" }
(سورة المائدة)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:02 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 42

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار "42")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهنا يخبر الحق سبحانه رسوله، وأي سامع لهذا البلاغ يستقرئ موكب الرسالات السابقة؛ وسيجد أن كل أمة أرسل لها رسول مكرت به وكادت له كي تبطل دعواه، ولم ينفع أي أمة أي مكر مكرته أو أي كيد كادته، فكل الرسالات قد انتصرت.
فسبحانه القائل:

{كتب الله لأغلبن أنا ورسلي .. "21"}
(سورة المجادلة)

وهو القائل:

{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين "171" إنهم لهم المنصورون "172" وإن جندنا لهم الغالبون "173"}
(سورة الصافات)

والحق سبحانه حين يورد حكماً فبالقرآن؛ وهو الذي حفظ هذا القرآن؛ فلن تأتي أي قضية كونية لتنسخ الحكم القرآني.
وأنت إذا استقرأت مواكب الرسل كلها تجد هذه القضية واضحة تماماً؛ كما أثبتها الحق سبحانه في القرآن المحفوظ؛ وما حفظه سبحانه إلا لوثوقه بأن الكونيات لا يمكن أن تتجاوزه.
وبالفعل فقد مكرت كل أمة برسولها؛ ولكن الحق سبحانه له المكر جميعاً؛ ومكر الله خير للبشرية من مكر كل تلك الأمم؛ ومكره سبحانه هو الغالب، وإذا كان ذلك قد حدث مع الرسل السابقين عليك يا رسول الله؛ فالأمر معك لابد أن يختلف لأنك مرسل إلى الناس جميعاً، ولا تعقيب يأتي من بعدك.
وكل تلك الأمور كانت تطمئنه صلى الله عليه وسلم؛ فلابد من انتصاره وانتصار دعوته؛ فسبحانه محيط بأي مكر يمكره أي كائن؛ وهو جل وعلا قادر على أن يحبط كل ذلك. ويتابع سبحانه في نفس الآية:

{يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار "42"}
(سورة الرعد)

والحق سبحانه يعلم ما يخفي عن الأعين في أعماق الكائنات؛ خير هو أو شر، ويحمي من شاء من عباده من مكر الماكرين، وينزل العقاب على أصحاب المكر السيء بالرسل والمؤمنين.
ولسوف يعلم الكافرين أن مصيرهم جهنم، وبئس الدار التي يدخلونها في اليوم الآخر؛ فضلاً عن نصرة رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا وخزيهم فيها. وهكذا يكونوا قد أخذوا الخزي كجزاء لهم في الدنيا؛ ويزدادون علماً بواقع العذاب الذي سيلقونه في الدار الآخرة. </td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:02 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الرعد - الآية: 43

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب "43")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونفهم من كلمة:

{لست مرسلاً .. "43"}
(سورة الرعد)

أن الكافرين يتوقفون عند رفض الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وكأن كل أمانيهم أن ينفوا عنه أنه رسول اصطفاه الحق سبحانه بالرسالة الخاتمة؛ بدليل أنهم قالوا:

{لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيمٍ "31"}
(سورة الزخرف)

ومن بعد ذلك قالوا:

{اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليمٍ "32"}
(سورة الأنفال)

أي: أن فكرة الإرسال لرسول مقبولة عندهم، وغير المقبول عندهم هو شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم:

{قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب "43"}
(سورة الرعد)

والشهيد كما نعلم هو الذي يرجح حكم الحق، فإذا ما ظهر أمر من الأمور في حياتنا الدنيا الذي نحتاج إلى حكم فيها؛ فنحن نرفع الأمر الذي فيه خلاف إلى القاضي، فيقول: "هاتوا الشهود".
ويستجوب القاضي الشهود ليحكم على ضوء الشهادة؛ فما بالنا والشاهد هنا هو الحق سبحانه؟ ولكن، هل الله سيشهد، ولمن سيقول شهادته؛ وهم غير مصدقين لكلام الله الذي نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم؟
ونقول: لقد أرسله الحق سبحانه بالمعجزة الدالة على صدق رسالته في البلاغ عن الله، والمعجزة خرق لنواميس الكون. وقد جعلها الحق سبحانه رسالة بين يدي رسوله وعلى لسانه؛ فهذا يعني أنه سبحانه قد شهد له بأنه صادق.
والمعجزة أمر خارق للعادة يظهرها الله على من بلغ أنه مرسل منه سبحانه، وتقوم مقام القول "صدق عبدي فيما بلغ عني".
وإرادة المعجزة ليست في المعنى الجزئي؛ بل في المعنى الكلي لها. والمثل في المعجزات البارزة واضح؛ فهاهي النار التي ألقوا فيها إبراهيم عليه السلام، ولو كان القصد هو نجاته من النار؛ لكانت هناك ألف طريقة ووسيلة لذلك؛ كأن تمطر الدنيا؛ أو لا يستطيعون إلقاء القبض عليه. ولكن الحق سبحانه يوضح لهم من بعد أن أمسكوا به، ومن بعد أن كبلوه بالقيود، ومن بعد أن ألقوه في النار؛ ويأتي أمره بأن تكون النار برداً وسلاماً عليه فلا تحرقه:

{قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم "69"}
(سورة الأنبياء)

وهكذا غير الحق سبحانه الناموس وخرقه؛ وذلك كي يتضح لهم صدق إبراهيم فيما يبلغ عن الله؛ فقد خرق له الحق سبحانه النواميس دليل صحة بلاغه. وإذا كان الحق سبحانه قد قال هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم "43"}
(سورة الرعد)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:03 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 1

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين "1")</td> </tr> <tr> <td align="right">والسورة كما نرى قد افتتحت بالحروف التوفيقية؛ والتي قلنا: إن جبريل عليه السلام نزل وقرأها هكذا؛ وحفظها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبلغها لنا صلى الله عليه وسلم هكذا؛ وهي قد نزلت أول ما نزلت على قوم برعوا في اللغة؛ وهم أهل فصاحة وبيان، ولم نجد منهم من يستنكرها.
وهي حروف مقطعة تنطق بأسماء الحروف لا مسمياتها، ونعلم أن كل حرف اسماً، وله مسمى؛ فحين نقول أو نكتب كلمة "كتب"؛ فنحن نضع حروفاً هي الكاف والباء والتاء بجانب بعضها البعض، لتكون الكلمة كما ننطقها أو نقرؤها.
ويقال عن ذلك إنها مسميات الحروف، أما أسماء الحروف؛ فهي "كاف" و"باء" و"تاء". ولا يعرف أسماء الحروف إلا المتعلم؛ ولذلك حين تريد أن تختبر واحداً في القراءة والكتابة تقول له: تهج حروف الكلمة التي تكتبها، فإن نطق أسماء الحروف؛ عرفنا أنه يجيد القراءة والكتابة.
وهذا القرآن ـ كما نعلم ـ نزل معجزاً للعرب الذين نبغوا في اللغة، وكانوا يقيمون لها أسواقاً؛ مثل المعارض التي نقيمها نحن لصناعاتنا المتقدمة.
ولذلك شاء الحق سبحانه أن تأتي معجزة الرسول الخاتم من جنس ما نبغوا فيه؛ فلو كانت المعجزة من جنس غير ما نبغوا فيه ولم يألفوه لقالوا: لو تعلمنا هذا الأمر لصنعنا ما يفوقه.
وجاءتهم معجزة القرآن من نفس الجنس الذي نبغوا فيه، وباللغة العربية وبنفس المفردات المكونة من الحروف التي تكونون منها كلماتكم، والذي جعل القرآن معجزاً أن المتكلم به خالق وليس مخلوقاً. وفي "الر" نفس الخامات التي تصنعون منها لغتكم.
وهذا بعض ما أمكن أن يلتقطه العلماء من فواتح السور. علينا أن نعلم أن لله في كلماته أسراراً؛ فهو سبحانه:

{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب .. "7"}
(سورة آل عمران)

أي: أن القرآن به آيات محكمات، هي آيات الأحكام التي يترتب عليها الثواب والعقاب، أما الآيات المتشابهات فهي مثل تلك الآيات التي تبدأ بها فواتح بعض السور؛ ومن في قلوبهم زيغ يتساءلون: ما معناها؟
وهم يقولون ذلك لا بحثاً عن معنى؛ ولكن رغبة للفتنة.
ولهؤلاء نقول: أتريدون أن تفهموا كل شيء بعقولكم؟ إن العقل ليس إلا وسيلة إدراك؛ مثله مثل العين، ومثل الأذن.
فهل ترى عيناك كل ما يمكن أن يرى؟ طبعاً لا؛ لأن للرؤية بالعين قوانين وحدوداً، فإن كنت بعيداً بمسافة كبيرة عن الشيء فلن تراه؛ ذلك أن العين لا ترى أبعد من حدود الأفق.
وكل إنسان يختلف أفقه حسب قوة بصره؛ فهناك من أنعم الله عليه ببصر قوي وحاد؛ وهناك من هو ضعيف البصر؛ ويحتاج إلى نظارة طبية تساعده على دقة الإبصار.
فإذا كانت للعين ـ وهي وسيلة إدراك المرائي ـ حدود، وإذا كانت للأذن، وهي وسيلة إدراك الأصوات بحد المسافة الموجية للصوت؛ فلابد أن تكون هناك حدود للعقل، فهمه ما يمكن أن تفهمه؛ وهناك ما لا يمكن أن تفهمه.
والرسول صلى الله عليه وسلم قال عن آيات القرآن: "ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به".
وذلك حفاظاً على مواقيت ومواعيد ميلاد أي سر من الأسرار المكنونة في القرآن الكريم، فلو أن القرآن قد أعطى كل أسراره في أول قرن نزل فيه؛ فكيف يستقبل القرون الأخرى بدون سر جديد؟
إذن: فكلما ارتقى العقل البشري؛ كلما أذن الله بكشف سر من أسرار القرآن. ولا أحد بقادر على أن يجادل في آيات الأحكام. ويقول الحق سبحانه عن الآيات المتشابهة:

{وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا .. "7"}
(سورة آل عمران)

وهناك من يقرأ هذه الآية كالآتي: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم مـ" وتناسى من يقرأ تلك القراءة أن منتهى الرسوخ في العلم أن تؤمن بتلك الآيات كما هي.
والحق سبحانه يقول:

{آلر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين "1"}
(سورة الحجر)

و(تلك) إشارة لما سبق ولما هو قادم من الكتاب، و(آيات) جمع "آية". وهي: الشيء العجيب الذي يلتفت إليه. والآيات إما أن تكون كونية كالليل والنهار والشمس والقمر لتثبت الوجود الأعلى، وإما أن تكون الآيات المعجزة الدالة على صدق البلاغ عن الله وهي معجزات الرسل، وإما أن تكون آيات القرآن التي تحمل المنهج للناس كافة.
ويضيف الحق سبحانه:

{وقرآن مبين "1"}
(سورة الحجر)

فهل الكتاب هو شيء غير القرآن؟ ونقول: إن الكتاب إذا أطلق؛ فهو ينصرف إلى كل ما نزل من الله على الرسل؛ كصحف إبراهيم، وزبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى؛ وكل تلك كتب، ولذلك يسمونهم "أهل الكتاب".
أما إذا جاءت كلمة "الكتاب" معرفة بالألف واللام؛ فلا ينصرف إلا للقرآن، لأنه نزل كتاباً خاتماً، ومهيمناً على الكتب الأخرى. وبعد ذلك جاء بالوصف الخاص وهو (قرآن)، وبذلك يكون قد عطف خاصاً على عام، فالكتاب هو القرآن، ودل بهذا على أنه سيكتب كتاباً، وكان مكتوباً من قبل في اللوح المحفوظ.
وإن قيل: إن الكتب السابقة قد كتبت أيضاً؛ فالرد هو أن تلك الكتب قد كتبت بعد أن نزلت بفترة طويلة، ولم تكتب مثل القرآن ساعة التلقي من جبريل عليه السلام، فالقرآن يتميز بأنه قد كتب في نفس زمن نزوله، ولم يترك لقرون كبقية الكتب ثم بدئ في كتابته.
والقرآن يوصف بأنه مبين في ذاته وبين لغيره؛ وهو أيضاً محيط بكل شيء. وسبحانه القائل:

{ما فرطنا في الكتاب من شيء .. "38"}
(سورة الأنعام)

وأي أمر يحتاج لحكم؛ فإما أن تجده مفصلاً في القرآن، أو نسأل فيه أهل الذكر، مصداقاً لقول الحق سبحانه:

{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "7"}
(سورة الأنبياء)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:04 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 2

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين "2")</td> </tr> <tr> <td align="right">و"رب" حرف يستعمل للتقليل، ويستعمل أيضاً للتكثير على حسب ما يأتي من بعده، وهو حرف الأصل فيه أن يدخل على المفرد. ونحن نقول "رب أخ لك لم تلده أمك" وذلك للتقليل، مثلما نقول "ربما ينجح الكسول".
ولكن لو قلنا "ربما ينجح الذكي" فهذا للتكثير، وفي هذا استعمال للشيء في نقيضه، إيقاظاً للعقل كي ينتبه. وهنا جاء الحق سبحانه:
بـ"رب" ومعها حرف "ما" ومن بعدهما فعل. ومن العيب أن تقول: إن "ما" هنا زائدة؛ ذلك أن المتكلم هو رب كل العباد. وهنا يقول الحق سبحانه:

{ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين "2"}
(سورة الحجر)

فهل سيأتي وقت يتمنى فيه أهل الكفر أن يسلموا؟ إن "يود" تعني"يحب" و"يميل" و"يتمنى"، وكل شيء تميل إليه وتتمناه يسمى "طلب".
ويقال في اللغة: إن طلبت أمراً يمكن أن يتحقق، ويمكن ألا يتحقق؛ فإن قلت: "يا ليت الشباب يعود يوماً" فهذا طلب لا يمكن أن يتحقق؛ لذلك يقال إنه "تمنى". وإن قلت "لعلي أزور فلاناً" فهذا يسمى رجاء؛ لأنه من الممكن أن تزور فلاناً. وقد تقول: "كم عندك؟" بهدف أن تعرف الصورة الذهنية لمن يجلس إليه من تسأله هذا السؤال، وهذا يسمى استفهاماً.
وهكذا إن كنت قد طلبت عزيزاً لا ينال فهو تمن؛ وإن كنت قد طلبت ما يمكن أن ينال فهو الترجي، وإن كنت قد طلبت صورته لا حقيقته فهو استفهام، ولكن إن طلبت حقيقة الشيء؛ فأنت تطلبه كي لا تفعل الفعل.
والطلب هنا في هذه الآية؛ يقول:

{ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين "2"}
(سورة الحجر)

فهل يتأتى هذا الطلب؟
ولنر متى يودون ذلك. إن ذلك التمني سوف يحدث إن وقعت لهم أحداث تنزع منهم العناد؛ فيأخذون المسائل بالمقاييس الحقيقية.
والحق سبحانه هو القائل:

{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً .."14"}
(سورة النمل)

وقد حدث لهم حين وقعت غزوة بدر، ونال منهم المسلمون الغنائم أن قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، وأخذنا تلك الغنائم.
أي: أن هذا التمني قد حدث في الدنيا، ولسوف يحدث هذا عند موت أحدهم. يقول الحق سبحانه:

{حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون "99" لعلي أعمل صالحاً فيما تركت .. "100"}
(سورة المؤمنون)

ويعلق الحق سبحانه على هذا القول:

{كلا إنها كلمة هو قائلها .. "100"}
(سورة المؤمنون)

وسيتمنون أيضاً أن يكونوا مسلمين، مصداقاً لقول الحق سبحانه:

{ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون "12"}
(سورة السجدة)

إذن: فسيأتي وقت يتمنى فيه الكفار أن يكونوا مسلمين، إذا ما عاينوا شيئاً ينزع منهم جحودهم وعنادهم، ويقول لهم: إن الحياة التي كنتم تتمسكون بها فانية؛ ولكنكم تطلبون أن تكونوا مسلمين وقت أن زال التكليف، وقد فات الأوان.
ويكفي المسلمين فخراً أن كانوا على دين الله، واستمسكوا بالتكليف، ويكفيكم عاراً أن خسرتم هذا الخسران المبين، وتتحسروا على أنكم لم تكونوا مسلمين.
وفي اليوم الآخر يعذب الحق سبحانه العصاة من المسلمين الذين لم يتوبوا من ذنوبهم، ولم يستغفروا الحق سبحانه، أو ممن لم يغفر لهم سبحانه وتعالى ذنوبهم؛ لعدم إخلاص النية وحسن الطوية عند الاستغفار، ويدخل في ذلك أهل النفاق مصداقاً لقوله تعالى:

{استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم .. "80"}
(سورة التوبة)

فيدخلون النار ليأخذوا قدراً من العذاب على قدر ما عصوا وينظر لهم الكفار قائلين: ما أغنت عنكم لا إله إلا الله شيئاً، فأنتم معنا في النار. ويطلع الحق سبحانه على ذلك فيغار على كل من قال لا إله إلا الله؛ فيقول: أخرجوهم وطهروهم وعودوا بهم إلى الجنة، وحينئذ يقول الكافرون: يا ليتنا كنا مسلمين، لنخرج من النار، ونلحق بأهل الجنة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:04 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 3

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين "3")</td> </tr> <tr> <td align="right">و(ذرهم) أمر بأن يدعهم ويتركهم. وسبحانه قال مرة (ذرهم)، ومرة قال:

{وذرني والمكذبين أولى النعمة .. "11"}
(سورة المزمل)

أي: اتركهم لي، فأنا الذي أعاقبهم، وأنا الذي أعلم أجل الإمهال، وأجل العقوبة. ويستعمل من "ذرهم" فعل مضارع هو "يذر"، وقد قال الحق سبحانه:

{ويذرك وآلهتك .. "127"}
(سورة الأعراف)

ولم يستعمل منها في اللغة فعل ماضٍ، إلا فيما روى من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذروا اليمن ما ذروكم"، أي: اتركوهم ما تركوكم.
ويشارك في هذا الفعل فعل آخر هو "دع" بمعنى "اترك". وقيل: أهملت العرب ماضي "يدع" و"يذر" إلا في قراءة في قول الحق سبحانه:

{ما ودعك ربك وما قلى "3"}
(سورة الضحى)

وهنا يقول الحق سبحانه:

{ذرهم يأكلوا ويتمتعوا .. "3"}
(سورة الحجر)

ونحن أيضاً نأكل، وهناك فرق بين الأكل كوقود للحركة وبين الأكل كلذة وتمتع، والحيوانات تأكل لتأخذ الطاقة بدليل أنها حين تشبع؛ لا يستطيع أحد أن يجبرها على أكل عود برسيم زائد.
أما الإنسان فبعد أن يأكل ويغسل يديه؛ ثم يرى صنفاً جديداً من الطعام فهو يمد يده ليأكل منه؛ ذلك أن الإنسان يأكل شهوة ومتعة، بجانب أنه يأكل كوقود للحركة.
والفرق بيننا وبينهم أننا نأكل لتتكون عندنا الطاقة، فإن جاءت اللذة مع الطعام فأهلاً بها؛ ذلك أننا في بعض الأحيان نأكل ونتلذذ، لكن الطعام لا يمري علينا؛ بل يتعبنا؛ فنطلب المهضمات من مياه غازية وأدوية.
ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه".
أي: أنه صلى الله عليه وسلم ينهانا عن أن نأكل بالشهوة واللذة فقط.
ولنحظ الفارق بين طعام الدنيا وطعام الجنة في الآخرة؛ فهناك سوف نأكل الطعام الذي نستلذ به ويمري علينا؛ بينما نحن نضطر في الدنيا ـ في بعض الأحيان ـ أن نأكل الطعام بدون ملح ومسلوقاً كي يحفظ لنا الصحة؛ ولا يتعبنا؛ وهو أكل مريء وليس طعاماً هنيئاً، ولكن طعام الآخرة هنيء ومريء.
وعلى ذلك نفهم قول الحق سبحانه:

{ذرهم يأكلوا ويتمتعوا .. "3"}
(سورة الحجر)

أي: أن يأكلوا أكلاً مقصوداً لذات اللذة فقط.
ويقول الحق سبحانه متابعاً:

{ويلههم الأمل "3"}
(سورة الحجر)

أي: أن ينصبوا لأنفسهم غايات سعيدة؛ تلهيهم عن وسيلة ينتفعون بها؛ ولذلك يقول المثل العربي: "الأمل بدون عمل تلصص" فمادمت تأمل أملاً؛ فلابد أن تخدمه بالعمل لتحققه. ولكن المثل على الأمل الخادع هو ما جاء به الحق سبحانه على لسان من غرته النعمة، فقال:

{ما أظن أن تبيد هذه أبداً "35" وما أظن الساعة قائمة .. "36"}
(سورة الكهف)

ولكن الساعة ستقوم رغماً عن أنف الآمال الكاذبة، والسراب المخادع. ويقول الحق سبحانه:

{ويلههم الأمل فسوف يعلمون "3"}
(سورة الحجر)

وكلمة (سوف) تدل على أن الزمن متراخٍ قليلاً؛ فالأفعال مثل "يعلم" تعني أن الإنسان قد يعلم الآن؛ ويعلم من بعد الآن بوقت قصير، أما حين نقول "سوف يعلم" فتشمل كل الأزمنة. فالنصر يتحقق للمؤمنين بإذن من الله دائماً؛ أما غير المؤمنين فلسوف يتمنون الإيمان؛ كما قلنا وأوضحنا من قبل.
وهكذا نرى أن قوله:

{فسوف يعلمون "3"}
(سورة الحجر)

يشمل كل الأزمنة. وقد صنع الحق سبحانه في الدنيا أشياء تؤذن بصدق وعده، والذين يظنون أنهم يسيطرون على كل الحياة يفاجئهم زلزال؛ فيهدم كل شيء، على الرغم من التقدم فيما يسمى "الاستشعار عن بعد" وغير ذلك من فروع العلم التطبيقي.
وفي نفس الوقت نرى الحمير التي نتهمها بأنها لا تفهم شيئاً تهب ـ وهي الماشية ـ من قبل الزلزال لتخرج إلى الخلاء بعيداً عن الحظائر التي قد تتهدم عليها، وفي مثل هذا التصرف الغريزي عند الحيوانات تحطيم وأدب للغرور الإنساني، فمهما قاده الغرور، وادعى أنه مالك لناصية العلم، فهو مازال جاهلاً وجهولاً.
وكذلك نجد من يقول عن البلاد الممطرة: إنها بلاد لا ينقطع ماؤها، لذلك لا تنقطع خضرتها. ثم يصيب تلك البلاد جفاف لا تعرف له سبباً، وفي كل ذلك تنبيه للبشر كي لا يقعوا أسرى للغرور.
ويقول سبحانه من بعد ذلك ضارباً لهم المثل:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:04 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 4

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم "4")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أنه سبحانه لا يأمر بهلاك أي قرية إلا في الأجل المكتوب لها. ويجعلها من المثل التي يراها من يأتي بعدها لعله يتعظ ويتعرف على حقيقة الإيمان.
وقد قال الحق سبحانه:

{وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون "112"}
(سورة الحجر)

والمثل القريب من الذاكرة "لبنان" التي عاشت إلى ما قبل الخمسينات كبلد لا تجد فيه فندقاً لائقاً، ثم ازدهرت وانتعشت في الستينات والسبعينات؛ واستشرى فيها الفساد؛ فقال أهل المعرفة بالله: "لابد أن يصيبها ما يصيب القرى الكافرة بأنعم الله".
وقد حدث ذلك وقامت فيها الحرب الأهلية، وانطبق عليها قول الحق سبحانه:

{ويذيق بعضكم بأس بعضٍ .. "65"}
(سورة الأنعام)

وهذا ما يحدث في الدنيا، وهي مقدمات تؤكد صدق ما سوف يحدث في الآخرة. وسبحان القائل:

{وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً كان ذلك في الكتاب مسطوراً "58"}
(سورة الإسراء)

وبطبيعة الحال؛ فهذا ما يحدث لأي قرية ظالم أهلها؛ لأن الحق سبحانه لا يظلم مثقال ذرة. وأذكر أن تفسير النسفي قد صودر في عصر سابق؛ لأن صاحب التفسير قال عند تفسيره لهذه الآية: "حدثني فلان عن فلان أن البلد الفلاني سيحصل فيه كذا؛ والبلد الآخر سوف يحدث فيه كذا إلى أن جاء إلى مصر وقال بالنص: ويدخل مصر رجل من جهينة، فويل لأهلها، وويل لأهل سوريا، وويل لأهل الرملة، وويل لأهل فلسطين، ولا يدخل بيت المقدس".
ومادام الحق سبحانه قد قال:

{كان ذلك في الكتاب مسطوراً "58"}
(سورة الإسراء)

فهو يعلم بعضاً من خلقه بعضاً من أسراره، فلا مانع من أن نرى بعضاً من تلك الأسرار على ألسنتهم. وحين ذاعت تلك الحكاية، وقالوها للرئيس الذي كان موجوداً، وقالوا له: أنت من جهينة وهم يقصدونك. صودر تفسير النسفي.
إذن: فقد ترك الحق سبحانه لنا في الدنيا مثلاً يؤكد صدقه فيما يحكيه عن الوعيد لبعض القرى حتى نصدق ما يمكن أن يكون بعد يوم القيامة. وحين يقول الحق سبحانه:

{وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم "4"}
(سورة الحجر)

فليس لأحد أن يقول: "إن ذلك لم يحدث للبلد الفلاني" لأن كل أمر له أجل.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:05 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 5

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون "5")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أنه سبحانه قد جعل لكل أمة أجلاً، وغاية، فإذا ما انتهى الأجل المعلوم جاءت نهايتها؛ فلا كائن يتقدم على أجله، ولا أحد يتأخر عن موعد نهايته.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:05 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 6

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون "6")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهم هنا يسخرون من الرسول ومن القرآن؛ ذلك أنهم لو كانوا يؤمنون بالقرآن وبالرسول؛ لما وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون. والذين قالوا ذلك هم أربعة من كبار الكفار: عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة. وقيل عن ابن عباس: إنهم الوليد بن المغيرة المخزومي؛ وحبيب بن عمرو الثقفي. وقيل عن مجاهد: إنهم عتبة بن ربيعة، وكنانة بن عبد ياليل.
والظاهر من قولهم هو التناقض الواضح؛ فهم ـ شاؤا أم أبوا ـ يعترفون بالقرآن بأنه "ذكر"، والذكر في اللغة له عدة معانٍ، منها الشرف، وقد أطلق على القرآن، كما قال الحق سبحانه:

{وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون "44"}
(سورة الزخرف)

وسبق لهم أن تلمسوا في هذا القرآن هنات؛ فلم يجدوا، فكيف يصفون من نزل عليه هذا القرآن بالجنون؛ وهم الذين شهدوا له من قبل بالصدق والأمانة. وقد شاء الحق سبحانه أن ينصف رسوله صلى الله عليه وسلم فقال:

{وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ "4"}
(سورة القلم)

وهم في اتهامهم للرسول صلى الله عليه وسلم لم يلتفتوا إلى أنهم قد خاطبوه بقولهم: (يا أيها)، وهو خطاب يتطابق مع نفس الخطاب الذي يخاطبه به الله؛ وهكذا أجرى الحق سبحانه على ألسنتهم توقيراً واحتراماً للرسول صلى الله عليه وسلم دون أن يشعروا، وذلك من مشيئته سبحانه حين ينطق أهل العناد بالحق دون أن يشعروا.
فقد قال الحق سبحانه عن المنافقين أنهم قالوا:

{لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا .. "7"}
(سورة المنافقون)

أي: لا تنفقوا على من عند النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يجوعوا، فينفضوا من حوله. وهم يقولون عنه "رسول الله"، فهل آمنوا بذلك؟ أم أن هذا من غلبة الحق؟
ويتابع سبحانه ما جاء على ألسنتهم:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:05 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 7

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين "7")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن في اللغة ألفاظاً تدل على البحث وعلى رغبة المتكلم في أن يوجد السامع ما بعدها، ومن هذه الألفاظ "لولا" و"لوما". و"لولا" تجئ للتمني ورغبة ما يكون بعدها، وإن كان ما بعدها نفياً فهو رغبة منك ألا يكون، مثل قولك "لو جاء زيد لأكرمته" لكن لمجيء لم يحدث، وكذلك الإكرام.
وقد قال الكفار هنا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم:

{لو ما تأتينا بالملائكة .. "7"}
(سورة الحجر)

وسبق لهم أن قالوا:

{لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً "7"}
(سورة الفرقان)

وكأنهم يطلبون نزول ملك مع الرسول ليؤنسه وليصدقوا أنه رسول من عند الله، فهل كان تصديقهم المعلق على هذا الشرط؛ تصديقاً للرسول، أم تصديقاً للملك؟
وسبق أن تناول القرآن هذا الأمر في قول الحق سبحانه:

{وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً "94"}
(سورة الإسراء)

وكأنهم علقوا الإيمان بالرسول على شرط أنه ليس ملكاً؛ بل من صنف البشر، وجاء الرد عليهم:

{لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولاً "95"}
(سورة الإسراء)

إذن: فلو نزل رسول من السماء ملكاً؛ لما استطاع أن يمشي في الأرض مطمئناً؛ فضلاً عن أنه لا يمكن ان يكون أسوة وقدوة للبشر؛ لأنه من جنس آخر غير البشر.
ولو نزل عليهم ملك كما زعموا، وقال لهم: افعل ولا تفعل، واستقيموا واستغفروا، وسبحوه بكرة وأصيلا، لردوا عليه قائلين أنت ملك ينطبق عليك قول الحق:

{لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون "6"}
(سورة التحريم)

وأنت لا تصلح أسوة لنا. ثم كيف تتكلمون مع ملك وهو من طبيعة مختلفة، ولن يستطيع البشر أن يرتفعوا إلى مستواه ليأخذوا منه، وهو لن يستطيع أن ينزل إلى مستوى البشرية ليأخذوا منه؛ ولذلك شاء الحق سبحانه أن يرسل الرسول من جنس البشر.
وهكذا أبطل الحق سبحانه حجتهم في عدم الإيمان بالرسول؛ لأنه لم يأت من جنس الملائكة؛ وأبطل حجتهم في طلبهم أن ينزل مع الرسول ملائكة؛ ليؤيدوه في صدق بلاغه عن الله.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:06 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 8

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين "8")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا يعلمنا الحق سبحانه أنه لا ينزل الملائكة إلا بمشيئة حكمته سبحانه، ولو نزل الملك ـ كما طلبوا ـ لمساعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله، فالملك إما أن يكون على هيئة البشر؛ فلن يستطيعوا تمييز الملك من البشر، وإما أن يكون على هيئة الملك، فلا يستطيع البشر أن يروه؛ وإلا هلكوا.
ذلك أن البشر لا تستطيع تحمل التواصل مع القوة التي أودعها الله في الملائكة. والحق سبحانه هو القائل:

{ولو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر ثم لا ينظرون "8"}
(سورة الأنعام)

ولو جعله الحق سبحانه في هيئة البشر وتواصلوا معه لالتبس عليهم الأمر، ولظنوا أن الملك بشر مثلهم. وفي هذا يقول الحق سبحانه:

{ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون "9"}
(سورة الأنعام)

لم ينزل الحق سبحانه الملائكة؛ لأنه لم يشأ أن يهلكهم ورسول الله فيهم، فالحق سبحانه قد قال:

{وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون "33" }
(سورة الأنفال)

وقد آمن معظمهم ودخلوا في دين الله من بعد ذلك واستغفروا لذنوبهم، وكان الله غفوراً رحيماً؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. وحين ننظر إلى صدر الآية نجد أنه سبحانه قال:

{ما ننزل الملائكة إلا بالحق .. "8"}
(سورة الحجر)

فلو نزلت الملائكة لكان عذاباً لهم، فالحق سبحانه إذا أعطى قوماً آية طلبوها، فإما أن يؤمنوا، وإما أن يهلكهم، ولذلك يقول الحق سبحانه:

{وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون "59"}
(سورة الإسراء)

فالحق سبحانه لم يجبهم إلى الآيات والمعجزات التي طلبوها؛ لأن السابقين لهم، كذبوا بها قبل ذلك، وهم يريدون أن يكذبوا أيضاً، فحتى لو نزلت الآية فسيكذبونها، وحين يكذبون في آية مقترحة من عندهم، فلابد أن نهلكهم. أما لو كذبوا في آية منزلة من عند الله فإن الله يمهلهم.
إذن: فلو نزلنا الملائكة كما يريدون فسننزلهم بالحق، والحق هو أن نهلكهم إذا كذبوا. ويذيل الحق سبحانه الآية بقوله:

{وما كانوا إذاً منظرين "8"}
(سورة الحجر)

أي: ما كان أجل المشركين قد حان لينزل الله لهم الملائكة لإهلاكهم، كما سبق وأهلك الأمم السابقة التي طلبت الآيات، فنزلت لهم كما طلبوها، ولما لم يصدقوا ويؤمنوا أهلكهم الله.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:06 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 9

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "9")</td> </tr> <tr> <td align="right">والقرآن قد جاء بعد كتب متعددة، وكان كل كتاب منها يحمل منهج الله؛ إلا أن أي كتاب منها لم يكن معجزة؛ بل كانت المعجزة تنزل مع أي رسول سبق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادة ما تكون المعجزة من صنف ما نبغ فيه القوم الذين نزل فيهم.
ومادام المنهج مفصولاً عن المعجزة؛ فقد طلب الحق سبحانه من الحاملين لكتب المنهج تلك أن يحافظوا عليها، وكان هذا تكليفاً من الحق سبحانه لهم. والتكليف ـ كما نعلم ـ عرضة أن يطاع، وعرضة أن يعصى، ولم يلتزم أحد من الأقوام السابقة بحفظ الكتب المنزلة إليهم. ونجد الحق ـ سبحانه وتعالى ـ يقول:

{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله .. "44"}
(سورة المائدة)

أي: أن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ قد كلفهم وطلب منهم أن يحفظوا كتبهم التي تحمل منهجه؛ وهذا التكليف عرضة أن يطاع، وعرضة أن يعصى؛ وهم قد عصوا أمر الحق سبحانه وتكليفه بالحفظ؛ ذلك أنهم حرفوا وبدلوا وحذفوا من تلك الكتب الكثير.
وقال الحق سبحانه عنهم:

{وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون "146"}
(سورة البقرة)

بل وأضافوا من عندهم كلاماً وقالوا: هو من عند الله؛ لذلك قال فيهم الحق سبحانه:

{فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون "79"}
(سورة البقرة)

وهكذا ارتكبوا ذنوب الكذب وعدم الأمانة، ولم يحفظوا الكتب الحاملة لمنهج الله كما أنزلها الله على أنبيائه ورسله السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك لم يشأ الحق سبحانه أن يترك مهمة حفظ القرآن كتكليف منه للبشر؛ لأن التكليف عرضة أن يطاع وعرضة أن يعصى، فضلاً عن أن القرآن يتميز عن الكتب السابقة في أنه يحمل المنهج، وهو المعجزة الدالة على صدق بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس الوقت.
ولذلك قال الحق سبحانه:

{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "9"}
(سورة الحجر)

والذكر إذا أطلق انصرف المعنى إلى القرآن؛ وهو الكتاب الذي يحمل المنهج؛ وسبحانه قد شاء حفظه؛ لأنه المعجزة الدائمة الدالة على صدق بلاغ رسوله صلى الله عليه وسلم.
وكان الصحابة يكتبون القرآن فور أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدنا في عصرنا من هم غير مؤمنين بالقرآن؛ ولكنهم يتفننون في وسائل حفظه؛ فهناك من طبع المصحف في صفحة واحدة؛ وسخر لذلك مواهب أناس غير مؤمنين بالقرآن.
وحدث مثل ذلك حين تم تسجيل المصحف بوسائل التسجيل المعاصرة. وفي ألمانيا ـ على سبيل المثال ـ توجد مكتبة يتم حفظ كل ما يتعلق بكل آية من القرآن في مكان معين محدد. وفي بلادنا المسلمة نجد من ينقطع لحفظ القرآن منذ الطفولة، وينهي حفظه وعمره سبع سنوات؛ وإن سألته عن معنى كلمة يقرؤها فقد لا يعرف معناها.
ومن أسرار عظمة القرآن أن البعض ممن يحفظونه لا يملكون أية ثقافة، ولو وقف الواحد من هؤلاء عند كلمة؛ فهو لا يستطيع أن يستكملها بكلمةٍ ذات معنى مقارب لها؛ إلى أن يرده حافظ آخر للقرآن.
ولكي نعرف دقة حفظ الحق سبحانه لكتابه الكريم؛ نجد أن البعض قد حاول أن يدخل على القرآن ما ليس فيه، وحاول تحريفه من مدخل، يرون أنه قريب من قلب كل مسلم، وهو توقير الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وجاءوا إلى قول الحق سبحانه:

{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم .. "29"}
(سورة الفتح)

وأدخلوا في هذه الآية كلمة ليست فيها، وطبعوا مصحفاً غيروا فيه تلك الآية بكتابتها "محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" وأرادوا بذلك أن يسرقوا عواطف المسلمين، ولكن العلماء عندما أمسكوا بهذا المصحف أمروا بإعدامه وقالوا: "إن به شيئاً زائداً"، فرد من طبع المصحف "ولكنها زيادة تحبونها وتوقرونها"، فرد العلماء: "إن القرآن توقيفي؛ نقرؤه ونطبعه كما نزل".
وقمت ضجة؛ وحسمها العلماء بأن أي زيادة ـ حتى ولو كانت في توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته ـ لا تجوز في القرآن، لأن علينا أن نحفظ القرآن كما لقنه جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:06 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 10

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين "10")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهنا يسلى الحق سبحانه رسوله الكريم، ويوضح له أن ما حدث له من إنكار ليس بدعاً، بل حدث له من إنكار ليس بدعاً، بل حدث مثله مع غيره من الرسل سواء من إنكار أو تجاهل أو سخرية.
وإذا كنت أنت سيد الرسل وخاتم الأنبياء؛ فلابد أن تكون مشقتك على قدر مهمتك، ولابد أن يكون تعبك على قدر جسامة الرسالة الخاتمة. و

{شيع "10"}
(سورة الحجر)

تعني الجماعة الذين اجتمعوا على مذهب واحد؛ سواء كان ضلالاً أم حقاً. والمثل على من اجتمعوا على باطل هو قوله الحق:

{أو يلبسكم شيعاً .. "65"}
(سورة الأنعام)

والمثل على من اجتمعوا على الحق قوله سبحانه:

{وإن من شيعته لإبراهيم "83"}
(سورة الصافات)

وهكذا تكون كلمة (شيع) تعني الجماعة التي اجتمعت على الحق أو الباطل. وقول الحق سبحانه:

{ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين "10"}
(سورة الحجر)

يعني أنك لن تكون أقل من الرسل السابقين عليك، بل قد تكون رحلتك في الرسالة شاقة بما يناسب مهمتك، ويناسب إمامتك للرسل وختامك للأنبياء.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:07 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 11

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون"11")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونجد كلمة:

{يستهزءون "11"}
(سورة الحجر)

ونجد أن الحق سبحانه قد أوضح هذا الاستهزاء حين قالوا:

{يا أيها الذين نزل عليه الذكر إنك لمجنون "6"}
(سورة الحجر)

وكأن الحق سبحانه يوضح له أن الاستهزاء قد يزيد، وذلك دليل على أنك قد بلغت منهم مبلغ الكيد، ولو كان كيدك قليلاً لخففوا كيدهم؛ ولكنك جئت بأمر قاس عليهم، وهدمت لهم مذاهبهم، وهدمت حتى سيادتهم وكذلك سطوتهم، ولم يجدوا غير الاستهزاء ليقاوموك به.
ومعنى ذلك أنهم عجزوا عن مقاومة منهجك؛ ويحاولون بالاستهزاء أن يحققوا لك الخور لتضعف؛ معتمدين في ذلك على أن كل إنسان يحب أن يكون كريماً في قومه ومعززاً مكرماً.
وهنا يريد الحق سبحانه من رسوله أن يوطن نفسه على أنه سيستهزأ به وسيحارب؛ وسيؤذى؛ لأن المهمة صعبة وشاقة، وكلما اشتدت معاندتك وإيذاؤك، فاعلم أن هذه من حيثيات ضرورة مهمتك.
ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يتأكد من مهمته؛ أخذته زوجه خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها ـ عند ورقة بن نوفل؛ وعرف ورقة أنه سيؤذى، وقال ورقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك. فتساءل الرسول صلى الله عليه وسلم: أمخرجي هم؟ قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.
وهكذا شاء الحق سبحانه أن يصحب نزول الرسالة أن يحصنه ضد ما سيحصل له، ليكون عنده المناعة التي تقابل الأحداث؛ فمادام سيصير رسولاً، فليعلم أن الطريق محفوف بالإيذاء، وبذلك لا يفاجأ بوجود من يؤذيه.
ونحن نعلم أن المناعة تكون موجودة عند من وبها يستعد لمواجهة الحياة في مكان به وباء يحتاج إلى مصل مضاد من هذا الوباء؛ ليقي نفسه منه، وهذا ما يحدث في الماديات، وكذلك الحال في المعنويات.
ولهذا يوضح سبحانه هذا الأمر لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولتزداد ثقته في الحق الذي بعثه به ربه، ويشتد في المحافظة على تنفيذ منهجه.
والاستهزاء ـ كما نعلم ـ لون من الحرب السلبية؛ فهم لم يستطيعوا مواجهة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجد، ولا أن يردوا منهجه الراقي؛ لذلك لجئوا إلى السخرية من رسول الله صلى الله لعيه وسلم، ولم تنفعهم سخريتهم في النيل من الرسول، أو النيل من الإسلام وفي هذا المعنى،</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:07 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 12

</td> </tr> <tr> <td align="center">(كذلك نسلكه في قلوب المجرمين "12")</td> </tr> <tr> <td align="right">و"سلك الشيء" أي: أدخله، كما ندخل الخيط في ثقب الإبرة. والحق سبحانه يقول:

{ما سلككم في سقر "42" قالوا لم نك من المصلين "43"}
(سورة المدثر)

أي: ما أدخلكم في النار؛ فتأتي إجابتهم:

{قالوا لم نك من المصلين "43"}
(سورة المدثر)

وهنا يقول الحق سبحانه:

{كذلك نسلكه في قلوب المجرمين "12"}
(سورة الحجر)

أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك ندخله في قلوب المجرمين.
يعني: مشركي مكة، لأنهم أدخلوا أنفسهم في دائرة الشرك التي دعتهم إلى هذا الفعل، فنالوا جزاء ما فعلوا مثل ما سبق من أقوام مثلهم؛ وقد يجد من تلك القلوب تصديقاً يكذبونه بألسنتهم، مثلما قال الحق سبحانه:

{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم .. "14"}
(سورة النمل)

فهم أمة بلاغة ولغة وبيانٍ؛ وقد أثر فيهم القرآن بحلاوته وطلاوته؛ ولكنه العناد، وهاهو واحد منهم يقول:
"إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق". لقد قال ذلك كافر بالرسول والرسالة.
ونعلم أن الذين استمعوا إلى القرآن نوعان؛ والحق سبحانه هو القائل عن أحدهما:

{ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم "16" }
(سورة محمد)

أي: أن قوله لا يعجبهم وما يتلوه عليهم لا يستحق السماع، فقال الحق سبحانه رداً عليهم:

{قل هو للذين آمنوا هدىً وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى .."44"}
(سورة فصلت)

وهي مسألة ـ كما أقول دائماً ـ تتعلق بالقابل الذي يستقبل الحدث؛ إما أن يصفي قلبه ليستقبل القرآن؛ وإما أن يكون قلبه والعياذ بالله ـ ممتلئاً بالكفر، فلا يستقبل شيئاً من كتاب الحق. وقد حدث أن ادخل الحق سبحانه كتبه السماوية في قلوب الأقوام السابقة على رسول الله، ولكنهم لفساد ضمائرهم وظلمة عقولهم؛ سخروا من تلك الكتب، ولم يؤمنوا بها.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:07 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 13

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين "13")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا يوضح الحق سبحانه أن قلوب الكفرة لا تلين بالإيمان؛ ولا تحسن استقبال القرآن، ذلك أن قلوبهم ممتلئة بالكفر، تماماً كما حدث من الأقوام السابقة، فتلك سنة من سبقوهم إلى الكفر. والسنة هي الطريقة التي تأتي عليها قضايا النتائج للمقدمات وهي أولاً وأخيراً قضايا واحدة. ومرة نجد الحق سبحانه يقول:

{سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا "62"}
(سورة الأحزاب)

ونعلم أن الإضافة تختلف حسب ما يقتضيه التعبير. فـ (سنة الأولين) تعني الأمور الكونية التي قدرها الله لعباده. و(سنة الله) تعني سنة منسوبة لله، ومن سنن الحق سبحانه أن يهلك المكذبين للرسل إن طلبوا آية فجاءتهم، ثم واصلوا الكفر.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:08 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 14 -15

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون "14" لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون "15")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهم قد طلبوا أن ينزل إليهم ملك من السماء؛ لذلك نجد الحق سبحانه هنا يأتيهم بدليل أقوى مما طلبوا، ذلك أن نزول ملك من السماء هو أسهل بكثير من أن ينزل من السماء سلماً يصعدون عليه، وفي هذا ارتقاء في الدليل؛ لكنهم يرتقون أيضاً في الكفر، وقالوا: إن حدث ذلك فلسوف يكون من فعل السحر.
ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحراً لسحرهم، وجعلهم جميعاً مؤمنين، وعلى الرغم من أن مثل هذا الأمر كان يجب أن يكون بديهياً بالنسبة لهم، لكنهم يتمادون في الكفر، ويقولون: إنه لو نزل سلماً من السماء وصعدوا عليه؛ لكان ذلك بفعل السحر؛ ولكان رسول الله هو الذي سحرهم؛ وأعمى أبصارهم، ولجعلهم يتوهمون ذلك.
وكأن معنى هذا القول الكريم: لو ارتقينا في مطلبهم، وأنزلنا لهم سلماً يصعدون به إلى أعلى؛ ليقولوا: إن الحق هو الذي بعث محمداً بالرسالة، بدلاً من أن ينزل إليهم ملك حسب مطلبهم؛ لما آمنوا بل لقالوا: إن هذا من فعل سحر قام به محمد ضدهم. وهكذا يرتقون في العناد والجحود.
ولابد أن نلحظ أن الحق سبحانه قد جاء هنا بكلمة:

{فظلوا "14"}
(سورة الحجر)

ولم يقل "وكانوا"، ذلك أن "كان" تستخدم لمطلق الزمن، و"ظل" للعمل نهاراً، و"أمسى" للعمل ليلاً، أي: أن كل كلمة لها وقت مكتوب، والمقصود من "ظلوا" هنا أن الحق سبحانه لن ينزل لهم السلم الذي يعرجون عليه إلا في منتصف النهار، ولكنهم أصروا على الكفر.
لذلك قال سبحانه:

{فظلوا فيه يعرجون "14"}
(سورة الحجر)

أي: لن نأخذهم بالليل، حتى لا يقولوا إن الدنيا كانت مظلمة ولم نر شيئاً، ولكنه سيكون في وضح النهار. أي: أن الله حتى لو فتح باباً في السماء يصعدون منه إلى الملأ الأعلى في وضح النهار لكذبوا.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:08 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 16

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين "16")</td> </tr> <tr> <td align="right">والبروج تعني المباني العالية، والحق سبحانه هو القائل:

{أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة "78"}
(سورة النساء)

وهو سبحانه القائل:

{والسماء ذات البروج "1"}
(سورة البروج)

والمعنى الجامع لكل هذا هو الزينة الملفتة بجرمها العالي؛ وقد تكون ملفتة بجمالها الأخاذ.
والبروج هي جمع برج؛ وهي منازل الشمس والقمر؛ فكلما تحركت الشمس في السماء تنتقل من برج إلى آخر؛ وكذلك القمر، مصداقاً لقول الحق سبحانه:

{كل في فلكٍ يسبحون "33"}
(سورة الأنبياء)

وهو سبحانه القائل:

{هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب "5"}
(سورة يونس)

أي: لنضبط كل التوقيتات على ضوء تلك الحركة لكل من الشمس والقمر، ونحن حين نفتح أي جريدة نقرأ ما يسمى بأبواب الطالع، وفيه أسماء الأبراج: برج الحمل، وبرج الجدي، وبرج العذراء؛ وغيرها، وهي أسماء سريانية للمنازل التي تنزلها أبراج النجوم. ويقول الشاعر:

حمل الثور جوزة السرطان عقرب القوس جدي دلو ورعى الليث سنبل الميزان وحوت ما عرفنا من أمه السريان.
وهم اثنا عشر برجاً، ولكل برج مقاييس في الجو والطقس. وحين نقرأ القرآن نجد قول الحق سبحانه:

{وعلامات وبالنجم هم يهتدون "16"}
(سورة النحل)

والبعض يحاول أن يجد تأثيراً لكل برج على المواليد الذين يولدون أثناء ظهور هذا البرج، ولعل من يقول ذلك يصل إلى فهم لبعض من أسرار الله في كونه؛ ذلك أنه سبحانه قد أقسم بمواقع النجوم، وقال:

{فلا أقسم بمواقع النجوم "75" وإنه لقسم لو تعلمون عظيم "76"}
(سورة الواقعة)

وهناك من يقول: إن لكل إنسان نجماً يولد معه ويموت معه؛ لذلك يقال "هوى نجم فلان"، ونحن لا نجزم بصحة أو عدم صحة مثل هذه الأمور؛ لأنه لم تثبت علمياً، والحق سبحانه أعلم بأسراره، وقد يعلمها لبعض من خلقه.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد قول الحق سبحانه:

{ولقد جعلنا في السماء بروجاً .. "16"}
(سورة الحجر)

أي: أن هناك تأكيداً لوجود تلك البروج في السماء، وليس هذا الجعل لتأثيرها في الجو، أو لأنها علامات نهتدي بها، فضلاً عن تأثيرها على الحرارة والرطوبة والنباتات، ولكنها فوق كل ذلك تؤدي مهمة جمالية كبيرة، وهي أن تكون زينة لكل من ينظر إليها. لذلك قال الحق سبحانه:

{وزيناها للناظرين "16"}
(سورة الحجر)

ذلك أن الشيء قد يكون نافعاً؛ لكن ليس له قيمة جمالية؛ وشاء الحق سبحانه أن يجعل للنجوم قيمة جمالية، ذلك أنه قد خلق الإنسان، ويعلم أن لنفسه ملكاتٍ متعددة، وكل ملكةٍ لها غذاء.
فغذاء العين المنظر الجميل؛ والأذن غذاؤها الصوت الجميل، والأنف غذاؤه الرائحة الطيبة؛ واللسان يعجبه المذاق الطيب، واليد يعجبها الملمس الناعم؛ وهذا ما نعرفه من غذاء الملكات للحواس الخمس التي نعرفها.
وهناك ملكات أخرى في النفس الإنسانية؛ تحتاج كل منها إلى غذاء معين، وقد يسبب أخذ ملكة من ملكات النفس لأكثر المطلوب لها من غذاء أن تفسد تلك الملكة؛ وكذلك قد يسبب الحرمات لملكة ما فساداً تكوينياً في النفس البشرية.
والإنسان المتوازن هو من يغذي ملكاته بشكل متوازن، ويظهر المرض النفسي في بعض الأحيان نتيجة لنقص غذاء ملكة ما من الملكات النفسية، ويتطلب علاج هذا المرض رحلة من البحث عن الملكة الجائعة في النفس البشرية.
وهكذا نجد في النفس الإنسانية ملكة لرؤية الزينة، وكيف تستميل الزينة النفس البشرية؟ ونجد المثل الواضح على ذلك هو وجود مهندسي ديكور يقومون بتوزيع الإضاءة في البيوت بأشكال فنية مختلفة.
ولذلك يقول الحق سبحانه عن أبراج النجوم:

{وزيناها للناظرين "16"}
(سورة الحجر)

ونجده سبحانه يقول عن بعض نعمه التي أنعم بها علينا:

{والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة .. "8"}
(سورة النحل)

وهكذا يمتن علينا الحق سبحانه بجمال ما خلق وسخره لنا، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل هي في خدمة الإنسان في أمور أخرى:

{وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم "7"}
(سورة النحل)

وهو سبحانه وتعالى الذي جعل تلك الدواب لها منظر جميل؛ فهو سبحانه القائل:

{ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون "6"}
(سورة النحل)

وهو سبحانه لم يخلق النعم لنستخدمها فقط في أغراضها المتاحة؛ ولكن بعضاً منها يروي أحاسيس الجمال التي خلقها فينا سبحانه. وكلما تأثرنا بالجمال وجدنا الجميل، وفي توحيده تفريد لجلاله.
ويقول سبحانه عن السماء والبروج:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:08 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 17

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وحفظناها من كل شيطان رجيم "17")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن الشياطين كانوا يسترقون السمع لبعض من منهج الله الذي نزل على الرسل السابقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وكانوا يحاولون أن يضيفوا لها من عندهم ما يفسد معناها، وما أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى منع كل هذا بأمر من الحق سبحانه، ويقول جل علاه:

{وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم .. "121"}
(سورة الأنعام)

ولذلك نجد الشياطين تقول ما ذكره الحق سبحانه على ألسنتهم في كتابه العزيز:

{وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا "8" وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا "9" وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا "10"}
(سورة الجن)

وهكذا علمنا أنهم كانوا يسترقون السمع؛ ويأخذون بضعاً من كلمات المنهج ويزيدون عليها؛ فتبدو بها حقيقة واحدة وألف كذبة. وشاء الحق سبحانه أن يكذب ذلك؛ فقال:

{وحفظناها من كل شيطان رجيمٍ "17"}
(سورة الحجر)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:09 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 18

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين "18")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكلمة:

{استرق "18"}
(سورة الحجر)

تحدد المعنى بدقة، فهناك من سرق؛ وهناك من استرق؛ فالذي سرق هو من دخل بيتاً على سبيل المثال، وأخذ يعبئ ما فيه في حقائب، ونزل من المنزل على راحته لينقلها حيث يريد.
لكن إن كان هناك أحد في المنزل؛ فاللص يتحرك في استخفاء؛ خوفاً من أن يضبطه من يوجد في المنزل ليحفظه؛ وهكذا يكون معنى "استرق" الحصول على السرقة مقرونة بالخوف.
وقد كان العاصون من الجن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترقون السمع للمنهج المنزل على الرسل السابقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ واختلف الأمر بعد رسالته الكريمة؛ حيث شاء الحق سبحانه أن يحرس السماء؛ وما أن يقترب منها شيطان حتى يتبعه شهاب ثاقب.
والشهاب هو النار المرتفعة؛ وهو عبارة عن جذوة تشبه قطعة الفحم المشتعلة؛ ويخرج منه اللهب. وهو ما يسمى بالشهاب.
أما إذا كان اللهب بلا ذؤابة من دخان؛ فهذا اسمه "السموم". وإن كان الدخان ملتوياً، ويخرج منه اللهب، ويموج في الجو فيسمى "مارج" حيث قال الحق سبحانه:

{مارج من نارٍ "15"}
(سورة الرحمن)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:09 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 19

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون"19")</td> </tr> <tr> <td align="right">وحين نسمع كلمة الأرض فنحن نتعرف على المقصود منها، ذلك أنه ليس مع العين أين. والمد هو الامتداد الطبيعي لما نسير عليه من أي مكان في الأرض.
وهذه هي اللفتة التي يلفتنا لها الحق سبحانه؛ فلو كانت الأرض مربعة؛ أو مستطيلة؛ أو مثلثة؛ لوجدنا لها نهاية وحافة، لكنا حين نسير في الأرض نجدها ممتدة، ولذلك فهي لابد وأن تكون مدورة.
وهم يستدلون في العلم التجريبي على أن الأرض كروية بأن الإنسان إذا ما سار في خط مستقيم؛ فلسوف يعود إلى النقطة التي بدأ منها، ذلك أن منحنى الأرض مصنوع بدقة شديدة قد لا تدرك العين مقدار الانحناء فيه ويبدو مستقيماً.
وحين يقول الحق سبحانه:

{وألقينا فيها رواسي "19"}
(سورة الحجر)

يعني أشياء تثبتها. ولقائل أن يتساءل: مادامت الأرض مخلوقة على هيئة الثبات فهل كانت تحتاج إلى مثبتات؟
ونقول: لابد أن الحق سبحانه قد خلقها متحركة وعرضة لأن تضطرب؛ فخلق لها المثقلات، وهكذا نكون قد أخذنا من هذه الآية حقيقتين؛ التكوير والدوران. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه:

{وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب "88"}
(سورة النمل)

ونفهم من هذا القول الكريم أن حركة الجبال ليست ذاتية بل تابعة لحركة الأرض؛ كما يتحرك الحساب تبعاً لحركة الرياح.
وشاء سبحانه أن يجعل الجبال رواسي مثبتات للأرض كي لا تميد بنا؛ فلا تميل يمنة أو يسرة أثناء حركتها. ويقول الحق سبحانه:

{وأنبتنا فيها من كل شيءٍ موزونٍ "19"}
(سورة الحجر)
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:10 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 20

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين "20")</td> </tr> <tr> <td align="right">في هذا القول يمتن علينا سبحانه بأنه جعل لنا في الأرض وسائل للعيش؛ ولم يكتف بذلك، بل جعل فيها رزق ما نطعمه نحن من الكائنات التي تخدمنا؛ ومن نبات وحيوان، ووقود، وما يلهمنا إياه لنطور حياتنا من أساليب الزراعة والصناعة؛ وفوق ذلك أعطانا الذرية التي تقر بها العين، وكل ذلك خاضع لمشيئته وتصرفه.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:11 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 21

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم "21")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقوله الحق:

{وإن من شيءٍ .. "21"}
(سورة الحجر)

أي: أنه لا يوجد جنس من الأجناس إلا وله خزائن عند الله سبحانه، فالشيء الذي قد تعتبره تافهاً له خزائن؛ وكذلك الشيء النفيس، وهو سبحانه ينزل كل شيء بقدرٍ؛ حتى الاكتشافات العلمية ينزلها بقدرٍ.
وحين نحتاج إلى أي شيء مخزون في أسرار الكون؛ فنحن نعمل عقولنا الممنوحة لنا من الله لنكتشف هذا الشيء. والمثل هو الوقود وكنا قديماً نستخدم خشب الأشجار والحطب. وسبحانه هو القائل:

{أفرأيتم النار التي تورون "71" أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون "72"}
(سورة الواقعة)

واتسعت احتياجات البشر فاكتشفوا الفحم الذي كان أصله نباتاً مطموراً أو حيواناً مطموراً في الأرض؛ ثم اكتشف البترول، وهكذا.
أي: أنه سبحانه لن ينشئ فيها جديداً، بل أعد سبحانه كل شيء في الأرض، وقدر فيها الأقوات من قبل أن ينزل آدم عليه السلام إلى الأرض من جنة التدريب ليعمر الأرض، ويكون خليفة لله فيها، هو وذريته كلها إلى أن تقوم الساعة.
فإذا شكونا من شيء فهذا مرجعه إلى التكاسل وعدم حسن استثمار ما خلقه الله لنا وقدره من أرزاقنا في الأرض. ونرى التعاسة في كوكب الأرض رغم التقدم العلمي والتقني؛ ذلك أننا نستخدم ما كنزه الحق سبحانه ليكون مجال سعادة لنا في الحروب والتنافر.
ولو أن ما يصرف على الحروب؛ تم توجيهه إلى تنمية المجتمعات المختلفة لعاش الجميع في وفرة حقيقية. ولكن سوء التنظيم وسوء التوزيع الذي نقوم به نحن البشر هو المسبب الأول لتعاسة الإنسان في الأرض؛ ذلك أنه سبحانه قد جعل الأرض كلها للأنام، فمن يجد ضيقاً في موقع ما من الأرض فليتجه إلى موقع آخر.
ولكن العوامل السياسية وغير ذلك من الخلافات بين الناس تجعل في أماكن في الأرض؛ رجالاً بلا عمل؛ وتجعل في أماكن أخرى ثروة بلا استثمار؛ ونتجاهل قوله سبحانه:

{وإن من شيءٍ إلا عندنا خزائنه .. "21"}
(سورة الحجر)

فلكل شيء في الأرض خزائن؛ والخزينة هي المكان الذي تدخر فيه الأشياء النفيسة، والكون كله مخلوق على هيئة أن الحق سبحانه قدر في الأرض أقواتاً لكل الكائنات من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة.
فإن حدث تضييق في الرزق فاعلموا أن حقاً من حقوق الله قد ضيع، إما لأنكم أهملتم استصلاح الأرض وإحياء مواتها بقدر ما يزيد تعداد السكان في الأرض، وإما أنكم قد كنزتم ما أخذتم من الأرض، وضننتم بما اكتنزتموه على سواكم.
فإن رأيت فقيراً مضيعاً فاعلم أن هناك غنياً قد ضن عليه بما أفاض الله على الغني من رزق، وإن رأيت عاجزاً عن إدراك أسباب حياته فاعلم أن واحداً آخر قد ضن عليه بقوته. وإن رأيت جاهلاً فاعلم أن عالماً قد ضن عليه بعلمه. وإن رأيت أخرق فاعلم أن حكيماً قد ضن عليه بحكمته؛ فكل شيء مخزون في الحياة؛ حتى تسلم حركة الحياة؛ سلامة تؤدي إلى التساند والتعاضد؛ لا إلى التعاند والتضارب.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:11 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 22

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين "22")</td> </tr> <tr> <td align="right">والإرسال هو الدفع للشيء من حيز إلى حيز آخر، وحين يقول سبحانه إنه أرسل الرياح؛ نجد أنها مرسلة من كل مكان إلى كل مكان؛ فهي مرسلة من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا.
وهكذا يكون كل مكان؛ هو موقع لإرسال الرياح؛ وكل مكان هو موقع لاستقبالهم؛ ولذلك نجد الرياح وهي تسير في دورة مستمرة؛ ولو سكنت لما تحرك الهواء، ولأصيبت البشرية بالكثير من الأرض؛ ذلك أن الرياح تجدد الهواء، وتنظف الأمكنة من الركود الذي يمكن أن تصير إليه.
ونعلم أن القرآن حين يتكلم عن الرياح بصيغة الجمع فهو حديث عن خير، والمثل هو قول الحق سبحانه:

{وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته "57"}
(سورة الأعراف)

أما إذا أفرد وجاء بكلمة "ريح" فهي للعذاب، مثل قوله:

{وأما عاد فأهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتية "6"}
(سورة الحاقة)

وهنا يقول الحق سبحانه:

{وأرسلنا الرياح لواقح "22"}
(سورة الحجر)

ولواقح جمع لاقحة، وتطلق في اللغة مرة على الناقة التي في بطنها جنين؛ ومرة تطلق على اللاقح الذي يلقح الغير ليصير فيه جنين؛ لأن الحق سبحانه شاء أن يتكاثر كل ما في الكون؛ وجعل من كل زوجين اثنين؛ إما يتكاثر أو تتولد منه الطاقة؛ كالسالب والموجب في الكهرباء. وهو القائل سبحانه:

{سبحان الذي خلق الأزواج كلها .. "36"}
(سورة يس)

ثم عدد لنا فقال:

{مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون "36"}
(سورة يس)

وهناك أشياء لا يدركها الإنسان مثل شجرة الجميز؛ التي لا يعلم الشخص الذي لم يدرس علم النبات كيف تتكاثر لتنبت وتثمر، ويعلم العالم أن هناك شجرة جميز تلعب دور الأنثى، وشجرة أخرى تلعب دور الذكر.
وكذلك شجرة التوت؛ وهناك شجرة لا تعرف فيه الأنثى من الذكر؛ لأنه مكمور توجد به الأنثى والذكر، وقد لا تعرف أنت ذلك؛ لأن الحق سبحانه جعل اللقاحة خفيفة للغاية؛ لتحملها الريح من مكان إلى مكان.
ونحن لم نر كيف يتم لقاح شجرة الزيتون؛ أو شجرة المانجو، أو شجرة الجوافة، وذلك لنأخذ من ذلك عبرة على دقة صنعته سبحانه.
والمثل الذي أضربه دائماً هو المياه التي تسقط على جبلٍ ما؛ وبعد أيام قليلة تجد الجبل وقد امتلأ بالحشائش الخضراء؛ ومعنى هذا أن الجبل كانت توجد به بذور تلك الحشائش التي انتظرت الماء لتنبت.
وتعرف العلماء على أن الذكورة بعد أن تنضج في النبات فهي تنكشف وتنتظر الرياح والجو المناسب والبيئة المناسبة لتنقلها من مكان إلى مكان.
ولهذا نجد بعضاً من الجبال وهي خضراء بعد هبوب الرياح وسقوط المطر؛ ذلك أن حبوب اللقاح انتقلت بالرياح، وجاء المطر لتجد النباتات فرصة للنمو.
وقد تجد جبلاً من الجبال نصفه أخضر ونصفه جدب؛ لأن الرياح نقلت للنصف الأخضر حبوب اللقاح، ولم تنقل الحبوب للنصف الثاني من الجبل؛ ولذلك نجد الحق سبحانه قد جعل للرياح دورة تنتقل بها من مكان لمكان، وتدور فيها بكل الأماكن.
ويتابع سبحانه في نفس الآية:

{فأنزلنا من السماء ماءً .. "22"}
(سورة الحجر)

وقد تبين لنا أن المياه نفسها تنشأ من عملية تلقيح؛ وبه ذكورة وأنوثة. وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه:

{فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين "22"}
(سورة الحجر)

أي: أنكم لن تخزنوا المياه لأنكم غير مأمونين عليه، وإذا كان الله قد هدانا إلى أن نخزن المياه، فذلك من عطاء الله؛ فلا يقولن أحد: لقد بنينا السدود؛ بل قل: هدانا الله لنبنيه؛ بعد أن يسقط المطر؛ ذلك أن المطر لو لم يسقط لما استطعنا تخزين المياه.
وعلى هذا يكون سبحانه هو الذي خزن المياه حين أنزله من السماء بعد أن هدانا لنبني السدود.
وأنت حين تريد كوباً من الماء المقطر؛ تذهب إلى الصيدلي ليسخن الماء في جهاز معين؛ ويحوله إلى بخار، ثم يكثف هذا البخار ليصير ماء مقطراً، وكل ذلك يتم في الكون، وأنت لا تدري به.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:11 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 23

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون "23")</td> </tr> <tr> <td align="right">وفي ظاهر الأمر كان من الممكن أن يقول الحق: "إنا نميت ونحيي"؛ لأنه سبحانه يخاطبنا ونحن أحياء، ولكن الحق سبحانه أراد بهذا القول أن يلفتنا أن ننظر إلى الموت الأول، وهو العدم المحض الذي أنشأنا منه، وهو سبحانه القائل:

{وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون "28"}
(سورة البقرة)

والكلام في تفصيل الموت يجب أن نفرق فيه بين العدم المحض والعدم بعد وجود؛ فالعدم المحض هو ما كان قبل أن نخلق؛ ثم أوجدنا الله لنكون أحياء؛ ثم يميتنا من بعد ذلك، ثم يبعثنا من بعد ذلك للحساب.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يكون الكلام عن الموت الذي يحدث بعد أن يهبنا الله الحياة، ثم نقضي ما كتبه لنا من أجل. ثم يذيل الحق سبحانه الآية بقوله:

{ونحن الوارثون "23"}
(سورة الحجر)

وهذا القول يعني أن هناك تركة كبيرة؛ وهي هذا الكون الذي خلقه سبحانه ليستخلفنا فيه. ونحن لم نضف شيئاً لهذا الكون الذي خلقه الله؛ لأنك إن نظرت إلى كمية المياه أو الغذاء التي في الكون، وكل مقومات الحياة لما وجدت شيئاً يزيد أو ينقص؛ فالماء تشربه ليرويك، ثم يخرج عرقاً وبولاً؛ ومن بعد الموت يتحلل الجسم ليتبخر منه الماء، وهذا يجري على كل الكائنات.
وحين يتناول الحق سبحانه في هذه الآية أمر الموت والحياة وعودة الكون في النهاية إلى منشئه سبحانه؛ فهو يحدثنا عن أمرين يعتوران حياة كل موجود؛ هما الحياة والموت، وكلاهما يجري على كل الكائنات؛ فكل شيء له مدة يحياها، وأجل يقضيه.
وكل شيء يبدأ مهمة في الحياة فهو يولد؛ وكل شيء ينهي مهمته في الحياة ـ بحسب ما قدره الله له ـ فهو يموت؛ وإن كنا نحن البشر بحدود إدراكنا لا نعي ذلك. وهو سبحانه القائل:

{كل شيءٍ هالك إلا وجهه "88"}
(سورة القصص)

إذن: فكل شيء يطلق عليه "شيء" مصيره إلى هلاك؛ ومعنى ذلك أنه كان حياً؛ ودليلنا على أنه كان حياً هو قول الحق:

{ليهلك من هلك عن بينةٍ ويحيى من حي عن بينةٍ .. "42"}
(سورة الأنفال)

وهكذا نعلم أن كل ما له مهمة في الحياة له حياة تناسبه؛ وفور أن تنتهي المهمة فهو يهلك ويموت، والحق سبحانه وتعالى يرث كل شيء بعد أن يهلك كل من له حياة، وهو سبحانه القائل:

{إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون "40"}
(سورة مريم)

وهو بذلك يرث التارك والمتروك؛ وهو الخالق لكل شيء. ويختلف ميراث الحق سبحانه عن ميراث الخلق؛ بأن المخلوق حين يرث آخر؛ فهو يودعه التراب أولاً، ثم يرث ما ترك؛ أما الحق سبحانه فهو يرث الاثنين معاً، المخلوق وما ترك.
ولذلك نحن نرى من يعز عليهم ميت؛ قد يمسكون بالخشبة التي تحمل الجثة، ويرفضون من فرط المحبة أن تخرج من منزله؛ ولو تركناه لهم لمدة أسبوع ورمت الجثة؛ سيتوسلون لمن يحمل الجثث أن يحمله ليواريه التراب، ثم يبدأون في مناقشة ما يرثونه من الفقيد.
وهم بذلك يرثون المتروك بعد أن أودعوا التارك للتراب، وإذا كان التارك من الذين أحسنوا الإيمان والعمل فيدخل حياة جديدة هي أرغد بالتأكيد من حياته الدنيا؛ ولسوف يأكل ويشرب دون أن يتعب، وكل ما تمر على ذهنه رغبة فهي تتحقق له، فهو في ضيافة المنعم الأعلى.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:12 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 24

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين "24")</td> </tr> <tr> <td align="right">والمستقدم هو من تقدم بالحياة والموت؛ وهم من قبلنا من بشر وأمم. والمستأخر هو من سيأتي من بعدنا. وسبحانه يعلمنا بحكم أنه علم من قبل كل مستأخر؛ أي: أنه علم بنا من قبل أن نوجد؛ ويعلم بنا من بعد أن نرحل؛ فعلمه كامل وأزلي؛ وفائدة هذا العلم أنه سيترتب عليه الجزاء؛ فنحن حين أخذنا الحياة والرزق لم نفلت بهما بعيداً؛ بل نجد الله قد علم أزلاً بما فعل كل منا.
وهناك من يقول إن هناك معنى آخر؛ بأن الحق سبحانه يكتب من يسرع إلى الصلاة ويتقدم إليها فور أن يسمع النداء لها، ويعلم من يتأخر عن القيام بأداء الصلاة، ذلك أن تأثير كلمة "الله اكبر" فيها من اليقظة والانتباه ما يذكرنا بأن الله اكبر من كل ما يشغلك.
ونعلم أن من إعجازات الأذان أنه جعل النداء باسم "الله اكبر"؛ ولم يقل: الله كبير؛ وذلك احتراماً لما يشغلنا في الدنيا من موضوعات قد نراها كبيرة؛ ذلك أن الدنيا لا يجب أن تهان؛ لأنها المعبر إلى الجزاء القادم في الآخرة.
ولذلك أقول دائماً: إن الدنيا أهم من أن تنسى؛ وفي نفس الوقت هي أتفه من أن تكون غاية، فأنت في الدنيا تضرب في الأرض وتسعى لقوتك وقوت من تعول؛ وليعينك هذا القوت على العبادة.
لذلك فلا يحتقر أحد الدنيا؛ بل ليشكر الله ويدعوه أن يوفقه فيها، وأن يبذل كل جهد في سبيل نجاحه في عمله؛ فالعمل الطيب ينال عليه العبد حسن الجزاء؛ وفور أن يسمع المؤمن "الله اكبر"؛ فعليه أن يتجه إلى من هو اكبر فعلاً، وهو الحق سبحانه، وأن يؤدي الصلاة. هذا هو المعنى المستقي من المستقدم للصلاة والمستأخر عنها.
وهناك من العلماء من رأى ملاحظ شتى في الآية الكريمة فمعناها قد يكون عاماً يشمل الزمن كله؛ وقد تكون بمعنى خاص كمعنى المستقدم للصلاة والمستأخر عنها.
وقد يكون المعنى أشد خصوصية من ذلك؛ فنحن حين نصلي نقف صفوفاً، ويقف الرجال أولاً؛ ثم الأطفال؛ ثم النساء؛ ومن الرجال من يتقدم الصفوف كيلا تقع عيونه على امرأة؛ ومنهم من قد يتحايل ويقف في الصفوف الأخيرة ليرى النساء؛ فأوضح الحق سبحانه أن مثل هذه الأمور لا تفوت عليه، فهو العالم بالأسرار وأخفى منها.
أو: أن يكون المعنى هو المستقدمين إلى الجهاد في سبيل الله أو المتأخرين عن الجهاد في سبيله. ومن يموت حتف أنفه ـ أي: على فراشه لا دخل له بهذه المسألة.
أما إن دعا داعي الجهاد، ويقدم نفسه للحرب ويقاتل وينال الشهادة، فالحق ـ سبحانه وتعالى ـ يعلم من تقدم إلى لقائه محبة وجهاداً لرفعة شأن الدين.
وقد يكون في ظاهر الأمر وفي عيون غيره ممن يكرهون الحياة؛ ولكنه في حقيقة الأمر محب للحياة بأكثر ممن يدعون حبها؛ لأنه امتلك اليقين الإيماني بأن خالق الدنيا يستحق أن ينال الجهاد في سبيل القيم التي أرادها منهاجاً ينعدل به ميزان الكون؛ وإن استشهد فقد وعده سبحانه الخلد في الجنة ونعيمها.
ونجد أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وهو يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع لي يا رسول الله أن استشهد؛ فيرد عليه النبي الكريم: "متعنا بنفسك يا أبا بكر".
وعلى ذلك لا يكون المستأخر هنا محل لوم؛ لأن الإيمان يحتاج لمن يصونه ويثبته؛ كما يحتاج إلى من يؤكد أن الإيمان بالله أعز من الحياة نفسها؛ وهو المتقدم للقتال، وينال الشهادة في سبيل الله.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:12 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 25

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم "25")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أن المتولي تربيتك يا محمد لن يترك من خاصموك وعاندوك، وأهانوك وآذوك دون عقاب. وكلمة:

{يحشرهم "25"}
(سورة الحجر)

تكفي كدليل على أن الله يقف لهم بالمرصاد، فهم قد أنكروا البعث؛ ولم يجرؤ أحدهم أن ينكر الموت، وإذا كان الحق سبحانه قد سبق وعبر عن البعث بقوله الحق:

{ثم إنكم بعد ذلك لميتون "15" ثم إنكم يوم القيامة تبعثون "16"}
(سورة المؤمنون)

فهم كانوا قد غفلوا عن الإعداد لما بعد الموت، وكأنهم يشكون في أنه قادم، وجاء لهم بخبر الموت كأمر حتمي، وسبقته (هو) لتؤكد أنه سوف يحدث، فالحشر منسوب لله سبحانه، وهو قادر عليه، كما قدر على الإحياء من عدم، فلا وجه للشك أو الإنكار.
ثم جاء لهم بخبر البعث الذي يشكون فيه؛ وهو أمر سبق وأن ساق عليه سبحانه الأدلة الواضحة. ولذلك جاء بالخبر المصحوب بضمير الفصل:

{يحشرهم "25"}
(سورة الحجر)

وسبحانه يجري الأمور كلها بحكمة واقتدار، فهو العليم بما تتطلبه الحكمة علماً يحيط بكل الزوايا والجهات.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:12 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 26

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون "26")</td> </tr> <tr> <td align="right">وسبحانه يتكلم هنا عن خلق الإنسان من بعد أن تكلم عن خلق الكون وما أعده له فيه، وليستقبل الكون الخليفة لله؛ فيوضح أنه قد خلقه من الصلصال، وهو الطين اليابس.
وجاء سبحانه بخبر الخلق في هذه السورة التي تضمنت خبر مد الأرض؛ ومجيء الرياح، وكيفية إنزال الماء من السماء؛ وكيف قدر في الأرض الرزق، وجعل في الأرض رواسي، وجعل كل شيء موزوناً.
وهو سبحانه قد استهل السورة بقوله:

{تلك آيات الكتاب وقرآن مبين "1"}
(سورة الحجر)

أي: أنه افتتح السورة بالكلام عن حارس القيم للحركة الإنسانية؛ ثم تكلم عن المادة التي منها الحياة؛ وبذلك شمل الحديث الكلام عن المقوم الأساسي للقيم وهو القرآن، والكلام عن مقوم المادة؛ وكان ذلك أمراً طبيعياً؛ ودللت عليه سابقاً بحديثي عن مصمم أي جهاز من الأجهزة الحديثة؛ حيث يحدد أولاً الغرض منه؛ ثم يضع جدولاً وبرنامجاً لصيانة كل جهاز من تلك الأجهزة.
وهكذا كان خلق الله للإنسان الذي شاء له سبحانه أن يكون خليفته في الأرض، ووضع له مقومات مادة ومقومات قيم؛ وجاء بالحديث عن مقومات القيم أولاً؛ لأنها ستمد حياة الإنسان لتكون حياة لا تنتهي، وهي الحياة في الدنيا والآخرة.
وهذا القول يوضح لنا أن آدم ليس هو أول من استعمر الأرض؛ بل كان هناك خلق من قبل آدم، فإذا حدثنا علماء الجيولوجيا والحفريات عن أن هناك ما يدل على وجود بعض من الكائنات المطمورة تثبت أنه كانت هناك حياة منذ خمسين ألف قرن من الزمان.
فنحن نقول له: إن قولك صحيح.
وحين يسمع البعض قول هؤلاء العلماء يقولون: لابد أن تلك الحيوانات كانت موجودة في زمن آدم عليه السلام، وهؤلاء يتجاهلون أن الحق سبحانه لم يقل لنا أن آدم هو أول من عمر الأرض، بل شاء سبحانه أن يخلقنا ويعطينا مهمة الاستخلاف في الأرض.
والحق سبحانه هو القائل:

{إن يشأ يذهبكم ويأت بخلقٍ جديدٍ "16" وما ذلك على الله بعزيزٍ "17"}
(سورة فاطر)

أي: أن خلق غيرنا أمر وارد، وكذلك الخلق من قبلنا أمر وارد.
ونعلم أن خلق آدم قد أخذ لقطات متعددة في القرآن الكريم؛ تؤدي في مجموعها إلى القصة بكل أحداثها وأركانها، ولم يكن ذلك تكراراً في القرآن الكريم، ولكن جاء القرآن بكل لقطة في الموقع المناسب لها؛ ذلك أنه ليس كتاب تاريخ للبشر؛ بل كتاب قيم ومنهج، ويريد أن يؤسس في البشر القيم التي تحميهم وتصونهم من أي انحراف، ويريد أن يربي فيهم المهابة.
وقد تناول الحق سبحانه كيفية خلق الإنسان في الكثير من سور القرآن: البقرة؛ الأعراف؛ الحجر؛ الإسراء؛ الكهف؛ وسورة ص.
قال سبحانه ـ على سبيل المثال ـ في سورة البقرة:

{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون "30"}
(سورة البقرة)

وجاء هذا القول من الله للملائكة ساعة خلق الله لآدم، من قبل أن تبدأ مسألة نزول آدم للأرض.
وقد أخذت مسألة خلق الإنسان جدلاً طويلاً من الذين يريدون أن يستدركوا على القرآن متسائلين: كيف يقول مرة: إن الإنسان مخلوق من ماء؛ ومرة من طين؛ ومرة من صلصال كالفخار؟
ونقول: إن ذلك كله حديث عن مراحل الخلق، وهو سبحانه أعلم بمن خلق، كما خلق السماوات والأرض، ولم يشهد الحق أحداً من الخلق كيف خلق المخلوقات:

{ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً "51"}
(سورة الكهف)

ومن رحمته سبحانه أنه ترك في محسات الحياة وماديتها ما يثبت صدقه في غيبياته؛ فإذا قال مرة: إنه خلق كل شيء من الماء؛ فهو صادق فيما قال؛ لأن الماء يكون أغلب الجسد البشري على سبيل المثال.
وإذا أوضح أنه خلق الإنسان من طين، فالتراب إذا اختلط بالماء صار طيناً، وإذا مر على الطين وقت صار صلصالاً، وإذا قال:

{فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين "29"}
(سورة الحجر)

وكل هذا من الأمور الغيبية؛ التي يشرحها لنا نقضها في الواقع المادي الملموس، فحين يحدث الموت ـ وهو نقض الحياة ـ نجد الروح هي أول ما يخرج من الجسم؛ وكانت هي آخر ما دخل الجسم أثناء الخلق.
ومن بعد ذلك تبدأ الحيوية في الرحيل عن الجثمان؛ فيتحول الجثمان إلى ما يشبه الصلصال؛ ثم يتبخر الماء من الجثمان؛ ليصير من بعد ذلك تراباً.
وهكذا نشهد في الموت ـ نقض الحياة ـ كيفية بدء مراحل الخلق وهي معكوسة؛ فالماء أولاً ثم التراب؛ ثم الطين؛ ثم الصلصال الذي يشبه الحمأ المسنون؛ ثم نفخ الروح. وقد صدق الحق سبحانه حين أوضح لنا في النقيض المادي، ما أبلغنا عنه في العالم الغيب.
وعلى ذلك ـ أيضاً ـ نجد أن الذين يضعون التكهنات بأن الشمس خلقت قبل الأرض؛ وكانت الأرض جزءاً من الشمس ثم انفصلت عنها؛ على هؤلاء أن يعلموا أن ما يقولونه هو أمر لم يشاهدوه، وهي أمور لا يمكن أن يدرسها أحد في معمل تجريبي؛ وقد قال القرآن عن أهل هذا اللغو:

{ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً "51"}
(سورة الكهف)

وهم قد أعانوا على تأكيد إعجازية القرآن الذي أسماهم المضلين؛ لأنهم يغوون الناس عن الحق إلى الباطل.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:13 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 27

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والجان خلقناه من قبل من نار السموم "27")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن كلمة (السموم) هي اللهب الذي لا دخان له، ويسمونه "السموم" لأنه يتلصص في الدخول إلى مسام الإنسان.
وهكذا نرى أن للعنصر تأثيراً في مقومات حياة الكائنات، فالمخلوق من طين له صفات الطينية، والمخلوق من نار له صفات النارية؛ ولذلك كان قانون الجن أخف وأشد من قانون الإنس.
والحق سبحانه يقول:

{إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم .. "27"}
(سورة الأعراف)

وهكذا نعلم أن قانون خلق الجن من عنصر النار التي لا لهب لها يوضح لنا أن له قدرات تختلف عن قدرات الإنسان.
ذلك أن مهمته في الحياة تختلف عن مهمة الإنسان، ولا تصنع له خيرية أو أفضلية، لأن المهام حين تتعدد في الأشياء؛ تمنع المقارنة بين الكائنات.
والمثل على ذلك هو غلبة من عنده علم بالكتاب على عفريت الجن؛ حين سأل سليمان عليه السلام عمن يأتيه بعرش بلقيس:

{قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين "38"}
(سورة الحجر)

وقال عفريت من الجن: إنه قادر على أن يأتي بالعرش قبل أن يقوم سليمان من مقامه، ولكن من عنده علم بالكتاب قال: إنه قادر على أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان؛ وهكذا غلب من عنده علم بالكتاب قدرة عفريت الجن.
وقد قص علينا الحق سبحانه هذا في كتابه الكريم، فقال:

{قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين "39" قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي .. "40"}
(سورة النمل)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:13 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 28

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون "28")</td> </tr> <tr> <td align="right">وعرفنا في مواقع متفرقة من خواطرنا كيف نفهم هذه الآية. ونعلم أن البشر في زماننا حين يريدون صنع تمثال ما، فهم يخلطون التراب بالماء ليصير طيناً؛ ثم يتركونه إلى أن يختمر، ويصير كالصلصال، ومن بعد ذلك يشكل المثال ملامح من يريد أن يصنع له تمثالاً.
والتماثيل تكون على هيئة واحدة، ولا قدرة لها، عكس الإنسان المخلوق بيد الله، والذي يملك بفعل النفخ فيه من روح الله ما لا يملكه أي كائن صنعته مهارة الإنسان؛ ذلك أن إعجاز وطلاقة قدرة الخالق لا يمكن أن تستوي مع قدرة المخلوق المحدودة.
وهناك حديث يقول فيه صلى الله عليه وسلم: "خلق الله عز وجل آدم على صورته، ستون ذراعاً".
واختلف العلماء في مرجع الضمير في هذا الحديث؛ أيعود إلى صورة آدم؟ أم يعود إلى آدم؟
فمن العلماء من قال: إن الضمير يعود إلى آدم؛ بمعنى أن الله لم يخلقه طفلا، ثم كبر؛ بل خلقه على الصورة الناضجة؛ وتلفت آدم فوجد نفسه على تلك الصورة الناضجة؛ وأنه لم يكن موجوداً من قبل ذلك بساعة؛ لذلك تلفت إلى الموجد له.
والذين قالوا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان على صورته، وأن الضمير يعود إلى الله؛ فذلك لأن الحق قد جعل الإنسان خليفة له في الأرض؛ وأعطاه من قدرته قدرة؛ ومن علمه علماً؛ ومن حكمته حكمة، ومن قاهريته قهراً.
ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "تخلقوا بأخلاق الله".
فخلق آدم داخل في كينونته. يقول الحق:

{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون "59"}
(سورة آل عمران)

وأمام الكينونة ينتفي التعليل، ولم يبق إلا الإيمان بالخالق.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:13 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 29

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين "29")</td> </tr> <tr> <td align="right">والتسوية تعني جعل الشيء صالحاً للمهمة التي تراد له. وشاء سبحانه أن يسوي الإنسان في صورة تسمح لنفخ الروح فيه. والنفخ من روح الله لا يعني أن النفخ قد تم بدفع الحياة عن طريق الهواء في فم آدم، ولكن الأمر تمثيل لانتشار الروح في جميع أجزاء الجسد.
وقد اختلف العلماء في تعريف الروح، وأرى أنه من الأسلم عدم الخوض في ذلك الأمر؛ لأن الحق سبحانه هو القائل:

{ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً "85"}
(سورة الإسراء)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:14 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 30

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فسجد الملائكة كلهم أجمعون "30")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقد سجدوا جميعاً في حركة واحدة؛ ذلك أنه لا اختيار لهم في تنفيذ ما يؤمرون به، فمن بعد أن خلق الله آدم جاء تكريم الحق سبحانه له بقوله للملائكة:

{اسجدوا لآدم "116"}
(سورة طه)

وسجدت الملائكة التي كلفها الله برعاية وتدبير هذا المخلوق الجديد، وهم المدبرات أمراً والحفظة، ومن لهم علاقة بهذا المخلوق الجديد.
وقوله الحق:

{فقعوا له ساجدين "29"}
(سورة الحجر)

يعني أن عملية السجود قد حدثت بصورة مباشرة وحاسمة وسريعة، وكان سجودهم هو طاعة للآمر الأعلى؛ لا طاعة لآدم.
وقول الحق سبحانه:

{فسجد الملائكة كلهم أجمعون "30"}
(سورة الحجر)

يعني الملائكة الأعلى من البشر، ذلك أن هناك ملائكة أعلى منهم؛ وهم الملائكة المهيمون المتفرغون للتسبيح فقط.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:14 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 31

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين "31")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا جاء الحديث هنا عن إبليس؛ بالاستثناء وبالعقاب الذي نزل عليه؛ فكأن الأمر قد شمله، وقد أخذت هذه المسألة جدلاً طويلاً بين العلماء.
وكان من الواجب أن يحكم هذا الجدل أمران:
الأمر الأول: أن النص سيد الأحكام.
والأمر الثاني: أن شيئاً لا نص فيه؛ فنحن نأخذه بالقياس والالتزام. وإذا تعارض نص مع التزام؛ فنحن نؤول الالتزام إلى ما يؤول النص.
وإذا كان إبليس قد عوقب؛ فذلك لأنه استثنى من السجود امتناعاً وإباءً واستكباراً؛ فهل هذا يعني أن إبليس من الملائكة؟
لا. ذلك أن هناك نصاً صريحاً يقول في الحق سبحانه:

{فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه .. "50"}
(سورة الكهف)

وهكذا حسم الحق سبحانه الأمر بأن إبليس ليس من الملائكة؛ بل هو من الجن؛ والجن جنس مختار كالإنس؛ يمكن أن يطيع، ويمكن أن يعصي.
وكونه سمع الأمر بالسجود؛ فمعنى ذلك أنه كان في نفس الحضرة للملائكة؛ ومعنى هذا أنه كان من قبل ذلك قد التزم التزاماً يرفعه إلى مستوى الحضور مع الملائكة؛ ذلك أنه مختار يستطيع أن يطيع، ويملك أن يعصي، ولكن التزامه الذي اختاره جعله في صفوف الملائكة.
وقالت كتب الأثر: إنهم كانوا يسمونه طاووس الملائكة مختالاً بطاعته، وهو الذي وهبه الله الاختيار، لأنه قدر على نفسه وحمل نفسه على طاعة ربه، لذلك كان مجلسه مع الملائكة تكريماً له؛ لأنه يجلس مع الأطهار، لكنه ليس ملاكاً.
وبعض العلماء صنفوه بمستوى أعلى من الملائكة؛ والبعض الآخر صنفه بأنه أقل من الملائكة؛ لأنه من الجن؛ ولكن الأمر المتفق عليه أنه لم يكن ملاكاً بنص القرآن، وسواء أكان أعلى أم أدنى، فقد كان عليه الالتزام بما يصدر من الحق سبحانه.
ونجد الحق سبحانه وهو يعرض هذه المسألة، يقول مرة (أبى) ، ومرة (استكبر) ،ومرة يجمع بين الإباء والاستكبار.
والإباء يعني أنه يرفض أن ينفذ الأمر بدون تعال. والاستكبار هو التأبي بالكيفية، وهنا كانت العقوبة تعليلاً لعملية الإباء والاستكبار، وكيف رد أمر الحق أورده سبحانه مرة بقول إبليس:

{لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصالٍ من حمأٍ مسنونٍ "23"}
(سورة الحجر)

وقوله:

{قال أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طينٍ "76"}
(سورة ص)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:14 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 32

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين"32")</td> </tr> <tr> <td align="right">وتقول "ما لك؟" في الشيء العجيب الذي تريد أن تعرف كيف وقع، وكأن هذا تساؤل عن أمر مخالف لما اختاره إبليس؛ الذي وهبه الله خاصية الاختيار، وقد اختار أن يكون على الطاعة.
ولنلحظ أن المتكلم هنا هو الله؛ وهو الذي يعلم أنه خلق إبليس بخاصية الاختيار؛ فله أن يطيع، وله أن يعصي. وهو سبحانه هنا يوضح ما علمه أزلاً عن إبليس؛ وشاء سبحانه إبراز هذا ليكون حجة على إبليس يوم القيامة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:15 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 33

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون"33")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا أفصح إبليس عما يكنه من فهم خاطئ لطبيعة العناصر؛ فقد توهم أن الطين والصلصال أقل مرتبة من النار التي خلقه منها الله. وامتناع إبليس عن السجود ـ إذن ـ امتناع معلل؛ وكأن إبليس قد فهم أن عنصر المخلوقية هو الذي يعطي التمايز؛ وتجاهل أن الأمر هو إرادة المعنصر الذي يرتب المراتب بحكمته، وليس على هوى أحدٍ من المخلوقات.
ثم من قال: إن النار افضل من الطين؟ ونحن نعلم أنه لا يقال في شيء إنه افضل من الآخر إلا إذا استوت المصلحة فيهما؛ والنار لها جهة استخدام، والطين له استخدام مختلف؛ وأي منهما له مهمة تختلف عن مهمة الآخر.
ومن توجيه الله في فضائل الخلق أن من يطلي الأشياء بالذهب لا يختلف عنده سبحانه عن الذي يعجن الطين ليصنع منه الفخار، فلا يفضل أحدهما الآخر إلا بإتقان مهمته.
وهكذا أفصح إبليس أن الذي زين له عدم الامتثال لأمر السجود هو قناعته بأن هناك عنصراً افضل من عنصر.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:15 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 34

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال فاخرج منها فإنك رجيم"34")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا صدر الأمر بطرد إبليس من حضرة الله بالملأ الأعلى؛ وصدر العقاب بأنه مطرود من كل خير، وأصل المسألة أنها الرجم.
وقد حدث ذلك لرده أمر الله سبحانه، واستكباره، ولقناعته أن النار التي خلق منها افضل من الطين الذي خلق منه آدم، ولم يلتفت إلى أن لكل مخلوق مهمة، وكل كائن يؤدي مهمته هو مساوٍ للآخر.
وقد شاء الحق سبحانه ذلك ليزاول كل كائن الأسباب التي وجد من أجلها؛ فآدم قد خلقه الله ليجعله خليفة في الأرض؛ ذلك أنه سبحانه يباشر الأمر في السببيات بواسطة ما خلق.
فالنار ـ على سبيل المثال ـ تتسبب في إنضاج الطعام؛ لأنه سبحانه هو الذي شاء ذلك، وجعلها سبباً في إنضاج الطعام. ومزاولة الحق سبحانه لأشياء كثيرة في المسببات معناه أن المخلوقات تؤدي المهام التي أرادها سبحانه لها في الوجود.
والمؤمن الحق هو من يرى في الأسباب التي في الكون؛ أنها عطاء من الله، وأن يده ممدودة له بتلك الأسباب.
وبعد أن طرد الحق سبحانه إبليس من حضرته سيقرر سبحانه الحكم الذي أصدره عليه في قوله:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:15 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 35

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين "35")</td> </tr> <tr> <td align="right">وفي هذا القول ما يؤكد أن الجن أيضاً يموتون؛ ولهم آجال مثلنا، وفي هذا الحكم بالطرد تأكيد على أنه سبحانه لن يوفقه إلى توبة، ولا يعفو عنه في النهاية.
ولكن إبليس يحاول الالتفاف؛ فيأتي ما جاء على لسانه:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:16 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 36

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون "36")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكأن إبليس بهذا القول أراد أن يفلت من الموت، ولكن مثل هذا المكر لا يجوز على الله أو معه، فإذا كان إبليس قد أراد أن يظل في الدنيا إلى يوم بعث البشر؛ فذلك دليل على أمنيته بالهروب من الموت.
ويقول الحق سبحانه رداً على دعاء إبليس:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:16 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 37

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال فإنك من المنظرين "37")</td> </tr> <tr> <td align="right">ولحظة أن يسمع إبليس ذلك يظن أنه قد أفلت من الموت؛ إذ لا موت بعد البعث، ويتوهم أن دعوته قد أجيب، وكأنه قد أفلت بغروره الذي ظن به أن يتسع له الوقت ليأخذ الثأر من بني آدم؛ فعدم سجوده لآدم هو الذي وضعه في هذا الموقف العصيب.
ولو كان إبليس يملك ذرة من وعي لعلم أن الاستكبار والتوهم بأن عنصر النار افضل من الطين هما السبب وراء ما حاق به من الطرد.
ولكن تأتي من بعد ذلك مباشرة الآية التي تتضمن عدم إفلاته من الموت؛</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:16 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 38

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إلى يوم الوقت المعلوم "38")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أن إبليس سيذوق الموت أيضاً؛ لأن كل المخلوقات ستذوق الموت من قبل أن تقوم القيامة، مصداقاً لقوله الحق:

{ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله .. "68"}
(سورة الزمر)

وكذلك قوله:

{كل من عليها فانٍ "26"}
(سورة الحجر)

وهكذا لم يفلت إبليس من الموت.
ولقائل أن يسأل: كيف كلمه الله.
ونقول: لم يكلمه الله تشريفاً أو تكريماً؛ بل غلظ له العقاب، كما أن للحق سبحانه ملائكة يمكنهم أن يبلغوا ما شاء لمن شاء.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:16 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 39

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين"39")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقول الشيطان:

{رب .. "39"}
(سورة الحجر)

هو إقرار بالربوبية؛ ولكن هذا الإقرار متبوع بعد الاعتراف بأنه قد سبب لنفسه الطرد واللعنة؛ فقد قال:

{بما أغويتني .. "39"}
(سورة الحجر)

والحق سبحانه لم يغوه؛ بل أعطاه الاختيار الذي كان له به أن يؤمن ويطيع، أو يعصي ويعاقب، فسبحانه قد مكن إبليس من الاختيار بين الفعل وعدم الفعل؛ فخالف إبليس أمر الله وعصاه.
ويتابع إبليس:

{لأزينن لهم في الأرض .. "39"}
(سورة الحجر)

وفي هذا إيضاح أن كل وسوسة للشيطان تقتصر فقط على الحياة المترفة. وفي الأشياء التي تدمر العافية، كمن يشر الخمر، أو يتناول المخدرات، أو يتجه إلى كل ما يغضب الله بالانحراف.
ولذلك نجد أن من يحيا بدخل يكفيه الضرورات؛ فهو يأمن على نفسه من الانحراف. ونقول أيضاً لمن يحاولون أن يضبطوا موازينهم المالية: إن الاستقامة لا تكلف؛ ولن تتجه بك إلى الانحراف.
وتزيين الشيطان لن يكون في الأمور الحلال؛ لأن كل الضرورات لم يحرمها الحق سبحانه؛ بل يكون التزيين دائماً في غير الضرورات، ولذلك فالاستقامة عملية اقتصادية، توفر على الإنسان مشقة التكلفة العالية من ألوان الإسراف.
ولذلك نجد المسرفين على أنفسهم يحسدون من هم على الاستقامة، ويحاولون أخذهم إلى طريق الانحراف؛ لأن كل منحرف إنما يلوم نفسه متسائلاً: لماذا أخيب وحدي؛ ولا يخيب معي مثل هذا المستقيم؟ وتمتلئ نفسه بالاحتقار لنفسه.
وكذلك كان إبليس في حمق رده على الله، ولكنه ينتبه إلى مكانته ومكانة ربه؛ أيدخل في معركة مع الله، أم مع أبناء آدم الذي خلقه سبحانه كخليفة ليعمر الأرض؟
لقد حدد إبليس موقعه من الصراع، فقال:

{فأنظرني إلى يوم يبعثون .. "36"}
(سورة الحجر)

وهذا يعني أن مجال معركته مع الخلق لا مع الخالق؛ لذلك قال:

{ولأغوينهم أجمعين "39"}
(سورة الحجر)

وكلمة (أجمعين) تفيد الإحاطة لكل الأفراد، وهذا فوق قدرته بعد أن عرف مقامه من نفسه ومن ربه</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:17 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 40

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إلا عبادك منهم المخلصين "40")</td> </tr> <tr> <td align="right">فهؤلاء العباد الذين خلصتهم لنفسك يا رب؛ فلن أقدر عليهم؛ لأنك أخذتهم من طريق الغواية؛ لأنهم أحسنوا الإيمان، وقد وصلوا إلى مرتبة من الإخلاص التعبدي درجة يصعب بها على الشيطان غوايتهم.
ويقول أهل المعرفة والإشراق: "أنت تصل بطاعة الله إلى كرامة الله".
ولو شاء الله أن يكون جميع خلقه مهديين ما استطاع أحد أن يضلهم، ولكن عزة الله عن خلقه هي التي أفسحت المجال للإغواء، ولذلك نجد إبليس يقر بعجزه عن غواية من أخلصوا لله العبادة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:17 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 41

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال هذا صراط علي مستقيم "41")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا أوضح الحق سبحانه أن صراطه المستقيم هو الذي يقود العباد إلى الطاعة؛ فليس في الأمر تفضل من إبليس الذي سبق له أن حدد المواقع والاتجاهات التي سيأتي منها لغواية البشر، حيث قال الحق سبحانه ما جاء على لسان إبليس:

{ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين "17"}
(سورة الأعراف)

في ذلك القول حدد إبليس جهات الغواية التي يأتي منها وترك "الفوق" و"التحت"، لذلك نقول: إن العبد إذا استحضر دائماً علو عزة الربوبية، وذل العبودية؛ فالشيطان لا يدخل له أبداً.
ويواصل الحق سبحانه قوله المبلغ عنه لنا:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:18 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 42

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين "42")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا أصدر الحق سبحانه حكمه بألا يكون لإبليس سلطان على من أخلص لله عبادة، وأمر إبليس ألا يتعرض لهم؛ فسبحانه هو الذي يصونهم منه؛ إلا من ضل عن هدى الله سبحانه، وهم من يستطيع إبليس غوايتهم.
وهكذا نجد أن "الغاوين" هي ضد "عبادي"، وهم الذين اصطفاهم الله من الوقوع تحت سلطان الشيطان؛ لأنهم أخلصوا وخلصوا نفسهم لله، وسنجد إبليس وهو ينطق يوم القيامة أمام الغاوين:

{إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل .. "22"}
(سورة إبراهيم)

ومن نعم الله علينا أن أخبرنا الحق سبحانه بكل ذلك في الدنيا، ولسوف يقر الشيطان بهذا كله في اليوم الآخر؛ ذلك أنه لم يملك سلطاناً يقهرنا به في الدنيا، بل مجرد إشارة ونزغ؛ ولا يملك سلطان إقناع ليجعلنا نفعل ما ينزغ به إلينا.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما يؤكد أن جزاء الغاوين قاسٍ أليم:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:18 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 43

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن جهنم لموعدهم أجمعين "43")</td> </tr> <tr> <td align="right">ولأن المصير لهؤلاء هو جهنم؛ فعلى العبد الذكي أن يستحضر هذا الجزاء وقت الاختيار للفعل؛ كي لا يرتكب حماقة الفعل الذي يزينه له الشيطان، أو تلح عليه به نفسه. ولو أن المسرف على نفسه استحضر العقوبة لحظة ارتكاب المعصية لما أقدم عليها، ولكن المسرف على نفسه لا يقرن المعصية بالعقوبة؛ لأنه يغفل النتائج عن المقدمات.
ولذلك أقول دائماً: هب أن إنساناً قد استولت عليه شراسة الغريزة الجنسية، وعرف عنه الناس ذلك، وأعدوا له ما يشاء من رغبات، وأحضروا له أجمل النساء؛ وسهلوا له المكان المناسب للمعصية بما فيه من طعام وشراب.
وقالوا: هذا كله ذلك، شرط أن تعرف أيضاً ماذا ينتظرك. وأضاءوا له من بعد ذلك قبواً في المنزل؛ به فرن مشتعل. ويقولون له: بعد أن تفرغ من لذتك ستدخل في هذا الفرن المشتعل. ماذا سيصنع هذا الإنسان؟
لابد أنه سيرفض الإقدام على المعصية التي تقودهم إلى الجحيم.
وهكذا نعلم أن من يرتكب المعاصي إنما يستبطئ العقوبة، والذكي حقاً هو من يصدق حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه "الموت القيامة، فمن مات فقد قامت قيامته". ولا أحد يعلم متى يموت.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:18 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 44

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم "44")</td> </tr> <tr> <td align="right">وفي جهنم يكون موعد هؤلاء الغاوين، ومعهم إبليس الذي أبى واستكبر، وصمم على غواية البشر، وألوان العذاب ستختلف، ولكن جماعة لهم جريمة يقرنون بها معاً. فمن يشربون الخمر سيكونون معاً؛ ومن يلعبون الميسر يكونون معاً.
ولكل باب من أبواب جهنم جماعة تدخل منه ربطت بينهم في الدنيا معصية ما؛ وجمعهم في الدنيا ولاء ما، وتكونت من بينهم صداقات في الدنيا، واشتركوا بالمخالطة؛ ولذلك فعليهم الاشتراك في العقوبة والنكال.
وهكذا يتحقق قول الحق سبحانه:

{الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين "67"}
(سورة الزخرف)

وفي الجحيم أماكن تأويهم؛ فقسم يذهب إلى اللظى ؛ وآخر إلى الحطمة؛ وثالث إلى سقر، ورابع إلى السعير، وخامس إلى الهاوية.
وكل جزء له قسم معين به؛ وفي كل قسم دركات، لأن الجنة درجات، والنار دركات تنزل إلى أسفل.
ويأتي الحق سبحانه بالمقابل؛ لأن ذكر المقابل كما نعلم يعطي الكافر حسرة؛ ويعطي المؤمن بشارة بأنه لم يكن من العاصين، </td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:19 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 45

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن المتقين في جنات وعيون "45")</td> </tr> <tr> <td align="right">والمتقي هو الذي يحول بين ما يحب وما يكره؛ ويحاول ألا يصيب من يحب ما يكره. وتتعدى التقوى إلى متقابلاتٍ، فنجد الحق سبحانه يقول:

{اتقوا الله ويعلمكم الله "282"}
(سورة البقرة)

ويقول أيضاً:

{فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة .. "24"}
(سورة البقرة)

وقلنا من قبل: إن الحق سبحانه له صفات جلال، وصفات كمال وجمال. يهب بصفات الكمال والجمال العطايا، ويهب بصفات الجلال البلايا؛ فهو غفار، وهو قهار، وهو عفو، وهو منتقم.
وعلينا أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية؛ وأن نجعل بيننا وبين صفات الجمال قربى؛ والطريق أن نتبع منهجه؛ فلا ندخل النار التي هي جند من جنود الله.
وهنا يقول الحق سبحانه:

{إن المتقين في جنات وعيون "45"}
(سورة الحجر)

وهم الذين لم يرتكبوا المعاصي بعد أن آمنوا بالله ورسوله واتبعوا منهجه. وإن كانت المعصية قد غلبت بعضهم، وتابوا عنها واستغفروا الله؛ فقد يغفر الله لهم، وقد يبدل سيئاتهم حسناتٍ.
ومن يدخل الجنة سيجد فيها العيون والمقصود بها الأنهار؛ والحق سبحانه هو القائل:

{فيها أنهار من ماءٍ غير آسين وأنهار من لبن لم يتغير طعمه .. "15"}
(سورة محمد)

ولعل هناك عيوناً ومنابع لا يعلمها إلا الحق سبحانه.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:19 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 46

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ادخلوها بسلام آمنين "46")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهنا يدعوهم الحق سبحانه بالدخول إلى الجنة في سلام الأمن والاطمئنان. ونحن نعلم أن سلام الدنيا والاطمئنان فيها مختلف عن سلام الجنة؛ فسلام الدنيا يعكره خوف افتقاد النعمة، أو أن يفوت الإنسان تلك النعمة بالموت. ونعلم أن كل نعيم في الدنيا إلى زوال. أما نعيم الآخرة فهو نعيم مقيم.
ويتابع سبحانه ما ينتظر أهل الجنة:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:19 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 47

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين "47")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا يخرج الحق سبحانه من صدورهم أي حقد وعداوة. ويرون أخلاء الدنيا في المعاصي وهم ممتلئون بالغل، بينما هم قد طهرهم الحق سبحانه من كل ما كان يكرهه في الآخرة، ويحيا كل منهم مع أزواج مطهرة. ويجمعهم الحق بلا تنافس، ولا يشعر أي منهم بحسد لغيره.
والغل كما نعلم هو الحقد الذي يسكن النفوس، ونعلم أن البعض من المسلمين قد تختلف وجهات نظرهم في الحياة، ولكنهم على إيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
والمثل أن علياً كرم الله وجهه وأرضاه دخل موقعه الجمل، وكان في المعسكر المقابل طلحة والزبير رضي الله عنهما؛ وكلاهما مبشر بالجنة، وكان لكل جانب دليل يغلبه.
ولحظة أن قامت المعركة جاء وجه علي ـ كرم الله وجهه ـ في وجه الزبير؛ فيقول علي رضي الله عنه: تذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتما تمران علي، سلم النبي وقلت أنت: لا يفارق ابن أبي طالب زهوه، فنظر إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لك: "إنك تقاتل علياً وأنت ظالم له". فرمى الزبير بالسلام، وانتهى من الحرب.
ودخل طلحة بن عبيد الله على علي ـ كرم الله وجهه ـ؛ فقال علي رضوان الله عليه: يجعل لي الله ولأبيك في هذه الآية نصيباً. فقال أحد الجالسين: إن الله أعدل من أن يجمع بينك وبين طلحة في الجنة. فقال علي: وفيما نزل إذن قوله الحق:

{ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ .. "47"}
(سورة الحجر)

وكلمة "نزعنا" تدل على أن تغلغل العمليات الحقدية في النفوس يكون عميقاً، وأن خلعها في اليوم الآخر يكون خلعاً من الجذور، وينظر المؤمن إلى المؤمن مثله؛ والذي عاداه في الدنيا نظرته إلى محسن له؛ لأنه بالعداوة والمنافسة جعله يخاف أن يقع عيب منه.
ذلك أن المؤمن في الآخرة يذكر معطيات الأشياء، ويجعلهم الحق سبحانه إخواناً؛ فرب أخ لك لم تلده أمك، والحق سبحانه هو القائل في موقع آخر:

{واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها .. "103"}
(سورة آل عمران)

وقد يكون لك أخ لا تكرهه ولا تحقد عليه؛ ولكنك لا تجالسه ولا تسامره؛ لأن الأخوة أنواع. وقد تكون أخوة طيبة ممتلئة بالاحترام لكن أياً منكم لا يسعى إلي الآخر، ويجمعكم الحق سبحانه في الآخرة على سرر متقابلين. وسأل سائل: وماذا لو كانت منزلة أحدهما في الجنة أعلى من منزلة الآخر؟ ونقول: إن فضل الحق المطلق يرفع منزلة الأدنى إلي منزلة الأعلى، وهما يتزاوران. وهكذا يختلف حال الآخرة عن حال الدنيا، فالإنسان في الدنيا يعيش ما قال عنه الحق سبحانه:

{يا أيها الإنسان إنك كادح إلي ربك كدحاً فملاقيه "6" }
(سورة الانشقاق)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:19 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 48

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين "48")</td> </tr> <tr> <td align="right">وحياتك في الآخرة ـ إن أصلحت عملك وكنت من المؤمنين تختلف عن حياتك في الدنيا؛ فأنت تعلم أنك في الدنيا تحيا مع أسباب الله الممدودة لك؛ وتضرب في الأرض من أجل الرزق، وتجتهد وتتعب من أجل أن يهبك الله ما في الأسباب من عطاء. وحينئذ تصبح من المفلحين الذين يهديهم الله جنته. يقول الحق جل علاه:

{والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون "4" أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون "5"}
(سورة البقرة)

وشاء الحق سبحانه أن يأتي بلفظ المفلح كصفة للمؤمن في الجنة، لأن المؤمن قد حرث الدنيا بالعمل الصالح وبذلك جهده ليقيم منهج الله في الأرض، ونصب قامته، ونعلم أن نصب القامة يدل على أن من يعمل قد أصابه التعب، وذلك في الحياة الدنيا. أما في الجنة، فيقول الحق:

{لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين "48"}
(سورة الحجر)

أي: لا يصيبهم فيها تعب، ولا يخرجون من الجنة، ذلك أنهم قد نالوا فيها الخلود. وهكذا تكلم سبحانه عن الغاوين، وقد كانوا أخلاء في الدنيا يمرحون فيها بالمعاصي؛ وهم ينتظرهم عقاب الجحيم. وتكلم عن العباد المخلصين الذين سيدخلون الجنة؛ لكنهم يدخلون الجنة، وتتصافى قلوبهم من أي خلاف قد سبق في الدنيا.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:20 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 49

</td> </tr> <tr> <td align="center">(نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم "49")</td> </tr> <tr> <td align="right">والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والإنباء هو الإخبار بأمر له خطورته وعظمته؛ ولا يقال (نبئ) في خبر بسيط. وسبق أن قال الحق سبحانه عن هذا النبأ:

{عم يتساءلون "1" عن النبأ العظيم "2" }
(سورة النبأ)

وقال سبحانه أيضاً عن النبأ:

{قل هو نبأ عظيم "67" أنتم عنه معرضون "68"}
(سورة ص)

ونفهم من القول الكريم أنه الإخبار بنبأ الآخرة ما سوف يحدث فيها، وهنا يأتي سبحانه بخبر غفرانه ورحمته الذي يختص به عباده المخلصين المتقين الذين يدخلون الجنة، ويتمتعون بخيراتها خالدين فيها. ولقائل أن يسأل: أليست المغفرة تقتضي ذنباً؟ ونقول: إن الحق سبحانه خلقنا ويعلم أن للنفس هواجس؛ ولا يمكن أن تسلم النفس من بعض الأخطاء والذنوب والوسوسة؛ بدليل أنه سبحانه قد حر الكثير من الأفعال على المسلم؛ حماية للفرد وحماية للمجتمع أيضاً، ليعيش المجتمع في الاستقرار الآمن.
فقد حرم الحق سبحانه على المسلم السرقة والزنا وشرب الخمر، وغيرها من الموبقات والخطايا، والهواجس التي تقوده إلي الإفساد في الأرض، ومادام قد حرم كل ذلك فهذا يعني أنها سوف تقع، ونزل منهجه سبحانه محرماً ومجرماً لمن يفعل ذلك، كما يلزم كل المؤمنين به بضرورة تجنب هذه الخطايا. وهنا يوضح سبحانه أن من يغفل من المؤمنين ويرتكب معصية ثم يتوب عنها، عليه ألا يؤرق نفسه بتلك الغفلات؛ فسبحانه رءوف رحيم. ونحن حين نقرأ العربية التي قد شرف الله أهلها بنزول القرآن بها، نجد أقسام الكلام إما شعراً أو نثراً، والشعر له وزن وقافية، وله نغم وموسيقى، أما النثر فليس له تلك الصفات، بل قد يكون مسجوعاً أو غير مسجوع.
وإن تكلمت بكلام نثري وجئت في وسطه ببيت من الشعر، فالذي يسمعك يمكنه أن يلحظ هذا الفارق بين الشعر والنثر. ولكن القرآن كلام رب قادر؛ لذلك أنت تجد هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وتقرؤها وكأنها بيت من الشعر فهي موزونة مقفاة: "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم" ووزنها من بحر المجتث ولكنها تأتي وسط آيات من قبلها ومن بعدها فلا تشعر بالفارق، ولا تشعر أنك انتقلت من نثر إلي شعر، ومن شعر إلي نثر؛ لأن تضامن المعاني مع جمال الأسلوب يعطينا جلال التأثير المعجز، وتلك من أسرار عظمة القرآن.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:20 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 50

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وأن عذابي هو العذاب الأليم "50")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا يكتمل النبأ بالمغفرة لمن آمنوا؛ والعذاب لمن كفروا، وكانوا من أهل الغواية. ونلحظ أنه سبحانه لم يشدد في تأكيد العذاب، ذلك أن رحمته سبقت غضبه، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة؛ ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب؛ لم يأمن من النار". ونلحظ أن الآيتين السابقتين يشرحهما قول الحق سبحانه:

{وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب "6"}
(سورة الرعد)

ولذلك نرى أن الآيتين قد نبهتا إلي مقامي الرجاء والخوف، وعلى المؤمن أن يجمع بينهما، وألا يؤجل العمل الصالح وتكاليف الإيمان، وأن يستغفر من المعاصي؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعامل الناس بالفضل لمن أخلص النية واحسن الطوية. لذلك يقول الحديث: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي". ثم ينقلنا الحق سبحانه من بعد الحديث عن الصفات الجلالية والجمالية في الغفران والرحمة والانتقام إلي مسألة حسية واقعية توضح كل تلك الصفات، فيتكلم عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ ويعطيه البشرى، ثم ينتقل لابن أخيه لوط فيعطيه النجاة، وينزل بأهله العقاب.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:20 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 51

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ونبئهم عن ضيف إبراهيم "51")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكلمة (ضيف) تدل على المائل لغيره لقرى أو استئناس، ويسمونه "المنضوي" لأنه ينضوي إلي غيره لطلب القرى، ولطلب الأمن. ومن معاني المنضوي أنه مال ناحية الضوء. وكان الكرماء من العرب من أهل السماحة؛ لا تقتصر سماحتهم على من يطرقون بابهم، ولكنهم يعلنون عن أنفسهم بالنار ليراها من يسير ي الطريق ليهتدي إليهم. وكلنا قرأنا ما قال حاتم الطائي للعبد الذي يخدمه:
أوقد النار فإن الليل ليل قر
والريح يا غلام ريح صر
إن جلبت لنا ضيفاً فأنت حر
وهكذا نعرف أصل كلمة انضوى. أي: تبع الضوء. وكلمة (ضيف) لفظ مفرد يطلق على المفرد والمثنى والجمع، إناثاً أو ذكوراً، فيقال: جاءني ضيف فأكرمته، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتها، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتهما، وجاءني ضيف فأكرمتهم، وجاءني ضيف فأكرمتهن. وكل ذلك لأن كلمة "ضيف" قامت مقام المصدر. ولكن هناك من أهل العربية من يجمعون "ضيف" على "ضيفان". ولننتبه إلي أن الضيف إذا أطلق على جمع؛ فمعناه أن فرداً قد جاء ومعه غيره، وإذا جاءت جماعة، ثم تبعتها جماعة أخرى نقول: وجاءت ضيف أخرى.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:21 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 52

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال إنا منكم وجلون "52")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونلحظ أن كلمة (سلاماً) جاءت هنا بالنصب، ومعناها نسلم سلاماً، وتعني سلاماً متجدداً. ولكنه في آية أخرى يقول:

{إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون "25"}
(سورة الذاريات)

ونعلم أن القرآن يأتي بالقصة عبر لقطات موزعة بين الآيات؛ فإذا جمعتها رسمت لك ملامح القصة كاملة. ولذلك نجد الحق سبحانه هنا لا يذكر أن إبراهيم قد رد سلامها؛ وأيضاً لم يذكر تقديمه للعجل المشوي لهم؛ لأنه ذكر ذلك في موقع آخر من القرآن. إذن: فمن تلك الآية نعلم أن إبراهيم عليه السلام قد رد السلام، وجاء هذا السلام مرفوعاً، فلماذا جاء السلام في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها منصوباً؟
أي: قالوا هم:

{سلاماً "52"}
(سورة الحجر)

وكان لابد من رد، وهو ما جاءت به الآية الثانية:

{قال سلام قوم منكرون "25"}
(سورة الذاريات)

والسلام الذي صدر من الملائكة لإبراهيم هو سلام متجدد؛ بينما السلام الذي صدر منه جاء في صيغة جملة اسمية مثبتة؛ ويدل على الثبوت. إذا رد إبراهيم عليه السلام أقوى من سلام الملائكة؛ لأنه يوضح أن أخلاق المنهج أن يرد المؤمن التحية بأحسن منها؛ لا أن يردها فقط، فجاء رده يحمل سلاماً استمرارياً، بينما سلامهم كان سلاماً تجددياً، والفرق بين سلام إبراهيم عليه السلام وسلام الملائكة: أن سلام الملائكة يتحدد بمقتضى الحال، أما سلام إبراهيم فهو منهج لدعوته ودعوة الرسل. ويأتي من بعد ذلك كلام إبراهيم عليه السلام:

{قال إنا منكم وجلون "52"}
(سورة الحجر)

وجاء في آية أخرى أنه:

{وأوجس منهم خيفة .. "70"}
(سورة هود)

وفي موقع آخر من القرآن يقول:

{قوم منكرون "25" }
(سورة الذاريات)

فلماذا أوجس منهم خيفة؟ ولماذا قال لهم: إنهم قوم منكرون؟ ولماذا قال:

{إنا منكم وجلون "52"}
(سورة الحجر)

لقد جاءوا له دون أن يتعرف عليهم، وقدم لهم الطعام فرأى أيديهم لا تصل إليه ولا تقربه كما قال سبحانه:

{فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلي قوم لوطٍ "70"}
(سورة هود)

ذلك أن إبراهيم عليه السلام يعلم أنه إذا قدم ضيفاً وقدم إليه الطعام، ورفض أن يأكل فعلى المرء ألا يتوقع منه الخير؛ وأنت ينتظر المكارة.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:21 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 53

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلامٍ عليم "53")</td> </tr> <tr> <td align="right"> هكذا طمأنت الملائكة إبراهيم عليه السلام، وهدأت من روعه، وأزالت مخاوفه، وقد حملوا له البشارة بأن الحق سبحانه سيرزقه بغلام سيصير إلي مرتبة أن يكون كثير العلم ويستقبل إبراهيم عليه السلام الخبر بطريقة تحمل من الاندهاش الكثير،
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:21 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 54

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون"54")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى يخلق الخلق على أنحاء متعددة؛ حتى يعلم المخلوق أن خلقه لا ضرورة أن يكون بطريقة محددة؛ بل طلاقة القدرة أن يأتي المخلوق كما يشاء الله. والشائع أن يولد الولد من أب وأم؛ ذكر وأنثى. أو بدون الأمرين معاً مثل آدم عليه السلام، ثم خلق حواء من ذكر وأنثى. وفي الآية التي نحن بصددها نجد إبراهيم عليه السلام يتعجب كيف يبشرونه بغلام، وهو على هذه الدرجة من الكبر، في قوله تعالى:

{على أن مسني الكبر .. "54"}
(سورة الحجر)

يعني أن "علي" هنا جاءت بمعنى "مع" أي: أنه يعيش مع الكبر؛ ويرى أنه من الصعب أن يجتمع الكبر مع القدرة على الإنجاب. وأقول دائما: إن كلمة (على) لها عطاءات واسعة في القرآن الكريم، فهي تترك مرة ويأتي الحق سبحانه بغيرها لتؤدي معنى معيناً؛ مثل قوله تعالى:

{ولأصلبنكم في جذوع النخل "71"}
(سورة طه)

والصلب إنما يكون على جذوع النخل؛ ولكن الحق سبحانه جاء بـ(في) بدلاً من (على) ليدل على أن الصلب سيكون عنيفاً، بحيث تتدخل الأيدي والأرجل المصلوبة في جذوع النخل. وهنا يقول الحق سبحانه:

{أبشرتموني على أن مسني الكبر .. "54"}
(سورة الحجر)

أي: أتبشرونني بالغلام العليم مع أني كبير في العمر؛ والمفهوم أن الكبر والتقدم في العمر لا يتأتى معه القدرة على الإنجاب. وهكذا تأتي "على" بمعنى "مع". أي: كيف تبشرونني بالغلام مع أني كبير في العمر، وقد قال قولته هذه مؤمناً بقدرة الله؛ فإبراهيم أيضاً هو الذي أورد الحق سبحانه قولاً له:

{الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء "39"}
(سورة إبراهيم)

وكأن الكبر لا يتناسب مع الإنجاب، ويأتي رد الملائكة على إبراهيم خليل الرحمن:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:22 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 55

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين "55")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكأن الملائكة تقول له: لسنا نحن الذين صنعنا ذلك، ولكنا نبلغك ببشارة شاءها الله لك؛ فلا تكن من اليائسين. ونفس القصة تكرر من بعد إبراهيم مع ذكريا عليه السلام في إنجابه ليحيى، حين دعا زكريا ربه أن يهبه غلاماً:

{يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب راضياً "6"}
(سورة مريم)

وجاءته البشارة بيحيى، وقد قال زكريا لربه:

{قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً "8"}
(سورة مريم)

وإن شئت أن تعرف سر عطاءات الأسلوب القرآني فاقرأ قول الحق سبحانه رداً على زكريا:

{فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه .. "90"}
(سورة الأنبياء)

ولم يقل الحق سبحانه أصلحناكم أنتم الاثنين؛ وفي ذلك إشارة إلي أن العطب كان في الزوجة؛ وقد أثبت العلم من بعد ذلك أن قدرة الرجل على الإخصاب لا يحددها عمر، ولكن قدرة المرأة على أن تحمل محددة بعمر معين. ثم إذا تأملنا قوله الحق:

{ووهبنا .. "90"}
(سورة الأنبياء)

نجد أنها تثبت طلاقة قدرة الله سبحانه فيما وهب؛ وفي إصلاح ما فسد؛ فسبحانه لا يعوزه شيء؛ قادر جل شأنه على الوهب؛ وقادر على أن يهيئ الأسباب ليتحقق ما يهبه. وهنا تقول الملائكة لإبراهيم:

{بشرناك بالحق .. "55"}
(سورة الحجر)

أي: أنهم ليسوا المسئولين عن البشارة، بل عن صدق البشارة؛ ولذلك قالوا له من بعد ذلك:

{فلا تكن من القانطين "55"}
(سورة الحجر)

ويأتي الحق سبحانه بما رد به إبراهيم عليه السلام:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:22 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 56

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون "56")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهنا يعلن إبراهيم عليه السلام أنه لم يقنط من رحمة ربه؛ ولكنه التعجب من طلاقة التعجب من طلاقة القدرة التي توحي بالوحدانية القادرة، لا لذات وقوع الحدث؛ ولكن لكيفية الوقوع، ففي كيفية الوقوع إعجاب فيه تأمل، ذلك أن إبراهيم عليه السلام يعلم علم اليقين طلاقة قدرة الله؛ فقد سبق أن قال له:

{أرني كيف تحيي الموتى "260"}
(سورة البقرة)

ولنلحظ أنه لم يسأله "أتحيي الموتى"، بل كان سؤاله عن الكيفية التي يحيى بها الله الموتى؛ ولذلك لسأله الحق سبحانه:

{أو لم تؤمن .. "260"}
(سورة البقرة)

وكان رد إبراهيم عليه السلام:

{بلى ولكن ليطمئن قلبي .. "260"}
(سورة البقرة)

وحدثت تجربة عندما أمر إبراهيم بأن يأخذ أربعة من الطير ثم يقطعهن ويلقي على كل جبل جزءاً، ثم يدعوهن فيأتينه سعياً، لذلك فلم يكن إبراهيم قانطاً من رحمة ربه، بل كان متسائلاً عن الكيفية التي يجري الله بها رحمته. ولم تكن تلك المحادثة بين إبراهيم والملائكة فقط، بل اشتركت فيه زوجه سارة؛ إذ أن الحق سبحانه قد قال في سورة هود:

{ يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب "72" قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد "73"}
(سورة هود)

وهكذا نجد أن القرآن يكمل بعضه بعضاً؛ وكل لقطة تأتي في موقعها؛ وحين نجمع اللقطات تكتمل لنا القصة. وهنا في سورة الحجر نجد سؤالاً من إبراهيم عليه السلام للملائكة التي حملت له بشرى الإنجاب عن المهمة الأساسية لمجيئهم، الذي تسبب في أن يتوجس منهم خيفة؛ فقد نظر إليهم، وشعر أنهم قد جاءوا بأمر آخر غير البشارة بالغلام؛ لأن البشارة يكفي فيها ملك واحد.

أما هؤلاء فهم كثيرون على تلك المهمة، فيقول سبحانه هذا السؤال الذي سأله إبراهيم عليه السلام:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:22 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 57

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال فما خطبكم أيها المرسلون "57")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: ما هو الأمر العظيم الذي جئتم من أجله؛ لأن الخطب هو الحدث الجلل الذي ينتاب الإنسان؟ وسمي خطباً لأنه يشغل بال الناس جميعاً فيتخاطبون به، وكلما التقت جماعة من البشر بجماعة أخرى فهم يتحدثون في هذا الأمر. ولذلك سميت رغبة الزواج بين رجل وامرأة وتقدمه لأهلها طلباً ليدها، فالأمر يختلف؛ لأن أهلها يستقبلون من يتقدم للزواج الاستقبال الحسن؛ ويقال: "جدع الحلال أنف الغيرة". وهنا قال إبراهيم عليه السلام للملائكة: ما خطبكم أيها المرسلون؟ أي: لأي أمر جلل أتيتم؟</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:22 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 58

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قالوا إنا أرسلنا إلي قوم مجرمين "58")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن كلمة "القوم" مأخوذة من القيام، وهم القوم الذين يقومون للأحداث؛ ويقصد به الرجال، دون النساء لأن النساء لا يقمن للأحداث؛ والحق سبحانه هو الذي يفصل هذا الأمر في قوله:

{لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساءٍ عسى أن يكن خيراً منهن .. "11"}
(سورة الحجر)

فلو أن كلمة "القوم" تطلق على النساء؛ لوصف بها الحق سبحانه النساء أيضاً؛ وذلك كي نعلم أن الرجال فقط هم الذين يقومون للأحداث؛ ولنعلم أن للمرأة منزلتها في رعاية أسرتها؛ فلا تقوم إلا بما يخص هذا البيت. وهنا أخبرت الملائكة إبراهيم عليه السلام أنهم مرسلون إلي قوم مجرمين؛ وهم قوم لوط الذين أرهقوا لوطا بالتكذيب وبالمعاصي التي أدمنوها.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:23 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 59

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إلا آل لوطٍ إنا لمنجوهم أجمعين "59")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهذا استثناء لآل لوط من المجرمين. والمجرم هو المنقطع عن الحق، والجريمة هي الانقطاع عن الحق لانتصار الباطل، غلب اسم القوم على الجماعة المجرمين، وهكذا كان الاستثناء من هؤلاء المجرمين. الذين أجرموا في حق منهج الله، والقيم التي نادى بها لوط عليه السلام. وهكذا كان الإرسال للإنجاء لمن آمن والإهلاك لمن أعرض ونأى بجانبه في مهمة واحدة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 06:23 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 60

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين "60")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم في اللغة أنه إذا توالت استثناءات على مستثنى منه؛ نأخذ المستثنى الأول من المستثنى منه، والمستثنى الثاني نأخذه من المستثنى الأول، والمستثنى الثالث نأخذه من المستثنى الثاني. والمثل أن يقول لك من تدينه "لك عشرة جنيهات إلا أربعة" أي: أنه أقر بأن لك ستة جنيهات؛ ولكنك تنظر إليه لعله يتذكر كم سدد إليك؟ فيقول: "لك إلا درهماً" وهكذا يكون قد أقر بسبعة دراهم كدين؛ بعد أن كان قد أقر بستة؛ ذلك أنه قال: "لك عشرة جنيهات إلا أربعة"، ثم أضاف: "إلا درهماً". وهكذا يكون قد استثنى من الأربعة الجنيهات التي قال إنه سددها لك جنيهاً آخر؛ وبذلك يكون ما سدده من دين ثلاث جنيهات، وبقى عنده سبعة جنيهات.
والحق سبحانه هنا يستثنى امرأة لوط من الذين استثناهم من قبل للنجاة، وهم آل لوط، والملائكة التي تقوم ذلك لم تقدر الأمر بإهلاك امرأة لوط؛ بل هي تنفذ التقدير الأعلى؛ فسبحانه هو من قدر وأمر:

{أنها لمن الغابرين "60"}
(سورة الحجر)

والغابر هنا بمعنى داخل؛ أو هو من أسماء الأضداد؛ وهي لن تنجو؛ لأن من تقررت نجاتهم سيتركون القرية؛ وسيهلك من يبقى فيها، وامرأة لوط من الباقين في العذاب والاستثناء من النفي إثبات؛ ومن الإثبات نفي، فاستثناء امرأة لوط من الناجين يلحقها بالهالكين.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 11:08 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 61 - 62

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فلما جاء آل لوط المرسلون"61" قال إنكم قوم منكرون"62")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا قال لوط عليه السلام للملائكة عندما وصلوا إليه، فقد كان مشهدهم غاية في الجمال؛ ويعلم أن قومه يعانون من الغلمانية، ويحترفون الفاحشة الشاذة؛ لذلك نجد الحق سبحانه يقول عن معاملته للملائكة في موقع آخر من القرآن:

{سيئ بهم وضاق بهم ذرعاً .. "77" }
(سورة هود)

ذلك أن لوطاً علم أن قومه سيطمعون في هؤلاء المرد، لذلك ما أن جاءوه حتى أعلن لهم أنه غير مرغوب فيهم؛ ولم يرحب بهم، ذلك أنهم قد دخلوا عليه في صورة شبان تضئ ملامحهم بالحسن الشديد؛ مما قد يسبب غواية لقومه. كما أنهم قد دخلوا عليه، وليس على ملامحهم أي أثر للسفر؛ كما أنهم ليسوا من أهل المنطقة التي يعيش فيها؛ لذلك أنكرهم.

ويقول سبحانه ما جاء على لسان الملائكة لحظة أن طمأنوا لوطاً كشفوا له عن مهمتهم:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 11:08 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 63

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون "63")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا أعلنوا للوط سبب قدومهم إليه؛ كي ينزلوا العقاب بالقوم الذين أرهقوه، وكانوا يشكون في قدرة الحق سبحانه أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وفي هذا تسريه عنه.

ثم يؤكدون ذلك بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 11:09 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 64

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وأتيناك بالحق وإنا لصادقون "64")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: جئنا لك بأمر عذابهم الصادر من الحق سبحانه؛ فلا مجال للشك أو الامتراء، ونحن صادقون فيما نبلغك به.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
13-10-2011, 11:09 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 65

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون "65")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: سر أنت وأهلك في جزء من الليل. ومرة يقال "سرى"، ومرة يقال "أسرى"؛ ويلتقيان في المعنى. ولكن "أسرى" تأتي في موقع آخر من القرآن، وتكون متعدية مثل قول الحق:

{فأسر بأهلك بقطع من الليل .. "65"}
(سورة الحجر)

وكلمة "قطع" هي جمع، والمقصود هو أن يخرج لوط بأهله في جزء من الليل، أو من آخر الليل، فهذا هو منهج الإنجاء الذي أخبر به الملائكة لوطاً، ليتبعه هو وأهله والمؤمنون به، وأوصوه أن يتبع أدبار قومه بقولهم:

{واتبع أدبارهم .. "65"}
(سورة الحجر)

أي: أن يكون في المؤخرة، وفي ذلك حث لهم على السرعة. وكان من طبيعة العرب أنهم إذا كانوا في مكان ويرحلون منه؛ فكل منهم يحمل رحلة على ناقته؛ وأهله فيها ـ فوق الناقة ـ ويبتدئون السير، ويتخلف رئيس القوم، واسمه "معقب" كي يرقب إن كان أحد من القوم قد تخلف أو تعثر أو ترك شيئاً من متاعه، ويسمون هذا الشخص "معقب". وهنا تأمر الملائكة لوطاً أن يكون معقباً لأهله والمؤمنين به؛ ليحثهم على السير بسرعة؛ ثم لينفذ أمراً آخر يأمره به الحق سبحانه:

{ولا يلتفت منكم أحد .. "65"}
(سورة الحجر)

وتنفيذ الأمر بعدم الالتفات يقتضي أن يكون لوط في مؤخرة القوم؛ ذلك أن الالتفات يأخذ وقتاً، ويقلل من سرعة من يلتفت؛ كما أن الالتفات إلي موقع انتمائهم من الأرض قد يثير الحنين إلي مواقع التذكار وأرض المنشأ، وكل ذلك قد يعطل حركة القوم جميعهم؛ لذلك جاء الأمر الإلهي:

{وامضوا حيث تؤمرون "65"}
(سورة الحجر)

أو: أن الحق سبحانه يريد ألا يلتفت أحد خلفه حتى لا يشهد العذاب، أو مقدمة العذاب الذي يقع على القوم، فتأخذه بهم شفقة. ونحن نعلم قول الحق سبحانه في إقامة أي حد من الحدود التي أنزلها:

{ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله .. "2"}
(سورة النور)

فلو أن أحداً قد التفت إلي العذاب، أو مقدمة العذاب؛ فقد يحن إليهم، أو يعطف عليهم رغم أن عذابهم بسبب ذنب كبير، فقد ارتكبوا جريمة كبيرة؛ ونعلم أن بشاعة الجريمة تبهت؛ وقد يبقى في النفس عظم ألم العقوبة لحظة توقيعها على المجرم. أو: أن الحق سبحانه يريد أن يعجل بالقوم الناجين قبل أن يوجد، ولو التفزيع الذي هو مقدمة تعذيب القوم الذين كفروا من هول هذا العذاب القادم. وهكذا كان الأمر بالإسراء بالقوم الذين قرر الحق سبحانه نجاتهم، والكيفية هي أن يكون الخروج في جزء من الليل، وأن يتبع لوط أدبارهم، وألا يلتفت أحد من الناجين خلفه؛ ليمضي هؤلاء الناجون حيث يأمرهم الحق سبحانه. وقيل: إن الجهة هي الشام.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:18 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 66

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين"66")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقوله الحق:

{وقضينا .. "65"}
(سورة الحجر)

أي: أوحينا. وسبحانه تكلم من قبل عن الإنجاء للمؤمنين من آل لوط؛ ثم تكلم عن عذاب الكافرين المنحرفين؛ والأمر الذي قضى به الحق سبحانه أن يبيد هؤلاء المنحرفين. وقطع الدابر هو الخلع من الجذور. ولذلك يقول القرآن:

{فقطع دابر القوم الذين ظلموا .. "45"}
(سورة الأنعام)

وهكذا نفهم أن قطع الدابر هو أن يأخذهم الحق سبحانه أخذ عزيز مقتدر فلا يبقى منهم أحداً. وموعد ذلك هو الصباح، فبعد أن خرج لوط ومن معه بجزء من الليل وتمت نجاتهم يأتي الأمر بإهلاك المنحرفين في الصباح. والأخذ بالصبح هو مبدأ من مبادئ الحروب؛ ويقال: إن أغلب الحروب تبدأ عند أول خيط من خيوط الشمس. والحق سبحانه يقول:

{فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين "177"}
(سورة الصافات)

وهكذا شاء الحق سبحانه أن يأخذهم وهم في استرخاء؛ ولا يملكون قدرة على المقاومة. وقول الحق سبحانه هنا:

{أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين "66"}
(سورة الحجر)

لا يتناقض مع قوله عنهم في موقع آخر:

{فأخذتهم الصيحة مشرقين "73"}
(سورة الحجر)

فكأن بدء الصيحة كان صبحاً، ونهايتهم كانت في الشروق. وهكذا رسم الحق سبحانه الصورة واضحة أمام لوط من قبل أن يبدأ التنفيذ؛ فهكذا أخبرت الملائكة لوطاً بما سوف يجري.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:19 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 67

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وجاء أهل المدينة يستبشرون "67")</td> </tr> <tr> <td align="right">وعندما علم أهل المدينة من قوم لوط بوصول وفد من الشبان الحسان المرد عند لوط جاءوا مستبشرين فرحين. وكان حسنهم مضرب الأمثال؛ وكان كلاً منهم ينطبق عليه قوله الحق عن يوسف عليه السلام:

{ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم "31"}
(سورة يوسف)

وقوله سبحانه:

{وجاء أهل المدينة يستبشرون "67"}
(سورة الحجر)

يجمع لقطات مركبة عن الأمر الفاحش الشائع فيما بينهم، وكانوا يستبشرون بفعله ويفرحون به؛ فهم من ينطبق عليهم قوله الحق:

{كانوا لا يتناهون عن منكرٍ لبئس ما كانوا يفعلون "79"}
(سورة المائدة)

وكان لوط يعلم هذا الأمر فيهم، ويعلم ما سوف يحيق بهم؛ وأراد أن يجعل بينهم وبين فعل الفاحشة مع الملائكة سداً؛ فهم في ضيافته وفي جواره، والتقاليد تقتضي أن يأخذ الضيف كرامة المضيف، وأي إهانة تلحق بالضيف هي إهانة للمضيف، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان لوط:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:19 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 68

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون "68")</td> </tr> <tr> <td align="right">والفضيحة هي هتك المساتير التي يستحيي منها الإنسان، فالإنسان قد يفعل أشياء يستحي أن يعملها عنه غيره. والحق ـ سبحانه وتعالى ـ حين يطلب منا أن نتخلق بخلقه؛ جعل من كل صفات الجمال والجلال نصيباً يعطيه لخلقه. ولكن هناك بعضاً من صفاته يذكرها ولا يأتي بمقابل لها؛ فهو قد قال مثلاً "الضار" ومقابلها "النافع" وقال "الباسط" ومقابلها "القابض" وقال "المعز" ومقابلها "المذل". ومن أسمائه "الستار" ولم يأت بالمقابل وهو "الفاضح"؛ لماذا لم يأت بهذا المقابل؟ لأنه سبحانه شاء أن يحمي الكون؛ لكي يستمتع كل فرد بحسنات المسيء، لأنك لو علمت سيئاته قد تبصق عليه؛ لذلك شاء الحق سبحانه أن يستر المسيء، ويظهر حسناته فقط.

وقد قال لوط لقومه بعد أن نهاهم عن الاقتراب الشائن من ضيوفه:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:19 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 69

</td> </tr> <tr> <td align="center">(واتقوا الله ولا تخزون "69")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: ضعوا بينكم وبين عقاب الحق لكم وقاية؛ ولا تكونوا سبباً في إحساسي بالخزي والعار أمام ضيوفي بسبب ما ترغبون فيه من الفاحشة. والاتقاء من الوقاية، والوقاية هي الاحتراس والبعد من الشر، لذلك يقول الحق سبحانه:

{يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة "6"}
(سورة التحريم)

أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية، واحترسوا من أن تقعوا فيها، بالابتعاد عن المحظورات، فإن فعل المحذور طريق إلي النار، والابتعاد عنه وقاية منها، ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم ـ والقرآن كله كلام الله يقول:

{واتقوا الله .. "194"}
(سورة البقرة)

ويقول:

{واتقوا النار .. "131"}
(سورة آل عمران)

كيف نأخذ سلوكاً واحداً تجاه الحق سبحانه وتعالى وتجاه النار التي سيعذب فيها الكافرون؟ والمعنى: لا تفعلوا ما يغضب الله حتى لا تعذبوا في النار، فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت المعاصي، وإن فعلت المأمورات، ورضيت بالمقدورات، وابتعدت عن المحذورات، فقد اتقيت الله.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:19 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 70

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قالوا أو لم ننهك عن العالمين "70")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: ألم نحذرك من قبل من ضيافة الشبان الذين يتميزون بالحسن، ولأنك قمت باستضافة هؤلاء الشبان؛ فلابد لنا من أن نفعل معهم ما نحب من الفاحشة، وكانوا يتعرضون لكل غريب بالسوء. وحاول لوط أن ينهاهم قدر استطاعته؛ ولكنهم رفضوا أن يجير ضيوفه من عدوانهم الفاحش، وطلبوا منه أن يتركهم وشأنهم، ليفسدوا في الكون كما يشاءون، فلا تتكلم ولا تعترض على شيء مما نفعل، وهذه لغة أهل الضلال والفساد.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:20 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 71

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين "71")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أنكم إن كنتم مصرين على ارتكاب الفاحشة؛ فلماذا لا تتزوجون من بناتي؟ ولقد حاول البعض أن يقولوا: إنه عرض بناته عليهم ليرتكبوا معهن الفاحشة؛ وحاشا الله أن يصدر مثل هذا الفعل عن رسول، بل هو قد عرض عليهم أن يتزوجوا النساء. ثم إن لوطاً كانت له ابنتان اثنتان، وهو قد قال:

{هؤلاء بناتي .. "71"}
(سورة الحجر)

أي: أنه تحدث عن جمع كثير؛ ذلك أن ابنتيه لا تصلحان إلا للزواج من اثنين من هذا الجمع الكثيف من رجال تلك المدينة، ونعلم أن بنات كل القوم الذين يوجد فيهم رسول يعتبرون من بناته. ولذلك يقول الحق سبحانه ما يوضح ذلك في آية أخرى:

{أتأتون الذكران من العالمين "165" وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون "166"}
(سورة الشعراء)

أي: أن لوطاً أراد أن يرد هؤلاء الشواذ إلي دائرة الصواب، والفعل الطيب. وذيل كلامه:

{إن كنتم فاعلين "71"}
(سورة الحجر)

ليوحي لهم بالشك في أنهم سيهينون ضيوفه بهذا الأسلوب الممجوج والمرفوض.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:20 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 72

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون "72")</td> </tr> <tr> <td align="right">والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. و"عمرك" معناها السن المحدد للإنسان لاستقامة الحياة، ومرة تنطق "وعمرك" ومرة تنطق "عمرك"، ولكنهم في القسم يختارون كلمة "عمرك"، وهذا يماثيل قولنا في الحياة اليومية "وحياتك". ومن هذا القول الكريم الذي يحدث به الحق سبحانه رسوله استدل أهل الإشراق والمعرفة أن الحق سبحانه قد كرم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بأنه حين ناداه لم يناده باسمه العلني "يا محمد" أو "يا أحمد" كما نادى كل رسله، ولكنه لم يناد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بقوله:

{يا أيها الرسول .. "67"}
(سورة المائدة)

أو: {يا أيها النبي .. "12"}
(سورة الممتحنة)

وفي هذا تكريم عظيم، وهنا في هذه الآية نجد تكريماً آخر، فسبحانه يقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم. ونعلم أن الحق سبحانه يقسم بما شاء، أقسم بالشمس وبمواقع النجوم وبالنجم إذا هوى. فهو الخالق العليم بكل ما خلق؛ ولا يعرف عظمة المخلوق إلا خالقه، وهو العالم بمهمة كل كائن خلقه، لكنه أمرنا ألا نقسم إلا به؛ لأننا نجل حقائق الأشياء مكتملة. وقد أقسم سبحانه بكل شيء في الوجود، إلا أنه لم يقسم أبداً بأي إنسان إلا بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال هنا:

{لعمرك "72"}
(سورة الحجر)

بحياتك يا محمد إنهم سكرة يعمهون. والسكرة هي التخديرة العقلية التي تحدث لمن يختل إدراكهم بفعل عقيدة فاسدة، أو عادة شاذة، أو بتناول مادة تثير الاضطراب في الوعي.
و {يعمهون "72"}
(سورة الحجر)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:20 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 73

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فأخذتهم الصيحة مشرقين "73")</td> </tr> <tr> <td align="right">وسبق أن أخبرنا سبحانه أنه سيقطع دابرهم وهم مصبحون، وهنا يخبرنا أن الصيحة أخذتهم وهم مشرقون، ونحن نرى هذه الأيام بعضاً من الألعاب كلعبة "الكاراتيه" تصدر صيحة من اللاعب في مواجهة خصمه ليزيد من رعبه. كما نرى في تدريبات الصاعقة العسكرية؛ نوعاً من الصراخات، هدفها أن يدخل المقاتل الرعب في قلب عدوه. وكل ما يتطلب إرهاب الخصم يبدأ بصيحة تفقده توازنه الفكري؛ ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر:

{إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدةً فكانوا كهشيم المحتظر "31"}
(سورة القمر)

ومرة يسميها الحق سبحانه بالطاغية؛ فيقول:

{فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية "5"}
(سورة الحاقة)
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:21 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 74

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل "74")</td> </tr> <tr> <td align="right">ومادام عاليها قد صار أسفلها، فهذا لون من الانتقام المنظم الموجه؛ ولو لم يكن انتقاماً منظماً؛ لانقلب بعض ما في تلك المدينة على الجانب الأيمن أو الأيسر. ولكن شاء الحق سبحانه أن يأتي لنا بصورة ما حدث، ليدلنا على قدرته على أن يفعل ما شاء كما يشاء. وأمطرهم الحق سبحانه بحجارة من سجيل؛ كتلك التي أمطر بها من هاجموا الكعبة في عام ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي حجارة صنعت من طين لا يعلم كنهه إلا الله سبحانه، والطين إذا تحجر سمى "سيجلاً". والحق سبحانه هو القائل عن نفس هذا الموقف في سورة الذاريات:

{لنرسل عليهم حجارة من طينٍ "33"}
(سورة الذاريات)

وقد أرسل الحق سبحانه تلك الحجارة عليهم ليبيدهم، فلا يبقى منهم أحداً.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:21 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 75

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن في ذلك لآيات للمتوسمين "75")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا كان العذاب الذي أنزله الحق سبحانه بقوم لوط آية واضحة للمتوسمين. والمتوسم هو الذي يدرك حقائق المستور بمكشوف المظهور. ويقال "توسمت في فلان كذا" أي: أخذ من الظاهر حقيقة الباطن. ولذلك يقول الحق سبحانه:

{سيماهم في وجوههم من أثر السجود .. "29"}
(سورة الفتح)

أي: ساعة تراهم ترى أن الملامح توضح ما في الأعماق من إيمان. ويقول سبحانه أيضاً:

{تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً .. "273"}
(سورة البقرة)

وهكذا نعرف أن المتوسم هو صاحب الفراسة التي تكشف مكنون الأعماق. وهاهو صلى الله عليه وسلم يقول: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور". وتحمل الذاكرة العربية حكاية الأعرابي الذي فقد جمله، فذهب إلي قيم الناحية ـ أي: عمدة المكان ـ وقال له: "ضاع جملي وأخشى أن يكون قد سرقه أحد". وبينما هو يحدث القيم جاء واحد، وقال له: أجملك أعور؟ أجاب صاحب الجمل: نعم، وقال له: أجملك أبتر؟ أي: لا ذيل له، أجاب صاحب الجمل: نعم. فسأل الرجل سؤالا ثالثاً: أجملك أشول؟ أي: يعرج قليلاً عندما يسير؛ فأجاب الرجل: نعم، والله هو جملي.
وأراد قيم الحي أن يعلم كيف عرف الرجل الذي حضر كل هذه العلامات التي في الجمل، فسأله: وما أدراك بكل تلك العلامات؟ قال الرجل: لقد رأيته في الطريق، وعرفت أنه أعور، ذلك أنه كان يأكل العشب الجاف من جهة، ولا يلتفت إلي العشب الأخضر في الجهة الأخرى، ولو كان يرى بعينيه الاثنتين لرأى العشب الأخضر. وعرفت أنه أبتر مقطوع الذيل نتيجة أن بعره لم يتبعثر مثل غيره من الجمال التي لها ذيل غير مقطوع. وعرفت أنه أشول؛ لأن أثر ساقه اليمنى أكثر عمقاً في الأرض من أثر ساقه اليسرى. وهكذا شرحت الذاكرة العربية معنى كلمة "المتوسم".
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:22 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 76

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإنها لبسبيل مقيمٍ "76")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أنها على طريق ثابت تمرون عليه إن ذهبتم ناحية هذا المكان، وفي آية أخرى يقول سبحانه:

{وإنكم لتمرون عليهم مصبحين "137"}
(سورة الصافات)

فهذه المدينة إذن في طريق ثابت؛ لن تضيعه عوامل التعرية أو الأغيار، ولن تضعيه تلك العوامل إلا إذا شاء الحق سبحانه له أن يكون محكم التكوين ومحكم التثبيت. وهو ما يسمى "سدوم".</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:22 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 77

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن في ذلك لآية للمؤمنين "77")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقد قال من قبل:

{إن في ذلك لآيات للمتوسمين "75"}
(سورة الحجر)

فكأن من مسئوليات المؤمن أن يتفحص في أدبار الأشياء، وأن يتعرف على الأشياء بسيماها، وأن يمتلك فراسة الإيمان التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله". وهكذا ينهي الحق سبحانه هنا قصة لوط؛ وما وقع عليهم من عذاب يجب أن يتعظ به المؤمنون؛ فقد نالوا جزاء ما فعلوا من فاحشة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:22 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 78

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين "78")</td> </tr> <tr> <td align="right">و"الأيك" هو الشجر الملتف الكثير الأغصان. ونعلم أن شعيباً ـ عليه السلام ـ قد بعث لأهل مدين قد ظلموا أنفسهم بالشرك. وقد قال الحق سبحانه:

{وإلي مدين أخاهم شعيباً .. "85"}
(سورة الأعراف)

وقال عن أصحاب الأيكة:

{كذب أصحاب الأيكة المرسلين "176" إذ قال لهم شعيب ألا تتقون "177"}
(سورة الشعراء)

وهكذا نعلم أن شعيباً قد بعث لأمتين متجاورتين.
ويقول سبحانه عن هاتين الأمتين:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:23 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 79

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين "79")</td> </tr> <tr> <td align="right">ويقال: إن ما كان يفصل بين مدين وأصحاب الأيكة هو هذا الشجر الملتف الكثيف القريب من البحر. ولذلك نجد هنا الدليل على أن شعيباً عليه السلام قد بعث إلي أمتين هو قوله الحق:

{وإنهما .. "79"}
(سورة الحجر)

وقد انتقم الله من الأمتين الظالمتين؛ مدين وأصحاب الأيكة. ويقول الحق سبحانه:

{وإنهما لبإمام مبين "79"}
(سورة الحجر)

والإمام هو ما يؤتم به في الرأي والفتيا، أو في الحركات والسكنات؛ أو: في الطريق الموصل إلي الغايات، ويسمى "إمام" لأنه يدل على الأماكن أو الغايات التي نريد أن نصل إليها، ذلك أنه يعلم كل جزئية من هذا الطريق. وفيما يبدو أن أصحاب الأيكة قد تمادوا في الظلم والكفر، وإذا كان سبحانه قد أخذ أهل مدين بالصيحة والرجفة؛ فقد أخذ أصحاب الأيكة بأن سلط عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم منه ظل؛ ثم أرسل سحابة وتمنوا أن تمطر، وأمطرت ناراً فأكلتهم، كما قالت كتب الأثر. وهذا هو العذاب الذي قال فيه الحق سبحانه:

{فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يومٍ عظيمٍ "189"}
(سورة الشعراء)

وهكذا تكون تلك العبر بمثابة الإمام الذي يقود إلي التبصر بعواقب الظلم والشرك.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:23 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 80

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين "80")</td> </tr> <tr> <td align="right">وأصحاب الحجر هم قوم صالح، وكانت المنطقة التي يقيمون فيها كلها من الحجارة؛ ولا يزال مقامهم معروفاً في المسافة بين خيبر وتبوك. وقال فيهم الحق سبحانه:

{أتبون بكل ريع آية تعبثون "128" وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون "129"}
(سورة الشعراء)

وهم قد كذبوا نبيهم "صالح" وكان تكذيبهم له يتضمن تكذيب كل الرسل، ذلك أن الرسل يتواردون على وحدانية الله، ويتفقون في الأحكام العامة الشاملة، ولا يختلف الأنبياء إلا في الجزئيات المناسبة لكل بيئة من البيئات التي يعيشون فيها. فبيئة: تعبد الأصنام، فيثبت لهم نبيهم أن الأصنام لا تستحق أن تعبد. وبيئة أخرى: تطفف الكيل والميزان؛ فيأتي رسولهم بما ينهاهم عن ذلك. وبيئة ثالثة: ترتكب الفواحش فيحذرهم نبيهم من تلك الفواحش. وهكذا اختلف الرسل في الجزئيات المناسبة لكل بيئة؛ لكنهم لم يختلفوا في المنهج الكلي الخاص بالتوحيد والمنهج، وقد قال الحق سبحانه عن قوم صالح أنهم كذبوا المرسلين؛ بمعنى أنهم كذبوا صالحاً فيما جاء به من دعوة التوحيد التي جاء بها كل الرسل.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:23 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 81

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين "81")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهنا يوجز الحق سبحانه وتعالى ما أرسل به نبيهم صالح من آيات تدعوهم إلي التوحيد بالله، وصدق بلاغ صالح عليه السلام الذي تمثل في الناقة، التي حذرهم صالح أن يقربوها بسوء كيلا يأخذهم العذاب الأليم. لكنهم كذبوا وأعرضوا عنه، ولم يلتفتوا إلي الآيات التي خلقها الحق سبحانه في الكون من ليل ونهار، وشمس وقمر، واختلاف الألسن والألوان بين البشر.
ونعلم أن الآيات تأتي دائماً بمعنى المعجزات الدالة على صدق الرسول، أو: آيات الكون، أو: آيات المنهج المبلغ عن الله، تكون آية الرسول من هؤلاء من نوع ما نبغ فيه القوم المرسل إليهم؛ لكنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثلها. وعادة ما تثير هذه الآية خاصية التحدي الموجودة في الإنسان، ولكن أحداً من قوم الرسل ـ أي رسول ـ لا يفلح في أن يأتي بمثل آية الرسول المرسل إليهم. ويقول الحق سبحانه عن قوم صالح:

{وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين "81"}
(سورة الحجر)

أي: تكبروا وأعرضوا عن المنهج الذي جاءهم به صالح، والإعراض هو أن تعطي الشيء عرضك بأن تبتعد عنه ولا تقبل عليه، ولو أنك أقبلت عليه لوجدت فيه الخير لك. وأنت حين تقبل على آيات الله ستجد أنها تدعوك للتفكر، فتؤمن أن لها خالقاً فتلتزم بتعاليم المنهج الذي جاء به الرسول. وأنت حين تفكر في الحكمة من الطاعة ستجد أنها تريحك من قلق الاعتماد على أحد غير خالقك، لكن لو أخذت المسائل بسطحية؛ فلن تنتهي إلي الإيمان. ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع آخر من القرآن الكريم:

{وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون "105"}
(سورة يوسف)

وفي هذا تكليف للمؤمن ـ كل مؤمن ـ أن يمعن النظر في آيات الكون لعله يستنبط منها ما يفيد غيره. وأنت لو نظرت إلي كل المخترعات التي في الكون لوجدتها نتيجة للإقبال عليها من قبل عالم أراد أن يكتشف فيها ما يريح غيره به. والمثل في اكتشاف قوة البخار التي بدأ بها عصر من الطاقة واختراع المعدات التي تعمل بتلك الطاقة، وحرك بها القطار والسفينة؛ مثلما سبقها إنسان آخر واخترع العجلة ليسهل على البشر حمل الأثقال. وإذا كان هذا في أمر الكونيات؛ فأنت أيضاً إذا تأملت آيات الأحكام في "افعل" و"لا تفعل" ستجدها تفيدك في حياتك ومستقبلك، والمثل على ذلك هو الزكاة؛ فأنت تدفع جزءً يسيراً من عائد عملك لغيرك ممن لا يقوى على العمل، وستجد أن غيرك يعطيك إن حدث لك احتياج؛ ذلك أنك من الأغيار.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:24 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 82

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين "82")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهنا يمتن عليهم بأن منحهم حضارة، ووهبهم مهارة البناء والتقدم في العمارة؛ وأخذوا في بناء بيوتهم في الأحجار، ومن الأحجار التي كانت توجد بالوادي الذي يقيمون فيه، وقطعوا تلك الأحجار بطريقة تتيح لهم بناء البيوت والقصور الآمنة من أغيار التقلبات الجوية وغيرها. ونعلم أن من يعيش في خيمة يعاني من قلة الأمن؛ أما من يبني بيته من الطوب اللبن؛ فهو اكثر أمناً ممن في الخيم، وإن كان أقل أمانا من الذي يبني بيته من الأسمنت المسلح، وهكذا يكون أمن النفس البشرية في سكنها واستقرارها من قوة الشيء الذي يحيطه. وإذا كان قوم صالح قد أقاموا بيوتهم من الحجارة فهي بالتأكيد اكثر أمناً من غيرهم، ونجد نبيهم صالحاً، وقد قال لهم ما أورده الحق سبحانه في كتابه الكريم:

{واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين "74" }
(سورة الأعراف)

ولكنهم طغوا وبغوا وأنكروا ما جاء به صالح عليه السلام فما كان من الحق سبحانه إلا أن أرسل عليهم صيحة تأخذهم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:24 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 83

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فأخذتهم الصيحة مصبحين "83")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهم إذا كانوا قد اتخذوا من جبلية الموقع أمناً لهم؛ فقد جاءت الصيحة من الحق سبحانه لتدك فوق رؤوسهم ما صنعوا، وقد قال الحق سبحانه عنهم من قبل في سورة هود:

{وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين "67"}
(سورة هود)

وقال سبحانه عنهم أيضاً:

{فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين "78"}
(سورة الأعراف)

والرجفة هي الزلزلة، والصيحة هي بعض من توابع الزلزلة، ذلك أن الزلزلة تحدث تموجاً في الهواء يؤدي إلي حدوث أصوات قوية تعصف بمن يسمعها. وهم حسب قول الحق سبحانه قد تمتعوا ثلاثة أيام قبل أن تأخذهم الصيحة كوعد نبيهم صالح ـ عليه السلام ـ لهم:

{فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب "65"}
(سورة هود)

ويقول الحق سبحانه عن حالهم بعد أن أخذتهم الصيحة:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:24 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 84

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون "84")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا لم تنفعهم الحصون في حمايتهم من قدر الله، ونعلم أن قدر الله أو عقابه لا يمكن أن يمنعه مانع مهما كان؛ فهو القائل:

{أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدةٍ .. "78"}
(سورة النساء)

وهكذا لا يمكن أن يحمي الإنسان نفسه مما قدره الله له، أو مما يشاء الحق أن ينزله على الإنسان كعقاب. وسبحانه القائل:

{قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم .. "154"}
(سورة آل عمران)

وهكذا خروا جميعاً في قاع الهلاك، ولم تحمهم حصونهم من العذاب الذي قدره سبحانه.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:25 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 85

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل "85")</td> </tr> <tr> <td align="right">والحق هو الشيء الثابت الذي لا تعتوره الأغيار، والمثل هو نظام المجرات وحركة الشمس والقمر؛ تجدها منضبطة؛ ذلك أن الإنسان لا يتدخل فيها، وليس للإنسان صاحب الأغيار معه أي اختيار. ولذلك نجد أن الفساد لا ينشأ في الكون من النواميس العليا، ولكن من الأمور التي يتدخل فيها الإنسان، وليس معنى ذلك أن يتوقف الإنسان عن الحركة في الأرض؛ ولكن عليه أن يرعى منهج الله، ويمتنع عما نهى عنه وأن يطيع ما أمره به. وأنت لو طبقت أوامر الحق سبحانه في "افعل" و"لا تفعل" لاستقامت الدنيا في الأمور التي لك دخل فيها كانتظام الأمور التي ليس لك دخل فيها.

واقرأ إن شئت قوله الحق:

{الرحمن "1" علم القرآن "2" خلق الإنسان "3" علمه البيان "4" الشمس والقمر بحسبان "5" والنجم والشجر يسجدان "6" والسماء رفعها ووضع الميزان"7" ألا تطغوا في الميزان "8"}
(سورة الرحمن)

فإن كنتم تريدون أن تنتظم أموركم في الحياة الدنيا؛ فلا تطغوا في ميزان أي شيء. وهنا يذكرنا الحق سبحانه ألا نقع في خطأ الوهم بأننا سنأخذ نعم الدنيا دون ضابط أو رابط؛ فالحساب قادم لا محالة، ولذلك قال الحق سبحانه:

{فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون"41" أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون"42"}
(سورة الزخرف)

أي: ما قدره الله سيقع دون أن يصده شيء مهما كان، وإما ترى ذلك في حياتك، أو تراه لحظة البعث. والدليل هو ما حاق بمن كفروا وظلموا وكذبوا الرسل، وعاثوا في الأرض مفسدين. وأهلكهم الحق سبحانه بعذابه تطهيراً للأرض من فسادهم، هذا جزاؤهم في الدنيا، وهناك جزاء آخر في اليوم الآخر. وفي هذا القول تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو حين يعلمه الله ما حاق بالأمم السابقة التي كذبت الرسل؛ هانت عليه المتاعب والمشاق التي عاناها من قومه، وليسهل عليه من بعد ذلك أن يتذرع بالصبر الجميل، حتى يأتي وعده سبحانه، وليس عليك يا محمد أن تحمل نفسك ما لا تطيق.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:25 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 86

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن ربك هو الخلاق العليم "86")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقد جاء سبحانه هنا بالاسم الذي خلق به من عدم، وأمد من عدم. وقيومية الربوبية هي التي تمد كل الكون برزقه وترعاه فسبحانه هو الذي استدعى الإنسان إلي الكون، وهو الذي يرعاه وكلمة:

{ربك "86"}
(سورة الحجر)

توحي بأنه إن أصابك شيء بسبب دعوتك، وبسبب كنود قومك أمامك وعدائهم لك، فربك يا محمد لن يتركهم. والرب ـ كما نعلم ـ هو من يتولى تربية الشي إلي ما يعطيه مناط الكمال، ولا يقتصر ذلك على الدنيا فقط، ولكنه ينطبق على الدنيا والآخرة.
وقوله:

{الخلاق "86"}
(سورة الحجر)

مبالغة في الخلق، وهي امتداد صفة الخلق في كل ما يمكن أن يخلق، لأنه سبحانه هو الذي أعد كل مادة يكون منها أي خلق، وأعد العقل الذي يفكر في أي خلق، وأعد الطاقة التي تفعل، وأعد التفاعل بين الطاقة والمادة والعقل المخطط لذلك. وما يفعله الإنسان المخلوق هو التوليف بين ما خلقه الله من مواد، وإن وجد خلاق من البشر؛ فهو وحده سبحانه الذي يهب إنساناً ما أفكاراً لينقذها، ثم يأتي من هو أذكى منه ليطورها. ولذلك قال الحق سبحانه:

{وفوق كل ذي علمٍ عليم "76"}
(سورة يوسف)

وهكذا رأينا كل المخترعات البشرية تتطور؛ والمثل على ذلك هو آلة الحياكة التي صارت تعمل الآن آلياً بعد أن كانت المرأة تجلس عليها لتكد في ضبطها، وكذلك غسالة الملابس، وغسالة الأطباق والسيارات والطائرات. ونلحظ أن كل ما خلقه الله يمكن أن يستفاد من عادمه مثل روث البهائم؛ الذي يستخدم كسماد، أما عادم السيارات مثلاً فهو يلوث الجو. وشاشة التلفزيون تصدر من الإشعاعات ما يضر العين، وتم بحث ذلك لتلافي الآثار الجانبية في مثل تلك الأدوات التي يسهل الإنسان بها حياتها. أما ما يخلقه الله فلا توجد له آثار جانبية؛ فسبحانه ليس صاحب علم مكتسب أو ممنوح؛ بل العلم صفة ذاتية فيه.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:25 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 87

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم "87")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهنا يمتن الحق سبحانه على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يكفيه أن أنزل عليه القرآن الكتاب المعجزة، والمنهج الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فالقرآن يضم كمالات الحق التي لا تنتهي؛ فإذا كان سبحانه قد أعطاك ذلك، فهو أيضاً يتحمل عنك كل ما يؤلمك. والحق سبحانه هو القائل:

{ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون "97" }
(سورة الحجر)

ويقول له الحق أيضاً:

{قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون .. "33"}
(سورة الأنعام)

وأزاح الحق سبحانه عنه هموم اتهامهم له بأنه ساحر أو مجنون؛ وقال له سبحانه:

{فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون "33"}
(سورة الأنعام)

ويكشف له سبحانه: إنهم يؤمنون أنك يا محمد صادق، ولكنهم يتظاهرون بتكذيبك. ويتمثل امتنان الحق سبحانه على رسوله أنه أنزل عليه السبع المثاني، واتفق العلماء على أن كلمة "المثاني" تعني فاتحة الكتاب، فلا يثني في الصلاة إلا فاتحة الكتاب. ونجده سبحانه يصف القرآن بالعظيم؛ وهو سبحانه يحكم بعظمة القرآن على ضوء مقاييسه المطلقة؛ وهي مقاييس العظمة عنده سبحانه. والمثل الآخر على ذلك وصفه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:

{وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ "4"}
(سورة القلم)

وهذا حكم بالمقاييس العليا للعظمة، وهكذا يصبح كل متاع الدنيا أقل مما وهبه الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينظرن أحد إلي ما أعطى غيره؛ فقد وهبه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم. ونلحظ أن الحق سبحانه قد عطف القرآن على السبع المثاني وهو عطف عام على خاص؛ كما قال الحق سبحانه:

{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى .. "238"}
(سورة البقرة)

ونفهم من هذا القول أن الصلاة تضم الصلاة الوسطى أيضاً، وكذلك مثل قول الحق ما جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم:

{رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات .. "28"}
(سورة نوح)

وهكذا نرى عطف عام على خاص، وعطف خاص على عام. أو: أن نقول: إن كلمة "قرآن" تطلق على الكتاب الكريم المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول آية في القرآن إلي آخر آية فيه، ويطلق أيضاً على الآية الواحدة من القرآن؛ فقول الحق سبحانه:

{مدهامتان "64"}
(سورة الرحمن)

هي آية من القرآن؛ وتسمى أيضاً قرآناً. ونجده سبحانه يقول:

{إن قرآن الفجر كان مشهوداً "78"}
(سورة الإسراء)

ونحن في الفجر لا نقرأ كل القرآن، بل بعضاً منه، ولكن ما نقرؤه يسمى قرآناً، وكذلك يقول الحق سبحانه:

{وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً "45"}
(سورة الإسراء)

وهو لا يقرأ كل القرآن بل بعضه، إذن: فكل آية من القرآن قرآن. وقد أعطى الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم السبع المثاني والقرآن العظيم، وتلك هي قمة العطايا؛ فلله عطاءات متعددة؛ عطاءات تشمل الكافر والمؤمن، وتشمل الطائع والعاصي، وعطاءات خاصة بمن آمن به؛ وتلك عطاءات الألوهية لمن سمع كلام ربه في "افعل" و"لا تفعل". وسبحانه يمتد عطاؤه من الخلق إلي شربة الماء، إلي وجبة الطعام، وإلي الملابس، وإلي المسكن، وكل عطاء له عمر، ويسمو العطاء عند الإنسان بسمو عمر العطاء، فكل عطاء يمتد عمره يكون هو العطاء السعيد.
فإذا كان عطاء الربوبية يتعلق بمعطيات المادة وقوام الحياة؛ فإن عطاءات القرآن تشمل الدنيا والآخرة؛ وإذا كان ما ينغص أي عطاء في الدنيا أن الإنسان يفارقه بالموت، أو أن يذوي هذا العطاء في ذاته؛ فعطاء القرآن لا ينفد في الدنيا والآخرة. ونعلم أن الآخرة لا نهاية لها على عكس الدنيا التي لا يطول عمرك فيها بعمرها، بل بالأجل المحدد لك فيها. وإذا كانت عطاءات القرآن تحرس القيم التي تهبك عطاءات الحياة التي لا تفني وهي الحياة الآخرة؛ فهذا هو أسمى عطاء، وإياك أن تتطلع إلي نعمة موقوتة عند أحد منهم من نعم الدنيا الفانية؛ لأن من أعطى القرآن وظن أن غيره قد أعطى خيراً منه؛ فقد حقر ما عظم الله.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:26 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 88

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين "88")</td> </tr> <tr> <td align="right">والمد: هو مط الشيء وزيادته. وللعين مسافات ترى فيها المرائي؛ كل عين حسب قدرتها، فهناك من يتمتع ببصر قوي وحاد، وهناك من ليس كذلك. ويتراوح الناس في قدرة إبصارهم حسب توصيف وضعه الأطباء؛ ليعالجوا ذلك على قدر استطاعتهم العلمية. وفي المثل اليومي نسمع من يقول "فلان عنده بعد نظر" أي: يملك قدرة على أن يقيس ردود الأفعال، ويتوقع ما سوف يحدث، وما يترتب على نتائج أي فعل.
والمراد بمد العين ليس إخراج حبة العين ومدها؛ ولكن المراد إدامة النظر والإمعان، ولكن الحق سبحانه عبر في القرآن هذا التعبير، وكأن الإنسان سيخرج حبة عينه ليجري بها، وليمعن النظر، وهذا ما يفهم من منطوق الآية، والمنطوق يشير إلي المفهوم المراد، وهذا عين الإعجاز. وكلمة "متاع" تفيد أن شيئاً يتمتع به وينتهي، ولذلك يوصف متاع الدنيا في القرآن بأنه متاع الغرور، أي: أنه متاع موقوت بلحظة. وقول الحق سبحانه:

{أزواجا منهم .. "88"}
(سورة الحجر)

هي جمع زوج، وسبق أن أوضحنا أن كلمة "زوج" هي مفرد، والذكر والأنثى حين يتلاقيان يصبح اسمهما زوجين، والحق سبحانه هو القائل:

{سبحان الذي خلق الأزواج كلها .. "36"}
(سورة يس)

والأزواج كلها تعني الفرد، ومعه الفرد من كل صنف من الأصناف. المراد بكلمة أزواج هنا أن المخالفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا شللاً شللاً؛ ضال ومضل؛ وضال آخر معه مضل. ولحظة الحساب سيقول كل منهم:

{قال قائل منهم إني كان لي قرين "51"}
(سورة الصافات)

وهكذا كانت كلمة "أزواج" تدل على أصناف متعددة من الذين يقفون معاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومنكرين لمنهجه. وفي موقع آخر من القرآن يكشف سبحانه عمن أغوتهم الشياطين، ويحشرهم الحق سبحانه مع الشياطين في نار جهنم:

{ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس .. "128" }
(سورة الأنعام)

أي: يا معشر الجن قد استطعتم أن توحوا لكثير من الإنس بالغواية والمعصية، ليكونوا أولياءكم، وهكذا نجد أن كل جماعة تتفق على شيء نسميهم أزواجاً. وهنا يوضح الحق سبحانه: إياك أن تمد عينيك إلي ما متعنا به أزواجاً منهم، لأننا أعطيناك أعلى عطاءٍ، وهو معجزة القرآن حارس القيم، والذي يضم النهج القويم. ويتابع سبحانه:

{ولا تحزن عليهم .. "88"}
(سورة الحجر)

ويقال: حزنت منه، وحزنت عليه، وحزنت له؛ فمن ناله ما يحزن، ولم يصدر عنك هذا السبب في حزنه؛ فأنت تقول له "حزنت لك". وآخر ارتكب فعلاً يسيء إلي نفسه؛ فأنت تحزن عليه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حزن عليهم؛ فقد كان يحب أن يؤمنوا، وأن يتمتعوا بالنعمة التي يتمتع هو بها. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم:

{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم "128"}
(سورة التوبة)

فمن رأفته صلى الله عليه وسلم صعب على نفسه أن ينال قومه مشقة؛ فالرحمة والرأفة مصدرها ما وهبه الله إياه من فهم لقيمة نعمة الإيمان. وفي آية أخرى يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:

{فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً "6"}
(سورة الكهف)

أي: أنه لن ينقص منك شيء في حالة عدم إيمانهم، ولن يزيدك إيمانهم أجراً؛ ذلك أن عليك البلاغ فقط؛ فلماذا تحزن على عدم إيمانهم؟ وقول الحق سبحانه هنا:

{ولا تحزن عليهم .. "88"}
(سورة الحجر)

دليل على أن رسول الله صل الله عليه وسلم كان حريصاً على أن يؤمن قومه، محبة فيهم، وليتعرفوا على حلاوة الإيمان بالله</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:26 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 89

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وقل إني أنا النذير المبين "89")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن الرسل مبشرين ومنذرين؛ ولسائل أن يقول: ولماذا تأتي صيغة الإنذار دائماً؟ وأقول: إن من يؤمن هو من يتلقى البشارة؛ أما من عليه أن يتوقع النذارة فهو الكافر المنكر. وفي الإنذار تخويف بشيء ينال منك في المستقبل؛ عليك أن تعد العدة لتبتعد بنفسك أن تكون فيه، والتبشير يكون بأمر تتمناه النفس. وبالإنذار والتبشير يتضح الموقف بجلاء، ويحاط الإنسان بكل قضايا الحياة؛ ويتضح مسار كل أمرٍ من الأمور. وبذلك يكون الحق سبحانه في الآيتين السابقتين قد امتن على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه قد آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم؛ ولذلك يوصيه ألا تطمح نفسه إلي ما أوتي بعض من الكفار من جاه ومال، فالقرآن عز الدنيا والآخرة.
ويوصيه كذلك بألا يحزن عليهم نتيجة انصرافهم عن دعوته فليس عليه إلا البلاغ، وأن يتواضع صلى الله عليه وسلم للمؤمنين ليزداد ارتباطهم به، فهم خير من كل الكافرين برسالته صلى الله عليه وسلم. ثم يوصيه الحق سبحانه أن يبلغ الجميع أنه نذير وبشير يوضح ما جاء في القرآن من خير يعم على المؤمنين، وعقاب ينزل على الكافرين. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فادلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق".</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:26 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 90

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وقل إني أنا النذير المبين "90")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أنه سبحانه قد أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم، واستقبله الناس استقبالين: فمنهم من استمع إلي القرآن فتبصر قول الحق وآمن، وفي هؤلاء قال الحق سبحانه:

{وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين "83"}
(سورة المائدة)

والصنف الآخر استمع إلي القرآن، فكانت قلوبهم كالحجارة وفيهم قال الحق سبحانه:

{ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم "16"}
(سورة محمد)

ذلك أن قلوبهم ممتلئة بالكفر؛ وقد دخلوا ومعهم حكم مسبق فلم يقيموا ميزان العدل ليقيسوا به فائدة ما يسمعون. ولذلك أوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ألا يحزن، فالمسألة لها سوابق مع غيرك من الرسل؛ فقد نزل كل رسول بكتاب يحمل المنهج، ولكن الناس استقبلوا تلك الكتب كاستقبال قومك لما نزل إليك بين كافر ومؤمن، واختلفوا في أمور الكتب المنزلة إلي رسلهم.
وكان انقسامهم كانقسام قومك حول الكتاب المنزل إليك، فلا تحزن إن اتهموك بأنك ساحر، أو أن ما نزل إليك كتاب شعر، أو أنك تمارس الكهانة؛ أو فقدوا القدرة على الحكم عليك واتهموك بالجنون. وهكذا قسموا القرآن المنزل من الله سبحانه إلي أقسام هي: السحر، والكهانة، والشعر، والجنون، كما فعل من قبلهم أقوام أخرى: فمنهم من قال، وأثبته القرآن عليهم:

{إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون "27"}
(سورة الشعراء)

وهكذا تعلم يا رسول الله أنك لست بدعاً من الرسل، ذلك أن الرسل لا يأتون أقوامهم إلا وقد طم الفساد والبلاء، ولا يوجد فساد إلا بانتفاع واحد بالفساد بينما يضر بالآخرين. وإذا ما جاء رسول ليصلح هذا الفساد يهب أهل الاستفادة من الفساد ليقاوموه ويضعوا أمامه العراقيل؛ مثلما حدث معك يا رسول الله حين قال بعضهم:

{لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه .. "26"}
(سورة فصلت)

ومثل هذا القول إنما يدل على أنهم لو صفوا نفوسهم، واستمعوا للقرآن لاهتدوا؛ لذلك يقول لهم سادتهم:

{والغوا فيه لعلكم تغلبون "26"}
(سورة فصلت)

أي: شوشوا عليه. وهكذا فالاقتسام الذي استقبل به الكفار القرآن سبق وأن حدث مع الرسل الذين سبقوك.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:26 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 91

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين جعلوا القرآن عضين "91")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكلمة (عضين) تعني القطع؛ فيقال للجزار حين يذبح الشاة أو العجل أنه قد جعله عضين. أي: فصل كل ذراع عن الآخر، وكذلك قطع الفخذ؛ أي: أنه جعل الذبيحة قطعاً قطعاً بعد أن كانت أعضاء متصلة. وكذلك كان القرآن حينما نزل كياناً واحداً؛ فأراد بعض من الكفار أن يقطعوه إلي أجزاء. والمقصود هنا هم جماعة من اليهود وجماعة من النصارى الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا أن يقطعوا القرآن كما فعلوا مع الكتابين اللذين نزلا على موسى، وهما التوراة؛ والإنجيل الذي جاء به عيسى. وقد قال الحق سبحانه فيهما:

{ونسوا حظا مما ذكروا به .. "13"}
(سورة المائدة)

أي: أن بعضاً من اليهود قد نسوا بعضاً من التوراة، وكذلك نسى البعض من اتباع عيسى بعضاً من الإنجيل الذي نزل عليه. وإن وجدنا لهم العذر في النسيان؛ فماذا عن الذي كتموه من تلك الكتب؟ وماذا عن الذي بدلوه وحرفوه من كلمات تلك الكتب؟ وماذا عن الذي أضافوه عليه، ولم ينزل من عند الله؟ وقد فضح سبحانه كل ذلك في القرآن. أو: أن اليهود استقبلوا القرآن استقبال من يصدق بعضه مما لا يتعبهم، وكذبوه في البعض الذي يتعبهم، فقد كذبوا مثلاً أن كتابهم قد بشرهم بمحمد عليه الصلاة والسلام.
وهكذا نرى كيف حاولوا أن يجعلوا القرآن عضين، أي: قطعاً مفصولة عن بعضها البعض، وقد حاولوا ذلك بعد أن تبين لهم أن القرآن مؤثر وفاعل. وشاء الحق سبحانه للقرآن أن يحمل النذارة والبشارة؛ فالرسول نذير بالقرآن المبين الواضح لمن اقتسموا الأمر بالنسبة لمحمد عليه الصلاة والسلام فقسم منهم تفرغ للاستهزاء بمحمد ومن آمنوا معه؛ وجماعة أخرى قسمت أعضاءها ليجلسوا على أبواب مكة أثناء موسم الحج، ويستقبلون القادمين للحج من البلاد المختلفة ليحذروهم من الاستماع لمحمد عليه الصلاة والسلام. ومن هؤلاء من وصف الرسول صلى الله عليه وسم بالجنون؛ ومنهم من وصف القرآن بأنه شعر؛ ومنهم من وصف الرسول بأنه ساحر.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:27 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 92

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فوربك لنسألنهم أجمعين "92")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهنا يقسم الحق سبحانه بصفة الربوبية التي تعهدت رسوله بالتربية والرعاية ليكون أهلاً للرسالة أنه لن يسلمه لأحد، وهو سبحانه من قال:

{ولتصنع على عيني "39"}
(سورة طه)

أي: أن كل رسول هو مصنوع ومحمي بإرادته سبحانه؛ وتلك عناية الحماية للمنهجية الخاصة، وعناية المصطفين الذين يحملون رسالته إلي الخلق؛ فقد رزق سبحانه خلقه جميعاً؛ والرسل إنما يأتون لمهمة تبليغ المنهج الذي يدير حركة الحياة؛ لذلك لابد أن يوفر لهم الحق سبحانه عناية من نوع خاص. وقول الحق سبحانه هنا:

{فوربك لنسألنهم أجمعين "92"}
(سورة الحجر)

يبين لنا أنه سيسألهم سبحانه عن أدق التفاصيل؛ ومجرد توجيه السؤال إليهم فيه لون من العذاب. ويحاول البعض ممن يريدون أن يعثروا على تعارض في القرآن أن يقولوا: كيف يقول الله مرة:

{فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان "39"}
(سورة الرحمن)

ويقول في اكثر من موقع بالقرآن أنه سيسأل هؤلاء المكذبين؛ فكيف يثبت السؤال مرة، وينفيه مرة أخرى؟ ونقول لهؤلاء: أنتم تستقبلون القرآن بسطحية شديدة، فهذا الذي تقولون إنه تعارض إنما هو مجرد ظاهر من الأمر، وليس تعارضاً في حقيقة الأمر ونحن نعلم أن السؤال ـ أي سؤال ـ له مهمتان، المهمة الأولى: أن تعلم ما تجهل. والمهمة الثانية: لتقر بما تعلم. والحق سبحانه حين ينفي سؤالاً فهو ينفي أن أحداً سيخبره بما لا يعلم سبحانه؛ وحين يثبت السؤال؛ فهذا يعني أنه سيسألهم سؤال الإقرار.وهكذا نعلم أن القرآن إذا أثبت حدثاً مرة ونفاه مرة أخرى فاعلم أن الجهة منفكة، أي: أن جهة النفي غير جهة الإثبات، وكل منهما لها معنى مختلف. وقوله هنا:

{فوربك لنسألنهم أجمعين "92"}
(سورة الحجر)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:28 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 93

</td> </tr> <tr> <td align="center">(عما كانوا يعملون "93")</td> </tr> <tr> <td align="right">والعمل كما نعلم هو اتجاه جارحة إلي متعلقها؛ فجارحة العين متعلقها أن ترى؛ وجارحة اللسان متعلقها أن تتكلم، وجارحة اليد إما أن تربت، وإما أن تبطش. وهكذا فكل ما تصنعه ملكات الإدراك في النفس البشرية نسميه عملاً. وسبق أن علمنا أن العمل ينقسم إلي قول وفعل. ويقول الحق سبحانه:

{وما الله بغافل عما تعملون "92"}
(سورة البقرة)

أي: تذكروا أن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء، وأن كل ما تعملونه يعلمه، وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلي رحمته ومغفرته.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:28 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 94

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين "94")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: افرغ لمهمتك؛ فالصدع تصنع شقاً في متماسك، كما نشق زجاجاً بالمشرط الخاص بذلك، أو ونحن نصنع شقاً في حائط. والرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ليشق الكفر ويهدم الفساد القوي المتماسك الذي يقوي بقوة صناديد قريش. وقد شاع ذلك المصطلح "الصداع" في الزجاج؛ لأنه يصعب أن يجمع الإنسان الفتافيت والقطع الصغيرة التي تنتج من صدعه، وقد جاء الإيمان ليصدع بنيان الكفر والفساد المتماسك. وقول الحق سبحانه:

{وأعرض عن المشركين "94"}
(سورة الحجر)

أي: أعطهم عرض كتفيك، ولا تسأل عنهم؛ فهم لن يسلموا لك، ذلك أنهم مستفيدون من الفساد الذي جئت أنت لتهدمه، ولكنهم سيأتون لك تباعاً بعد أن تتثبت دعوتك، وتصل قلوبهم إلي تيقن أن ما جئت به هو الحق. والمثل هو إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص؛ فقد قالا: "لقد استقر الأمر لمحمد، ولم تعد معارضتنا له تفيد أحداً" ودخلا الإسلام.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:29 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 95

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إنا كفيناك المستهزئين "95")</td> </tr> <tr> <td align="right">فبعد أن قال له:

{وأعرض عن المشركين "94"}
(سورة الحجر)

وبعد أن ثبت لكل من عاش تلك الفترة أن كل مستهزئ بمحمد صلى الله عليه وسلم قد ناله عقاب من السماء. فهاهو ذا الوليد بن المغيرة الذي يتبختر في ثيابه؛ فيسير على قطعة من الحديد، فيأنف أن ينحني ليخلص ثوبه الذي اشتبك بقطعة الحديد؛ فتجرح قدمه وتصاب بالغرغرينا ويقطعونها له، ثم تنتشر الغرغرينا في كل جسده إلي أن يموت. وهاهو الثاني الأسود بن عبد يغوث يصاب بمرض في عينيه؛ ويصاب بالعمى، وكذلك الحارث بن الطلاطلة، والعاصي بن وائل.
وكل مستهزئ برسول الله صلى الله عليه وسلم قد ناله عقاب ما، ومن لم تصبه عاهة أو آفة صرعته سيوف المسلمين في بدر، لدرجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدد المواقع التي سيلقي فيها كل واحد من صناديد قريش حتفه؛ فقال: هنا مصرع فلان، وهناك مصرع فلان. وقد أوضح صلى الله عليه وسلم تلك المواقع من قبل أن تبدأ المعركة، ونعلم أن الحرب تتطلب كراً وفراً، ولكن ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدث بالضبط.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:29 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 96

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون "96")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أن هؤلاء المشركين الذين يهزءون بك لهم عذابهم؛ ذلك أنهم أشركوا بالله سبحانه، وحين يقول الحق سبحانه:

{فسوف يعلمون "96"}
(سورة الحجر)

ففي هذا القول استيعاب لكل الأزمنة، أي: سيعلمون الآن ومن بعد الآن، فكلمة "سوف" تتسع لكل المراحل، فالحق سبحانه لم يأخذهم جميعاً في مرحلة واحدة، بل أخذهم على فترات. فحين يأخذ المتطرف في الإيذاء؛ قد يرتدع من يؤذي، ويتراجع عن الاستمرار في الإيذاء، وقد يتحول بعضهم إلي الإيمان؛ فمن كانت شدته على رسول الله صلى الله عليه وسلم تصبح تلك الشدة في جانب الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهاهو المثل واضح في عكرمة بن أبي جهل؛ يصاب في موقعة اليرموك؛ فيضع رأسه على فخذ خالد بن الوليد ويسأله: يا خالد، أهذه ميتة ترضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيرد خالد: "نعم". فيسلم الروح مطمئناً. وهؤلاء المستهزئون؛ قد أشركوا بالله؛ فلم تنفعهم الآلهة التي أشركوها مع الله شيئاً، وحين يتأكد لهم ذلك؛ فهم يتأكدون من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أبلغ عن الحق سبحانه.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:29 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 97

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون "97")</td> </tr> <tr> <td align="right">وفي هذا القول الكريم يتجلى تقدير الحق سبحانه لمشاعر النبوة، فالحق يكلفه أن يفعل كذا وكذا، وسبحانه يعلم أيضاً ما يعانيه صلى الله عليه وسلم في تنفيذ أوامر الحق سبحانه. ورد هذا المعنى أيضاً في قوله سبحانه:

{قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون "33"}
(سورة الأنعام)

فأنت يا رسول الله أكرم من أن تكذب، فق شهدوا لك بحسن الصدق عبر معايشتهم لك من قبل الرسالة. وهنا يقول سبحانه:

{ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون "97"}
(سورة الحجر)

ومعنى ضيق الصدر أن يقل الهواء الداخل عبر عملية التنفس إلي الرئتين؛ فمن هذا الهواء تستخلص الرئتان الأوكسجين؛ وتطرد ثاني أوكسيد الكربون؛ ويعمل الأكسجين على أن يؤكسد الغذاء لينتج الطاقة؛ فإن ضاق الصدر صارت الطاقة قليلة. والمثل يتضح لمن يصعدون السلم العالي لأي منزل أو أي مكان؛ ويجدون أنفسهم ينهجون؛ والسبب في هذا النهج هو أن الرئة تريد أن تسرع بالتقاط كمية الهواء أكبر من تلك التي تصل إليها، فيعمل القلب بشدة اكثر كي يتيح للرئة أن تسحب كمية اكبر من الهواء.
أما من يكون صدره واسعاً فهو يسحب ما شاء من الهواء الذي يتيح للرئة أن تأخذ الكمية التي تحتاجها من الهواء، فلا ينهج صاحب الصدر الواسع. فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يكذبه أحد، أو يستهزئ به أحد كان يضيق صدره فتضيق كمية الهواء اللازمة للحركة؛ ولذلك يطمئنه الحق سبحانه أن مدده له لا ينتهي. وأنت تلحظ عملية ضيق الصدر في نفسك حين يضايقك أحد فتثور عليه؛ فيقول لك: لماذا يضيق صدرك؟ وسع صدرك قليلاً. والحق سبحانه يقول في موقع آخر:

{فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام "125"}
(سورة الأنعام)

أي: يوسع صدره، وتزداد قدرته على فهم المعاني التي جاء بها الدين الحنيف. ويقول أيضاً:

{ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء .. "125"}
(سورة الأنعام)

وهنا نجد أن الحق سبحانه يشرح عملية الصعود وكأن فيها مجاهدة ومكابدة، وهذا يخالف المسألة المعروفة بأنك إذا صعدت إلي أعلى وجدت الهواء اكثر نقاء. وقد ثبت أن الإنسان كلما صعد إلي أعلى في الفضاء فلن يجد هواء.

ويدل الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسم على علاج لمسألة ضيق الصدر حين يحزنه أو يؤلمه مكذب، أو مستهزئ</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:30 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 98

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين "98")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا يمكن أن تذهب عنك أي ضيق، أن تسبح الله. وإذا ما جافاك البشر أو ضايقك الخلق؛ فاعلم أنك قادر على الأنس بالله عن طريق التسبيح؛ ولن تجد أرحم منه سبحانه، وأنت حين تسبح ربك فأنت تنزهه عن كل شيء وتحمده، لتعيش في كنف رحمته. ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع آخر:

{فلولا أنه كان من المسبحين "143" للبث في بطنه إلى يوم يبعثون "144"}
(سورة الصافات)

ولذلك إذا ضاق صدرك في الأسباب فاذهب إلي المسبب. ونحن دائماً نقرن التسبيح بالحمد، فالتنزيه يكون عن النقائص في الذات أو في الصفات أو في الأفعال، وسبحانه كامل في ذاته وصفاته وأفعاله، فذاته لا تشبه أي ذات، وصفاته أزلية مطلقة، أما صفات الخلق فهي موهبة منه وحادثة. وأفعال الحق لا حاكم لها إلا مشيئته سبحانه، ولذلك نجده جل وعلا يقول في مسألة التسبيح:

{سبحان الذي خلق الأزواج كلها .. "36"}
(سورة يس)

وهو القائل:

{فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون "17"}
(سورة الروم)

وكل من المساء والصباح آية منه سبحانه؛ فحين تغيب الشمس، فهذا إذن بالراحة، وحين تصبح الشمس فهذا إذن بالانطلاق إلي العمل، وتسبيح المخلوق للخالق هو الأمر الذي لا يشارك الله فيه أحد من خلقه أبداً. فكأن سلوى المؤمن حين تضيق به أسباب الحياة أن يفزع إلي ربه من قسوة الخلق؛ ليجد الراحة النفسية؛ لأنه يأوي إلي ركن شديد. ونجد بعضاً من العارفين بالله وهم يشرحون هذه القضية ليوجدوا عند النفس الإيمانية عزاءً عن جفوة الخلق لهم؛ فيقولون: "إذا أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يؤنسك به".
وأنت حين تسبح الله فأنت تقر بأن ذاته ليست كذاتك، وصفاته ليست كصفاتك، وأفعاله ليست كأفعالك؛ وكل ذلك لصالحك أنت؛ فقدرتك وقدرة غيرك من البشر هي قدرة عجز وأغيار؛ أما قدرته سبحانه فهي ذاتية فيه ومطلقة وأزلية، وهو الذي يأتيك بكل النعم. ولهذا فعليك أن تصحب التنزيه بالحمد، فأنت تحمد ربك لأنه منزه عن أن يكون مثلك، والحمد لله واجب في كل وقت؛ فسبحانه الذي خلق المواهب كلها لتخدمك، وحين ترى صاحب موهبة وتغبطه عليها، وتحمد الله أنه سبحانه قد وهبه تلك الموهبة؛ فخير تلك النعمة يصل إليك. وحين تسبح بحمد الله؛ فسبحانه لا يخلف وعده لك بكل الخير؛ فكلنا قد نخلف الوعد رغماً عناً، لأننا أغيار؛ أما سبحانه فلا يخلف وعده أبداً؛ ولذلك تغمرك النعمة كلما سبحت الله وحمدته. وزد خضوعاً للمنعم، فاسجد امتثالاً لأمره تعالى:

{وكن من الساجدين "98"}
(سورة الحجر)

فالسجود هو المظهر الواسع للخضوع، ووجه الإنسان ـ كما نعلم ـ هو ما تظهر به الوجاهة؛ وبه تلقى الناس؛ وهو أول ما تدفع عنه أي شيء يلوثه أو ينال من رضاك عنه. ومن يسجد بأرقي ما فيه؛ فهذا خضوع يعطي عزة، ومن يخضع لله شكراً له على نعمه فسبحانه يعطيه من العزة ما يكفيه كل أوجه السجود، وكلنا نذكر قول الشاعر:
والسجـود الذي تـجتـويه فـيه مـن ألـوف السـجـود نـجـاة
والسجود هو قمة الخضوع للحق سبحانه. والإنسان يكره لفظ العبودية؛ لأن تاريخ البشرية حمل كثيراً من المظالم نتيجة عبودية البشر للبشر. وهذا النوع من العبودية يعطي ـ كما نعلم ـ خير العبد للسيد؛ ولكن العبودية لله تعطي خيره سبحانه للعباد، وفي ذلك قمة التكريم للإنسان.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
14-10-2011, 09:30 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة الحجر - الآية: 99

</td> </tr> <tr> <td align="center">(واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "99")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعرف أن العبادة هي إطاعة العابد لأوامر المعبود إيجاباً أو سلباً، وتطبيق "افعل" و"لا تفعل"، وكثير من الناس يظنون أن العبادة هي الأمور الظاهرية في الأركان الخمسة من شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة؛ وإيتاء الزكاة؛ وصوم رمضان؛ وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً. ونقول: لا، فهذه هي الأسس التي تقوم عليها العبادة. أي: أنها البنية التي تقوم عليها بقية العبادة، وهكذا تصبح العبادة هي، كل ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب، أي: أن حركة الحياة كلها ـ حتى كنس الشوارع، وإماطة الأذى عن الطريق ـ هي عبادة، كل ما يقصد به نفع الناس عبادة، كي لا يصبح المسلمون عالة على غيرهم.
وفي إقامة الأركان إظهار لقوة المسلمين، حين يظهرون كامل الولاء لله بإقامة الصلاة خمس مرات في اليوم الواحد، فيترك المسلم عمله فور أن يسمع النداء بـ"الله أكبر" فيخرج المسلم من صراعات الحياة، ويعلن الولاء للخالق المنعم. وحين يصوم المسلم شهراً في السنة؛ فهو يعلن الولاء للخالق الأكرم، ويصوم عن أشياء كثيرة كانت مباحة؛ وأول ما يأتي موعد الإمساك من قبل صلاة الفجر بقليل؛ فهو يمتنع فوراً. وهذا الامتثال لأوامر الحق سبحانه يذكرك بنعمه عليك؛ فأنت في يومك العادي لا تقرب المحرمات التي أخذت وقتاً أثناء بدايات الدين إلي أن امتنع عنها المسلمون، فلا أحد من المسلمين يفكر في شرب الخمر؛ ولا أحد منهم يفكر في لعب الميسر، وانطبعت تلك الأمور؛ وصارت عادة سلوكية في إلف ورتابة عند غالبية المسلمين ممن ينفذون شريعة الله ويطبقون "افعل" و"لا تفعل".
وعندما يأتي الصوم فأنت تمتنع عن أشياء هي حلال لك طوال العالم، وتقضي أي نهار في رمضان ونفسك تستشرف سماع أذان المغرب لتفطر. وهكذا تمتثل للأمر بالامتناع والإمساك والأمر بالإفطار، وذلك ليعودك على الكثير من الطاعات التي تصير عند المؤمنين عادة؛ وسبحانه يريد أن يديك عليك لذة التكليف العبادي. وبعض من الناس يذهبون مذاهب الخطأ عندما يفسرون بأهوائهم قوله الحق:

{واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "99"}
(سورة الحجر)

ويقول الواحد من هؤلاء مخادعاً الغير "لقد وصلت إلي مرتبة اليقين"، ويمتنع عن أداء الفروض من صلاة وصوم وزكاة وحج إلي بيت الله الحرام رغم استطاعته، ويدعي أن التكليف قد سقط عنه؛ لأن اليقين قد وصله. ونقول لمن يدعي ذلك: أتخادع الله ورسوله؟ كلنا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل يؤدي الفرائض حتى آخر يوم في حياته. وكلنا يعلم أن اليقين المتفق عليه والمتيقن من كل البشر، ولا خلاف عليه أبداً هو الموت. أما اليقين بالغيبيات فهو من خصوصيات المؤمن؛ فما أن بلغه أمرها من القرآن فقد صدقها، ولم يسأل كيف يتأتى أمرها. والمثل الواضح هو أبو بكر الصديق حينما كانوا يحدثونه بالأمر الغريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقول "مادام قد قال فقد صدق".
أما الكافر ـ والعياذ بالله ـ فهو يشك في كل شيء غيبي أو حتى مادي ما لم يكن محسوساً لديه، ولكن ما أن يأتيه الموت حتى يعلم أنه اليقين الوحيد. ولذلك نجد عمر بن عبد العزيز يقول: "ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت". وكلنا نتيقن أننا سوف نموت؛ لكنا نزحزح مسألة اليقين هذه بعيداً عنا رغم أنها واقعة لا محالة. فإذا ما جاء الموت، نقول: هاهي اللحظة التي لا ينفع فيها شيء إلا عمل الإنسان إن كان مؤمناً مؤدياً لحقوق الله. ولذلك أقول دائماً: إن اليقين هو تصديق الأمر تصديقاً مؤكداً، بحيث لا يطفو إلي الذهن ليناقش من جديد، بعد أن تكون قد علمته من مصادر تثق بصدق ما تبلغك به.
أما عين اليقين؛ فهي التي ترى الحدث فتتيقنه، أو هو أمر حقيقي يدخل إلي قلبك فتصدقه، وهكذا يكون لليقين مراحل: أمر تصدقه تصديقاً جازماً فلا يطفو إلي الذهن ليناقش من جديد، وله مصادر علم ممن تثق بصدقه، أو: إجماع من أناس لا يجتمعون على الكذب أبداً؛ وهذا هو "علم اليقين"؛ فإن رأيت الأمر بعينيك فهذا هو حق اليقين. والمؤمن يرتب تصديقه وتيقنه على ما بلغه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهاهو الإمام علي ـ كرم الله وجهه وأرضاه ـ يقول: "ولو أن الحجاب قد انكشف عن الأمور التي حدثنا بها رسول الله غيباً ما ازددت يقيناً". وهاهو سيدنا حارثة ـ رضي الله عنه ـ يقول: "كأني انظر إلي أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلي أهل النار يعذبون فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرفت فالزم". وذلك هو اليقين كما آمن به صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:27 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 1

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون"1")</td> </tr> <tr> <td align="right">هكذا تبدأ السورة الجليلة؛ موضحة أن قضاء الله وحكمه بنصر الرسول والمؤمنين لاشك فيه ولا محالة؛ وأن هزيمة أهل الكفر قادمة، ولا مفر منها إن هم استمروا على الكفر. وقد سبق أن أنذرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بما نزل عليه من آيات الكتاب؛ أنذرهم في السورة السابقة ببعض العذاب الدنيوي، كنصر الإيمان على الكفر، وأنذرهم من قبل أيضاً ببعض العذاب في الآخرة، كقول الحق سبحانه:

{فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون "77"}
(سورة غافر)

وكذلك قوله الحق:

{سيهزم الجمع ويولون الدبر "45"}
(سورة القمر)

وهكذا وعد الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يهزم معسكر الكفر، وأن ينصر معسكر الإيمان؛ وإما أن يرى ذلك بعينيه أو إن قبض الحق أجله فسيراها في الآخرة. وعن حال الرسول صلى الله عليه وسلم قال سبحانه:

{إنا كفيناك المستهزئين "95"}
(سورة الحجر)

وأنذر الحق سبحانه أهل الشرك بأنهم في جهنم في اليوم الآخر، وهنا يقول سبحانه:

{أتى أمر الله .. "1" }
(سورة النحل)

وهذا إيضاح بمرحلة من مراحل الإخبار بما ينذرون به، كما قال مرة:

{اقتربت الساعة وانشق القمر "1"}
(سورة القمر)

أي: اقتربت ساعة القيامة التي يكون من بعدها حساب الآخرة والعذاب لمن كفر، والجنة لمن آمن وعمل صالحاً، فاقتراب الساعة غير مخيف في ذاته، بل مخيف لما فيه من الحساب والعقاب. وقيل: إن أهل الكفر لحظة أن سمعوا قول الحق سبحانه:

{اقتربت الساعة .. "1"}
(سورة القمر)

قالوا: "فلننتظر قليلاً؛ فقد يكون ما يبلغ به محمد صحيحاً" وبعد أن انتظروا بعضاً من الوقت، ولم تأت الساعة كما بشر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قالوا: انتظرنا ولم تأت الساعة، فنزل قول الحق سبحانه:

{اقترب للناس حسابهم .. "1"}
(سورة الأنبياء)

وهذا حديث عن الأمر الذي سيحدث فور قيام الساعة، فهادنوا وانتظروا قليلاً، ثم قالوا: أين الحساب إذن؟ فنزل قوله تعالى:

{أتى أمر الله .. "1"}
(سورة النحل)

وساعة سمع الكل ذلك فزعوا؛ بمن فيهم من المسلمين؛ وجاء الإسعاف في قوله من بعد ذلك:

{فلا تستعجلوه .. "1"}
(سورة النحل)

أي: أن الأمر الذي يعلنه محمد صلى الله عليه وسلم لا يعلم ميعاده إلا الله سبحانه؛ واطمأن المسلمون. وكل حدث من الأحداث ـ كما نعلم ـ يحتاج كل منها لظرفين؛ ظرف زمان؛ وظرف مكان. والأفعال التي تدل على هذه الظروف إما فعل ماضي؛ فظرفه كان قبل أن نتكلم، وفعل مضارع. أي: أنه حل، إلا إن كان مقروناً بـ"س" أو بـ"سوف". أي: أن الفعل سيقع في مستقبل قريب إن كان مقروناً بـ"س" أو في المستقبل غير المحدد والبعيد إن كان مسبوقاً بـ"سوف"، وهكذا تكون الأفعال ماضياً، وحاضراً، ومستقبلاً.
وكلمة "أتى" تدل على أن الذي يخبرك به ـ وهو الله سبحانه ـ إنما يخبرك بشيء قد حدث قبل الكلام، وهو يخبر به، والبشر قد يتكلمون عن أشياء وقعت؛ ويخبرون بها بعضهم البعض. ولكن المتكلم هنا هو الحق سبحانه؛ وهو حين يتكلم بالقرآن فهو سبحانه لا ينقص علمه أبداً، وهو علم أزلي، وهو قادر على أن يأتي المستقبل وفق ما قال، وقد أعد توقيت ومكان كل شيء من قبل أن يخلق؛ وهو سبحانه خالق من قبل أن يخلق أي شيء؛ فالخلق صفة ذاتية فيه؛ وهو منزه في كل شيء؛ ولذلك قال:

{أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه .. "1"}
(سورة النحل)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:27 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 2

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون "2")</td> </tr> <tr> <td align="right">وساعة نقرأ قوله (ينزل) فالكلمة توحي وتوضح أن هناك علواً يمكن أن ينزل منه شيء على أسفل. والمثل الذي احب أن أضربه هنا لأوضح هذا الأمر هو قول الحق سبحانه:

{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم .. "151"}
(سورة الأنعام)

أي: أقبلوا لتسمعوا مني التكليف الذي نزل لكم ممن هو أعلى منكم، ولا تظلوا في حضيض الأرض وتشريعاتها، بل تساموا وخذوا الأمر ممن لا هوى له في أموركم، وهو الحق الأعلى. أما من ينزلون فهم الملائكة، ونعلم أن الملائكة خلق غيبي آمنا به؛ لأن الله سبحانه قد أخبرنا بوجودهم. وكل ما غاب عن الذهن ودليله السماع ممن تثق بصدقه، وقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم ما نزل به القرآن وأنبأنا بوجود الملائكة، وأن الحق سبحانه قد خلقهم؛ ورغم أننا لا نراهم إلا أننا نصدق ما جاء به البلاغ عن الحق من الصادق الصدوق محمد صلى الله عليه وسلم. وحين يقول الحق سبحانه:

{ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده .. "2"}
(سورة النحل)

فنحن نعلم أنه لا يمكن أن ينزل شيء من أعلى إلي الأدنى إلا بواسطة المقربات. وقد اختار الحق سبحانه ملكا من الملائكة ليبلغ رسله بالوحي من الله، والملائكة كما أخبرنا الحق سبحانه:

{عباد مكرمون "26" لا يسبقونه القول وهم بأمره يعملون "27"}
(سورة الأنبياء)

ويقول في آية أخرى:

{لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون "6" }
(سورة التحريم)

وهم من نور، ولا تصيبهم الأغيار، ولا شهوة لهم فلا يتناكحون ولا يتناسلون؛ وهم أقرب إلي الصفاء. وهم من يمكنهم التلقي من الأعلى ويبلغون الأدنى. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن القرآن:

{نزل به الروح الأمين "193"}
(سورة الشعراء)

وهنا يقول الحق سبحانه:

{ينزل الملائكة .. "2"}
(سورة النحل)

والآية الإجمالية التي تشرح ذلك هو قول الحق سبحانه:

{الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير "75"}
(سورة الحج)

أي: أنه سبحانه يختار ملائكة قادرين على التلقي منه ليعطوا المصطفين من الناس؛ ليبلغ هؤلاء المصطفين عن الله لبقية الناس. ذلك أن العلويات العالية لا يملك الكائن الأدنى طاقة ليتحمل ما تتنزل به الأمور العلوية مباشرة من الحق سبحانه. وسبق أن شبهت ذلك بالمحول الذي نستخدمه في الكهرباء لينقل من الطاقة العالية إلي الأدنى من المصابيح، وكلنا يعلم ما حدث للرسول صلى الله عليه وسلم حين تلقى الوحي عبر جبريل عليه السلام "فضمني حتى بلغ مني الجهد" وتفصد جبينه الطاهر عرقاً، وعاد إلي بيته ليقول "زملوني زملوني" و"دثروني دثروني".
ذلك أن طاقة علوية نزلت على طاقة بشرية، على الرغم من أن طاقة رسول الله هي طاقة مصطفاة. ثم يألف الرسول الوحي وتخف عنه مثل تلك الأعباء، وينزل عليه قوله الحق:

{ألم نشرح لك صدرك "1" ووضعنا عنك وزرك "2" الذي أنقض ظهرك "3" ورفعنا لك ذكرك "4" فإن مع العسر يسرا "5" إن مع العسر يسرا "6"}
(سورة الشرح)

ثم يفتر الوحي لبعض من الوقت لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشتاق إليه، فلماذا اشتاق للوحي وهو من قال "دثروني دثروني"؟ لقد كان فتور الوحي بسبب أن يتعود محمد صلى الله عليه وسلم على متاعب نزول الملك؛ فتزول متاعب الالتقاء وتبقى حلاوة ما يبلغ به. وقال بعض من الأغبياء: "إن رب محمد قد قلاه". فينزل قوله سبحانه:

{ما ودعك ربك وما قلى"3" وللآخرة خير لك من الأولى"4"ولسوف يعطيك ربك فترضى"5"}
(سورة الضحى)

وكلمة الروح وردت في القرآن بمعانٍ متعددة، فهي مرة الروح التي بها الحياة في المادة ليحدث بها الحس والحركة:

{فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين "29"}
(سورة الحجر)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:27 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 3

</td> </tr> <tr> <td align="center">(خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون "3")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: تنزه سبحانه عما يشركون معه من آلهة، فلا أحد قد ساعده في خلق الكون وإعداده؛ فكيف تجعلون أنتم معه آلهة غيره؟ وسبحان منزه عن أن يكون معه آلهة أخرى، وسبحانه قد خلق لنا من قبل أن يخلقنا؛ خلق السماوات والأرض وقدر الأرزاق، ولو نظرت إلي خلقك أنت لوجدت العالم الكبير قد انطوى فيك؛ وهو القائل:

{وفي أنفسكم أفلا تبصرون "21"}
(سورة الذاريات)

وأنت مخلوق من ماذا؟</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:28 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 4

</td> </tr> <tr> <td align="center">(خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين "4")</td> </tr> <tr> <td align="right">والنطفة التي نجئ منها، وهي الحيوان المنوي الذي يتزاوج مع البويضة الموجودة في رحم المرأة فتنتج العلقة، وسبحانه القائل:

{أيحسب الإنسان أن يترك سدى "36" ألم يك نطفة من مني يمنى "37" ثم كان علقة فخلق فسوى "38" فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى "39"}
(سورة القيامة)

بل إن القذفة الواحدة من الرجل قد يوجد فيها من الأنسال ما يكفي خلق الملايين؛ ولا يمكن للعين المجردة أن ترى الحيوان المنوي الواحد نظراً لدقته المتناهية. وهذه الدقة المتناهية لا يمكن أن ترى إلا بالمجاهر المكبرة، ومطمور في هذا الحيوان المنوي كل الخصائص التي تتحد مع الخصائص المطمورة في بويضة المرأة ليتكون الإنسان. وقد صدق العقاد ـ يرحمه الله ـ حين قال: "إن نصف كستبان الخياطة لو ملئ بالحيوانات المنوية لولد منه أنسال تتساوى مع تعداد البشر كلهم".
وقد شاء الحق سبحانه ألا ينفذ إلي البويضة إلا الحيوان المنوي القوي؛ ليؤكد لنا أن لا بقاء إلا للأصلح، فإن كان الحيوان المنوي يحمل الصفات الوراثية لميلاد أنثى جاء المولد أنثى؛ وإن كان يحمل الصفات الوراثية لميلاد الذكر جاء المولود ذكراً. وأنت ترى مثل ذلك في النبات؛ فأول حبة قمح كانت مثل آدم كأول إنسان بالطريقة التي نعرفها؛ وفي تلك الحبة الأولى أوجد الحق سبحانه مضمون كل حبوب القمح من بعد ذلك، وإلي أن تقوم الساعة، وتلك عظمة الحق سبحانه في الخلق. وقد أوضح لنا الحق سبحانه في اكثر من موضع بالقرآن الكريم مراحل خلق الإنسان؛ فهو:

{من ماء مهينٍ "8"}
(سورة السجدة)

وهو من نطفة، ومن علقة، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة. والحيوان المنوي المسمى "نطفة" هو الذي يحمل خصائص الأنوثة أو الذكورة كما أثبت العلم الحديث، وليس للمرأة شأن بهذا التحديد، وكأن في ذلك إشارة إلي مهمة المرأة كسكن؛ لأن البويضة تتلقى الحيوان المنوي وتحتضنه؛ ليكتمل النمو إلي أن يصير كائناً بشرياً:

{فتبارك الله أحسن الخالقين "14" }
(سورة المؤمنون)

وهو الحق سبحانه القائل:

{أيحسب الإنسان أن يترك سدىً "36" ألم يك نطفة من منىٍ يمنى"37"ثم كان علقةً.."38"}
(سورة القيامة)

والعلقة جاء اسمها من مهمتها، حيث تتعلق بجدار الرحم كما أثبت العلم المعاصر، يقول سبحانه:

{فخلقنا العلقة مضغةً .. "14"}
(سورة المؤمنون)

والمضغة هي الشيء الممضوغ؛ ثم يصف سبحانه المضغة بأنها:

{مخلقةٍ وغير مخلقةٍ .. "5"}
(سورة الحج)

ولقائل أن يتساءل: نحن نفهم أن المضغة المخلقة فيها ما يمكن أن يصير عيناً أو ذراعاً؛ ولكن ماذا عن غير المخلقة؟ ونقول: إنها رصيد احتياطي لصيانة الجسم، فإذا كنت أيها المخلوق حين تقوم ببناء بيت فأنت تشتري بعضاً من الأشياء الزائدة من الأدوات الصحية ـ على سبيل المثال ـ تحسباً لما قد يطرأ من أحداث تحتاج فيها إلي قطع غيار؛ فما بالنا بالحق الذي خلق الإنسان؟ لقد جعل الله تلك المضغة غير المخلقة رصيداً لصيانة، أو تجديداً لما قد يطرأ على الإنسان من ظروف؛ وتكون زائدة في الجسم وكأنها مخزن لقطع الغيار.
والمثل هو الجروح التي تصيب الإنسان، ثم يتركها ليعالجها الجسم بنفسه، نجدها تلتئم دون أن تترك ندبة أو علامة، ذلك أنه قد تم علاجها من الصيدلية الداخلية التي أودعها الحق سبحانه في الجسم نفسه. والمفاجأة هي أن هذا الإنسان المخلوق لله:

{فإذا هو خصيم مبين "4"}
(سورة النحل)

ويتمرد على خالقه، بل وينكر بعض من الخلق أن هناك إلهاً؛ متجاهلين أنهم بقوة الله فيهم يتجادلون. والخصيم هو الذي يجادل وينكر الحقائق؛ فإذا حدث بشيء غيبي، يحاول أن يدحض معقوليته. ويقول سبحانه في سورة يس:

{أو لم ير الإنسان إنا خلقناه من نطفةٍ فإذا هو خصيم مبين "77"}
(سورة يس)

وقد يكون من المقبول أن تكون خصماً لمساويك؛ ولكن من غير المقبول أن تكون خصيماً لمن خلقك فسواك فعدلك، وفي أي صورة ما شاء ركبك.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:28 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 5

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون"5")</td> </tr> <tr> <td align="right">والدفء هو الحرارة للمبرود، تماماً مثلما نعطي المحرور برودة، وهذا ما يفعله تكييف الهواء في المنازل الحديثة. نجد الحق سبحانه هنا قد تكلم عن الدفء ولم يتكلم عن البرد، ذلك أن المقابل معلوم، وهو في آية أخرى يقول:

{وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر .. "81"}
(سورة النحل)

وهذا ما يحدث عندما نسير في الشمس الحارة؛ فنضع مظلة فوق رؤوسنا لتقينا حرارة الشمس الزاعقة الشديدة. ونحن في الشتاء نلبس قلنسوة أي: نلف شيئاً حول رؤوسنا، وهكذا نعلم أن اللباس يفعل الشيء ومقابله، بشرط أن يختار الإنسان اللباس المناسب للجو المناسب. وفي الأنعام منافع كثيرة؛ فنحن نشرب لبنها، ونصنع منه الجبن والسمن؛ ونجز الصوف لنغزل وننسج منه ملابس صوفية، وتحمل الأثقال، ونستفيد من ذريتها؛ وكذلك نأكل لحومها. ونحن نعلم أن الأنعام قد جاء تفصيلها في موقع آخر حين قال الحق سبحانه:

{ثمانية أزواجٍ .. "143"}
(سورة الأنعام)

وهي الضأن والمعز والإبل والبقر. ونعلم أن الدفء يأتي من الصوف والوبر والشعر، ومن يلاحظ شعر المعز يجد كل شعرة بمفردها؛ لكن الوبر الذي نجزه من الجمل يكون ملبداً؛ وهذا دليل على دقة فتلته، أما الصوف فكل شعرة منه أنبوبة أسطوانية قلبها فارغ.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:28 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 6

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون "6")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهنا نجد أن الحق سبحانه قد أعطانا الترف أيضاً بجانب الضروريات، فالدفء والمنافع والأكل ضروريات للحياة، أما الجمال فهو من ترف الحياة، والجمال هو ما تراه العين، فيتحقق السرور في النفس. والدفء والمنافع والأكل هي أمور خاصة لمن يملك الأنعام؛ أما الجمال فمشاع عام للناس، فحين ترى حصاناً جميلاً؛ أو البقرة المزهوة بالصحة؛ فأنت ترى نعمة الله التي خلقها لتسر الناظر إليها. ونلحظ هذا الجمال في لحظات سروح البهائم ولحظات رواحها.
ونقول في الريف "سرحت البهائم" أي: خرجت من الحظائر لترعى وتأكل. ونلحظ أن الحق سبحانه قد قدم الرواح أي العودة إلي الحظائر عن السروح؛ لأن البهائم حين تعود إلي حظائرها بعد أن ترعى تكون بطونها ممتلئة وضروعها رابية حافلة باللبن؛ فيسعد من يراها حتى قبل أن يطعم من ألبانها. ومن يخرج ببهائمه في الصباح من بيته، ويصحبها من زرائبها إلي الحقل، يجد جمالاً مع هيبة ومنعة مع أصوات تحقق للرجل المالك الهيبة، ومن لا يملك يمكن أن يشاهد جمال تلك الأنعام.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:29 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 7

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم "7")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن الإنسان في حياته بين أمرين؛ إما ظاعن أي: مسافر. وإما مقيم. وفي حالة المقيم، فالأنعام تحقق له الدفء والطعام والملبس. وعادة ما يكتفي متوسط الحال بأن يستقر في مكان إقامته وكذلك الفقير. أما المقتدر الغني؛ فأنت تجده يوماً في القاهرة، وآخر في الإسكندرية، أو طنطا، وقد يسافر إلي الخارج، وكل ذلك ميسور في زمن المواصلات الحديثة. وقديماً كانت وسائل المواصلات شاقة، ولا يقدر على السفر إلا من كانت لديه إبل صحيحة أو خيول قوية، أما من لم يكن يملك إلا حماراً أعجف فهو لا يفكر إلا في المسافات القصيرة. ولذلك نجد القرآن حين تكلم عن أهل سبأ يقول:

{فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم .. "19"}
(سورة سبأ)

وهم قد قالوا ذلك اعتزازاً بما يملكونه من خيل ووسائل سفر من دواب سليمة وقوية، تهيئ السفر المريح الذي ينم عن العز والقوة والثراء. وقوله الحق:

{وتحمل أثقالكم .. "7"}
(سورة النحل)

يعني وضع ما يثقل على ما يثقل؛ ولذلك فنحن لا نجد إنساناً يحمل دابته؛ بل نجد من يحمل أثقاله على الدابة ليخفف عن نفسه حمل أوزان لا يقدر عليها. ونعلم أن الوزن يتبع الكثافة؛ كما أن الحجم يتبع المساحة؛ فحين تنظر إلي كيلو جرام القطن، فأنت تجد حجم كيلو جرام القطن اكبر من حجم الحديد؛ لأن كثافة الحديد مطمورة فيه، أما نفاشات القطن فهي التي تجعله يحتاج حيزاً اكبر من المساحة. ويتابع الحق سبحانه قوله في الآية الكريمة:

{وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس .. "7" }
(سورة النحل)

ومن يفتش في أساليب القرآن من المستشرقين قد يقول: "إن عجز الآية غير متفق مع صدرها". ونقول لمثل صاحب هذا القول: أنت لم تفطن إلي المنة التي يمتن بها الله على خلقه، فهم لم يكونوا بالغين لهذا البلد دون أثقال إلا بمشقة؛ فما بالنا بثقل المشقة حين تكون معهم أثقال من بضائع ومتاع؟ إنها نعمة كبيرة أن يجدوا ما يحملون عليه أثقالهم وأنفسهم ليصلوا إلي حيث يريدون. وكلمة (بشق) النحل مصدرها شق وهو الصدع بين شيئين؛ ويعني عزل متصلين؛ وسبحانه هو القائل:

{فاصدع بما تؤمر .. "94"}
(سورة الحجر)

وهناك "شق" وهو الجهد، و"شقة". والإنسان كما نعلم هو بين ثلاث حالات: إما نائم؛ لذلك لا يحتاج إلي طاقة كبيرة تحفظ له حياته؛ وأيضاً وهو متيقظ فأجهزته لا تحتاج إلي طاقة كبيرة؛ بل تحتاج إلي طاقة متوسطة لتعمل؛ أما إن كان يحمل أشياء ثقيلة فالإنسان يحتاج إلي طاقة اكبر لتعمل أجهزته. وكذلك نجد الحق سبحانه يقول:

{لو كان عرضاً قريبا وسفراً قاصداً لا تبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة .. "42"}
(سورة التوبة)

والمعنى هنا بالشقة هي المسافة التي يشق قطعها، وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:

{إن ربكم لرؤوف رحيم "7"}
(سورة النحل)

والصفتان هنا هما الرأفة والرحمة، وكل منهما مناسب لما جاء بالآية؛ فالرب هو المتولي التربية والمدد، وأي رحلة لها مقصد وأي رحلة هي للاستثمار، أو الاعتبار، أو للاثنين معاً. فإذا كانت رحلة استثمار فدابتك يجب أن تكون قوية لتحمل ما معك من أثقال، وتحمل عليها ما سوف تعود به من بضائع. وإن كانت الرحلة للاعتبار فأنت تزيل بهذا السفر ألم عدم المعرفة والرغبة في الوصول إلي المكان الذي قصدته.
وهكذا تجد الرأفة مناسبة لقضاء النفع وتحقيق الحاجة وإزالة الألم. وكلمة رحيم مناسبة لمنع الألم بتحقيق الوصول إلي الغاية. وتوقف بعض من العلماء عند مقصد الرحلة؛ كأن تكون مسافراً للاتجار أو أن تكون مسافراً للاعتبار. ولكن هذا سفر بالاختيار؛ وهناك سفر اضطراري؛ كالسفر الضروري إلي الحج مرة في العمرة. والحق سبحانه يزيل ألم الحمل الثقيل، وبذلك تتحقق رأفته؛ وهو رحيم لأنه حقق لكم أمنية السفر.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:29 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 8

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون "8")</td> </tr> <tr> <td align="right">وبعد أن ذكر لنا الحق سبحانه الأنعام التي نأخذ منها المأكولات، يذكر لنا في هذه الآية الأنعام التي نستخدمها للتنقل أو للزينة؛ ولا نأكل لحومها وهي الخيل والبغال والحمير؛ ويذكرنا بأنها للركوب والمنفعة مع الزينة؛ ذلك أن الناس تتزين بما تركب؛ تماماً كما يفخر أبناء عصرنا بالتزين بالسيارات الفارهة. ونسق الآية يدل على تفاوت الناس في المراتب؛ فكل مرتبة من الناس لها ما يناسبها لتركبه؛ فالخيل للسادة والفرسان والأغنياء؛ ومن هم أقل يركبون البغال، ومن لا يملك ما يكفي لشراء الحصان أو البغل؛ فيمكنه أن يشتري لنفسه حماراً.
وقد يملك إنسان الثلاثة ركائب، وقد يملك آخر اثنتين منها؛ وقد يملك ثالث ركوبة واحدة، وهناك من لا يملك من المال ما يمكنه أن يستأجر ولو ركوبة من أي نوع. وشاء الحق سبحانه أن يقسم للناس أرزاق كل واحد منهم قلة أو كثرة، وإلا لو تساوى الناس في الرزق، فمن الذي يقوم بالأعمال التي نسميها نحن ـ بالخطأ ـ أعمالاً دونية، من يكنس الشوارع، ومن يحمل الطوب للبناء، ومن يقف بالشحم وسط ورش إصلاح السيارات؟
وكما نرى فكل تلك الأعمال ضرورية، ولولا رغبة الناس في الرزق لما حلت مثل تلك الأعمال، وراقت في عيون من يمارسونها، ذلك أنها تقيهم شر السؤال. ولولا أن من يعمل في تلك الأعمال له بطن تريد أن تمتلئ بالطعام، وأولاد يريدون أن يأكلوا؛ لما ذهب إلي مشقات تلك الأعمال. ولو نظرت إلي أفقر إنسان في الكون لوجدت في حياته فترة حقق فيها بعضاً من أحلامه. وقد نجد إنساناً يكد عشرة سنين؛ ويرتاح بقية عمره؛ ونجد من يكد عشرين عاماً فيريح نفسه وأولاده من بعده، وهناك من يتعب ثلاثين عاماً، فيريح أولاده وأحفاده من بعده. والمهم هو قيمة ما يتقنه، وأن يرضى بقدر الله فيه، فيعطيه الله مادام قد قبل قدره فيه.
وأنت إن نظرت إلي من فاء الله عليهم بالغنى والترف ستجدهم في بداية حياتهم قد كدوا وتعبوا ورضوا بقدر الله فيهم، ولم يحقدوا على أحد، نجده سبحانه يهديهم طمأنينة وراحة بالٍ. وشاء سبحانه أن ينوع في مستويات حياة البشر كيلا يستنكف أحد من خدمة أحد مادام يحتاج خدماته. ونجد النص التعبيري في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هو خيل وبغال وحمير؛ وقد جعل الحق سبحانه البغال في الوسط؛ لأنها ليست جنساً بل تأتي من جنسين مختلفين. وينبهنا الحق سبحانه في آخر الآية إلي أن ذلك ليس نهاية المطاف؛ بل هناك ما هو اكثر، فقال:

{ويخلق ما لا تعلمون "8"}
(سورة النحل)

وجعل الحق سبحانه البراق خادماً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل بساط الريح خادماً لسليمان عليه السلام، وإذا كانت مثل تلك المعجزات قد حدثت لأنبياء؛ فقد هدى البشر إلي أن يبتكروا من وسائل المواصلات الكثير من عربات تجرها الجياد إلي سيارات وقطارات وطائرات. ومازال العلم يطور من تلك الوسائل، ورغم ذلك فهناك من يقتني الخيل ويربيها ويروضها ويجريها لجمال منظرها. وإذا كانت تلك الوسائل من المواصلات التي كانت تحمل عنا الأثقال؛ وتلك المخترعات التي هدانا الله إياها؛ فما بالنا بالمواصلات في الآخرة؟ لابد أن هناك وسائل تناسب في رفاهيتها ما في الآخرة من متاع غير موجود في الدنيا.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:29 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 9

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين "9")</td> </tr> <tr> <td align="right">والسبيل هو الطريق؛ والقصد هو الغاية، وهو مصدر يأخذون منه القول (طريق قاصد) أي: طريق لا دوران فيه ولا التفاف. والحق سبحانه يريد لنا أن نصل إلي الغاية بأقل مجهود. ونحن في لغتنا العامية نسأل جندي المرور "هل هذا الطريق ماشي؟" رغم أن الطريق لا يمشي، بل أنت الذي تسير فيه، ولكنك تقصد أن يكون الطريق موصلاً إلي الغاية. وأنت حين تعجزك الأسباب تقول "خليها على الله" أي: أنك ترجع بما تعجزك أسبابه إلي المسبب الأعلى. وهكذا يريد المؤمن الوصول إلي قصدهن وهو عبادة الله وصولاً إلي الغاية، وهي الجنة، وجزاءً على الإيمان وحسن العمل في الدنيا.
وأنت حين تقارن مجرى نهر النيل تجد فيه التفافات وتعرجات؛ لأن الماء هو الذي حفر طريقه؛ بينما تنظر إلي الرياح التوفيقي مثلاً فتجده مستقيماً؛ ذلك أن البشر هم الذين حفروه إلي مقصد معين. وحين يكون قصد السبيل على الله؛ فالله لا هوى له ولا صاحب، ولا ولد له، ولا يحابي أحداً، وكل الخلق بالنسبة له سواء؛ ولذلك فهو حين يضع طريقاً فهو يضعه مستقيماً لا عوج فيه؛ وهو الحق سبحانه القائل:

{اهدنا الصراط المستقيم "6"}
(سورة الفاتحة)

أي: الطريق الذي لا التواء فيه لأي غرض، بل الغرض منه هو الغاية بأيسر طريق. وقول الحق سبحانه هنا:

{وعلى الله قصد السبيل .. "9"}
(سورة النحل)

يجعلنا نعود بالذاكرة إلي ما قاله الشيطان في حواره مع الله قال:

{فبعزتك لأغوينهم أجمعين "82" إلا عبادك منهم المخلصين "83"}
(سورة ص)

ورد الحق سبحانه:

{قال هذا صراط على مستقيم "41"}
(سورة الحجر)

والحق أيضاً هو القائل:

{إن علينا للهدى "12"}
(سورة الليل)

أي: أنه حين خلق الإنسان أوضح له طريق الهداية، وكذلك يقول سبحانه:

{وهديناه النجدين "10"}
(سورة البلد)

أي: أن الحق سبحانه أوضح للإنسان طرق الحق من الباطل، وهكذا يكون قوله هنا:

{وعلى الله قصد السبيل .. "9"}
(سورة النحل)

يدل على أن الطريق المرسوم غايته موضوعة من الله سبحانه، والطريق إلي تلك الغاية موزون من الحق الذي لا هوى له، والخلق كلهم سواء أمامه. وهكذا .. فعلى المفكرين ألا يرهقوا أنفسهم بمحاولة وضع تقنين من عندهم لحركة الحياة، لأن واجد الحياة قد وضع لها قانون صيانتها، وليس أدل على عجز المفكرين عن وضع قوانين تنظيم حياة البشر إلا أنهم يغيرون من القوانين كل فترة، أما قانون الله فخالد باقٍ أبداً، ولا استدراك عليه. ولذلك فمن المريح للبشر أن يسيروا على منهج الله والذي قال فيه الحق سبحانه حكماً عليهم أن يطبقوه؛ وما تركه الله لنا نجتهد فيه نحن. وقوله الحق:

{وعلى الله قصد السبيل .. "9"}
(سورة النحل)

أي: أنه هو الذي جعل سبيل الإيمان قاصداً للغاية التي وضعها سبحانه، ذلك أن من السبل ما هو جائر؛ ولذلك قال:

{ومنها جائر .. "9"}
(سورة النحل)

ولكي يمنع الجور جعل سبيل الإيمان قاصداً، فهو القائل:

{ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض .. "71"}
(سورة المؤمنون)

بينما السبيل العادلة المستقيمة هي السبيل المتكفل بها سبحانه، وهي سبيل الإيمان، ذلك أن من السبل ما هو جائر أي: يطيل المسافة عليك، أو يعرضك للمخاطر، أو توجد بها منحنيات تضل الإنسان، فلا يسير إلي الطريق المستقيم. ونعلم أن السبيل توصل بين طرفين (من وإلي) وكل نقطة تصل إليها لها أيضاً (من وإلي) وقد شاء الحق سبحانه ألا يقهر الإنسان على سبيل واحد، بل أراد له أن يختار، ذلك أن التسخير قد أراده الله لغير الإنسان مما يخدم الإنسان. أما الإنسان فقد خلق له قدرة الاختيار، ليعلم من يأتيه طائعاً ومن يعصى أوامره، وكل البشر مجموعون إلي حساب، ومن اختار طريق الطاعة فهو من يذهب إلي الله محباً، ويثبت له المحبوبية التي هي مراد الحق من خلق الاختيار، لكن لو شاء أن يثبت لنفسه طلاقة القهر لخلق البشر مقهورين على الطاعة كما سخر الكائنات الأخرى. والحق سبحانه يريد قلوباً لا قوالب؛ ولذلك يقول في آخر الآية:

{ولو شاء لهداكم أجمعين "9"}
(سورة النحل)وكل أجناس الوجود كما نعلم تسجد لله:

{وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .. "44"}
(سورة الإسراء)

وفي آية أخرى يقول:

{ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه .. "41"}
(سورة النور)

إذن: لو شاء الحق سبحانه لهدى الثقلين أي: الإنس والجن، كما هدى كل الكائنات الأخرى، ولكنه يريد قلوباً لا قوالب.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:30 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 10

</td> </tr> <tr> <td align="center">(هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون "10")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقوله:

{أنزل من السماء .. "10"}
(سورة النحل)

يبدو قولاً بسيطاً؛ ولكن إن نظرنا إلي المعامل التي تقطر المياه وتخلصها من الشوائب لعلمنا قدر العمل المبذول لنزول الماء الصافي من المطر. والسماء ـ كما نعلم ـ هي كل ما يعلونا، ونحن نرى السحاب الذي يجئ نتيجة تبخير الشمس للمياه من المحيطات والبحار، فيتكون البخار الذي يتصاعد، ثم يتكثف ليصير مطراً من بعد ذلك؛ وينزل المطر على الأرض.
ونعلم أن الكرة الأرضية مكونة من محيطات وبحار تغطي ثلاثة أرباع مساحتها، بينما تبلغ مساحة اليابسة ربع الكرة الأرضية؛ فكأنه جعل ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية لخدمة ربع الكرة الأرضية. ومن العجيب أن المطر يسقط في مواقع قد لا تنتفع به، مثل هضاب الحبشة التي تسقط عليها الأمطار وتصحب من تلك الهضاب مادة الطمي لتكون نهر النيل لنستفيد نحن منه. ونجد الحق سبحانه يقول

{ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء.."43"}
(سورة النور)

وهنا يقول الحق سبحانه:

{هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون "10"}
(سورة النحل)

ولولا عملية البخر وإعادة تكثيف البخار بعد أن يصير سحاباً؛ لما استطاع الإنسان أن يشرب الماء المالح الموجود في البحار، ومن حكمة الحق سبحانه أن جعل مياه البحار والمحيطات مالحة؛ فالملح يحفظ المياه من الفساد. وبعد أن تبخر الشمس المياه لتصير سحاباً، ويسقط المطر يشرب الإنسان هذا الماء الذي يغذي الأنهار والآبار، وكذلك ينبت الماء الزرع الذي نأكل منه. وكلمة (شجر) تدل على النبات الذي يلتف مع بعضه ومنها كلمة "مشاجرة" والتي تعني التداخل من الذين يتشاجرون معاً. والشجر أنواع؛ فيه مغروس بمالك وهو ملك لمن يغرسه ويشرف على إنباته، وفي ما يخرج من الأرض دون أن يزرعه أحد وهو ملكية مشاعة، وعادة ما نترك فيه الدواب لترعى، فتأكل منه دون أن يردها أحد. وهنا يقول الحق سبحانه:

{فيه تسيمون "10"}
(سورة النحل)

من سام الدابة التي ترعى في الملك العام، وساعة ترعى الدابة في الملك العام فهي تترك آثارها من مسارب وعلامات. ويسمون الأرض التي يوجد بها نبات ولا يقربها حيوان بأنها "روضة أنف" بمعنى أن أحداً لم يأت إليها أو يقربها؛ كأنها أنفت أن يقطف منها شيء.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:30 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 11

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون "11")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا يعلمنا الله أن النبات لا ينبت وحده، بل يحتاج إلي من ينبته، وهنا يخص الحق سبحانه ألواناً من الزراعة التي لها أثر فيها الحياة، ويذكر الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من كل الثمرات. والزيتون ـ كما نعلم ـ يحتوي على مواد دهنية؛ والعنب يحتوي على مواد سكرية، وكذلك النخيل الذي يعطي البلح وهو يحتوي على مواد سكرية، وغذاء الإنسان يأتي من النشويات والبروتينات. وما ذكره الحق سبحانه أولاً عن الأنعام، وما ذكره عن النباتات يوضح أنه قد أعطى الإنسان مكونات الغذاء؛ فهو القائل:

{والتين والزيتون "1" وطور سينين "2" وهذا البلد الأمين "3" لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم "4"}
(سورة التين)

أي: أنه جعل للإنسان في قوته البروتينات والدهنيات والنشويات والفيتامينات التي تصون حياته. وحين يرغب الأطباء في تغذية إنسان أثناء المرض؛ فهم يذيبون العناصر التي يحتاجها للغذاء في السوائل التي يقطرونها في أوردته بالحقن، ولكنهم يخافون من طول التغذية بهذه الطريقة؛ لأن الأمعاء قد تنكمش. ومن يقومون بتغذية البهائم يعلمون أن التغذية تتكون من نوعين؛ غذاء يملأ البطن؛ وغذاء يمد بالعناصر اللازمة، فالتبن مثلا يملأ البطن، ويمدها بالألياف التي تساعد على حركة الأمعاء، ولكن الكسب يغذي ويضمن السمنة والوفرة في اللحم. وحين يقول الحق سبحانه:

{ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات .. "11"}
(سورة النحل)

فعليك أن تستقبل هذا القول في ضوء قول الحق سبحانه:

{أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون "64"}
(سورة الواقعة)

ذلك أنك تحرث الأرض فقط، أما الذي يزرع فهو الحق سبحانه؛ وأنت قد حرثت بالحديد الذي أودعه الله في الأرض فاستخرجته أنت؛ وبالخشب الذي أنبته الله؛ وصنعت أنت منهما المحراث الذي تحرث به في الأرض المخلوقة لله، والطاقة التي حرثت بها ممنوحة لك من الله. ثم يذكرك الله بأن كل الثمرات هي من عطائه، فيعطف العام على الخاص؛ ويقول:

{ومن كل الثمرات .. "11"}
(سورة النحل)

أي: أن ما تأخذه هو جزء من كل الثمرات؛ ذلك أن الثمرات كثيرة، وهي أكثر من أن تعد. ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:

{إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون "11"}
(سورة النحل)

أي: على الإنسان أن يعمل فكره في معطيات الكون، ثم يبحث عن موقفه من تلك المعطيات، ويحدد وضعه ليجد نفسه غير فاعل؛ وهو قابل لأن يفعل. وشاء الحق سبحانه أن يذكرنا أن التفكير ليس مهمة إنسان واحد بل مهمة الجميع، وكأن الحق سبحانه يريد لنا أن تتساند أفكارنا؛ فمن عنده لقطة فكرية تؤدي إلي الله لابد أن يقولها لغيره. ونجد في القرآن آيات تنتهي بالتذكر والتفكر وبالتدبر وبالتفقه، وكل منها تؤدي إلي العلم اليقيني؛ فحين يقول "يتذكرون" فالمعنى أنه سبق الإلمام بها؛ ولكن النسيان محاها؛ فكأن من مهمتك أن تتذكر. أما كلمة "يتفكرون" فهي أم كل تلك المعاني؛ لأنك حين تشغل فكرك تحتاج إلي أمرين، أن تنظر إلي معطيات ظواهرها ومعطيات أدبارها. ولذلك يقول الحق سبحانه:

{أفلا يتدبرون القرآن .. "82"}
(سورة النساء)

وهذا يعني ألا تأخذ الواجهة فقط، بل عليك أن تنظر إلي المعطيات الخلفية كي تفهم، وحين تفهم تكون قد عرفت، فالمهمة مكونة من أربع مراحل؛ تفكر، فتدبر، فتفقه؛ فمعرفة وعلم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:30 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 12

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون "12")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن الليل والنهار آيتان واضحتان؛ والليل يناسبه القمر، والنهار تناسبه الشمس، وهم جميعاً متعلقون بفعل واحد، وهم نسق واحد، والتسخير يعني قهر مخلوق لمخلوق؛ ليؤدي كل مهمته. وتسخير الليل والنهار والشمس والقمر؛ كل له مهمة، فالليل مهمته الراحة. قال الحق سبحانه:

{ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"10"}
(سورة القصص)

والنهار له مهمة أن تكد في الأرض لتبتغي رزقاً من الله وفضلاً، والشمس جعلها مصدراً للطاقة والدفء، وهي تعطيك دون أن تسأل، ولا تستطيع هي أيضاً أن تمتنع عن عطاء قدرة الله. وهي ليست ملكاً لأحد غير الله؛ بل هي من نظام الكون الذي لم يجعل الحق سبحانه لأحد قدرة عليه، حتى لا يتحكم أحد في أحد، وكذلك القمر جعل له الحق مهمة أخرى. وإياك أن تتوهم أن هناك مهمة تعارض مهمة أخرى، بل هي مهام متكاملة. والحق سبحانه هو القائل:

{والليل إذا يغشى"1" والنهار إذا تجلى"2" وما خلق الذكر والأنثى "3" إن سعيكم لشتى "4"}
(سورة الليل)

أي: أن الليل والنهار وإن تقابلا فليسا متعارضين؛ كما أن الذكر والأنثى يتقابلان لا لتتعارض مهمة كل منهما بل لتتكامل. ويضرب الحق سبحانه المثل ليوضح لنا هذا التكامل فيقول:

{قال أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلي يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليلٍ تسكنون فيه أفلا تبصرون "72"}
(سورة القصص)

وأي إنسان إن سهر يومين متتابعين لا يستطيع أن يقاوم النوم؛ وإن أدى مهمة في هذين اليومين؛ فقد يحتاج لراحة من بعد ذلك تمتد أسبوعاً؛ ولذلك قال الله:

{وجعلنا الليل لباسا "10" وجعلنا النهار معاشا "11"}
(سورة النبأ)

والإنسان إذا ما صلى العشاء وذهب إلي فراشه سيستيقظ حتماً قبل الفجر وهو في قمة النشاط؛ بعد أن قضى ليلاً مريحاً في سبات عميق؛ ولا قلق فيه. ولكن الإنسان في بلادنا استورد حثالة الحضارة من أجهزة تجعله يقضي الليل ساهراً، ليتابع التليفزيون أو أفلام الفيديو أو القنوات الفضائية، فيقوم في الصباح منهكاً، رغم أن أهل تلك البلاد التي قدمت تلك المخترعات؛ نجدهم وهم يستخدمون تلك المخترعات يضعونها في موضعها الصحيح، وفي وقتها المناسب؛ لذلك نجدهم ينامون مبكرين، ليستيقظوا في الفجر بهمة ونشاط. ويبدأ الحق سبحانه جملة جديدة تقول:

{والنجوم مسخرات بأمره .. "12"}
(سورة النحل)

نلحظ أنه لم يأت بالنجوم معطوفة على ما قبلها، بل خصها الحق سبحانه بجملة جديدة على الرغم من أنها أقل الأجرام، وقد لا نتبينها لكثرتها وتعدد مواقعها ولكنا نجد الحق يقسم بها فهو القائل:

{فلا أقسم بمواقع النجوم "75" وإنه لقسم لو تعلمون عظيم "76"}
(سورة الواقعة)

فكل نجم من تلك النجوم البعيدة له مهمة، وإذا كنت أنت في حياتك اليومية حين ينطفئ النور تذهب لترى: ماذا حدث في صندوق الأكباس الذي في منزلك؛ ولكنك لا تعرف كيف تأتيك الكهرباء إلي منزلك، وكيف تقدم العلم ليصنع لك المصباح الكهربائي. وكيف مدت الدولة الكهرباء من مواقع توليدها إلي بيتك. وإذا كنت تجهل ما خلف الأثر الواحد الذي يصلك في منزلك، فما بالك بقول الحق سبحانه:

{فلا أقسم بمواقع النجوم "75" }
(سورة الواقعة)

وهو القائل:

{وعلامات وبالنجم هم يهتدون "16"}
(سورة النحل)

وقد خصها الحق سبحانه هنا بجملة جديدة مستقلة أعاد فيها خبر التسخير، ذلك أن لكل منها منازل، وهي كثيرة على العد والإحصاء، وبعضها بعيد لا يصلنا ضوؤه إلا بعد ملايين السنين. وقد خصها الحق سبحانه بهذا الخبر من التسخير حتى نتبين أن لله سراً في كل ما خلق بين السماء والأرض. ويريد لنا أن نلتفت إلي أن تركيبات الأشياء التي تنفعنا مواجهة وراءها أشياء أخرى تخدمها. ونجد الحق سبحانه وهو يذيل الآية الكريمة بقوله:

{إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون "12"}
(سورة النحل)

ونعلم أن الآيات هي الأمور العجيبة التي يجب ألا يمر عليها الإنسان مراً معرضاً؛ بل عليه أن يتأملها، ففي هذا التأمل فائدة له ويمكنه أن يستنبط منها المجاهيل التي تنعم البشر وتسعدهم. وكلمة (يعقلون) تعني إعمال العقل، ونعلم أن للعقل تركيبة خاصة؛ وهو يستنبط من المحسات الأمور المعنوية، وبهذا يأخذ من الملوم نتيجة كانت مجهولة بالنسبة له؛ فيسعد بها ويسعد بها من حوله، ثم يجعل من هذا المجهول مقدمة يصل بها إلي نتيجة جديدة. وهكذا يستنبط الإنسان من أسرار الكون ما شاء له الله أن يستنبط ويكتشف من أسرار الكون.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:31 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 13

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون "13")</td> </tr> <tr> <td align="right">وكلمة (ذرأ) تعني أنه خلق خلقاً يتكاثر بذاته؛ إما بالحمل للأنثى من الذكر؛ في الإنسان أو الحيوان والنبات؛ وإما بواسطة تفريخ البيض كما في الطيور. وهكذا نفهم الذرء بمعنى أنه ليس مطلق خلق؛ بل خلق بذاته في التكاثر بذاته، والحق سبحانه قد خلق آدم أولاً، ثم أخرج منه النسل ليتكاثر النسل بذاته حين يجتمع زوجان ونتجا مثيلاً لهما، ولذلك قال الحق سبحانه:

{فتبارك الله أحسن الخالقين "14"}
(سورة المؤمنون)

وهكذا شاء الحق سبحانه أن يفيض على عباده بأن يعطيهم صفة أنهم يخلقون، ولكنهم لا يخلقون كخلقه؛ فهو قد خلق آدم ثم أوجدهم من نسله. والبشر قد يخلقون بعضاً من معدات وأدوات حياتهم، لكنهم لا يخلقون كخلق الله؛ فهم لا يخلقون من معدوم؛ بل من موجود، والحق سبحانه يخلق من المعدوم من لا وجود له؛ وهو بذلك احسن الخالقين. والمثل الذي أضربه دائماً هو الحبة التي تنبت سبع سنابل وفي كل سنبلة مائة حبة؛ وقد أوردها الحق سبحانه ليشوق للإنسان عملية الإنفاق في سبيل الله، وهذا هو الخلق المادي الملموس؛ فمن حبة واحدة أنبت سبحانه كل ذلك. وهنا يقول الحق سبحانه:

{وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه .. "13"}
(سورة النحل)

أي: ما خلق لنا من خلق متكاثر بذاته تختلف ألوانه. واختلاف الألوان وتعددها دليل على طلاقة قدرة الله في أن الكائنات لا تخلق على نمط واحد. ويعطينا الحق سبحانه الصورة على هذا الأمر في قوله سبحانه:

{مختلف ألوانها وغرابيب سود "27" ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور "28"}
(سورة فاطر)

وإذا ما قال الحق سبحانه:

{إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور .."28"}
(سورة فاطر)

فلنا أن نعرف أن العلماء هنا مقصود بهم كل عالم يقف على قضية كونية مركوزة في الكون أو نزلت من المكون مباشرة. ولم يقصد الحق سبحانه بهذا القول علماء الدين فقط، فالمقصود هو كل عالم يبحث بحثاً ليستنبط به معلوماً من مجهول، ويجلي أسرار الله في خلقه. وقد أراد صلى الله عليه وسلم أن يفرق فرقاً واضحاً في هذا الأمر، كي لا يتدخل علماء الدين في البحث العلمي التجريبي الذي يفيد الناس، ووجد صلى الله عليه وسلم الناس تؤبر النخيل؛ بمعنى أنهم يأتون بطلع الذكورة؛ ويلقحون النخيل التي تتصف بالأنوثة، وقال: لو لم تفعلوا لأثمرت. ولما لم تثمر النخيل، قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر؛ وأمر بإصلاحه

<وقال القولة الفصل "أنتم أعلم بشئون دنياكم">

أي: أنتم أعلم بالأمور التجريبية المعملية، ونلحظ أن الذي حجز الحضارة والتطوير عن أوربا لقرون طويلة؛ هو محاولة رجال الدين أن يحجروا على البحث العلمي؛ ويتهموا كل عالم تجريبي بالكفر. ويتميز الإسلام بأنه الدين الذي لم يحل دون بحث أي آية من آيات الله في الكون، ومن حنان الله أن يوضح لخلقه أهمية البحث في أسرار الكون، فهو القائل:

{وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون "105"}
(سورة يوسف)

أي: عليك أيها المؤمن ألا تعرض عن أي آية من آيات الله التي في الكون؛ بل على المؤمن أن يعمل عقله وفكره بالتأمل ليستفيد منها في اعتقاده وحياته. يقول الحق:

{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق .. "53"}
(سورة فصلت)

أما الأمور التي يتعلق بها حساب الآخرة؛ فهي من اختصاص العلماء الفقهاء. ويذيل الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{إن في ذلك لآية لقوم يذكرون "13"}
(سورة النحل)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:31 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 14

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون "14")</td> </tr> <tr> <td align="right">والتسخير كما علمنا من قبل هو إيجاد الكائن لمهمة لا يستطيع الكائن أن يتخلف عنها، ولا اختيار له في أن يؤديها أو لا يؤديها ونعلم أن الكون كله مسخر للإنسان قبل أن يوجد؛ ثم خلق الله الإنسان مختاراً. وقد يظن البعض أن الكائنات المسخرة ليس لها اختيار، وهذا خطأ؛ لأن تلك الكائنات لها اختيار حسمته في بداية وجودها، ولنقرأ قوله الحق:

{إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها .. "72"}
(سورة الأحزاب)

وهكذا نفهم أن الحق سبحانه خير خلقه بين التسخير وبين الاختيار، إلا أن الكائنات التي هي ما دون الإنسان أخذت اختيارها مرة واحدة؛ لذلك لا يجب أن يقال: إن الحق سبحانه هو الذي قهرها، بل هي التي اختارت من أول الأمر؛ لأنها قدرت وقت الأداء، ولم تقدر فقط وقت التحمل كما فعل الإنسان، وكأنها قالت لنفسها: فلأخرج من باب الجمال؛ قبل أن ينفتح أمامي باب ظلم النفس. ونجد الحق سبحانه يصف الإنسان:

{إنه كان ظلوماً جهولاً "72"}
(سورة الأحزاب)

فقد ظلم الإنسان نفسه حين اختار أن يحمل الأمانة؛ لأنه قدر وقت التحمل ولم يقدر وقت الأداء. وهو جهول لأنه لم يعرف كيف يفرق بين الأداء والتحمل، بينما منعت الكائنات الأخرى نفسها من أن تتحمل مسئولية الأمانة، فلم تظلم نفسها بذلك. وهكذا نصل إلي تأكيد معنى التسخير وتوضيحه بشكل دقيق، ونعرف أنه إيجاد الكائن لمهمة لا يملك أن يتخلف عنها؛ أما الاختيار فهو إيجاد الكائن لمهمة له أن يؤديها أو يتخلف عنها. وأوضحنا أن المسخرات كان لها أن تختار من البداية، فاختارت أن تسخر وألا تتحمل الأمانة، بينما أخذ الإنسان مهمة، واعتمد على عقله وفكره، وقبل أن يرتب أمور حياته على ضوء ذلك.
ومع ذلك أعطاه الله بعضاً من التسخير كي يجعل الكون كله فيه بعض من التسخير وبعض من الاختيار؛ ولذلك نجد بعضاً من الأحداث تجري على الإنسان ولا اختيار له فيها؛ كان يمرض أو تقع له حادثة أو يفلس. ولذلك أقول: إن الكافر مغفل لاختياره؛ لأنه ينكر وجود الله ويتمرد على الإيمان، رغم أنه لا يقدر أن يصد عن نفسه المرض أو الموت. وفي الآية التي نحن بصددها الآن يقول الحق سبحانه:

{وهو الذي سخر البحر .. "14" }
(سورة النحل)

فهذا يعني أنه هو الذي خلق البحر، لأنه هو الذي خلق السماوات والأرض؛ وجعل اليابسة ربع مساحة الأرض؛ بينما البحار والمحيطات تحتل ثلاثة أرباع مساحة الأرض. أي: أنه يحدثنا هنا عن ثلاثة أرباع الأرض، وأوجد البحار والمحيطات على هيئة نستطيع أن نأخذ منها بعضاً من الطعام فيقول:

{لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها .. "14"}
(سورة النحل)

ومن بعض عطاءات الحق سبحانه أن يأتي المد أحياناً ثم يعقبه الجزر؛ فيبقى بعض من السمك على الشاطئ، أو قد تحمل موجة عفية بعضاً من السمك وتلقيه على الشاطئ. وهكذا يكون العطاء بلا جهد من الإنسان، بل إن وجود بعض من الأسماك على الشاطئ هو الذي نبه الإنسان إلي أهمية أن يحتال ويصنع السنارة؛ ويغزل الشبكة؛ ثم ينتقل من تلك الوسائل البدائية إلي التقنيات الحديثة في صيد الأسماك. لكن الحلية التي يتم استخراجها من البحر فهي اللؤلؤ، وهي تقتضي أن تغوص الإنسان في القاع ليلتقطها. ويلفتنا الحق سبحانه إلي أسرار كنوزه فيقول:

{له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى "6"}
(سورة طه)

وكل كنوز الأمم توجد تحت الثرى. ونحن إن قسمنا الكرة الأرضية كما نقسم البطيخة إلي قطع كالتي نسميها "شقة البطيخ" سنجد أن كنوز كل قطعة تتساوى مع كنوز القطعة الأخرى في القيمة النفعية؛ ولكن كل عطاء يوجد بجزء من الأرض له ميعاد ميلاد يحدده الحق سبحانه. فهناك مكان في الأرض جعل الله العطاء فيه من الزراعة؛ وهناك مكان آخر صحراوي يخاله الناس بلا أي نفع؛ ثم تتفجر فيه آبار البترول، وهكذا. وتسخير الحق سبحانه للبحر ليس بإيجاده فقط على الهيئة التي هو عليها؛ بل قد تجد له أشياء ومهام أخرى مثل انشقاق البحر بعصا موسى عليه السلام؛ وصار كل فرق كالطود العظيم. ومن قبل ذلك حين حمل اليم موسى عليه السلام بعد أن ألقته أمه فيه بإلهام من الله:

{فليلقه اليم بالساحل .. "39"}
(سورة طه)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:31 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 15

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون "15")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا يدلنا الحق سبحانه على أن الأرض قد خلقت على مراحل، ويشرح ذلك قوله سبحانه:

{قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين "9" وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين "10"}
(سورة فصلت)

وهكذا علمنا أن جرم الأرض العام قد خلق أولاً؛ وهو مخلوق على هيئة الحركة؛ ولأن الحركة هي التي تأتي بالميدان ـ التأرجح يميناً وشمالاً ـ وعدم استقرار الجرام على وضع، لذلك شاء سبحانه أن يخلق في الأرض الرواسي لتجعلها تبدو ثابتة غير مقلقة والراسي هو الذي يثبت. ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة الاستقرار لما خلق الله الجبال، ولكنه خلق الأرض على هيئة الحركة، ومنع أن تميد بخلق الجبال ليجعل الجبال رواسي للأرض. وفي آية أخرى يقول سبحانه:

{وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب .. "88"}
(سورة النمل)

وكلمة (ألقى) تدل على أن الجبال شيء متماسك وضع ليستقر. ثم يعطف سبحانه على الجبال:

{وأنهاراً وسبلاً .. "15"}
(سورة النحل)

ولم يأت الحق سبحانه فعل يناسب الأنهار، ومن العجيب أن الأسلوب يجمع جماداً في الجبال، وسيولة في الأنهار، وسبلاً أي طرقاً، وكل ذلك:

{لعلكم تهتدون "15"}
(سورة النحل)

أي: أن الجعل كله لعلنا نهتدي. ونعلم أن العرب كانوا يهتدوا بالجبال، ويجعلون منها علامات، والمثل هو جبل "هرشا" الذي يقول فيه الشاعر:
خذوا بطن هرشا أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشا لهن طريق
وأيضاً جبل التوباد كان يعتبر علامة. وكذلك قول الحق سبحانه:

{وناديناه من جانب الطور الأيمن .. "52"}
(سورة مريم)

وهكذا نجد من ضمن فوائد الجبال أنها علامات نهتدي بها إلي الطرق وإلي الأماكن، وتلك من المهام الجانبية للجبال. أو:

{لعلكم تهتدون "15"}
(سورة النحل)

باتعاظكم بالأشياء المخلوقة لكم، كي تهتدوا لمن أوجدها لكم.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:32 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 16

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وعلامات وبالنجم هم يهتدون "16")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أن ما تقدم من خلق الله هو علامات تدل على ضرورة أن تروا المنافع التي أودعها الله فيما خلق لكم؛ وتهتدوا إلي الإيمان بإله موجد لهذه الأشياء لصالحكم. وما سبق من علامات مقره الأرض، سواء الجبال أو الأنهار أو السبل؛ وأضاف الحق سبحانه لها في هذه الآية علامة توجد في السماء، وهي النجوم. ونعلم أن كل من يسير في البحر إنما يهتدي بالنجم. وتكلم عنها الحق سبحانه هنا كتسخير مختص؛ ولم يدخلها في التسخيرات المتعددة؛ ولأن نجماً يقود لنجم آخر، وهناك نجوم لم يصلنا ضوؤها بعد، وننتفع بآثارها من خلال غيرها. ونعلم أن قريشاً كانت تسلك سبلاً متعددة، فتهتدي بالنجوم في طريقها، ولذلك لابد أن يكون عندها خبرة بمواقع النجوم. ويقول الحق سبحانه:

{وبالنجم هم يهتدون "16"}
(سورة النحل)

قد فضل الحق هذا الأسلوب من بين ثلاثة أساليب يمكن أن تؤدي المعنى؛ هي: "يهتدون بالنجم" و"بالنجم يهتدون" والثالث: هو الذي استخدمه الحق فقال:

{وبالنجم هم يهتدون "16"}
(سورة النحل)

وذلك تأكيد على خبرة قريش بمواقع النجوم؛ لأنها تسافر كل عام رحلتين، ولم يكن هناك آخرون يملكون تلك الخبرة. والضمير "هم" جاء ليعطي خصوصيتين؛ الأولى: أنهم يهتدون بالنجم لا بغيره؛ والثانية: أن قريشاً تهتدي بالنجم، بينما غيرها من القبائل لا تستطيع أن تهتدي به.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:32 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 17

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون "17")</td> </tr> <tr> <td align="right">ونعلم أن الكلام الذي يلقيه المتكلم للسامع يأخذ صوراً متعددة؛ فمرة يأخذ صورة الخبر، كأن يقول: من لا يخلق ليس كمن يخلق. وهذا كلام خبري، يصح أن تصدقه، ويصح ألا تصدقه. أما إذا أراد المتكلم أن يأتي منك أن التصديق، ويجعلك تنطق به؛ فهو يأتي لك بصيغة سؤال، لا تستطيع إلا أن تجيب عليه بالتأكيد لما يرغبه المتكلم. ونعلم أن قريشاً كانت تعبد الأصنام؛ وجعلوها آلهة؛ وهي لم تكلمهم، ولم تنزل منهجاً، وقالوا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم:

{ما نعبدهم إلا ليقربونا إلي الله زلفى .. "3"}
(سورة الزمر)

فلماذا إذن لا يعبدون الله مباشرة دون وساطة؟ ولماذا لا يرفعون عن أنفسهم مشقة العبادة، ويتجهون إلي الله مباشرة؟ ثم لنسأل: ما هي العبادة؟ نعلم أن العبادة تعني الطاعة في "افعل" و"لا تفعل" التي تصدر من المعبود. وبطبيعة الحال لا توجد أوامر أو تكاليف من الأصنام لمن يعبدونها، فهي معبودات بلا منهج، وبلا جزاء لمن خالف، وبلا ثواب لمن أطاع، وبالتالي لا تصلح تلك الأصنام للعبادة. ولنناقش المسألة من زاوية أخرى، لقد أوضح الحق سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، وسخر كل الكائنات لخدمة الإنسان الذي أوكل إليه مهمة خلافته في الأرض. وكل تلك الأمور لا يدعيها أحد غير الله، بل إنك إن سألت الكفار والمشركين عمن خلقهم ليقولن الله. قال الحق سبحانه:

{ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله .. "87"}
(سورة الزخرف)

ذلك أن عملية الإيجاد والخلق لا يجرؤ أحد أن يدعيها إن لم يكن هو الذي أبدعها، وحين تسألهم: من خلق السماوات والأرض لقالوا: إنه الله. وقد أبلغهم محمد صلى الله عليه وسلم أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وأن منهجه لإدارة الكون يبدأ من عبادته سبحانه. ومادام قد أدعى الحق سبحانه ذلكن ولم يوجد من ينازعه فالدعوة تثبت له إلي أن يوجد معارض، ولم يوجد هذا المعارض أبداً. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لم يقل الحق سبحانه "أتجعلون من لا يخلق مثل من يخلق". بل قال:

{أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون "17"}
(سورة النحل)

ووراء ذلك حكمة؛ فهؤلاء الذين نزل إليهم الحديث تعاملوا مع الأصنام وكأنها الله؛ وتوهموا أن الله مخلوق مثل تلك الأصنام؛ ولذلك جاء القول الذي يناسب هذا التصور. والحق سبحانه يريد أن يبطل هذا التصور من الأساس؛ فأوضح أن من تعبدونهم هم أصنام من الحجارة وهي مادة ولها صورة، وأنتم صنعتموها على حسب تصوركم وقدراتكم. وفي هذه الحالة يكون المعبود أقل درجة من العابد وأدنى منه؛ فضلاً عن أن تلك الأصنام لا تملك لمن يعبدها ضراً ولا نفعاً. ثم: لماذا تدعون الله إن مسكم ضر؟ إن الإنسان يدعو الله في موقف الضر؛ لأنه لحظتها لا يجرؤ على خداع نفسه، أما الآلهة التي صنعوها وعبدوها فهي لا تسمع الدعاء:

{إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبيرٍ "14"}
(سورة فاطر)

فكيف إذن تساوون بين من لا يخلق، ومن يخلق؟ إن عليك أن تتذكروا، وأن تتفكروا، وأن تعملوا عقولكم فيما ينفعكم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:32 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 18

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم "18")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهذه الآية سبقت في سورة إبراهيم؛ فقال الحق سبحانه هناك:

{وآتاكم من كل ما سألتموه وأن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار"34"}
(سورة إبراهيم)

وكان الحديث في مجال من لم يعطوا الألوهية الخالقة، والربوبية الموجدة، والممدة حقها، وجحدوا كل ذلك. ونفس الموقف هنا حديث عن نفس القوم، فيوضح الحق سبحانه: أنتم لو استعرضتم نعم الله فلن تحصوها، ذلك أن المعدود دائماً يكون مكرر الأفراد؛ ولكن النعمة الواحدة في نظرك تشتمل على نعم لا تحصى ولا تعد؛ فما بالك بالنعم مجتمعة؟ أو: أن الحق سبحانه لا يمتن إلا بشيء واحد، هو أنه قد جاء لكم بنعمة، وتلك النعمة أفرادها كثير جداً. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله:

{إن الله لغفور رحيم "18"}
(سورة النحل)

أي: أنكم رغم كفركم سيزيدكم من النعم، ويعطيكم من مناط الرحمة، فمنكم الظلم، ومن الله الغفران، ومنكم الكفر ومن الله الرحمة. وكأن تذييل الآية هنا يرتبط بتذييل الآية التي في سورة إبراهيم حيث قال هناك:

{إن الإنسان لظلوم كفار "34"}
(سورة إبراهيم)

فهو سبحانه غفور لجحدكم ونكرانكم لجميل الله، وهو رحيم، فيوالي عليكم النعم رغم أنكم ظالمون وكافرون.
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:32 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 19

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والله يعلم ما تسرون وما تعلنون"19")</td> </tr> <tr> <td align="right">والسر ـ كما نعلم ـ هو ما حبسته في نفسك، أو ما أسررت به لغيرك، وطلب منه ألا يعلمه لأحد. والحق سبحانه يعلم السر، بل يعلم ما هو أخفى فهو القائل:

{يعلم السر وأخفى "7"}
(سورة طه)

أي: أنه يعلم ما نسره في أنفسنا، ويعلم أيضاً ما يمكن أن يكون سراً قبل أن نسره في أنفسنا، وهو سبحانه لا يعلم السر فقط؛ بل يعلم العلن أيضاً.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:33 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 20

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون"20")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أنهم لا يستطيعون أن يخلقوا شيئاً؛ بل هم يخلقون، والأصنام كما قلنا هي أدنى ممن يخلقونها، فكيف يستوي أن يكون المعبود أدنى من العابد؟ وذلك تسفيه لعبادتهم. ولذلك يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام لحظة أن حطم الأصنام، وسأله أهله: من فعل ذلك بآلهتنا؟ وأجاب:

{قال بل فعله كبيرهم هذا .. "63"}
(سورة الأنبياء)

فقالوا له: إن الكبير مجرد صنم، وأنت تعلم أنه لا يقدر على شيء. ونجد القرآن يقول لأمثال هؤلاء:

{أتعبدون ما تنحتون "95"}
(سورة الصافات)

فهذه الآلهة ـ إذن ـ لا تخلق بل تُخلق، ولكن الله هو خالق كل شيء، وسبحانه القائل:

{يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب "73"}
(سورة الحج)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:33 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 21

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون "21")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهم بالفعل أموات؛ لأنهم بلا حس ولا حركة، وقوله:

{غير أحياءٍ .. "21"}
(سورة النحل)

تفيد أنه لم تكن لهم حياة من قبل، ولم تثبت لهم الحياة في دورة من دورات الماضي أو الحاضر أو المستقبل. وهكذا تكتمل أوصاف تلك الأصنام، فهم لا يخلقون شيئاً، بل هم مخلوقون بواسطة من نحتوهم، وتلك الأصنام والأوثان لن تكون لها حياة في الآخرة، بل ستكون وقوداً للنار. والحق سبحانه هو القائل:

{احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون "22"}
(سورة الصافات)

وبطبيعة الحال لن تشعر تلك الحجارة ببعث من عبدوها.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:33 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 22

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون "22")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقوله الحق:

{إلهكم إله واحد .. "22"}
(سورة النحل)

تمنع أن يكون هناك أفراد غيره مثله، وقد يتصور البعض أنها تساوي كلمة "أحد". وأقول: إن كلمة "أحد" هي منع أن يكون له أجزاء؛ فهو منزه عن التكرار أو التجزيء. وفي هذا القول طمأنه للمؤمنين بأنهم قد وصلوا إلي قمة الفهم والاعتقاد بأن الله واحد. أو: هو يوضح للكافرين أن الله واحد رغم أنوفكم، وستعودون إليه غصباً، وبهذا القول يكشف الحق سبحانه عن الفطرة الموجودة في النفس البشرية التي شهدت في عالم الذر أن الله واحد لا شريك له، وأن القيامة والبعث حق.
ولكن الذين لا يؤمنون بالله وبالآخرة هم من ستروا عن أنفسهم فطرتهم، فكلمة الكفر كما سبق أن قلنا هي ستر يقتضي مستوراً، والكفر يستر إيمان الفطرة الأولى. والذين ينكرون الآخرة إنما يحرمون أنفسهم من تصور ما سوف يحدث حتماً؛ وهو الحساب الذي سيجازي بالثواب والحسنات على الأفعال الطيبة، ولعل سيئاتهم تكون قليلة؛ فيجبرها الحق سبحانه لهم وينالون الجنة. والمسرفون على أنفسهم؛ يأملون أن تكون قضية الدين كاذبة، لأنهم يريدون أن يبتعدوا عن تصور الحساب، ويتمنون ألا يوجد حساب. ويصفهم الحق سبحانه:

{قلوبهم منكرة وهم مستكبرون "22"}
(سورة النحل)

أي: أنهم لا يكتفون بإنكار الآخرة فقط؛ بل يتعاظمون بدون وجه للعظمة. و"استكبر" أي: نصب من نفسه كبيراً دون أن يملك مقومات الكبر، ذلك أن "الكبير" يجب أن يستند لمقومات الكبر؛ ويضمن لنفسه أن تظل تلك المقومات ذاتية فيه. ولكنا نحن البشر أبناء أغيارٍ؛ لذلك لا يصح لنا أن نتكبر؛ فالواحد منا قد يمرض، أو تزول عنه أعراض الثروة أو الجاه، فصفات وكمالات الكبر ليست ذاتية في أي منا؛ وقد تسلب ممن فاء الله عليه بها؛ ولذلك يصبح من اللائق أن يتواضع كل منا، وأن يستحضر ربه، وأن يتضاءل أمام خالقه. فالحق سبحانه وحده هو صاحب الحق في التكبر؛ وهو سبحانه الذي تبلغ صفاته ومقوماته منتهى الكمال، وهي لا تزول عنه أبداً.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:34 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 23

</td> </tr> <tr> <td align="center">(لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين "23")</td> </tr> <tr> <td align="right">وساعة نرى (لا جرم) فمعناها أن ما يأتي بعدها هو حق ثابت، فـ"لا" نافية، و"جرم" مأخوذة من "الجريمة"، وهي كسر شيء مؤمن به لسلامة المجموع. وحين نقول "لا جرم" أي: أن ما بعدها حق ثابت. وما بعد (لا جرم) هنا هو: أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون. وكل آيات القرآن التي ورد فيها قوله الحق (لا جرم) تؤدي هذا المعنى، مثل قوله الحق:

{لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون "62"}
(سورة النحل)

وكذلك قوله الحق:

{لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون "109"}
(سورة النحل)

وقد قال بعض العلماء: إن قوله الحق (لا جرم) يحمل معنى "لابد"، وهذا يعني أن قوله الحق:

{لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون .. "23"}
(سورة النحل)

لابد أن يعلم الله ما يسرون وما يعلنون، ولا مناص من أن الذين كفروا هم الخاسرون. وقد حلل العلماء اللفظ ليصلوا إلي أدق أسراره. وعلم الله لا ينطبق على الجهر فقط، بل على السر أيضاً؛ ذلك أنه سيحاسبهم على كل الأعمال. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله:

{إنه لا يحب المستكبرين "23"}
(سورة النحل)

وإذا سألنا: وما علاقة علم الله بالعقوبة؟ ونقول: ألم يقولوا في أنفسهم:

{لولا يعذبنا الله بما تقول .. "8"}
(سورة المجادلة)

وإذا ما نزل قول الحق سبحانه ليخبرهم بما قالوه في أنفسهم؛ فهذا دليل على أن من يبلغهم صادق في البلاغ عن الله، ورغم ذلك فقد استكبروا؛ وتابوا وعاندوا، وأخذتهم العزة بالإثم، وأرادوا بالاستكبار الهرب من الالتزام بالمنهج الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:34 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 24

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين"24")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقوله الحق:

{ماذا أنزل ربكم .. "24"}
(سورة النحل)

يوضح الاستدراك الذي أجراه الله على لسان المتكلم؛ ليعرفوا أن لهم رباً. ولو لم يكونوا مؤمنين برب، لأعلنوا ذلك، ولكنهم من غفلتهم اعترضوا على الإنزال، ولم يعترضوا على أن لهم رباً. وهذا دليل على إيمانهم برب خالق؛ ولكنهم يعترضون على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليه من الله. و:

{قالوا أساطير الأولين "24"}
(سورة النحل)

والأساطير: هي الأكاذيب، ولو كانوا صادقين مع أنفسهم لما أقروا بالألوهية، ورفضوا أيضاً القول المنزل إليهم. ومنهم من قال:

{قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً "5"}
(سورة الفرقان)

ولكن هناك جانب آخر كان له موقف مختلف سيأتي تبيانه من بعد ذلك، وهم الجانب المضاد لهؤلاء؛ حيث يقول الحق سبحانه:

{وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير .. "30"}
(سورة النحل)

ووراء ذلك قصة توضح جوانب الخلاف بين فريق مؤمن وفريق كافر. فحين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه وعشيرته إلي الإيمان بالله الواحد الذي أنزل عليه منهجاً في كتاب معجز، بدأت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم تنتشر بين قبائل الجزيرة العربية كلها، وأرسلت كل قبيلة وفداً منها لتتعرف وتستطلع مسألة هذا الرسول. ولكن كفار قريش أرادوا أن يصدوا عن سبيل الله؛ فقسموا أنفسهم على مداخل مكة الأربعة، فإذا سألهم سائل من وفود القبائل "ماذا قال ربكم الذي أرسل لكم رسولاً؟".
هنا يرد عليهم قسم الكفار الذي يستقبلهم: "إنه رسول كاذب، يحرف ويجدف". والهدف طبعاً أن يصد الكفار وفود القبائل. ويخبر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما حدث، وإذا قيل للواقفين على أبواب مكة من الوفود التي جاءت تستطلع أخبار للرسول: ماذا أنزل ربكم؟ يردون "إنه يردد أساطير الأولين". وهذا الجواب الواحد من الواقفين على أبواب مكة الأربعة يدل على أنها إجابة متفق عليها، وسبق الإعداد لها، وقد أرادوا بذلك أن يصرفوا وفود القبائل عن الاستماع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فشبهوا الذكر المنزل من الله بمثل ما كان يرويه لهم ـ على سبيل المثال ـ النضر ابن الحارث من قصص القدماء التي تتشابه مع قصص عنترة، وأبي زيد الهلالي التي تروي في قرانا. وهذه هي الموقعة الأولى في الأخذ والرد.
ويعقب الحق سبحانه على قولهم هذا:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:34 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 25

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون "25")</td> </tr> <tr> <td align="right">وانظر إلي قوله سبحانه:

{ليحملوا أوزارهم كاملة .. "25"}
(سورة النحل)

لترى كيف يوضح الحق سبحانه أن النفس البشرة لها أحوال متعددة؛ وإذا أسرفت على نفسها في تلك الجوانب؛ فهي قد تسرف في الجانب الأخلاقي؛ والجانب الاجتماعي؛ وغير ذلك، فتأخذ وزر كل ما تفعل. ويوضح هنا الحق سبحانه أيضاً أن تلك النفس التي ترتكب الأوزار حين تضل نفساً غيرها فهي لا تتحمل من أوزار النفس التي أضلتها إلا ما نتج عن الإضلال؛ فيقول:

{ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم .. "25"}
(سورة النحل)

ذلك أن النفس التي تم إضلالها قد ترتكب من الأوزار في مجالات أخرى ما لا يرتبط بعملية الإضلال. والحق سبحانه أعدل من أن يحمل حتى المضل أوزاراً لم يكن هو السبب فيها؛ ولذلك قال الحق سبحانه هنا:

{ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم .. "25"}
(سورة النحل)

أي: أن المضل يحمل أوزار نفسه، وكذلك يحمل بعضاً من أوزار الذين أضلهم؛ تلك الأوزار الناتجة عن الإضلال. وفي هذا مطلق العدالة من الحق سبحانه وتعالى، فالذين تم إضلالهم يرتكبون نوعين من الأوزار والسيئات؛ أوزار وسيئات نتيجة الإضلال؛ وتلك يحملها معهم من أضلوهم. أما الأوزار والسيئات التي ارتكبوها بأنفسهم دون أن يدفعهم لذلك من أضلوهم؛ فهم يتحملون تبعاتها وحدهم، وبذلك يحمل كل إنسان أحمال الذنوب التي ارتكبها.

<وقد حسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حين قال: "والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر">

وقس على ذلك من سرق في الطوب والأسمنت والحديد وخدع الناس. وحين يقول الحق سبحانه:

{الذين يضلونهم بغير علم .. "25"}
(سورة النحل)

إنما يلفتنا إلي ضرورة ألا تلهينا الدنيا عن أهم قضية تشغل بال الخليقة، وهي البحث عن الخالق الذي أكرم الخلق، وأعد الكون لاستقبالهم. وكان يجب على هؤلاء الذين سمعوا من كفار قريش أن يبحثوا عن الرسول، وأن يسمعوا منه؛ فهم أميون لم يسبق أن جاءهم رسول؛ وقد قال فيهم الحق سبحانه:

{ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون "78"}
(سورة البقرة)

فإذا ما جاءهم الرسول كان عليهم أن يبحثوا، وأن يسمعوا منه لا نقلاً عن الكفار؛ ولذلك سيعاقبهم الله؛ لأنهم أهملوا قضية الدين، ولكن العقوبة الشديدة ستكون لمن كان عندهم علم بالكتاب. والحق سبحانه هو القائل:

{فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا .. "79"}
(سورة البقرة)

ويصف الحق سبحانه من يحملون أوزارهم وبعضاً من أوزار من أضلوهم:

{ألا ساء ما يزرون "25"}
(سورة النحل)

أي: ساء ما يحملون من آثام؛ فهم لم يكتفوا بأوزارهم، بل صدوا عن سبيل الله، ومنعوا الغير أن يستمع إلي قضية الإيمان. ومن نتيجة ذلك أن يبيح من لم يسمع لنفسه بعضاً مما حرم الله؛ فيتحمل من صدهم عن السبيل وزر هذا الإضلال.

<ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "شركم من باع دينه بدنياه، وشر منه من باع دينه بدنيا غيره">

فمن باع الدين ليتمتع قليلاً؛ يستحق العقاب؛ أما من باع دينه ليتمتع غيره فهو الذي سيجد العقاب الأشد من الله.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:34 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 26

</td> </tr> <tr> <td align="center">(قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون "26")</td> </tr> <tr> <td align="right">ويأتي الحق سبحانه هنا بسيرة الأولين والسنن التي أجراها سبحانه عليهم، ليسلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ويوضح له أن ما حدث معه ليس بدعاً؛ بل سبق أن حدث مع من سبق من الرسل. ويبلغه أنه لم يبعث أي رسول إلا بعد تعم البلوى ويطم الفساد، ويفقد البشر المناعة الإيمانية، نتيجة افتقاد من يؤمنون ويعملون الصالحات، ويتواصون بالحق وبالصبر. والمثل الواضح على ذلك ما حدث لبني إسرائيل؛ الذين قال فيهم الحق سبحانه:

{كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه .. "79"}
(سورة المائدة)

فانصب عليهم العذاب من الله، وهذا مصير كل أمة لا تتناهى عن المنكر الظاهر أمامها. ويقول سبحانه هنا:

{قد مكر الذين من قبلهم .. "26"}
(سورة النحل)

والمكر تبييت خفي يبيته الماكر بما يستر عن الممكور به. ولكن حين يمكر أحد بالرسل؛ فهو يمكر بمن يؤيده الله العالم العليم. وإذا ما أعلم الله رسوله بالمكر؛ فهو يلغي كل أثر لهذا التبييت؛ فقد علمه من يقدر على إبطاله. والحق سبحانه هو القائل:

{كتب الله لأغلبن أنا ورسلي .. "21"}
(سورة المجادلة)

وهو القائل:

{ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين "171" إنهم لهم المنصورون "172"}
(سورة الصافات)

وطبق الحق سبحانه ذلك على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ حين مكر به كفار قريش وجمعوا شباب القبائل ليقتلوه؛ فأغشاهم الله ولم يبصروا خروجه للهجرة ولم ينتصر عليه معسكر الكفر بأي وسيلة؛ لا باعتداءات اللسان، ولا باعتداءات الجوارح. وهؤلاء الذين يمكرون بالرسل لم يتركهم الحق سبحانه دون عقاب:

{فأتى الله بنيانهم من القواعد .. "26"}
(سورة النحل)

أي: أنهم إن جعلوا مكرهم كالبناية العالية؛ فالحق سبحانه يتركهم لإحساس الأمن المزيف، ويحفر لهم من تحتهم، فيخر عليهم السقف الذي من فوقهم. وهكذا يضرب الله المثل المعنوي بأمرٍ محسن. وقوله الحق:

{فخر عليهم السقف من فوقهم .. "26"}
(سورة النحل)

يوضح أنهم موجودون داخل هذا البيت، وأن الفوقية هنا للسقف، وهي فوقية شاءها الله ليأتيهم:

{العذاب من حيث لا يشعرون "26"}
(سورة النحل)

وهكذا يأتي عذاب الله بغتة؛ ذلك أنهم قد بيتوا، وظنوا أن هذا التبييت بخفاء يخفي عن الحي القيوم.
وليت الأمر يقتصر على ذلك؛ لا بل يعذبهم الله في الآخرة أيضاً:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:35 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 27

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين "27")</td> </tr> <tr> <td align="right">وهكذا يكون العذاب في الدنيا وفي الآخرة، ويلقون الخزي يوم القيامة. والخزي هو الهوان والمذلة، وهو أقوى من الضرب والإيذاء؛ ولا يتجلد أمامه أحد؛ فالخزي قشعريرة تغشى البدن؛ فلا يفلت منها من تصيبه. وإن كان الإنسان قادراً على أن يكتم الإيلام؛ فالخزي معنى نفسي، والمعاني النفسية تنضح على البشرة؛ ولا يقدر أحد أن يكتم أثرها؛ لأنه يقتل خميرة الاستكبار التي عاش بها الذي بيت ومكر. ويوضح الحق سبحانه هذا المعنى في قوله عن القرية التي كان يأتيها الرزق من عند الله ثم كفرت بأنعم الله؛ فيقول:

{وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون "112"}
(سورة النحل)

أي: كأن الجسد كله قد سار ممتلكاً لحاسة التذوق، وكأن الجوع قد أصبح لباساً؛ يعاني منه صاحبه؛ فيجوع بقفاه، ويجوع بوجهه، ويجوع بذراعه وجلده وخطواته، وبكل ما فيه.
وساعة يحدث هذا الخزي فكل خلايا الاستكبار تنتهي، خصوصاً أمام من كان يدعي عليهم الإنسان أن عظمته وتجبره وغروره باقٍ، وله ما يسنده. ويتابع سبحانه متحدياً:

{أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم .. "27"}
(سورة النحل)

أي: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم؛ فجعلتم من أنفسكم شقة، وجعلتم من المؤمنين شقة أخرى، وكلمة (تشاقون) مأخوذة من "الشق" ويقال: "شق الجدار أو شق الخشب" والمقصود هنا أن جعلتم المؤمنين، ومن مع الرسول في شقة تعادونها، وأخذتم جانب الباطل، وتركتم جانب الحق. وهنا يقول من آتاهم الله العلم:

{قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين "27"}
(سورة النحل)

وكأن هذا الأمر سيصير مشهداً بمحضر الحق سبحانه بين من مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيحضره الذين أتاهم الله العلم. والعلم ـ كما نعلم ـ يأتي من الله مباشرة؛ ثم ينقل إلى الملائكة؛ ثم ينقل من الملائكة إلى الرسل، ثم ينقل من الرسل إلى الأمم التي كلف الحق سبحانه رسله أن يبلغوهم منهجه.
وكما شهدت الدنيا سقوط المناهج التي اتبعوها من أهوائهم، وسقوط من عبدوهم من دون الله سيشهد اليوم الآخر الخزي والسوء وهو يحيط بهم، وقد يكون الخزي من هول الموقف العظيم، ويحمي الله من آمنوا به بالاطمئنان.

<ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: "ألا هل بلغت، اللهم فأشهد">

وكما بلغ رسول الله أمته واستجابت له؛ فقد طلب منهم أيضاً أن يكونوا امتداداً لرسالته، وأن يبلغوها للناس، ذلك أن الحق سبحانه قد منع الرسالات من بعد رسالة محمد عليه الصلاة والسلام. وصار عن مسئولية الأمة المحمدية أن تبلغ كل من لم تبلغه رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع">

والحق سبحانه هو القائل:

{فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا "41" يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض "42"}
(سورة النساء)

أي: يتمنون أن يصيروا تراباً، كما قال تعالى في موقع آخر:

{إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا "40"}
(سورة النحل)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:35 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 28

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون"28")</td> </tr> <tr> <td align="right">يقول تعالى:

{الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم .. "28"}
(سورة النحل)

أي: تتوفاهم في حالة كونهم ظالمين لأنفسهم، وفي آية أخرى قال الحق تبارك وتعالى:

{وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "118"}
(سورة النحل)

ومعلوم أن الإنسان قد يظلم غيره لحظ نفسه ولصالحها .. فكيف يظلم هو نفسه، وهذا يسمونه الظلم الأحمق حين تظلم نفسك التي بين جنبيك .. ولكن كيف ذلك؟
نعرف أن العدو إذا كان من الخارج فسهل التصدي له، بخلاف إذا جاءك من نفسك التي بين جنبيك، فهذا عدو خطير صعب التصدي له، والتخلص منه.
وهنا نطرح سؤالاً: ما الظلم؟ الظلم أن تمنع صاحب حق حقه، إذن: ماذا كان لنفسك عليك حتى يقال: إنك ظلمتها بمنعها حقها؟. نقول: حين تجوع، ألا تأكل؟ وحين تعطش ألا تشرب؟ وحين ترهق من العمل ألا تنام؟
إذن: أنت تعطي نفسك مطلوباتها التي تريحها وتسارع إليها، وكذلك إذا نمت وحاولوا إيقاظك للعمل فلم تستيقظ، أو حاولوا إيقاظك للصلاة فتكاسلت، وفي النهاية كانت النتيجة فشلاً في العمل أو خسارة في التجارة .. الخ.
إذن: هذه خسارة مجمعة، والخاسر هو النفس، وبهذا فقد ظلم الإنسان نفسه بما فاتها من منافع في الدنيا، وقس على ذلك أمور الآخرة.
وانظر هنا إلى جزئيات الدنيا حينما تكتمل لك، هل هي نهاية كل شيء، أم بنهايتها يبتدئ شيء؟ بنهايتها يبتدئ شيء، ونسأل: الشيء الذي سوف يبدأ، هل هو صورة مكررة لما انتهى في الدنيا؟
ليس كذلك، لأن المنتهى في الدنيا منقطع، وقد أخذت حظي منه على قدر قدراتي، وقدراتي لها إمكانات محدودة .. أما الذي سيبدأ ـ أي في الآخرة ـ ليس بمنتهٍ بل خالد لا انقطاع له، وما فيه من نعيم يأتي على قدر إمكانات المنعم ربك سبحانه وتعالى.
إذن: أنت حينما تعطي نفسك متعة في الدنيا الزائلة المنقطعة تفوت عليها المتعة الباقية في الآخرة .. وهذا منتهى الظلم للنفس. ونعود إلى قوله تعالى:

{الذين تتوفاهم الملائكة .. "28"}
(سورة النحل)

أثبتت هذه الآية التوفي للملائكة .. والتوفي حقيقة لله تعالى، كما جاء في قوله:

{الله يتوفى الأنفس .. "42"}
(سورة الزمر)

لكن لما كان الملائكة مأمورين، فكأن الله تعالى هو الذي يتوفى الأنفس رغم أنه سبحانه وتعالى قال:

{الله يتوفى الأنفس .. "42"}
(سورة الزمر)

وقال:

{قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون "11"}
(سورة السجدة)

وقال:

{توفته رسلنا .. "61"}
(سورة الأنعام)

إذن: جاء الحديث من الله تعالى مرة، ومن رئيس الملائكة عزرائيل مرة، ومن مساعديه من الملائكة مرة أخرى، إذن: الأمر إما للمزاولة مباشرة، وإما للواسطة، وإما للأصل الآمر. وقوله تعالى:

{تتوفاهم .. "28"}
(سورة النحل)

معنى التوفي من وفاه حقه أي: وفاه أجله، ولم ينقص منه شيئاً، كما تقول للرجل وفيتك دينك .. أي: أخذت ما لك عندي.

{ظالمي أنفسهم .. "28"}
(سورة النحل)

نلاحظ أنها جاءت بصيغة الجمع، و(ظالمي) يعني ظالمين و(أنفسهم) جمع، وحين يقابل الجمع تقتضي القسمة آحاداً أي: أن كلاً منهم يظلم نفسه. ثم يقول الحق سبحانه:

{فألقوا السلم .. "28"}
(سورة النحل)

أي: خضعوا واستسلموا ولم يعد ينفعهم تكبرهم وعجرفتهم في الدنيا .. ذهب عنهم كل هذا بذهاب الدنيا التي راحت من بين أيديهم. وماداموا ألقوا السلم الآن، إذن: فقد كانوا في حرب قبل ذلك كانوا في حرب مع أنفسهم وهم أصحاب الشقاق في قوله تعالى:

{تشاقون .. "27"}
(سورة النحل)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:35 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 29

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين "29")</td> </tr> <tr> <td align="right">سبق أن قلنا في شرح قوله تعالى في وصف جهنم:

{لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم "44"}
(سورة الحجر)

أي: أن لكل جماعة من أهل المعصية باباً معلوماً .. فباب لأهل الربا .. وباب لأهل الرشوة .. وباب لأهل النفاق وهكذا .. ولك أن تتصور ما يلاقيه من يجمع بين هذه المعاصي!! إنه يدخل هذا الباب ثم يخرج منه ليدخل باباً آخر .. حقاً ما أتعس هؤلاء!
وهنا يقول تعالى:

{فادخلوا أبواب جهنم .. "29"}
(سورة النحل)

فجاءت أيضاً بصورة الجمع. إذن: كل واحد منكم يدخل من بابه الذي خصص له. ثم يقول سبحانه:

{فلبس مثوى المتكبرين "29"}
(سورة النحل)

والمثوى هو مكان الإقامة، وقال تعالى في موضع آخر:

{لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين "23"}
(سورة النحل)

فتكبر واستكبر وكل ما جاء على وزن (تفعًل) يدل على أن كبرهم هذا غير ذاتي؛ لأن الذي يتكبر حقاً يتكبر بما فيه ذاتياً لا يسلبه منه أحد، إنما من يتكبر بشيء لا يملكه فتكبره غير حقيقي، وسرعان ما يزول ويتصاغر هؤلاء بما تكبروا به في الدنيا، وبذلك لا يكون لأحد أن يتكبر لأن الكبرياء الحقيقي لله عز وجل.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:36 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 30

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين "30")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقد سبق أن تحدثنا عن قوله تعالى:

{وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين "24"}
(سورة النحل)

فهذه مشاهدة ولقطات تبين الموقف الذي انتهى بأن أقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. وهذه الآيات نزلت في جماعة كانوا داخلين مكة .. وعلى أبوابها التي يأتي منها أهل البوادي، وقد قسم الكافرون أنفسهم على مداخل مكة ليصدوا الداخلين إليها عن سماع خبر أهل الإيمان بالنبي الجديد.
وكان أهل الإيمان من المسلمين يتحينون الفرصة ويخرجون على مشارف مكة بحجة رعي الغنم مثلاً ليقابلوا هؤلاء السائلين ليخبروهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم وخبر دعوته. مما يدل على أن الذي يسأل عن شيء لا يكتفي بأول عابر يسأله، بل يجدد السؤال ليقف على المتناقضات .. فحين سألوا الكافرين قالوا:

{قالوا أساطير الأولين "24"}
(سورة النحل)

فلم يكتفوا بذلك، بل سألوا أهل الإيمان فكان جوابهم:

{قالوا خيراً .. "30"}
(سورة النحل)

هذا لنفهم أن الإنسان إذا صادف شيئاً له وجهتان متضادتان فلا يكتفي بوجهة واحدة، بل يجب أن يستمع للثانية، ثم بعد ذلك للعقل أن يختار بين البدائل.
إذن: حينما سأل الداخلون مكة أهل الكفر:

{ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين "24"}
(سورة النحل)

وحينما سألوا أهل الإيمان والتقوى:

{ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً .. "30"}
(سورة النحل)

ونلاحظ هنا في:

{وقيل للذين اتقوا "30"}
(سورة النحل)

أن الحق سبحانه لم يوضح لنا من هم، ولم يبين هويتهم، وهذا يدلنا على أنهم كانوا غير قادرين على المواجهة، ويدارون أنفسهم لأنهم ما زالوا ضعافاً لا يقدرون على المواجهة. وقد تكرر هذا الموقف ـ موقف السؤال إلى أن تصل إلى الوجهة الصواب ـ حينما عتب الحق تبارك وتعالى على نبي من أنبيائه هو سيدنا داود ـ عليه السلام ـ في قوله تعالى:

{وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب "21" إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط "22" إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب "23"}
(سورة ص)

فماذا قال داود عليه السلام؟

{قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه .. "24"}
(سورة ص)

وواضح في حكم داود عليه السلام تأثره بقوله (له تسع وتسعون) ولنفرض أنه لم يكن عنده شيء، ألم يظلم أخاه بأخذ نعجته؟! إذن: تأثر داود بدعوى الخصم، وأدخل فيه حيثية أخرى، وهذا خطأ إجرائي في عرض القضية؛ لأن (تسع وتسعون) هذه لا دخل لها في القضية .. بل هي لاستمالة القاضي وللتأثير على عواطفه ومنافذه، ولبيان أن الخصم غني ومع ذلك فهو طماع ظالم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:36 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 31

</td> </tr> <tr> <td align="center">(جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين"31")</td> </tr> <tr> <td align="right">والجنات: تعني البساتين التي بها الأشجار والأزهار والثمار والخضرة، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر .. ليس هذا وفقط .. هذه الجنة العمومية التي يراها كل من يدخلها .. بل هناك لكل واحد قصر خاص به، بدليل قوله تعالى:

{ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم "12"}
(سورة الصف)

إذن: هنا قدر مشترك للجميع:

{جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار .. "31"}
(سورة النحل)

ومعنى قوله تعالى:

{جنات عدن .. "31"}
(سورة النحل)

أي: جنات إقامة دائمة؛ لأن فيها كل ما يحتاجه الإنسان، فلا حاجه له إلى غيرها .. هب أنك دخلت أعظم حدائق وبساتين العالم ـ هايد بارك مثلاً ـ فقصارى الأمر أن تتنزه به بعض الوقت، ثم يعتريك التعب ويصيبك الملل والإرهاق فتطلب الراحة من هذه النزهة .. أما الجنة فهي جنة عدن، تحب أن تقيم فيها إقامة دائمة.
ويصف الحق سبحانه هذه الجنات فيقول:

{تجري من تحتها الأنهار .. "31"}
(سورة النحل)

وفي آية أخرى يقول سبحانه:

{تجري تحتها الأنهار .. "100"}
(سورة التوبة)

ومعنى "تجري تحتها" أي: أنها تجري تحتها، وربما تأتي من مكان آخر .. وقد يقول هنا قائل: يمكن أن يمنع عنك جريان هذه الأنهار؛ لذلك جاءت الآية:

{تجري من تحتها الأنهار .. "31"}
(سورة النحل)

أي: ذاتية في الجنة لا يمنعها عنك مانع. ثم يقول تعالى:

{لهم فيها ما يشاءون .. "31"}
(سورة النحل)

والمشيئة هنا ليست بإرادة الدنيا ومشيئتها، وإنما مشيئة بالمزاج الخصب الذي يتناسب مع الآخرة ونعيمها .. مثلاً: إذا دخلت على إنسان رقيق الحال فلك مشيئة على قدر حالته، وإذا دخلت على أحد العظماء أو الأثرياء كانت لك مشيئة أعلى .. وهكذا.
إذن: المشيئات النفسية تختلف باختلاف المشاء منه، فإذا كان المشاء منه هو الله الذي لا يعجزه شيء تكون مشيئتك مطلقة، فالمشيئة في الآية ليست كمشيئة الدنيا؛ لأن مشيئة الدنيا تتحدد ببيئة الدنيا .. أما مشيئة الآخرة فهي المشيئة المتفتحة المتصاعدة المرتقية كما تترقى المشيئات عند البشر في البشر حسب مراتبهم ومراكزهم.
ويروي أنه لما أسرت بنت أحد ملوك فارس عند رجل، وأرادوا شراءها منه وعرضوا عليه ما يريد، فقال: أريد فيها ألف دينار، فأعطوه الألف دينار وأخذوها منه .. فقال له أحدهم: إنها ابنة الملك، ولو كنت طلبت منه كذا وكذا لم يبخل عليك فقال: والله لو علمت أن وراء الألف عدداً لطلبته .. فقد طلب قصارى ما وصل إليه علمه.
لذلك لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرح لنا هذا النص القرآني:

{لهم فيها ما يشاءون .. "31"}
(سورة النحل)

وكذلك قوله تعالى:

{وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون "71"}
(سورة الزخرف)

قال: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". إذن: تحديد الإطار للآية بقدر ما هم فيه عند ربهم.

{كذلك يجزي الله المتقين "31"}
(سورة النحل)

أي: هكذا الجزاء الذي يستحقونه بما قدموا في الدنيا، وبما حرموا منه أنفسهم من متع حرام .. وقد جاء الآن وقت الجزاء، وهو جزاء أطول وأدوم؛ لذلك قال الحق تبارك وتعالى في آية أخرى:

{كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية "24"}
(سورة الحاقة)

ثم يقول الحق تبارك وتعالى:</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:36 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 32

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين تتوافهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون"32")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: المتقون هم الذين تتوفاهم الملائكة طيبين. ومعنى:

{تتوفاهم .. "32"}
(سورة النحل)

أي: تأتي لقبض أرواحهم، وهنا نسب التوفي إلى جملة الملائكة، كأنهم جنود ملك الموت الأصيل عزرائيل، وقد سبق أن قلنا: إن الحق تبارك وتعالى مرة ينسب التوفي إلى الملائكة، ومرة ينسبه إلى ملك الموت:

{قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم .. "11"}
(سورة السجدة)

ومرة ينسبه إلى نفسه سبحانه:

{الله يتوفى .. "42"}
(سورة الزمر)

ذلك لأن الله سبحانه هو الآمر الأعلى، وعزرائيل ملك الموت الأصيل، والملائكة هم جنوده الذين ينفذون أوامره. وقوله:

{طيبين .. "32"}
(سورة النحل)

تقابل الآية السابقة:

{الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم .. "28"}
(سورة النحل)

والطيب هو الشيء الذي يوجد له خير دائم لا ينقطع ولا ينقلب خيره هذا شراً، وهو الشيء الذي تستريح له النفس راحة تنسجم منها كل ملكاتها، بشرط أن يكون مستمراً إلى خير منه، ولا يستمر إلى خير منه واحسن إلا طيب القيم وطيب الدين، أما غير ذلك فهو طيب موقوت سرعان ما يهجر.
ولذلك حينما يدعي اثنان المحبة في الله نقول: هذه كلمة تقال، ومصداقها أن ينمو الود بينكما كل يوم عن اليوم الذي قبله؛ لأن الحب للدنيا تشوبه الأطماع والأهواء، فترى الحب ينقص يوماً بعد يوم، حسب ما يأخذ أحدهما من الآخر، أما المتحابان في الله فيأخذان من عطاء لا ينفذ، هو عطاء الحق تبارك وتعالى، فإن رأيت اثنين يزداد ودهما فاعلم أنه ود الله وفي الله، على خلاف الود لأغراض الدنيا فهو ود سرعان ما ينقطع.
هل هناك أطيب من أنهم طهروا أنفسهم من دنس الشرك؟ وهل هناك أطيب من أنهم اخلصوا عملهم لله، وهل هناك أطيب من أنهم لم يسرفوا على أنفسهم في شيء؟
وحسب هؤلاء من الطيب أنهم ساعة يأتي ملك الموت يمر عليهم شريط أعمالهم، وملخص ما قدموه في الدنيا، فيرون خيراً، فتراهم مستبشرين فرحين، يبدو ذلك على وجوههم ساعة الاحتضار، فتراه أبيض الوجه مشرقاً مبتسماً، عليه خاتمة الخير والطيب والسعادة؛ ذلك لما عاينه من طيب عمله، ولما يستبشر به من الجزاء عند الله تبارك وتعالى.
وعلى عكس هذه الحالة تماماً نرى أهل الشقاوة، وما هم عليه ساعة الغرغرة من سواد الوجه، وسوء الخاتمة، والعياذ بالله.

{يقولون سلام عليكم .. "32"}
(سورة النحل)

أي: حينما تتوفاهم الملائكة يقولون لهم سلام؛ لأنكم خرجتم من الدنيا بسلام، وستقبلون على الآخرة بسلام، إذن: سلام الطيبين سلام موصول من الدنيا إلى الآخرة، سلام مترتب على سلامة دينكم في الدنيا، وسلامة إقبالكم على الله، دون خوف في الآخرة.
وهنا سلام آخر جاء في قول الحق تبارك وتعالى:

{وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين "73"}
(سورة الزمر)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:37 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 33

</td> </tr> <tr> <td align="center">(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "33")</td> </tr> <tr> <td align="right">بعد أن عرضت الآيات جزاء المتقين الذين قالوا خيراً، عادت لهؤلاء الذين قالوا (أساطير الأولين) الذين يصادمون الدعوة إلى الله، ويقفون منها موقف العداء والكيد والتربص والإيذاء. وهذا استفهام من الحق تبارك وتعالى لهؤلاء: ماذا تنتظرون؟! بعدما فعلتم بأمر الدعوة وما صددتم الناس عنها، ماذا تنتظرون؟ أتنتظرون أن تروا بأعينكم، ليس أمامكم إلا أمران: سيحلان بكم لا محالة:
إما أن تأتيكم الملائكة فتتوفاكم، أو يأتي أمر ربك، وهو يوم القيامة ولا ينجيكم منها إلا أن تؤمنوا، أم أنكم تنتظرون خيراً؟! فلن يأتيكم خير أبداً .. كما قال تعالى في آيات أخرى:

{أتى أمر الله فلا تستعجلون .. "1"}
(سورة النحل)

وقال:

{اقتربت الساعة .. "1"}
(سورة القمر)

وقال:

{اقترب للناس حسابهم .. "1"}
(سورة الأنبياء)

إذن: إنما ينتظرون أحداثاً تأتي لهم بشر: تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم في حالة هم بها ظالمون لأنفسهم، ثم يلقون السلام رغماً عنهم، أو: تأتيهم الطامة الكبرى وهي القيامة. ثم يقول الحق سبحانه:

{كذلك فعل الذين من قبلهم .. "33"}
(سورة النحل)

أي: ممن كذب الرسل قبلهم .. يعني هذه مسألة معروفة عنهم من قبل:

{وما ظلمهم الله .. "33"}
(سورة النحل)

أي: وما ظلمهم الله حين قدر أن يجازيهم بكذا وكذا، وليس المراد هنا ظلمهم بالعذاب؛ لأن العذاب لم يحل بهم بعد.

{ولكن كانوا أنفسهم يظلمون "33"}
(سورة النحل)

وهذا ما نسميه بالظلم الأحمق؛ لأن ظلم الغير قد يعود على الظالم بنوع من النفع، أما ظلم النفس فلا يعود عليها بشيء؛ وذلك لأنهم أسرفوا على أنفسهم في الدنيا فيما يخالف منهج الله، وبذلك فوتوا على أنفسهم نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وهذا هو ظلمهم لأنفسهم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:37 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 34

</td> </tr> <tr> <td align="center">(فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون "34")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: أنهم لما ظلموا أنفسهم أصابهم جزاء ذلك، وسمي ما يفعل بهم سيئة؛ لأن الحق تبارك وتعالى يسمي جزاء السيئة سيئة في قوله:

{كذلك فعل الذين من قبلهم .. "40"}
(سورة الشورى)

ويقول تعالى:

{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .. "126"}
(سورة النحل)

وهذه تسمى المشاكلة، أي: أن هذه من جنس هذه.
وقوله تعالى: (ما عملوا) العمل هو مزاولة أي جارحة من الإنسان لمهمتها، فكل جارحة لها مهمة. الرجل واليد والعين والأذن .. الخ. فاللسان مهمته أن يقول، وبقية الجوارح مهمتها أن تفعل. إذن: فاللسان وحده أخذ النصف، وباقي الجوارح أخذت النصف الآخر؛ ذلك لأن حصائد الألسنة عليها المعلول الأساسي.
فكلمة الشهادة: لا إله إلا الله لابد من النطق بها لنعرف أنه مؤمن، ثم يأتي دور الفعل ليساند هذا القول؛ لذا قال تعالى:

{يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون "2" كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون "3"}
(سورة الصف)

وبالقول تبلغ المناهج للآذان .. فكيف تعمل الجوارح دون منهج؟ ولذلك فقد جعل الحق تبارك وتعالى للأذن وضعاً خاصاً بين باقي الحواس، فهي أول جارحة في الإنسان تؤدي عملها، وهي الجارحة التي لا تنقضي مهمتها أبداً .. كل الجوارح لا تعمل مثلاً أثناء النوم إلا الأذن، وبها يتم الاستدعاء والاستيقاظ من النوم.
وإذا استقرأت آيات القرآن الكريم، ونظرت في آيات الخلق ترى الحق تبارك وتعالى يقول:

{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون "78"}
(سورة النحل)

ثم هي آلة الشهادة يوم القيامة:

{حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم .. "20"}
(سورة فصلت)

ولذلك يقول الحق سبحانه:

{فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً "11"}
(سورة الكهف)

ومعنى: ضربنا على آذانهم، أي: عطلنا الأذن التي لا تعطل حتى يطمئن نومهم ويستطيعوا الاستقرار في كهفهم، فلو لم يجعل الله تعالى في تكوينهم الجارحي شيئاً معيناً لما استقر لهم نوم طوال 309 أعوام.
ويقول الحق تعالى:

{وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون "34"}
(سورة النحل)

بماذا استهزأ الكافرون؟ استهزأوا بالبعث والحساب وما ينتظرهم من العذاب، فقالوا كما حكى القرآن:

{أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون "16" أو آباؤنا الأولون "17"}
(سورة الصافات)

وقالوا:

{أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلقٍ جديدٍ .. "10"}
(سورة السجدة)

ثم بلغ بهم الاستهزاء أن تعجلوا العذاب فقالوا:

{فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين "70"}
(سورة الأعراف)

وقالوا:

{أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً .. "92"}
(سورة الإسراء)

وهل يطلب أحد من عدوه أن ينزل به العذاب إلا إذا كان مستهزئاً؟
فقال لهم الحق تبارك وتعالى: إنكم لن تقدروا على هذا العذاب الذي تستهزئون به. فقال:

{وحاق بهم .. "34"}
(سورة النحل)

أي: أحاط ونزل بهم، فلا يستطيعون منه فراراً، ولا يجدون معه منفذاً للفكاك، كما في قوله تعالى:

{والله من ورائهم محيط "20"}
(سورة البروج)
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:37 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 35

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين"35")</td> </tr> <tr> <td align="right">نلاحظ أنه ساعة أن يأتي الفعل نصاً في مطلوبه لا يذكر المتعلق به .. فلم يقل: أشركوا بالله .. لأن ذلك معلوم، والإشراك معناه الإشراك بالله، لذلك قال تعالى هنا:

{وقال الذين أشركوا .. "35"}
(سورة النحل)

ثم يورد الحق سبحانه قولهم:

{لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيءٍ .. "35"}
(سورة النحل)

إنهم هنا يدافعون عن أنفسهم، وهذه هي الشفاعة التي يعلق عليها الكفار خطاياهم ـ شماعة أن الله كتب علينا وقضى بكذا وكذا. فيقول المسرف على نفسه: ربنا هو الذي أراد لي كذا، وهو الذي يهدي، وهو الذي يضل، وهو الذي جعلني ارتكب الذنوب، إلى آخر هذه المقولات الفارغة من الحق ـ والنهاية؛ فلماذا يعذبني إذن؟
وتعالوا نناقش صاحب هذه المقولات، لأن عنده تناقضاً عقلياً، والقضية غير واضحة أمامه .. ولكي نزيل عنه هذا الغموض نقول له: ولماذا لم تقل: إذا كان الله قد أراد لي الطاعة وكتبها علي، فلماذا يثيبني عليها .. هكذا المقابل .. فلماذا قلت بالأولى ولم تقل بالثانية؟‍‍‍‍‍!
واضح أن الأولى تجر عليك الشر والعذاب، فوقفت في عقلك .. أما الثانية فتجر عليك الخير، لذلك تغاضيت عن ذكرها.
ونقول له: هل أنت حينما تعمل أعمالك .. هل كلها خير؟ أم هل كلها شر؟ أما منها ما هو خير، ومنها ما هو شر؟
والإجابة هنا واضحة. إذن: لا أنت مطبوع على الخير دائماً، ولا أنت مطبوع على الشر دائماً، لذلك فأنت صالح للخير، كما أنت صالح للشر.
إذن: هناك فرق بين أن يخلقك صالحاً للفعل وضده، وبين أن يخلقك مقصوراً على الفعل لا ضده، ولما خلقك صالحاً للخير وصالحاً للشر أوضح لك منهجه وبين لك الجزاء، فقال: اعمل الخير .. والجزاء كذا، واعمل الشر .. والجزاء كذا .. وهذا هو المنهج.
ويحلو للمسرف على نفسه أن يقول: إن الله كتبه علي .. وهذا عجيب، وكأني به قد اطلع على اللوح المحفوظ ونظر فيه ، فوجد أن الله كتب عليه أن يشرب الخمر مثلاً فراح فشربها؛ لأن الله كتبها عليه.
ولو أن الأمر هكذا لكنت طائعاً بشربك هذا، لكن الأمر خلاف ما تتصور، فأنت لا تعرف أنها كتب عليك إلا بعد أن فعلت، والفعل منك مسبوق بالعزم على أن تفعل، فهل اطلعت على اللوح المحفوظ كي تعرف ما كتبه الله عليك؟
انتبه هنا واعلم أن الله تعالى كتب أزلاً؛ لأنه علم أنك تفعل أجلاً، وعلم الله مطلق لا حدود له. ونضرب مثلاً ـ ولله المثل الأعلى ـ الوالد الذي يلاحظ ولده في دراسته، فيجده مهملاً غير مجد فيتوقع فشله في الامتحان .. هل دخل الوالد مع ولده وجعله يكتب خطأ؟ لا .. بل توقع له الفشل لعلمه بحال ولده، وعدم استحقاقه للنجاح.
إذن: كتب الله مسبقاً وأزلاً؛ لأنه يعلم ما يفعله العبد أصلاً .. وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى صورة أخرى لهذا المنهج حينما وجه المؤمنين إلى الكعبة بعد أن كانت وجهتهم إلى بيت المقدس، فقال تعالى:

{قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره .. "144"}
(سورة البقرة)

ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

{سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها .. "142" }
(سورة البقرة)

جاء الفعل هكذا في المستقبل: سيقول .. إنهم لم يقولوا بعد هذا القول، وهذا قرآن يتلى على مسامع الجميع غير خافٍ على أحد من هؤلاء السفهاء، فلو كان عند هؤلاء عقل لسكتوا ولم يبادروا بهذه المقولة، ويفوتوا الفرصة بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صدق القرآن الكريم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:38 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 36

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"36")</td> </tr> <tr> <td align="right">فالحق سبحانه يقول هنا:

{ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً .. "36"}
(سورة النحل)

وفي آية أخرى يقول سبحانه:

{من كل أمةٍ .. "84"}
(سورة النحل)

فهذه لها معنى، وهذه لها معنى .. فقوله:

{من كل أمةٍ .. "84"}
(سورة النحل)

أي: من أنفسهم، منهم خرج، وبينهم تربى ودرج، يعرفون خصاله وصدقه ومكانته في قومه. أما قوله تعالى:

{في كل أمةٍ .. "36"}
(سورة النحل)

فـ"في هنا تفيد الظرفية. أي: في الأمة كلها، وهذه تفيد التغلغل في جميع الأمة .. فلا يصل البلاغ منه إلى جماعة دون أخرى، بل لابد من عموم البلاغ لجميع الأمة.
وكذلك يقول تعالى مرة:

{أرسلنا .. "26"}
(سورة الحديد)

ومرة أخرى يقول:

{بعثنا .. "36"}
(سورة النحل)

وهناك فرق بين المعنيين فـ(أرسلنا) تفيد الإرسال، وهو: أن يتوسط مرسل إلى مرسل إليه. أما (بعثنا) فتفيد وجود شيء سابق اندثر، ونريد بعثه من جديد.
ولتوضيح هذه القضية نرجح إلى قصة آدم ـ عليه السلام ـ حيث علمه الله الأسماء كلها، ثم أهبطه من الجنة إلى الأرض. وقال:

{فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "38"}
(سورة البقرة)

وقال في آية أخرى:

{فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى "123"}
(سورة طه)

إذن: هذا منهج من الله تعالى لآدم ـ عليه السلام ـ والمفروض أن يبلغ آدم هذا المنهج لأبنائه، والمفروض في أبنائه أن يبلغوا هذا المنهج لأبنائهم، وهكذا، إلا أن الغفلة قد تستحوذ على المبلغ للمنهج، أو عدم رعاية المبلغ للمنهج فتنطمس المناهج، ومن هنا يبعثها الله من جديد، فمسألة الرسالات لا تأتي هكذا فجأة فجماعة من الجماعات، بل هي موجودة منذ أول الخلق.
فالرسالات إذن بعث لمنهج إلهي، كان يجب أن يظل على ذكر من الناس، يتناقله الأبناء عن الآباء، إلا أن الغفلة قد تصيب المبلغ فلا يبلغ، وقد تصيب المبلغ فلا يلتزم بالبلاغ؛ لذلك يجدد الله الرسل.
وقد وردت آيات كثيرة في هذا المعنى، مثل قوله تعالى:

{وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير "24"}
(سورة فاطر)

وقوله:

{ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون "131"}
(سورة الأنعام)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:38 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 37

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين "37")</td> </tr> <tr> <td align="right">يسلي الحق تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، ويثبت له حرصه على أمته، وأنه يحمل نفسه في سبيل هدايتهم فوق ما حمله الله، كما قال له في آية أخرى:

{لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين "3"}
(سورة الشعراء)

ويقول تعالى:

{لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم "128"}
(سورة التوبة)

ثم بعد ذلك يقطع الحق سبحانه الأمل أمام المكذبين المعاندين فيقول تعالى:

{فإن الله لا يهدي من يضل .. "37"}
(سورة النحل)

أي: لا يضل إلا من لم يقبل الإيمان به فيدعه إلى كفره، بل ويطمس على قلبه غير مأسوف عليه، فهذه إرادته، وقد أجابه الله إلى ما يريد.

{وما لهم من ناصرين "37"}
(سورة النحل)

إذن: المسألة ليست مجرد عدم الهداية، بل هناك معركة لا يجدون لهم فيها ناصراً أو معيناً يخلصهم منها، كما قال تعالى:

{فما لنا من شافعين "100" ولا صديق حميمٍ "101"}
(سورة الشعراء)

إذن: لا يهدي الله من اختار لنفسه الضلال، بل سيعذبه عذاباً لا يجد من ينصره فيه. ثم يقول الحق سبحانه عنهم.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:38 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 38

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون"38")</td> </tr> <tr> <td align="right">{وأقسموا بالله .. "38"}
(سورة النحل)

سبحان الله!! كيف تقسمون بالله وأنتم لا تؤمنون به؟! وما مدلول كلمة الله عندكم؟ .. هذه علامة غباء عند الكفار ودليل على أن موضوع الإيمان غير واضح في عقولهم؛ لأن كلمة الله نفسها دليل على الإيمان به سبحانه، ولا توجد الكلمة في اللغة إلا بعد وجود ما تدل عليه أولاً .. فالتلفزيون مثلاً قبل أن يوجد لم يكن له اسم، ثم بعد أن وجد أوجدوا له اسماً.
أذن: توجد المعاني أولاً، ثم توضع للمعاني أسماء، فإذا رأيت اسماً يكون معناه قبله أم بعده؟ يكون قبله .. فإذا قالوا: الله غير موجود نقول لهم: كذبتم؛ لأن كلمة الله لفظ موجود في اللغة ولابد أن لها معنى سبق وجودها.
إذن: فالإيمان سابق للكفر .. وجاء الكفر منطقياً؛ لأن معنى الكفر: الستر .. والسؤال إذن: ماذا ستر؟ ستر الإيمان، ولا يستر إلا موجوداً، وبذلك نقول: إن الكفر دليل على الإيمان.

{وأقسموا بالله جهد أيمانهم .. "38"}
(سورة النحل)

أي: مبالغين في اليمين مؤكدينه، وما أقرب غباءهم هنا بما قالوه في آية أخرى:

{اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم "32"}
(سورة الأنفال)

فليس هذا بكلام العقلاء. وكان ما أقسموا عليه بالله أنه:

{لا يبعث الله من يموت .. "38"}
(سورة النحل)

وهذا إنكار للبعث، كما سبق وأن قالوا:

{قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون "82"}
(سورة المؤمنون)

فيرد عليهم الحق سبحانه (بلى).
وهي أداة لنفي السابق عليها، وأهل اللغة يقولون: نفي النفي إثبات، إذاً "بلى" تنفي النفي قبلها وهو قولهم:

{لا يبعث الله من يموت .. "38"}
(سورة النحل)

فيكون المعنى: بل يبعث الله من يموت.

{وعداً عليه حقاً .. "38"}
(سورة النحل)

والوعد هو الإخبار بشيء لم يأت زمنه بعد، فإذا جاء وعد بحدث يأتي بعد ننظر فيمن وعد: أقادر على إيجاد ما وعد به؟ أم غير قادر؟
فإن كان غير قادر على إنفاذ ما وعد به لأنه لا يضمن جميع الأسباب التي تعينه على إنفاذ وعده، قلنا له قل: إن شاء الله .. حتى إذا جاء موعد التنفيذ فلم تف بوعدك التمسنا لك عذراً، وحتى لا توصف ساعتها بالكذب، فقد نسب الأمر إلى مشيئة الله.
والحق ـ تبارك وتعالى ـ لا يمنعنا أن نخطط للمستقبل ونعمل كذا ونبني كذا .. خطط كما تحب، واعدد للمستقبل عدته، لكن أردف هذا بقولك: إن شاء الله؛ لأنك لا تملك جميع الأسباب التي تمكن من عمل ما تريد مستقبلاً، وقد قال الحق تبارك وتعالى:

{ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا "23" إلا أن يشاء الله .. "24"}
(سورة الكهف)

ونضرب لذلك مثلاً: هب أنك أردت أن تذهب غداً إلى فلان لتكلمه في أمر ما .. هل ضمنت لنفسك أن تعيش لغد؟ وهل ضمنت أن هذا الشخص سيكون موجوداً غداً؟ وهل ضمنت ألا يتغير الداعي الذي تريده؟ وربما توفرت لك هذه الظروف كلها، وعند الذهاب ألم بك عائق منعك من الذهاب. إذن: يجب أن نردف العمل في المستقبل بقولنا: إن شاء الله.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:39 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 39

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين"39")</td> </tr> <tr> <td align="right">فمعنى قوله تعالى:

{ليبين لهم الذي يختلفون فيه .. "39"}
(سورة النحل)

أي: من أمر البعث؛ لأن القضية لا تستقيم بدون البعث والجزاء؛ ولذلك كنت في جدالي للشيوعيين أقول لهم: لقد أدركتم رأسماليين شرسين ومفترين، شربوا دم الناس وعملوا كذا وكذا .. فماذا فعلتم بهم؟ يقولون: فعلنا بهم كيت وكيت، فقلت: ومن قبل وجود الشيوعية سنة 1917، ألم يكن هناك ظلمة مثل هؤلاء؟
قالوا: بلى.
قلت: إذن من مصلحتكم أن يوجد بعث وحساب وعقاب لا يفلت منه هؤلاء الذين سبقوكم، ولم تستطيعوا تعذيبهم. ثم يأتي فصل الخطاب في قوله تعالى:

{وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين "39"}
(سورة النحل)

أي: كاذبين في قولهم:

{لا يبعث الله من يموت .. "38"}
(سورة النحل)

وذلك علم يقين ومعاينة، ولكن بعد فوات الأوان، فالوقت وقت حساب وجزاء لا ينفع فيه الاعتراف ولا يجدي التصديق، فالآن يعترفون بأنهم كانوا كاذبين في قسمهم لا يبعث الله من يموت وبالغوا في الأيمان وأكدوها؛ ولذلك يقول تعالى عنهم في آية أخرى:

{وكانوا يصرون على الحنث العظيم "46"}
(سورة الواقعة)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:39 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 40

</td> </tr> <tr> <td align="center">(إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون"40")</td> </tr> <tr> <td align="right">إذن: أمر البعث ليس علاجاً لجزئيات كل شخص وضم أجزائه وتسويته من آدم حتى قيام الساعة، بل المسألة منضبطة تماماً مع الأمر الإلهي (كن).
وبمجرد صدوره، ودون حاجة لوقت ومزاولة يكون الجميع ماثلاً طائعاً، كل واحد منتظر دوره، منتظر الإشارة؛ ولذلك جاء في الخبر: "أمور يبديها ولا يبتديها".
فالأمر يتوقف على الإذن: اظهر يظهر.
ومثال ذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ من يعد القنبلة الزمنية مثلاً، ويضبطها على وقت معين .. تظل القنبلة هذه إلى وقت الانفجار الذي وضع فيها، ثم تنفجر دون تدخل من صناعها .. مجرد الإذن لها بالانفجار تنفجر.
وحتى كلمة (كن) نفسها تحتاج لزمن، ولكن ليس هناك أقرب منها في الإذن .. وإن كان الأمر في حقه تعالى لا يحتاج إلى كن ولا غيره.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:39 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 41

</td> </tr> <tr> <td align="center">(والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون "41")</td> </tr> <tr> <td align="right">المهاجرون قوم آمنوا بالله إيماناً صار إلى مرتبة من مراتب اليقين جعلتهم يتحملون الأذى والظلم والاضطهاد في سبيل إيمانهم فلا يمكن أن يضحي الإنسان بماله وأهله ونفسه إلا إذا كان لأمر يقيني.
وقد جاءت هذه الآية بعد آية إثبات البعث الذي أنكره الكافرون وألحوا في إنكاره وبالغوا فيه، بل وأقسموا على ذلك:

{وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت .. "38"}
(سورة النحل)

وهم يعلمون أن من الخلق من يسئ، ومنهم من يحسن، فهل يعتقدون ـ في عرف العقل ـ أن يترك الله من أساء ليعربد في خلق الله دون أن يجازيه؟
ذلك يعني أنهم خائفون من البعث، فلو أنهم كانوا محسنين لتمنوا البعث، أما وقد أسرفوا على أنفسهم إسرافاً يشفقون معه على أنفسهم من الحساب والجزاء، فمن الطبيعي أن ينكروا البعث، ويلجأوا إلى تمنية أنفسهم بالأماني الكاذبة، ليطمئنوا على أن ما أخذوه من مظالم الناس ودمائهم وكرامتهم وأمنهم أمر لا يحاسبون عليه.
وإذا كانوا قد أنكروا البعث، ويوجد رسول ومعه مؤمنون به يؤمنون بالبعث والجزاء إيماناً يصل إلى درجة اليقين الذي يدفعهم إلى التضحية في سبيل هذا الإيمان .. إذن: لابد من وجود معركة شرسة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، معركة بين الحق والباطل.
ومن حكمة الله أن ينشر الإسلام في بدايته بين الضعفاء، حتى لا يظن ظان أن المؤمنين فرضوا إيمانهم بالقوة، لا .. هؤلاء هم الضعفاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، والكفار هم السادة .. إذن: جاء الإسلام ليعاند الكبار الصناديد العتاة.
وكان من الممكن أن ينصر الله هؤلاء الضعفاء ويعلي كلمة الدين من البداية، ولكن أراد الحق تبارك وتعالى أن تكون الصيحة الإيمانية في مكة أولاً؛ لأن مكة مركز السيادة في جزيرة العرب، وقريش هم أصحاب المهابة وأصحاب النفوذ والسلطان، ولا تقوى أي قبيلة في الجزيرة أن تعارضها، ومعلوم أنهم أخذوا هذه المكانة من رعايتهم لبيت الله الحرام وخدمتهم للوافدين إليه.
فلو أن الإسلام اختار بقعة غير مكة لقالوا: إن الإسلام استضعف جماعة من الناس، وأغراهم بالقول حتى آمنوا به. لا، فالصيحة الإسلامية جاءت في أذن سادة قريش وسادة الجزيرة الذين أمنهم الله في رحلة الشتاء والصيف، وهم أصحاب القوة وأصحاب المال.
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم ينصر الله دينه في بلد السادة؟ نقول: لا .. الصيحة في أذن الباطل تكون في بلد السادة في مكة، لكن نصرة الدين لا تأتي على يد هؤلاء السادة، وإنما تأتي في المدينة.
وهذا من حكمة الله تعالى حتى لا يقول قائل فيما بعد: إن العصبية لمحمد في مكة فرضت الإيمان بمحمد .. لا بل يريد أن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد، فجاء له بعصبية بعيدة عن قريش، وبعد ذلك دانت لها قريش نفسها.
ومادامت هناك معركة، فمن المطحون فيها؟ المطحون فيها هو الضعيف الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه .. وهؤلاء هم الذين ظلموا .. ظلموا في المكان الذي يعيشون فيه؛ ولذلك كان ولابد أن يرفع الله عنهم هذا الظلم.
وقد جاء رفع الظلم عن هؤلاء الضعفاء على مراحل .. فكانت المرحلة الأولى أن ينتقل المستضعفون من مكة، لا إلى دار إيمان تحميهم وتساعدهم على نشر دينهم، بل إلى دار أمن فقط يأمنون فيها على دينهم .. مجرد أمن يتيح لهم فرصة أداء أوامر الدين.
ولذلك استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد كلها لينظر أي الأماكن تصلح دار أمن يهاجر إليها المؤمنون بدعوته فلا يعارضهم أحد، فلم يجد إلا الحبشة؛ ولذلك قال عنها: "إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه".
وتكفي هذه الصفة في ملك الحبشة ليهاجر إليه المؤمنون، ففي هذه المرحلة من نصرة الدين لا نريد أكثر من ذلك، وهكذا تمت الهجرة الأولى إلى الحبشة.
ثم يسر الله لدينه أتباعاً وأنصاراً التقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على النصرة والتأييد، ذلكم هم الأنصار من أهل المدينة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ومهدوا للهجرة الثانية إلى المدينة، وهي هجرة ـ هذه المرة ـ إلى دار أمن وإيمان، يأمن فيها المسلمون على دينهم، ويجدون الفرصة لنشره في ربوع المعمورة.
ونقف هنا عند قوله تعالى:

{والذين هاجروا .. "41"}
(سورة النحل)

ومادة هذا الفعل: هجر .. وهناك فرق بين هجر وبين هاجر: هجر: أن يكره الإنسان الإقامة في مكان، فيتركه إلى مكان آخر يرى انه خير منه، إنما المكان نفسه لم يكرهه على الهجرة .. أي المعنى: ترك المكان مختاراً.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:39 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 42

</td> </tr> <tr> <td align="center">(الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون "42")</td> </tr> <tr> <td align="right">الحق تبارك وتعالى يريد أن يعطينا تشريحاً لحال المهاجرين، فقد ظلموا واضطهدوا وأوذوا في سبيل الله، ولم يفتنهم هذا كله عن دينهم، بل صبروا وتحملوا، بل خرجوا من أموالهم وأولادهم، وتركوا بلدهم وأرضهم في سبيل دينهم وعقيدتهم، حدث هذا منهم اتكالاً على أن الله تعالى لن يضيعهم.
ولذلك جاء التعبير القرآني هكذا (صبروا) بصيغة الماضي، فقد حدث منهم الصبر فعلاً، كأن الإيذاء الذي صبروا عليه فترة مضت وانتهت، والباقي لهم عزة ومنعة وقوة لا يستطيع أحد أن يضطهدهم بعد ذلك، وهذه من البشارات في الأداء القرآني.
أما في التوكل، فقال تعالى في حقهم:

{وعلى ربهم يتوكلون "42"}
(سورة النحل)

بصيغة المضارع؛ لأن التوكل على الله حدث منهم في الماضي، ومستمرون فيه في الحاضر والمستقبل، وهكذا يكون حال المؤمن. وبعد ذلك تكلم القرآن الكريم عن قضية وقف منها الكافرون أيضاً موقف العناد والمكابرة والتكذيب، </td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:40 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 43

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "43")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقد اعترض المعاندون من الكفار على كون الرسول بشراً. وقالوا: إذا أراد الله أن يرسل رسولاً فينبغي أن يكون ملكاً فقالوا:

{ولو شاء الله لأنزل ملائكةً .. "24"}
(سورة المؤمنون)

وكأنهم استقلوا الرسالة عن طريق بشر؛ وهذا أيضاً من غباء الكفر وحماقة الكافرين؛ لأن الرسول حين يبلغ رسالة الله تقع على عاتقه مسئوليتان: مسئولية البلاغ بالعلم، ومسئولية التطبيق بالعمل ونموذجية السلوك .. فيأمر بالصلاة ويصلي، وبالزكاة ويزكي، وبالصبر ويصبر، فليس البلاغ بالقول فقط، لا بل بالسلوك العملي النموذجي.

<ولذلك كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان خلقه القرآن">

وكان قرآناً يمشي على الأرض، والمعنى: كان تطبيقاً كاملاً للمنهج الذي جاء به من الحق تبارك وتعالى. ويقول تعالى في حقه صلى الله عليه وسلم:

{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة .. "21"}
(سورة الأحزاب)

فكيف نتصور أن يكون الرسول ملكاً؟ وكيف يقوم بهذه الرسالة بين البشر؟ قد يؤدي الملك مهمة البلاغ، ولكن كيف يؤدي مهمة القدوة والتطبيق العملي النموذجي؟ كيف ونحن نعلم أن الملائكة خلق جبلوا على طاعة الله:

{لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون "6"}
(سورة التحريم)

ومن أين تأتيه منافذ الشهرة وهو لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل؟ فلو جاء ملك برسالة السماء، وأراد أن ينهي قومه عن إحدى المعاصي، ماذا نتوقع؟ نتوقع أن يقول قائلهم: لا .. لا أستطيع ذلك، فأنت ملك ذو طبيعة علوية تستطيع ترك هذا الفعل، أما أنا فلا أستطيع.
إذن: طبيعة الأسوة تقتضي أن يكون الرسول بشراً، حتى إذا ما أمر كان هو أول المؤتمرين، وإذا ما نهى كان هو أول المنتهين. ومن هنا كان من امتنان الله على العرب، ومن فضله عليهم أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم:

{لقد جاءكم رسول من أنفسكم .. "128"}
(سورة التوبة)

فهو أولاً من أنفسكم، وهذه تعطيه المباشرة، ثم هو بشر، ومن العرب وليس من أمة أعجمية .. بل من بيئتكم، ومن نفس بلدكم مكة ومن قريش؛ ذلك لتكونوا على علم كامل بتاريخه وأخلاقه وسلوكه، تعرفون حركاته وسكناته، وقد كنتم تعترفون له بالصدق والأمانة، وتأتمنونه على كل غال ونفيس لديكم لعلمكم بأمانته، فكيف تكفرون به الآن وتتهمونه بالكذب؟!
لذلك رد عليهم الحق تبارك وتعالى في آية أخرى فقال:

{وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا "94"}
(سورة الإسراء)

فالذي صدكم عن الإيمان به كونه بشراً!! ثم نأخذ على هؤلاء مأخذاً آخر؛ لأنهم تنازلوا عن دعواهم هذه بأن يأتي الرسول من الملائكة وقالوا:

{لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم "31"}
(سورة الزخرف)

فهذا تردد عجيب من الكفار، وعدم ثبات على رأي .. مجرد لجاجة وإنكار، وقديماً قالوا: إن كنت كذوباً فكن ذكوراً. ويرد عليهم القرآن:

{قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا "95"}
(سورة الإسراء)

فلو كان في الأرض ملائكة لنزلنا لهم ملكاً حتى تتحقق الأسوة. إذن: لابد في القدوة من اتحاد الجنس .. ولنضرب لذلك مثلاً هب أنك رأيت أسداً يثور ويجول في الغابة مثلاً يفترس كل ما أمامه، ولا يستطيع أحد أن يتعرض له .. هل تفكر ساعتها أن تصير أسداً؟ لا .. إنما لو رأيت فارساً يمسك بسيفه، ويطيح به رقاب الأعداء .. ألا تحب أن تكون فارساً؟ بلى أحب.
فهذه هي القدوة الحقيقية النافعة، فإذا ما اختلف الجنس فلا تصلح القدوة. وهنا يرد الحق تبارك وتعالى على افتراءات الكفار بقوله تعالى:

{وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم .. "43"}
(سورة النحل)

أي: أنك يا محمد لست بدعاً في الرسل، فمن سبقوك كانوا رجالاً طيلة القرون الماضية، وفي موكب الرسالات جميعاً.
وجاءت هنا كلمة (رجالاً) لتفيد البشرية أولاً كجنس، ثم لتفيد النوع المذكور ثانياً؛ ذلك لأن طبيعة الرسول قائمة على المخالطة والمعاشرة لقومه .. يظهر للجميع ويتحدث إلى الجميع .. أما المرأة فمبنية على التستر، ولا تستطيع أن تقوم بدور الأسوة للناس، ولو نظرنا لطبيعة المرأة لوجدنا في طبيعتها أموراً كثيرة لا تناسب دور النبوة، ولا تتمشى مع مهمة النبي، مثل انقطاعها عن الصلاة والتعبد لأنها حائض أو نفساء.
كذلك جاءت كلمة (رجالاً) مقيدة بقوله:

{نوحي إليهم .. "43"}
(سورة النحل)

فالرسول رجل، ولكن إياك أن تقول: هو رجل مثلي وبشر مثلي .. لا هناك ميزة أخرى أنه يوحي إليه، وهذه منزلة عالية يجب أن نحفظها للأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ثم يقول الحق سبحانه:

{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "43"}
(سورة النحل)

أي: إذا غابت عنكم هذه القضية، قضية إرسال الرسل من البشر ـ ولا أظنها تغيب ـ لأنها عامة في الرسالات كلها. وما كانت لتخفى عليكم خصوصاً وعندكم أهل العلم بالأديان السابقة، مثل ورقة بن نوفل وغيره، وعندكم أهل السير والتاريخ، وعندكم اليهود والنصارى .. فاسألوا هؤلاء جميعاً عن بشرية الرسل.
فهذه قضية واضحة لا تنكر، ولا يمكن المخالفة فيها .. وماذا سيقول اليهود والنصارى؟ .. موسى وعيسى .. إذن بشر.
وقوله تعالى:

{إن كنتم لا تعلمون "43"}
(سورة النحل)

يوحي بأنهم يعلمون، وليس لديهم شك في هذه القضية .. مثل لو قلت لمخاطبك: اسأل عن كذا إن كنت لا تعرف .. هذا يعني أنه يعرف، أما إذا كان في القضية شك فنقول: اسأل عن كذا دون أداة الشرط .. إذن: هم يعرفون، ولكنه الجدال والعناد والاستكبار عن قبول الحق.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:40 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 44

</td> </tr> <tr> <td align="center">(بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون "44")</td> </tr> <tr> <td align="right">استهل الحق سبحانه الآية بقوله:

{بالبينات والزبر .. "44"}
(سورة النحل)

ويقول أهل اللغة: إن الجار والمجرور لابد له من متعلق فبماذا يتعلق الجار والمجرور هنا؟ قالوا: يجوز أن يتعلق بالفعل (نوحي) ويكون السياق: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم بالبينات والزبر.
وقد يتعلق الجار والمجرور بأهل الذكر .. فيكون المعنى: فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر، فهذان وجهان لعودة الجار والمجرور.
والبينات: هي الأمر البين الواضح الذي لا يشك فيه أحد .. وهو إما أن يكون أمارة ثبوت صدق الرسالة كالمعجزة التي تتحدى المكذبين أن يأتوا بمثلها .. أو: هي الآيات الكونية التي تلفت الخلق إلى وجود الخالق سبحانه وتعالى، مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم.
أما الزبر، فمعناها: الكتب المكتوبة .. ولا يكتب عادة إلا الشيء النفيس مخافة أن يضيع، وليس هنا أنفس مما يأتينا من منهج الله لينظم لنا حركة حياتنا.
ونعرف أن العرب ـ قديماً ـ كانوا يسألون عن كل شيء مهما كان حقيراً، فكان عندهم علم بالسهم ومن أول صانع لها، وعن القوس والرحل، ومثل هذه الأشياء البسيطة .. ألا يسألون عن آيات الله في الكون وما فيها من أسرار وعجائب في خلقها تدل على الخالق سبحانه وتعالى؟
ثم يقول الحق تبارك وتعالى:

{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .. "44"}
(سورة النحل)

كلمة الذكر وردت كثيراً في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، وأصل الذكر أن يظل الشيء على البال بحيث لا يغيب، وبذلك يكون ضده النسيان .. إذن: عندنا ذكر ونسيان .. فكلمة "ذكر" هنا معناها وجود شيء لا ينبغي لنا نسيانه .. فما هو؟
الحق سبحانه وتعالى حينما خلق آدم ـ عليه السلام ـ أخذ العهد على كل ذرة فيه، فقال تعالى:

{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين "172"}
(سورة الأعراف)

وأخذ العهد على آدم هو عهد على جميع ذريته، ذلك لأن في كل واحد من بني آدم ذرة من أبيه آدم .. وجزءاً حياً منه نتيجة التوالد والتناسل من لدن آدم حتى قيام الساعة، ومادمنا كذلك فقد شهدنا أخذ العهد: (ألست بربكم).
وكأن كلمة (ذكر) جاءت لتذكرنا بالعهد المطمور في تكويننا، والذي ما كان لنا أن ننساه، فلما حدث النسيان اقتضى الأمر إرسال الرسل وإنزال الكتب لتذكرنا بعهد الله لنا.

{ألست بربكم قالوا بلى .. "172"}
(سورة الأعراف)

ومن هنا سمينا الكتب المنزلة ذكراً، لكن الذكر يأتي تدريجياً وعلى مراحل .. كل رسول يأتي ليذكر قومه على حسب ما لديهم من غفلة .. أما الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي جاء للناس كافة إلى قيام الساعة، فقد جاء بالذكر الحقيقي الذي لا ذكر بعده، وهو القرآن الكريم. وقد تأتي كلمة (الذكر) بمعنى الشرف الرفعة كما في قوله تعالى للعرب:

{لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم .. "10"}
(سورة الأنبياء)

وقد أصبح للعرب مكانة بالقرآن، وعاشت لغتهم بالقرآن، وتبوءوا مكان الصدارة بين الأمم بالقرآن. وقد يأتي الذكر من الله للعبد، وقد يأتي من العبد لله تعالى كما في قوله سبحانه:

{فاذكروني أذكركم .. "152"}
(سورة البقرة)

والمعنى: فاذكروني بالطاعة والإيمان أذكركم بالفيوضات والبركة والخير والإمداد وبثوابي. وإذا أطلقت كلمة الذكر انصرفت إلى ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الكتاب الجامع لكل ما نزل على الرسل السابقين، ولكل ما تحتاج إليه البشرية إلى أن تقوم الساعة.
كما أن كلمة كتاب تطلق على أي كتاب، لكنها إذا جاءت بالتعريف (الكتاب) انصرفت إلى القرآن الكريم، وهذا ما نسميه (علم بالغلبة).
والذكر هو القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو معجزته الخالدة في الوقت نفسه، فهو منهج ومعجزة، وقد جاء الرسل السابقون بمعجزات لحالها، وكتب لحالها، فالكتاب منفصل عن المعجزة.
فموسى كتابه التوراة ومعجزته العصا، وعيسى كتابه ومنهجه الإنجيل ومعجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. أما محمد صلى الله عليه وسلم فمعجزته هي نفس كتاب منهجه، لا ينفصل أحدهما عن الآخر لتظل المعجزة مساندة للمنهج إلى قيام الساعة.
وهذا هو السر في أن الحق تبارك وتعالى تكفل بحفظ القرآن وحمايته، فقال تعالى:

{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "9"}
(سورة الحجر)

أما الكتب السابقة فقد عهد إلى التابعين لكل رسول منهم بحفظ كتابه، كما قال تعالى:

{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله .. "44"}
(سورة المائدة)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:41 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 45

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون"45")</td> </tr> <tr> <td align="right">قوله تعالى:

{أفأمن .. "45"}
(سورة النحل)

عبارة عن همزة الاستفهام التي تستفهم عن مضمون الجملة بعدها .. أما الفاء بعدها فهي حرف عطف يعطف جملة على جملة .. إذن: هنا جملة قبل الفاء تقديرها: أجهلوا ما وقع لمخالفي الأنبياء السابقين من العذاب، فأمنوا مكر الله؟
أي: أن أمنهم لمكر الله ناشئ عن جهلهم بما وقع المكذبين من الأمم السابقة. ثم يقول تعالى:

{مكروا السيئات .. "45"}
(سورة النحل)

المكر: هو التبييت الخفي للنيل ممن لا يستطيع مجابهته بالحق ومجاهرته به، فأنت لا تبيت لأحد إلا إذا كانت قدرتك عاجزة عن مصارحته مباشرة، فكونك تبيت له وتمكر به دليل على عجزك؛ ولذلك جعلوا المكر أول مراتب الجبن؛ لأن الماكر ما مكر إلا لعجزه عن المواجهة، وعلى قدر ما يكون المكر عظيماً يكون الضعف كذلك. وهذا ما نلحظه من قوله تعالى في حق النساء:

{إن كيدهن عظيم "28"}
(سورة يوسف)

وقال في حق الشيطان:

{إن كيد الشيطان كان ضعيفاً "76"}
(سورة النساء)

فالمكر دليل على الضعف، ومادام كيدهن عظيماً إذن: ضعفهن أيضاً عظيم، وكذلك في كيد الشيطان.
وقديماً قالوا: إياك أن يملكك الضعيف؛ ذلك لأنه إذا تمكن منك وواتته الفرصة فلن يدعك تفلت منه؛ لأنه يعلم ضعفه، ولا يضمن أن تتاح له الفرصة مرة أخرى؛ لذلك لا يضيعها على عكس القوى، فهو لا يحرص على الانتقام إذا أتيحت له الفرصة وربما فوتها لقوته وقدرته على خصمه، وتمكنه منه في أي وقت يريد، وفي نفس المعنى جاء قول الشاعر:
وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت كذلك قدرة الضعفاء
إذن: قدرة الضعفاء قد تقتل، أما قدرة القوى فليست كذلك.
ثم لنا وقفة أخرى مع المكر، من حيث إن المكر قد ينصرك على مساويك وعلى مثلك من بني الإنسان، فإذا ما تعرضت لمن هو أقوى منك وأكثر منك حيطة، وأحكم منك مكراً، فربما لا يجدي مكرك به، بل ربما غلبك هو بمكره واحتياطه، فكيف الحال إذا كان الماكر بك هو رب العالمين تبارك وتعالى؟
وصدق الله العظيم حيث قال:

{ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "30"}
(سورة الأنفال)

وقال:

{ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله .. "43"}
(سورة فاطر)

فمكر العباد مكشوف عند الله، أما مكره سبحانه فلا يقدر عليه أحد، ولا يحتاط منه أحد؛ لذلك كان الحق سبحانه خير الماكرين.
والمكر السيئ هو المكر البطال الذي لا يكون إلا في الشر، كما حدث من مكر المكذبين للرسل على مر العصور، وهو أن تكيد للغير كيداً يبطل حقاً.
وكل رسول قابله قومه المنكرون له بالمكر والخديعة، دليل على أنهم لا يستطيعون مواجهته مباشرة، وقد تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لمراحل متعددة من الكيد والمكر والخديعة، وذلك لحكمة أرادها الحق تبارك وتعالى وهي أن يوئس الكفار من الانتصار عليه صلى الله عليه وسلم، فقد بيتوا له ودبروا لقتله، وحاكوا في سبيل ذلك الخطط، وقد باءت خطتهم ليلة الهجرة بالفشل.
وفي مكيدة أخرى حاولوا أن يسحروه صلى الله عليه وسلم، ولكن كشف الله أمرهم وخيب سعيهم .. إذن: فأي وسيلة من وسائل دحض هذه الدعوة لم تنجحوا فيها، ونصره الله عليكم. كما قال تعالى:

{كتب الله لأغلبن أنا ورسلي .. "21"}
(سورة المجادلة)

وقوله تعالى:

{أن يخسف الله بهم الأرض .. "45"}
(سورة النحل)

الخسف: هو تغييب الأرض ما على ظهرها .. فانخسف الشيء أي: غاب في باطن الأرض، ومنه خسوف القمر أي: غياب ضوئه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى عن قارون:

{فخسفنا به وبداره الأرض .. "81"}
(سورة القصص)

وهذا نوع من العذاب الذي جاء على صور متعددة كما ذكرها القرآن الكريم:

{فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا .. "40"}
(سورة النحل)

هذه ألوان من العذاب الذي حاق بالمكذبين، وكان يجب على هؤلاء أن يأخذوا من سابقيهم عبرة وعظة، وأن يحتاطوا أن يحدث لهم كما حدث لسابقيهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى:

{أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون "45"}
(سورة النحل)

والمراد أنهم إذا احتاطوا لمكر الله وللعذاب الواقع بهم، أتاهم الله من وجهة لا يشعرون بها، ولم تخطر لهم على بال، وطالما لم تخطر لهم على بال، إذن: فلم يحتاطوا لها، فيكون أخذهم يسيراً، كما قال تعالى:

{فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا .. "2"}
(سورة الحشر)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:41 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 46

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين "46")</td> </tr> <tr> <td align="right">التقلب: الانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان، والانتقال من مكان الإقامة إلى مكان آخر دليل القوة والمقدرة، حيث ينتقل الإنسان من مكانه حاملاً متاعه وعتاده وجميع ما يملك؛ لينشئ له حركة حياة جديدة في مكانه الجديد.
إذن: التقلب في الحياة مظهر من مظاهر القوة، بحيث يستطيع أن يقيم حياة جديدة، ويحفظ ماله في رحلة تقلبه .. ولا شك أن هذا مظهر من مظاهر العزة والجاه والثراء لا يقوم به إلا القوي.
ولذلك نرى في قول الحق تبارك وتعالى عن أهل سبأ:

{وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين "18" فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا .. "19"}
(سورة سبأ)

فهؤلاء قوم جمع الله لهم ألواناً شتى من النعيم، وأمن بلادهم وأسفارهم، وجعل لهم محطات للراحة أثناء سفرهم، ولكنهم للعجب طلبوا من الله أن يباعد بين أسفارهم، كأنهم أرادوا أن يتميزوا عن الضعفاء غير القادرين على مشقة السفر والترحال، فقالوا:

{باعد بين أسفارنا .. "19"}
(سورة سبأ)

حتى لا يقدر الضعفاء منهم على خوض هذه المسافات.
إذن: الذي ينقلب في الأرض دليل على أن له من الحال حال إقامة وحال ظعن وقدرة على أن ينقل ما لديه ليقيم به في مكان آخر؛ ولذلك قالوا: المال في الغربة وطن .. ومن كان قادراً يفعل ما يريد.
والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:

{لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد "196"}
(سورة آل عمران)

فلا يخيفنك انتقالهم بين رحلتي الشتاء والصيف، فالله تعالى قادر أن يأخذهم في تقلبهم. وقد يراد تقلبهم في الأفكار والمكر السيئ بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كما في قوله تعالى:

{لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور .. "48"}
(سورة التوبة)

فقد قعدوا يخططون ويمكرون ويدبرون للقضاء على الدعوة في مهدها. ويقول تعالى:

{فما هم بمعجزين "46"}
(سورة النحل)

المعجز: هو الذي لا يمكنك من أن تغلبه، وهؤلاء لن يعجزوا الله تعالى، ولن يستطيعوا الإفلات من عذابه؛ لأنهم مهما بيتوا فتبييتهم وكيدهم عند الله .. أما كيد الله إذا أراد أن يكيد لهم فلن يشعروا به:

{ويمكرون ويمكر الله .. "30"}
(سورة الأنفال)

وقال:

{إنهم يكيدون كيدا "15" وأكيد كيدا "16" فمهل الكافرين أمهلهم رويدا "17"}
(سورة الطارق)

فمن لا يستطيع أن يغلبك يخضع لك، ومادام يخضع لك يسيطر عليه المنهج الذي جئت به. وقد يكون العجز أمام القوى دليل قوة، كما عجز العرب أمام تحدي القرآن لهم، فكان عجزهم أمام كتاب الله دليل قوتهم في المجال الذي تحداهم القرآن فيه؛ لأن الله تعالى حين يتحدى وحين ينازل لا ينازل الضعيف، لا بل ينازل القوي في مجال هذا التحدي.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:41 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 47

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم "47")</td> </tr> <tr> <td align="right">التخوف: هو الفزع من شيء لم يحدث بعد، فيذهب فيه الخيال مذاهب شتى، ويتوقع الإنسان ألواناً متعددة من الشر، في حين أن الواقع يحدث على وجه واحد.
هب أنك في انتظار حبيب تأخر عن موعد وصوله، فيذهب بك الخيال والاحتمال إلى أمور كثيرة .. يا ترى حدث كذا أو حدث كذا، وكل خيال من هذه الخيالات له أثر ولذعة في النفس، وبذلك تكثر المخاوف، أما إن انتظرت لتعرف الواقع فإن كان هناك فزع كان مرة واحدة.
ولذلك يقولون في الأمثال: (نزول البلا ولا انتظاره) ذلك لأنه إن نزل سينزل بلون واحد، أما انتظاره فيشيع في النفس ألواناً متعددة من الفزع والخوف .. إذن: التخوف أشد وأعظم من وقوع الحدث نفسه.
وكان هذا الفزع يعتري الكفار إذا ما علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من السرايا، فيتوقع كل جماعة منهم أنها تقصدهم، وبذلك يشيع الله الفزع في نفوسهم جميعاً، في حين أنها خرجت لناحية معينة.
وبعض المفسرين قال: التخوف يعني التنقص بأن ينقص الله من رقعة الكفر بدخول القبائل في الإسلام قبيلة بعد أخرى، فكل واحدة منها تنقص من رقعة الكفر .. كما جاء في قوله تعالى:

{ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات .. "155"}
(سورة البقرة)

ثم يقول الحق تبارك وتعالى في تذييل هذه الآية:

{فإن ربكم لرءوف رحيم "47"}
(سورة النحل)

وهل هذا التذييل مناسب للآية وما قبلها من التهديد والوعيد؟ فالعقل يقول: إن التذييل المناسب لها: إن ربكم لشديد العقاب مثلاً.
لكن يجب هنا أن نعلم أن هذا هو عطاء الربوبية الذي يشمل العباد جميعاً مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى استدعى الجميع للدنيا، وتكفل للجميع بما يحفظ حياتهم من شمس وهواء وأرض وسماء، لم تخلق هذه الأشياء لواحد دون الآخر، وقد قال تعالى:

{من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب "20"}
(سورة الشورى)

وكأن في الآية لوناً من ألوان رحمته سبحانه بخلقه وحرصه سبحانه على نجاتهم؛ لأنه ينبههم إلى ما يمكن أن يحدث لهم إذا أصروا على كفرهم، ويبصرهم بعاقبة كفرهم، والتبصرة عظة، والعظة رأفة بهم ورحمة حتى لا ينالهم هذا التهديد وهذا الوعيد.
ومثال هذا التذييل كثير في سورة الرحمن، يقول الحق تبارك وتعالى:

{رب المشرقين ورب المغربين "17" فبأي آلاء ربكما تكذبان "18"}
(سورة الرحمن)

فهذه نعمة ناسبت قوله تعالى:

{فبأي آلاء ربكما تكذبان "18"}
(سورة الرحمن)

وكذلك في قوله تعالى:

{مرج البحرين يلتقيان "19" بينهما برزخ لا يبغيان "20"}
(سورة الرحمن)

فهذه نعمة من نعم الله ناسبت تذييل الآية:

{فبأي آلاء ربكما تكذبان "21"}
(سورة الرحمن)

أما في قوله تعالى:

{كل من عليها فان "26" ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام "27" فبأي آلاء ربكما تكذبان "28"}
(سورة الرحمن)

فما النعمة في (كل من عليها فإن)؟ هل الموت نعمة؟!
نعم، يكون الموت نعمة من نعم الله على عباده؛ لأنه يقول للمحسن: سيأتي الموت لتلقي جزاء إحسانك وثواب عملك، ويقول أيضاً للكافر: انتبه واحذر .. الموت قادم، كأنه سبحانه يوقظ الكفار ويعظهم لينتهوا عما هم فيه .. أليست هذه نعمة من نعم الله ورحمة منه سبحانه بعباده؟ وكذلك انظر إلى قول الحق تبارك وتعالى:

{يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران "35" فبأي آلاء ربكما تكذبان "36"}
(سورة الرحمن)

فأي نعمة في:

{يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس .. "35" }
(سورة الرحمن)

أي نعمة في هذا العذاب؟
نعم المتدبر لهذه الآية يجد فيها نعمة عظيمة؛ لأن فيها تهديداً ووعيداً بالعذاب إذا استمروا على ما هم فيه من الكفر .. ففي طياتها تحذير وحرص على نجاتهم كما تتوعد ولدك: إذا أهملت دروسك ستفشل وأفعل بك كذا وكذا. وأنت ما قلت ذلك إلا لحرصك على نجاحه وفلاحه. إذن: فتذييل الآية بقوله:

{فإن ربكم لرءوف رحيم "47"}
(سورة النحل)
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:42 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 48

</td> </tr> <tr> <td align="center">(أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون"48")</td> </tr> <tr> <td align="right">قوله تعالى:

{أو لم يروا .. "48"}
(سورة النحل)

المعنى: أعموا ولم يروا ولم يتدبروا فيها خلق الله؟

{من شيءٍ .. "48"}
(سورة النحل)

كلمة شيء يسمونها جنس الأجناس، و(من) تفيد ابتداء ما يقال له شيء، أي: أتفه شيء موجود، وهذا يسمونه أدنى الأجناس .. وتفيد أيضاً العموم فيكون:

{من شيءٍ .. "48"}
(سورة النحل)

أي: كل شيء. فانظر إلى أي شيء في الوجود مهما كان هذا الشيء تافهاً ستجد له ظلاً:

{يتفيأ ظلاله .. "48"}
(سورة النحل)

يتفيأ: من فاء أي: رجع، والمراد عودة الظل مرة أخرى إلى الشمس، أو عودة الشمس إلى الظل.
فلو نظرنا إلى الظل نجده نوعين: ظل ثابت مستمر، وظل متغير، فالظل الثابت دائماً في الأماكن التي لا تصل إليها أشعة الشمس، كقاع البحار وباطن الأرض، فهذا ظل ثابت لا تأتيه أشعة الشمس في أي وقت من الأوقات.
والظل المتحرك الذي يسمى الفيء لأنه يعود من الظل إلى الشمس، أو من الشمس إلى الظل، إذن: لا يسمى الظل فيئاً إلا إذا كان يرجع إلى ما كان عليه. ولكن .. كيف يتكون الظل؟ يتكون الظل إذا ما استعرض الشمس جسم كثيف يحجب شعاع الشمس، فيكون ظلاً له في الناحية المقابلة للشمس، هذا الظل له طولان وله استواء واحد.
طول عند الشروق إلى أن يبلغ المغرب، ثم يأخذ في التناقص مع ارتفاع الشمس، فإذا ما استوت الشمس في السماء يصبح ظل الشيء في نفسه، وهذه حالة الاستواء، ثم تميل الشمس إلى الغروب، وينعكس طول الظل الأول من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق.
ويلفتنا الحق تبارك وتعالى إلى هذه الآية الكونية في قوله تعالى:

{ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا "45" ثم قبضناه إلينا قبضا يسيراً "46"}
(سورة الفرقان)

ذلك لأنك لو نظرت إلى الظل وكيف يمتد، وكيف ينقبض وينحسر لوجدت شيئاً عجيباً حقاً .. ذلك لأنك تلاحظ الظل في الحالتين يسير سيراً انسيابياً.
ما معنى: (انسيابي)؟ هو نوع من أنواع الحركة، فالحركة إما حركة انسيابية، أو حركة عن توالي سكونات بين الحركات.
وهذه الأخيرة نلاحظها في حركة عقارب الساعة، وهي أوضح في عقرب الثواني منها في عقرب الدقائق، ولا تكاد تشعر بها في عقرب الساعات .. فلو لاحظت عقرب الثواني لوجدته يسير عن طريق قفزات منتظمة، تكون حركة فسكوناً فحركة، وهكذا ..
ومعنى ذلك أنه يجمع الحركة في حال سكونه، ثم ينطلق بها، وبذلك تمر عليه لحظة لم يكن متحركاً فيها، وهذا ما نسميه بالحركة القفزية .. هذه الحركة لا تستطيع رصدها في عقرب الساعات؛ لأن القفزة فيه دقيقة لدرجة أن العين المجردة تعجز عن رصدها وملاحظتها، هذه هي الحركة القفزية.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:42 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 49

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون "49")</td> </tr> <tr> <td align="right">فأجناس الكون التي يعرفها الإنسان أربعة: إما جماد، فإذا وجدت خاصية النمو كان النبات، وإذا وجدت خاصية الحركة والحس كان الحيوان، فإذا وجدت خاصية الفكر كان الإنسان، وإذا وجدت خاصية العلم الذاتي النوراني كان الملك .. هذه هي الأجناس التي نعرفها.
الحق تبارك وتعالى ينقلنا هنا نقلة من الظلال الساجدة، للجمادات الثابتة، إلى الشيء الذي يتحرك، وهو وإن كان متحركاً إلا أن ظله أيضاً على الأرض، فإذا كان الحق سبحانه قد قال:

{ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض .. "49"}
(سورة النحل)

فقد فصل هذا الإجمال بقوله:

{من دابةٍ والملائكة .. "49"}
(سورة النحل)

أي: من أقل الأشياء المتحركة وهي الدابة، إلى أعلى الأشياء وهي الملائكة .. وقد يقول قائل: وهل ما في السماوات وما في الأرض يسجد لله؟
نقول له: نعم .. لأنك فسرت السجود فيك أنت بوضع جبهتك على الأرض، ليدل على أن الذات بعلوها ودنوها ساجدة لله خاضعة تمام الخضوع، حيث جعلت الجبهة مع القدم.
والحق تبارك وتعالى يريد منا أن نعرف استطراق العبودية في الوجود كله؛ لأن الكافر وإن كان متمرداً على الله فيما جعل الله له فيه اختيارا، في أن يؤمن أو يكفر، في أن يطيع أو يعصي، ولكن الله أعطاه الاختيار.
نقول له: إنك قد ألفت التمرد على الله، فطلب منك أن تؤمن لكنك كفرت، وطلب منك يا مؤمن أن تطيع فعصيت، إذن: فلك إلف بالتمرد على الحق .. ولكن لا تعتقد أنك خرجت من السجود والخضوع لله؛ لأن الله يجري عليك أشياء تكرهها، ولكنها تقع عليك رغم أنفك وأنت خاضع. وهذا معنى قوله تعالى في الآية السابقة:

{وهم داخرون "48"}
(سورة النحل)

أي: صاغرون مستذلون منقادون مع أنهم ألفوا التمرد على الحق سبحانه. وإلا فهذا الذي ألف الخروج عن مرادات الله فيما له فيه اختيار، هل يستطيع أن يتأبى على الله إذا أراد أن يمرضه، أو يفقره، أو يميته؟
لا، لا يستطيع، بل هو داخر صاغر في كل ما يجريه عليه من مقادير، وإن كان يأباها، وإن كان قد ألف الخروج عن مرادات الله.
إذن: ليس في كون الله شيء يستطيع الخروج عن مرادات الله؛ لأنه ما خرج عن مرادات الله الشرعية في التكليف إلا بما أعطاه الله من اختيار، وإلا لو لم يعطه الاختيار لما استطاع التمرد، كما في المرادات الكونية التي لا اختيار فيها.
لذلك نقول للكافر الذي تمرد على الحق سبحانه: تمرد إذا أصابك مرض، وقل: لن أمرض، تمرد على الفقر وقل: لن أفتقر .. ومادمت لا تقدر وسوف تخضع راغماً فلتخضع راضياً وتكسب الأمر، وتنتهي مشكلة حياتك، وتستقبل حياة أخرى أنظف من هذه الحياة.
وقوله تعالى:

{من دابة .. "49"}
(سورة النحل)

هو كل ما يدب على الأرض، والدب على الأرض معنا الحركة والمشي .. وقوله:

{والملائكة .. "49"}
(سورة النحل)

أي: أن الملائكة لا يقال لها دابة؛ لأن الله جعل سعيها في الأمور بأجنحة فقال تعالى:

{أولى أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع .. "1"}
(سورة فاطر)وقال في آية أخرى:

{وما من دابةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم .. "38"}
(سورة الأنعام)

فخلق الله الطائر يطير بجناحيه مقابلاً للدابة التي تدب على الأرض، فاستحوذ على الأمرين: الدابة والملائكة.
و(ما) في الآية تطلق على غير العالمين وغير العاقلين؛ ذلك لأن أغلب الأشياء الموجودة في الكون ليس لها علم أو معرفة؛ ولذلك قال تعالى في آية أخرى:

{إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها .. "72"}
(سورة الأحزاب)

وينهي الحق سبحانه الآية بقوله:

{وهم لا يستكبرون "49"}
(سورة النحل)

أي: أن الملائكة الذين هم أعلى شيء في خلق الله لا يستكبرون؛ لأن علوهم في الخلق من نورانية وكذا وكذا لا يعطيهم إدلالاً على خالقهم سبحانه؛ لأن الذي أعطاهم هذا التكريم هو الله سبحانه وتعالى.
ومادام الله هو الذي أعطاهم هذا التكريم فلا يجوز الإدلال به؛ لأن الذي يدل إنما يدل بالذاتيات غير الموهوبة، أما الشيء الموهوب من الغير فلا يجوز أن تدل به على من وهبه لك. لذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

{لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون .. "172"}
(سورة النساء)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:42 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 50

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون "50")</td> </tr> <tr> <td align="right">ما هو الخوف؟ الخوف هو الفزع والوجل، والخوف والفزع والوجل لا يكون إلا من ترقب شيء من أعلى منك لا تقدر أنت على رفعه، ولو أمكنك رفعه لما كان هناك داعٍ للخوف منه؛ لذلك فالأمور التي تدخل في مقدوراتك لا تخاف منها، تقول: إن حصل كذا افعل كذا .. الخ:
وإذا كان الملائكة الكرام:

{لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون "6"}
(سورة التحريم)

فما داعي الخوف إذن؟ نقول: إن الخوف قد يكون من تقصير حدث منك تخاف عاقبته، وقد يكون الخوف عن مهابة للمخوف وإجلاله وتعظيمه دون ذنب ودون تقصير، ولذلك نجد الشاعر العربي يقول في تبرير هذا الخوف:
أهابك إجلالاً وما بك قدرة على ولن ملء عينٍ حبيبها
إذن: مرة يأتي الخوف لتوقع أذى لتقصير منك، ومرة يأتي لمجرد المهابة والإجلال والتعظيم. وقوله تعالى:

{من فوقهم .. "50"}
(سورة النحل)

ما المراد بالفوقية هنا؟ نحن نعرف أن الجهات ست: فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وأمام، وخلف .. جهة الفوقية لتكون هي المسيطرة؛ ولذلك حتى في بناء الحصون يشيدونها على الأماكن العالية لتتحكم بعلوها في متابعة جميع الجهات.
إذن: فالفوقية هي محل العلو، وهذه الفوقية قد تكون فوقية مكان، أو فوقية مكانة.
فالذي يقول: إنها فوقية مكان، يرى أن الله في السماء، بدليل أن الجارية التي سئلت: أين الله؟ أشارت إلى السماء، وقالت: في السماء.
فأشارت إلى جهة العلو؛ لأنه لا يصح أن نقول: إن الله تحت، فالله سبحانه منزه عن المكان، وما نزه عن المكان نزه عن الزمان، فالله عز وجل منزه عن أن تحيزه، لا بمكان ولا بزمان؛ لأن المكان والزمان به خلقاً .. فمن الذي خلق الزمان والمكان؟
إذن: ما داما به خلقاً فهو سبحانه منزه عن الزمان والمكان.
وهم قالوا بأن الفوقية هنا فوقية حقيقة .. فوقية مكان، أي: أنه تعالى أعلى منا .. ونقول لمن يقول بهذه الفوقية: الله أعلى منا .. من أن ناحية؟ من هذه أم من هذه؟
إذن: الفوقية هنا فوقية مكانة، بدليل أننا نرى الحرس الذين يحرسون القصور ويحرسون الحصون يكون الحارس أعلى من المحروس .. فوقه، فهو فوقه مكاناً، إنما هل هو فوقه مكانة؟ بالطبع لا. وقوله تعالى:

{ويفعلون ما يؤمرون "50"}
(سورة النحل)

وهذه هي الطاعة، وهي أن تفعل ما أمرت به، وأن تجتنب ما نهيت عنه، ولكن الآية هنا ذكرت جانباً واحداً من الطاعة، وهو:

{ويفعلون ما يؤمرون "50"}
(سورة النحل)

ولم تقل الآية مثلاً: ويجتنبون ما ينهون عنه، لماذا؟ .. نقول: لأن في الآية ما يسمونه بالتلازم المنطقي، والمراد بالتلازم المنطقي أن كل نهي عن شيء فيه أمر بما يقابله، فكل نهي يؤول إلى أمر بمقابله.
فقوله سبحانه:

{ويفعلون ما يؤمرون "50"}
(سورة النحل)

تستلزم منطقياً "ويجتنبون ما ينهون عنه" وكأن الآية جمعت الجانبين. والحق سبحانه وتعالى خلق الملائكة لا عمل لهم إلا أنهم هيموا في ذات الله، ومنهم ملائكة موكلون بالخلق، وهم:

{فالمدبرات أمراً "5"}
(سورة النازعات)

ويقول تعالى:

{له معقبات من بين يديه ومن خلقه يحفظونه من أمر الله .. "11"}
(سورة الرعد)

ومنهم:

{وإن عليكم لحافظين "10" كراماً كاتبين "11"}
(سورة الانفطار)

إذن: فهناك ملائكة لها علاقة بنا، وهم الذين أمرهم الحق سبحانه أن يسجدوا لآدم حينما خلقه الله، وصوره بيده، ونفخ فيه من روحه .. وكأن الله سبحانه يقول لهم: هذا هو الإنسان الذي ستكونون في خدمته، فالسجود له بأمر الله إعلان بأنهم يحفظونه من أمر الله، ويكتبون له كذا، ويعملون له كذا، ويدبرون له الأمور .. الخ.
أما الملائكة الذين لا علاقة لهم بالإنسان، ولا يدرون به، ولا يعرفون عنه شيئاً، هؤلاء المعنيون في قوله سبحانه لإبليس:

{أستكبرت أم كنت من العالين "75"}
(سورة ص)

أي: أستكبرت أن تسجد؟ أم كنت من الصنف الملكي العالمي؟ .. هذا الصنف من الملائكة ليس لهم علاقة بالإنسان، وكل مهمتهم التسبيح والذكر، وهم المعنيون بقوله تعالى:

{يسبحون الليل والنهار لا يفترون "20"}
(سورة الأنبياء)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:43 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 51

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون"51")</td> </tr> <tr> <td align="right">وقد جاء النهي في الآية نتيجة خروج الإنسان عن مراد ربه سبحانه، فالعجيب أن البشر والجن أيضاً ـ يعني الثقلين ـ هم المختارون في الكون كله، اختيار في أشياء وقهر في أشياء أخرى .. ومع ذلك لم يشذ من خلق الله غيرهما.
فالسماوات والأرض والجبال كان لها اختيار، وقد اختارت التسخير، وانتهت المسألة في بداية الأمر، ومع ذلك فهي مسخرة وتؤدي مهمتها لخدمة الإنسان، فالشمس لم تعترض يوماً ولم ترفض .. فهي تشرق على المؤمن كما تشرق على الكافر .. وكذلك الهواء والأرض والدابة الحلوب، وكل ما في كون الله مسخر للجميع .. إذن: كل هذه الأشياء لها مهمة، وتؤدي مهمتها على أكمل وجه.
ولذلك يقول تعالى في حق هذه الأشياء:

{ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب .. "18"}
(سورة الحج)

{وكثير من الناس .. "18"}
(سورة الحج)

ولم يقل: والناس. ثم قال:

{وكثير حق عليه العذاب .. "18"}
(سورة الحج)

هذا هو الحال في الإنسان المكرم الذي اختاره الله وترك له الاختيار .. إنما كل الأجناس مؤديه واجبها؛ لأنها أخذت حظها من الاختيار الأول، فاختارت أن تكون مسخرة، وأن تكون مقهورة.
فالإنسان .. واحد يقول: لا إله في الوجود .. العالم خلق هكذا بطبيعته، وآخر يقول: بل هناك آلهة متعددة؛ لأن العالم به مصالح كثيرة وأشياء لا ينهض بها إله واحد .. يعني: إله للسماء، وإله للأرض، وإله للشمس .. الخ.
إذن: هذا رأي في العالم أشياء كثيرة بحيث لا ينهض بها في نظره إله واحد، ونقول له: أنت أخذت قدرة الإله من قدرة الفردية فيك .. لا .. خذها من قدرة من:

{ليس كمثله شيء .. "11"}
(سورة الشورى)

لأن القدرة الإلهية لا تعالج الأشياء كما تفعل أنت، وتحتاج إلى مجهود وعمل .. بل في حقه تعالى يتم هذا كله بكلمة كن .. كن كذا وانتهت المسألة.
ونعجب من تناقض هؤلاء، واحد يقول: الكون خلق هكذا لحاله دون إله. والآخر يقول: بل له آلهة متعددة .. نقول لهم: أنتم متناقضون، فتعالوا إلى دين الله، وإلى الوسطية التي تقول بإله واحد، لا تنفي الألوهية ولا تثبت التعددية.
فإن كنت تظن أن دولاب الكون يقتضي أجهزة كثيرة لإدارته، فاعلم أن الله تعالى لا يباشر تدبير أمر الكون بعلاج .. يفعل هذه ويفعل هذه، كما يزاول البشر أعمالهم، بل يفعلها بـ"كن"؛ ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي:
"يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل سائل منكم ما سأل ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأني جواد ماجد، افعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري بشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون".
فيا من تشفق على الإله الواحد أن يتعب من إدارته للكون بشتى نواحيه، ارتفع بمستوى الألوهية عن أمثال البشر؛ لأن الله تعالى لا يباشر سلطانه علاجاً في الكون، وإنما يباشره بكلمة "كن". إذن: إله واحد يكفي، ومادمنا سلمنا بإله واحد، فإياك أن تقول بتعدد الآلهة .. وإذا كان الحق تبارك وتعالى نفى إلهين اثنين، فنفى ما هو أكثر من ذلك أولى .. واثنان أقل صور التعدد.
ومعنى (إلهين) أي: معبودين، فيكون لهما أوامر ونواه، والأوامر والنواهي تحتاج إلى طاعة، والكون يحتاج إلى تدبير، فأي الإلهين يقوم بتدبير أمور الكون؟ أم أنه يحتاج إلى مساعد؟ إن كان يحتاج إلى مساعد فهذا نقص فيه، ولا يصلح أن يكون إلهاً.
وكذلك إن تخصص كل منهما في عمل ما، هذا لكذا وهذا لكذا، فقد أصبح أحدهما عاجزاً فيما يقوم به الآخر .. وأي ناحية إذن من نواحي الحياة تكون هي المسيطرة؟ ومعلوم أن نواحي الحياة مشتركة ومتشابكة.
ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

{وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعضٍ .. "91"}
(سورة المؤمنون)

وقال:

{لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا .. "22"}
(سورة الأنبياء)

فكيف الحال إذا أراد الأول شيئاً، وأراد الآخر ألا يكون هذا الشيء؟ فإن كان الشيء كان عجزاً في الثاني، وإن لم يكن كان عجزاً في الأول .. إذن: فقوة أحدهما عجز في الآخر. ونلحظ في قوله تعالى:

{وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين .. "51"}
(سورة النحل)

عظة بليغة، كأنه سبحانه حينما دعانا إلى توحيده يقول لنا: أريحوا أنفسكم بالتوحيد، وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الراحة في قوله:

{ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون "29"}
(سورة الزمر)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:43 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 52

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون "52")</td> </tr> <tr> <td align="right">عندنا هنا اللام .. وقد تكون (اللام) للملك كما في الآية. وكما في: المال لزيد، وقد تكون للتخصيص إذا دخلت اللام على ما لا يملك، كما نقول: اللجام للفرس، والمفتاح للباب، فالفرس لا يملك اللجام، والباب لا يملك المفتاح. فهذه للتخصيص.
والحق سبحانه يقول هنا:

{وله ما في السماوات والأرض .. "52"}
(سورة النحل)

وفي موضع آخر يقول:

{له ما في السماوات وما في الأرض .. "68"}
(سورة يونس)

وكذلك في:

{يسبح له ما في السماوات والأرض .. "24"}
(سورة الحشر)

ومرة يقول:

{يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض .. "1"}
(سورة الجمعة)

حينما تكون اللام للملكية قد يكون المملوك مختلفاً ففي قوله:

{وله ما في السماوات والأرض .. "52"}
(سورة النحل)

يعني: القدر المشترك الموجود فيهما. أي: الأشياء الموجودة في السماء وفي الأرض. أما في قوله:

{له ما في السماوات وما في الأرض .. "68"}
(سورة يونس)

أي: الأشياء الموجودة في السماء وليست في الأرض، والأشياء الموجودة في الأرض وليست في السماء، أي: المخصص للسماء والمخصص للأرض، وهذا ما يسمونه استيعاب الملكية.
ومادام سبحانه له ما في السماوات وما في الأرض، فليس لأحذ غيره ملكية مستقلة، ومادام ليس لأحد غيره ملكية مستقلة. إذن: فليس له ذاتية وجود؛ لأن وجوده الأول موهوب له، وما به قيام وجوده موهوب له .. ولذلك يقولون: من أراد أن يعاند في الألوهية يجب أن تكون له ذاتية وجود .. وليست هذه إلا لله تعالى.
ونضرب لذلك مثلاً بالولد الصغير الذي يعاند أباه، وهو ما يزال عالة عليه. فيقول له: انتظر إلى أن تكبر وتستقل بأمرك .. فإذا ما شب الولد وبلغ وبدأ في الكسب أمكن له الاعتماد على نفسه، والاستغناء عن أبيه.
لذلك نقول لمن يعاند في الألوهية: أنت لا تقدر؛ لأن وجودك هبة، وقيام وجودك هبة، كل شيء يمكن أن ينزع منك. ولذلك، فالحق سبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى:

{كلا إن الإنسان ليطغى "6" أن رآه استغنى "7"}
(سورة العلق)

فهذا الذي رأى نفسه استغنى عن غيره ـ من وجهة نظره ـ إنما هل استغنى حقاً؟ .. لا. لم يستغن، بدليل أنه لا يستطيع أن يحتفظ بما يملك.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:43 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 54

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون "54")</td> </tr> <tr> <td align="right">فمن الناس من إذا أصابه الله بضر أو نزل به بأس تضرع وصرخ ولجأ إلى الله ودعاه، وربما سالت دموعه، وأخذ يصلي ويقول: يا فلان ادع لي الله وكذا وكذا .. فإذا ما كشف الله عنه ضره عاود الكرة من جديد؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى:

{وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه .. "12"}
(سورة يونس)

ومن لطف الأداء القرآني هنا أن يقول:

{إذا فريق منكم بربهم يشركون "54"}
(سورة النحل)

أي: جماعة منكم وليس كلكم، أما الباقي فيمكن أن يثبتوا على الحق، ويعتبروا بما نزل بهم فلا يعودون .. فالناس ـ إذن ـ مختلفون في هذه القضية: فواحد يتضرع ويلتفت إلى الله من ضر واحد أصابه، وآخر يلتفت إلى الله من ضرين، وهكذا.
وقد وجدنا في الأحداث التي مرت ببلادنا على أكابر القوم أحداثاً عظاماً تلفتهم إلى الله، فرأينا من لا يعرف طريق المسجد يصلي، ومن لا يفكر في حج بيت الله، ويسرع إليه ويطوف به ويبكى هناك عند الملتزم، وما ألجأهم إلى الله ولفتهم إليه سبحانه إلا ما مرت بهم من أحداث. أليست هذه الأحداث، وهذه الأزمات والمصائب خيراً في حقهم؟ .. بلى إنها خير.
وأيضاً قد يصاب الإنسان بمرض يلم به، وربما يطول عليه، فيذهب إلى الأطباء، ويدعو الله ويلجأ إليه، ويطلب من الناس الدعاء له بالشفاء، ويعمل كذا وكذا .. فإذا ما كشف الله عنه المرض وأذن له بالشفاء قال: أنا اخترت الطبيب الحاذق، الطبيب النافع، وعملت وعملت .. سبحان الله!
لماذا لا تترك الأمر لله، وتعفي نفسك من هذه العملية؟ وفي قوله تعالى:

{ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون "54"}
(سورة النحل)

صمام أمن اجتماعي في الكون، يقول للناس: إياكم أن تأخذوا على غيركم حين تقدمون إليهم جميلاً فينكرونه .. إياكم أن تكفوا عن عمل الجميل على غيركم؛ لأن هذا الإنكار للجميل قد فعلوه مع أعلى منكم، فعلوه مع الله سبحانه، فلا يزهدك إنكارهم للجميل في فعله، بل تمسك به لتكون من أهله.
والحق تبارك وتعالى يضرب لنا مثلاً لإنكار الجميل في قصة سيدنا موسى عليه السلام:

{يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً "69"}
(سورة الأحزاب)

فقد اتهمه قومه وقعدوا يقولون فيه كذباً وبهتاناً، فقال موسى: يا رب أسألك ألا يقال في ما ليس في .. فقال تعالى لموسى: أنا لم افعل ذلك لنفسي، فكيف أفعلها لك؟
ولماذا لم يفعلها الحق سبحانه لنفسه؟ .. لم يفعلها الحق سبحانه لنفسه ليعطينا نحن أسوة في تحمل هذا الإنكار، فقد خلق الله الخلق ورزقهم ووسعهم، ومع ذلك كفروا به، ومع ذلك ما يزال الحق سبحانه خالقاً رازقاً واسعاً لهم.
إذن: في الآية تقنين وأمان للمجتمع أن يتفشى فيه مرض الزهد في عمل الخير. وقول الحق سبحانه:

{بربهم يشركون "54"}
(سورة النحل)
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:44 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 55

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون "55")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: مستعظمين كقارون الذي قال:

{إنما أوتيته على علم عندي .. "78"}
(سورة القصص)

أخذت هذا بجهدي وعملي .. ومثله من تقول له: الحمد لله الذي وفقك في الامتحان، فيقول: أنا كنت مجداً .. ذاكرت وسهرت .. نعم أنت ذاكرت، وأيضاً غيرك ذاكر وجد واجتهد، ولكن أصابه مرض ليلة الامتحان فأقعده، وربما كنت مثله.
فهذه نغمة من أنكر الفضل، وتكبر على صاحب النعمة سبحانه. وقوله:

{ليكفروا .. "55"}
(سورة النحل)

هل فعلوا ذلك ليكفروا، فتكون اللام للتعليل؟ لا بل قالوا: اللام هنا لام العاقبة .. ومعناها أنك قد تفعل شيئاً لا لشيء، ولكن الشيء يحدث هكذا، وليس في بالك أنت .. إنما حصل هكذا. ومثال هذه اللام في قوله تعالى في قصة موسى وفرعون:

{فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً .. "8"}
(سورة القصص)

ففرعون حينما أخذ موسى من البحر وتبناه ورباه، هل كان يتبناه ليكون له عدواً؟ لا .. إنما هكذا كانت النهاية، لكي يثبت الحق سبحانه أنهم كانوا مغفلين، وأن الله حال بين قلوبهم وبين ما يريدون .. إذن: المسألة ليست مرادة .. فقد أخذته وربيته في الوقت الذي تقتل فيه الأطفال .. ألم يخطر ببالك أن أحداً خاف عليه، فألقاه في البحر؟!
لذا يقول تعالى:

{واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه .. "24"}
(سورة الأنفال)

وكذلك أم موسى:

{وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم .. "7"}
(سورة القصص)

كيف يقبل هذا الكلام؟ وأني للأم أن ترمي ولدها في البحر إن خافت عليه؟! كيف يتأتى ذلك؟! ولكن حال الله بين أم موسى وبين قلبها، فذهب الخوف عليه، وذهب الحنان، وذهبت الرأفة، ولم تكذب الأمر الموجه إليها، واعتقدت أن نجاة وليدها في هذا فألقته.
وقوله:

{فتمتعوا فسوف تعلمون "55"}
(سورة النحل)

أي: اكفروا بما آتيناكم من النعم، وبما كشفنا عنكم من الضر، وتمتعوا في الدنيا؛ لأنني لم اجعل الدنيا دار جزاء، إنما الجزاء في الآخرة.
وكلمة (تمتعوا) هنا تدل على أن الله تعالى قد يوالي نعمه حتى على من يكفر بنعمته، وإلا فلو حجب عنهم نعمه فلن يكون هناك تمتع. ويقول تعالى:

{فسوف تعلمون "55"}
(سورة النحل)
</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:44 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 56

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون"56")</td> </tr> <tr> <td align="right">أي: الذين يكفرون بالله ويتخذون الأصنام والشركاء، يجعلون لها نصيباً. وقول الحق سبحانه:

{لا يعلمون .. "56"}
(سورة النحل)

ما العلم؟
العلم أن تعرف قضية، هذه القضية صدق أي: مطابقة للواقع وتستطيع أن تدلل عليها، فإذا اختل واحد منها لم تكن علماً .. وهؤلاء حينما جعلوا للأصنام نصيباً، فقد أتوا بأشياء لا وجود لها في الواقع ولا في العلم، وليست حقائق .. وهل للأصنام وجود؟ وهل عليها دليل؟
قال تعالى:

{إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطانٍ .. "23"}
(سورة النجم)

هذه الأصنام ليست لها وجود في الحقيقة، وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:

{وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون "136"}
(سورة الأنعام)

حتى لما جعلوا للأصنام نصيباً جعلوه مما رزقهم الله، ألا جعلتم نصيب الأصنام مما تعطيكم الأصنام؟ ونصيب الله مما رزقكم الله؟ فهذا اعتراف منكم بعجز أصنامكم، وأنكم أخذتم رزق الله وجعلتموه لأصنامكم.
وهذا دليل على أن الأصنام لا تعطيكم شيئاً، وشهادة منكم عليهم .. وهل درت الأصنام بهذا؟ إذن:

{لما لا يعلمون .. "56"}
(سورة النحل)

أي: للأصنام؛ لأنها لا وجود لها في الحقيقة، وهم يأخذون ما رزقناهم، ويجعلونه لأصنامهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى:

{تالله لتسألن عما كنتم تفترون "56"}
(سورة النحل)

التاء هنا في (تالله) للقسم أي: والله لتسألن عما افتريتم من أمر الأصنام. والافتراء: هو الكذب المتعمد.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:44 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 57

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون "57")</td> </tr> <tr> <td align="right">ساعة أن تسمع كلمة (سبحانه) فاعلم أنها تنزيه لله تعالى عما لا يليق، فهي هنا تنزيه لله سبحانه وتعالى عما سبق من نسبة البنات له .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .. أي: تنزيهاً لله عن أن يكون له بنات.
فهل يمكن أن يكون له أولاد ذكور؟
إنهم جعلوا لله البنات، وجعلوا لأنفسهم الذكور، وهذه قسمة قال عنها القرآن الكريم:

{ألكم الذكر وله الأنثى "21" تلك إذا قسمة ضيزى "22"}
(سورة النجم)

أي: جائرة.
لم تجعلوها عادلة، يعني لي ولد ولكم ولد، ولي بنت ولكم بنت، إنما تجعلون لله ما تكرهون وهي البنات لله، وتجعلون لكم ما تحبون .. لذلك كان في جعلهم لله البنات عيبان:
الأول: أنهم نسبوا لله الولد ـ ولو كان ذكراً فهو افتراء باطل يتنزه الله عنه.
الثاني: أنهم اختاروا أخس الأنواع في نظرهم .. ولا يستطيع أحد أن يقول: إن البنات أخس الأنواع .. لماذا؟
لأن بالبنات يكون بقاء النوع؛ ولذلك قال العباس: لو سمع الله ما قال الناس في الناس لما كان الناس .. أي: لو استجاب الله لرغبة الناس في أنهم لا يريدون البنات فاستجاب ولم يعطهم .. ماذا سيحدث؟ سينقطع النسل، فهذا مطلب غبي، فالبنت هي التي تلد الولد، وبها بقاء النوع واستمرار النسل.
وقوله تعالى:

{سبحانه .. "57"}
(سورة النحل)

أي: تنزيهاً له أن يكون له ولد، وتنزيهاً له سبحانه أن يكون له أخس النوعين في نظرهم وعرفهم، وقد قال عنهم القرآن في الآية التالية:

{وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم "58" يتواري من القوم من سوء ما بشر به .. "59"}
(سورة النحل)

ولذلك فالحق ـ تبارك وتعالى ـ حينما يحدثنا عن الإنجاب يقول:

{لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور "49" أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما .. "50"}
(سورة الشورى)

أول ما بدأ الحق سبحانه بدأ بالإناث .. ثم أعطانا هذه الصورة من الخلق: إناث، ذكور، ذكور وإناث، عقيم .. إذن: هبات الله تعالى لها أربعة أنواع، ومن هنا كان العقم أيضاً هبة من الله لحكمة أرادها سبحانه .. لكن الناس لا تأخذ العقم على أنه هبة .. لكن تأخذه على أنه نقمة وغضب.
لماذا؟ لماذا تأخذه على أنه نقمة وبلاء؟ فربما وهبك الولد، وجاء عاقاً، كالولد الذي جاء فتنة لأبويه، يدعوهما إلى الكفر.
ولو أن صاحب العقم رضى بما قسمه الله له من هبة العقم واعتبره هبة ورضى به لرأى كل ولد في المجتمع ولده من غير تعب في حمله وولادته وتربيته. فيرى جميع الأولاد من حوله أولاده ويعطف الله قلوبهم إليه كأنه والدهم .. وكأن الحق تبارك وتعالى يقول له: مادمت رضيت بهبة الله لك في العقم لأجعلن كل ولدٍ ولداً لك.
وينهي الحق سبحانه الآية بقوله:

{ولهم ما يشتهون "57"}
(سورة النحل)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:45 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 58

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم"58")</td> </tr> <tr> <td align="right">نعرف أن البشارة تكون بخير، فكان يجب عليهم أن يستقبلوها استقبال البشارة، ولكنهم استقبلوها استقبال الناقمين الكارهين لما بشروا به، فتجد وجه الواحد منهم.

{مسوداً .. "58"}
(سورة النحل)

ومعنى اسوداد الوجه انقباضه من الغيظ؛ لذلك يقول تعالى:

{وهو كظيم .. "58"}
(سورة النحل)

الكظم هو كتم الشيء. ولذلك يقول تعالى في آية أخرى:

{والكاظمين الغيظ .. "134"}
(سورة آل عمران)

وهو مأخوذ من كظم القربة حين تمتلئ بالماء، ثم يكظمها أي: يربطها، فتراها ممتلئة كأنها ستنفجر .. هكذا الغضبان تنتفخ عروقه، ويتوارد الدم في وجهه، ويحدث له احتقان، فهو مكظوم ممنوع أن ينفجر.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:45 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 59

</td> </tr> <tr> <td align="center">(يتواري من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون"59")</td> </tr> <tr> <td align="right">قوله تعالى:

{يتواري من القوم .. "59"}
(سورة النحل)

أي: يتخفى منهم مخافة أن يقال: أنجب بنتاً.

{من سوء ما بشر به .. "59"}
(سورة النحل)

نلاحظ إعادة البشارة في هذه الآية أيضاً، وكأنه سبحانه وتعالى يحنن قلبه عليها، ويدعوه إلى الرفق بها.
فهو متردد لا يدري ماذا يفعل؛ لذلك يقول تعالى:

{أيمسكه على هونٍ أم يدسه في التراب .. "59"}
(سورة النحل)

أي: ماذا يفعل فيما ولد له. أيحتفظ به على هونٍ ـ أي: هوان ومذلة ـ أم يدسه في التراب ـ أي: يدفنها فيه حية؟

{ألا ساء ما يحكمون "59"}
(سورة النحل)

أي: ساء ما يحكمون في الحالتين. حالة الإمساك على هون ومذلة، أو حالة دسها في التراب، فكلاهما إساءة. وكان بعض هؤلاء إذا ولدت له بنت كرهها، فإن أمسكها أمسكها على حال كونها ذليلة عنده، محتقرة مهانة، وهي مسكينة لا ذنب لها.
ولذلك، فإن المرأة العربية التي عاصرت هذه الأحداث فطنت على ما لم نعرفه نحن إلا قريباً، حيث اكتشف العالم الحديث أن أمر إنجاب الولد أو البنت راجع إلى الرجل وليس إلى المرأة .. وكان أبو حمزة كثيراً ما يترك زوجته ويغضب منها، لأنها لا تلد إلا البنات .. فماذا قالت هذه المرأة العربية التي هجرها زوجها؟ قالت:
ما لأبي حمزة لا يأتينا غضـبان ألا نل البنـينا
تالله ما ذلك فـي أيدينا فنحن كالأرض لغارسينا
نعطي لهم مثل الذي أعطينا
والحق سبحانه وتعالى حينما يريد توازناً في الكون يصنع هذا التوازن من خلال مقتضيات النفس البشرية، ومن مقتضياتها أن يكون للإنسان جاه، وأن يكون له عز، لكن الإنسان يخطئ في تكوين هذا الجاه والعز، فيظن أنه قادر على صنع ما يريد بأسبابه وحدها.
إنما لو علم أن تكوين الجاه والعز بشيء فوق أسبابه هو، بشيء مخلوق لله تعالى، بقدر مخلوق لله تعالى، لو علم هذه الحقيقة لجاء المسألة من بابها.
ذلك لأن العزة ليست بما تنجب .. العزة هنا لله وللرسول وللمؤمنين، اعتز هنا بعصبة الإيمان، اعتز بأنك في بيئة مؤمنة متكافلة، إذا أصابك فيها ضيم فزع إليك الجميع.
ولا تعتز بالأنسال والأنجال، فقد يأتي الولد عاقاً لا يسعف أبويه في شدة، ولا يعينهما في حاجة؛ ذلك لأنك لجأت إلى عصبية الدم وعصبية الدم قد تتخلف، أما عصبية العقيدة وعصبية الإيمان والدين فلا.
ولنأخذ على ذلك مثالاً .. ما حدث بين الأنصار والمهاجرين من تكافل وتعاون فاق كل ما يتصوره البشر، ولم يكن بينهم سوى رابطة العقيدة وعصبية الإيمان .. ماذا حدث بين هؤلاء الأفذاذ؟
وجدنا أن العصبية الإيمانية جعلت الرجل يضحي بأنفس شيء يضن به على الغير .. نتصور في هذا الموقف أن يعود الأنصار بفضل ما عندهم من نعم على إخوانهم المهاجرين، فمن كانت عنده ركوبة أو منزلة مثلاً يقول لأخيه المهاجر: تفضل اركب هذه الركوبة، أو اجلس في هذا المنزل .. هذا كله أمر طبيعي.
أما نعيم المرأة، فقد طبع في النفس البشرية أن الإنسان لا يحب أن تتعدى نعمته فيها إلى غيره .. لكن انظر إلى الإيمان، ماذا صنع بالنفوس؟ .. فقد كان الأنصاري يقول للمهاجر: انظر لزوجاتي، أيهن أعجبتك أطلقها لتتزوجها أنت، وما حمله على ذلك ليس عصبية الدم أو عصبية الجنس، بل عصبية اليقين والإيمان.
ولذلك تنتفي جميع العصبيات في قصة نوح ـ عليه السلام ـ وولده الكافر، حينما ناداه نوح ـ عليه السلام ـ:

{يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين "42"قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم .. "43"}
(سورة هود)

ويتمسك نوح بولده، ويحرص كل الحرص على نجاته فيقول:

{رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق .. "45"}
(سورة هود)

فيأتي فصل الخطاب في هذه القضية:

{إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين "46"}
(سورة هود)

إذن: هذا الولد ليس من أهلك؛ لأن البنوة هنا بنوة العمل، لا بنوة الدم والنسب. صحيح أن الإنسان يحب العزة ويطلبها لنفسه، ولكن يجب أن تنظر كيف تكون العزة الحقيقية؟ وما أسبابها؟
خذ العزة بالله وبالرسول وبالبيئة الإيمانية، يصبح كل الأولاد أولادك؛ لأنهم معك في يقينك بالله وإيمانك به سبحانه .. أما أن تعتز بطريقتك أنت، فتطلب العزة في الولد الذكر، فمن يدريك أن تجد فيه العزة والعزوة والمكاثرة؟!</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 09:45 AM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 60

</td> </tr> <tr> <td align="center">(للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم "60")</td> </tr> <tr> <td align="right">قوله تعالى:

{مثل السوء .. "60"}
(سورة النحل)

صفة السوء أي: الصفات السيئة الخسيسة من الكفر والجحود والنكران، ومن عمي البصيرة، وغيرها من صفات السوء.
لماذا كان للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء؟ لأن المعادلة التي أجروها معادلة خاطئة؛ لأن الذي لا يؤمن بالآخرة قصر عمره .. فعمر الدنيا بالنسبة له قصير، وقد قلنا: إياك أن تقيس الدنيا بعمرها .. ولكن قس الدنيا بعمرك أنت، فعمر الدنيا مدة بقائك أنت فيها .. إنما هي باقية من بعدك لغيرك، وليس لك أنت فيها نصيب بعد انقضاء عمرك.
إذن: عمر الدنيا عمرك أنت فيها .. عمرك: شهر، سنة، عشر سنوات، مائة .. هذا هو عمر الدنيا الحقيقي بالنسبة لك أنت.
ومع ذلك، فعمر الدنيا مهما طال منته إلى زوال، فمن لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالآخرة قد اختار الخاسرة؛ لأنه لا يضمن أن يعيش في الدنيا حتى متوسط الأعمار .. وهب أنك عشت في الدنيا إلى متوسط الأعمار، بل إلى أرذل العمر .. وهب أنك استمتعت في دنياك بكل أنواع المعاصي، ماذا ستكون النهاية؟ أن تفوت هذا كله إلى الموت.
قارون ـ إذن ـ حال هذا بمن آمن بالله وآمن بالآخرة .. نقول لمن لا يؤمن بالآخرة: دنياك مظنونة، يمكن أن تعيش فيها، أو يعاجلك الموت .. حتى من عاش إلى متوسط الأعمار، فالنهاية إلى زوال.
وما نلت من متع في دنياك أخذتها على قدر إمكاناتك أنت. إذن: أنت أخذت صفقة محدودة غير متيقنة، وتركت صفقة غير محدودة ومتيقنة .. أليست هذه الصفقة خاصرة؟
أما من آمن بالآخرة فقد ربحت صفقته، حيث اختار حياة ممتدة يجد المتعة فيها على قدر إمكانات المنعم سبحانه وتعالى:

{مثل السوء .. "60"}
(سورة النحل)

أي: الصفة شديدة السوء، ذلك لأنهم خاسرون لا محالة. وقوله تعالى:

{ولله المثل الأعلى .. "60"}
(سورة النحل)

لله الصفة العليا، وكأن الآية تقول لك: اترك صفة السوء، وخذ الصفة الأعلى التي تجد المتعة فيها على قدر إمكانات الحق سبحانه وتعالى.
وينهي الحق سبحانه الآية بقوله:

{وهو العزيز الحكيم "60"}
(سورة النحل)

العزيز أي: الذي لا يغلب على أمره، فإذا قيل: قد يوجد من لا يغلب على أمره .. نعم؛ لكنه سبحانه عزيز حكيم يستعمل القهر والغلبة بحكمة.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 07:18 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 61

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون "61")</td> </tr> <tr> <td align="right">قول الحق تبارك وتعالى:

{ولو يؤاخذ الله الناس .. "61"}
(سورة النحل)

عندنا هنا: الأخذ والمؤاخذة .. الأخذ: هو تحصيل الشيء واحتواؤه، ويدل هذا على أن الآخذ له قدرة على المستمسك بنفسه أو بغيره، فمثلاً تستطيع حمل حصاة، لكن لا تستطيع حمل حجر كبير، وقد يكون شيئاً بسيطاً إلا أنه مربوط بغيره ومستمسك به فيؤخذ منه قوة.
فمعنى الأخذ: أن تحتوي الشيء، واحتواؤك له معناه أنك أقوى من تماسكه في ذاته، أو استمساك غيره به، وقد يكون الأخذ بلا ذنب.
أما المؤاخذة فتعني: هو أخذ منك فأنت تأخذ منه .. ومنه قول أحدنا لأخيه "لا مؤاخذة" في موقف من المواقف .. والمعنى: أنني فعلت شيئاً استحق عليه الجزاء والمؤاخذة، فأقول: لا تؤاخذني .. لم أقصد.
لذلك؛ فالحق تبارك وتعالى يقول هنا:

{ولو يؤاخذ الله الناس .. "61"}
(سورة النحل)

ولم يقل: يأخذ الناس. وفي آية أخرى قال تعالى:

{وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد "102"}
(سورة هود)

لماذا أخذها الله؟ أخذها لأنها أخذت منه حقوقه في أن يكون إلهاً واحداً فأنكرتها، وحقوقه في تشريع الصالح فأنكرنها. ويبين الحق سبحانه أن هذه المؤاخذة لو حدثت ستكون بسبب من الناس أنفسهم، فيقول سبحانه:

{بظلمهم .. "61"}
(سورة النحل)

أول الظلم أنهم أنكروا الوحدانية، يقول تعالى:

{إن الشرك لظلم عظيم "13"}
(سورة لقمان)

فكأنهم أخذوا من الله تعالى حقه في الوحدانية، وأخذوا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا كذاب، وأخذوا من الكتاب فقالوا "سحر مبين". كل هذا ظلم ..
فالحق تبارك وتعالى لو آخذهم بما أخذوا، أخذوا شيئاً فأخذ الله شيئاً، لو عاملهم هذه المعاملة ما ترك على ظهرها من دابة. لذلك نجد في آيات الدعاء:

{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا .. "286"}
(سورة البقرة)

أي: أننا أخذنا منك يا رب الكثير بما حدث منا من إسراف وتقصير وعمل على غير مقتضى أمرك، فلا تؤاخذنا بما بدر منا. فلو آخذ الله الناس بما اقترفوا من ظلم ..

{ما ترك عليها من دابةٍ .. "61"}
(سورة النحل)

قد يقول قائل: الله عز وجل سيؤاخذ الناس بظلمهم، فما ذنب الدابة؟ ماذا فعلت؟ نقول: لأن الدابة خلقت من أجلهم، وسخرت لهم، وهي من نعم الله عليهم، فليست المسألة إذن نكاية في الدابة، بل فيمن ينتفع بها، وقد يراد العموم لكل الخلق.
فإذا لم يؤاخذ الله الناس بظلمهم في الدنيا فهل يتركهم هكذا لا بل:

{ولكن يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى .. "61"}
(سورة النحل)

هذا الأجل انقضاء دنيا، وقيام آخرة، حتى لو لم يؤمنوا بالآخرة، فإن الله تعالى يمهلهم في الدنيا، كما قال تعالى في آية أخرى:

{وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك .. "47"}
(سورة الطور)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 07:19 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 62

</td> </tr> <tr> <td align="center">(ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون "62")</td> </tr> <tr> <td align="right">قوله تعالى:

{ويجعلون لله ما يكرهون .. "62"}
(سورة النحل)

الأليق أن الذي يخرج لله يجب أن يكون من أطيب ما أعطاه الله، فإذا أردت أن تتصدق تصدق بأحسن ما عندك، أو على الأقل من أوسط ما عندك .. لكن أن تتصدق بأخس الأشياء وأرذلها .. أن تتصدق مما تكرهه، كالذي يتصدق بخبز غير جيد أو لحم تغير، أو ملابس مهلهلة، فهذا يجعل لله ما يكره.
والحقيقة أن الناس إذا وثقوا بجزاء الله على ما يعطيه العبد لأعطوا ربهم افضل ما يحبون .. لماذا؟ لأن ذلك دليل على حبك للآخرة، وأنك من أهلها، فأنت تعمرها بما تحب، أما صاحب الدنيا المحب لها فيعطي أقل ما عنده؛ لأن الدنيا في نظره أهم من الآخرة.
وبهذا يستطيع الإنسان أن يقيس نفسه: أهو من أهل الآخرة، أم من أهل الدنيا بما يعطي لله عزة وجل؟
قوله تعالى:

{ويجعلون لله ما يكرهون .. "62"}
(سورة النحل)

أي: مما ذكر في الآيات السابقة من قولهم:

{لله البنات .. "57"}
(سورة النحل)

وأن الملائكة بنات الله، وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً، إلى غير ذلك من أقوالهم، وجعلوا لله البنات وهم يكرهون البنات؛ لذلك:

{وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم "58"}
(سورة النحل)

والمسألة هنا ليست مسألة جعل البنات لله، بل مطلق الجعل منهم مردود عليهم، فلو جعلوا لله ما يحبون من الذكران ما تقبل منهم أيضاً؛ لأنهم جعلوا لله ما لم يجعل لنفسه.
فالذين قالوا: عزيز ابن الله. والذين قالوا: المسيح ابن الله. لا يقبل منهم؛ لأنهم جعلوا لله سبحانه ما لم يجعله لنفسه، فهذا مرفوض، وذلك مرفوض؛ لأننا لا نجعل لله إلا ما جعله الله لنفسه سبحانه.
فنحن نجعل لله ما نحب مما أباح الله، كما جاء في قوله تعالى:

{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون .. "92"}
(سورة آل عمران)

وقوله:

{ويطعمون الطعام على حبه .. "8"}
(سورة الإنسان)

ولذلك قال الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:

{قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين "81"}
(سورة الزخرف)

فلو كان له ولد لآمنت بذلك، لكن الحقيقة أنه ليس له ولد .. إذن: ليست المسألة في جعل ما يكرهون لله بل في مطلق الجعل، ذلك لأننا عبيد نتقرب إلى الله بالعبادة، والعابد يتقرب إلى المعبود بما يحب المعبود أن يتقرب به إليه، فلو جعل الله لنفسه شيئاً فهو على العين والرأس، كما في أمره أن ننفق مما نحب، ومن أجود ما نملك.</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 07:19 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 63

</td> </tr> <tr> <td align="center">(تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم "63")</td> </tr> <tr> <td align="right">نعلم أن الحق سبحانه وتعالى يقسم بما يشاء على ما يشاء، أما نحن فلا نقسم إلا بالله، وفي الحديث الشريف: "من كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت".
والحق تبارك وتعالى هنا يحلف بذاته سبحانه (تالله)، مثل: والله وبالله. وقد جاء القسم لتأكيد المعنى؛ ولذلك يقول أحد الصالحين: من أغضب الكريم حتى ألجأه أن يقسم؟!
وقد يؤكد الحق سبحانه القسم بذاته، أو القسم ببعض خلقه، وقد ينفي القسم وهو يقسم، كما في قوله تعالى:

{لا أقسم بهذا البلد "1"}
(سورة البلد)

وقوله:

{فلا أقسم بمواقع النجوم "75" وإنه لقسم لو تعلمون عظيم "76"}
(سورة الواقعة)

ومعنى: لا أقسم أن هذا الأمر واضح جلي وضوحاً لا يحتاج إلى القسم، ولو كنت مقسماً لأقسمت به، بدليل قوله:

{وإنه لقسم لو تعلمون عظيم "76"}
(سورة الواقعة)

إذن: الحق سبحانه يقسم بذاته ليؤكد لنا الأمر تأكيداً، وتأكيد الأمر عند الحكم في القضاء مثلاً: إما بالإقرار، وإما باليمين .. فإذا ما أقسمت له وحلفت فقد سددت عليه منافذ التكذيب. والحق سبحانه يقول:

{لقد أرسلنا إلى أممٍ من قبلك .. "63"}
(سورة النحل)

أي: لست بدعاً في أن تكذب من قومك، فهذه طبيعة الذين يستقبلون الدعوة من الله على ألسنة الرسل؛ لأن الرسل لا يرسلهم الله إلا حينما يطم الفساد ويعم.
ومعنى إرسال الرسل ـ إذن ـ أنه لا حل إلا أن تتدخل السماء؛ ذلك لأن الإنسان فيه مناعات يقينية في ذاته، وهي نفسه اللوامة التي تلومه إذا أخطأ وتعدل من سلوكه، فهي رادع له من نفسه.
فإذا ما تبلدت هذه النفس، وتعودت على الخطأ قام المجتمع من حولها بهذه المهمة، فمن لا تردعه نفسه اللوامة يردعه المجتمع من حوله .. فإذا ما فسد المجتمع أيضاً، فماذا يكون الحل؟ الحل أن تتدخل السماء لإنقاذ هؤلاء.
إذن: تتدخل السماء بإرسال الرسل حينما يعم الفساد المجتمع كله؛ ولذلك فأمة محمد صلى الله عليه وسلم من شرفها عند ربها أن قال لهم: أنتم مأمونون على رعاية منهجي في ذواتكم، لوامون لأنفسكم، آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر في غيركم؛ لذلك لن أرسل فيكم رسولاً آخر، فأنتم سوف تقومون بهذه المهمة.
لذلك قال الحق سبحانه:

{كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر .. "110"}
(سورة آل عمران)

فقد آمن أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أن تكون حارسة لمنهجه، إما بالنفس اللوامة، وإما بالمجتمع الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وهذا شرف عظيم لهذه الأمة.
إذن: يأتي الرسول حينما يعم الفساد .. فما معنى الفساد؟ .. الفساد: أن توجد مصالح طائفة على حساب طائفة أخرى، فأهل الفساد والمنتفعون به إذا جاءهم رسول ليخلص الناس من فسادهم، كيف يقابلونه؟ أيقابلونه بالترحاب؟ بالطبع لا .. لابد وأن يقابلوه بالكراهية والإنكار، ويعلنوا عليه الحرب دفاعاً عن مصالحهم.
ويتبع الحق سبحانه هذا بقوله:

{فزين لهم الشيطان أعمالهم .. "63"}
(سورة النحل)

هنا يتدخل الشيطان، ويزين لأهل الفساد أعمالهم، ويحثهم على محاربة الرسل؛ فهؤلاء الذين سيقضون على نفوذكم، سوف يأخذون ما في أيديكم من متع الدنيا، سوف يهزون مراكزكم، ويحطون من مكانتكم بين الناس .. هؤلاء سوف يرفعون عليكم السفلة والعبيد ..
وهكذا يتمسك أهل الفساد والظلم بظلمهم، ويعضون عليه بالنواجذ، ويقفون من الرسل موقف العداء، فوطن نفسك على هذا، فلن تقابل من السادة إلا بالجحود وبالإنكار وبالمحاربة. ثم يقول تعالى:

{فهو وليهم اليوم .. "63"}
(سورة النحل)</td></tr></tbody></table>

الشاكر
15-10-2011, 07:19 PM
<table align="center" border="0" cellpadding="5" cellspacing="0" width="95%"><tbody><tr><td align="center">تفسير سورة النحل - الآية: 64

</td> </tr> <tr> <td align="center">(وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون"64")</td> </tr> <tr> <td align="right">فالكتاب هو القرآن الكريم. وقول الحق سبحانه:

{لتبين لهم الذين اختلفوا فيه .. "64"}
(سورة النحل)

دليل على أن أتباع الرسل السابقين نشأ بينهم خلاف، فأي خلاف هذا طالما أنهم تابعون لنبي واحد؟ ما سببه؟
قالوا: سبب هذا الخلاف ما يسمونه بالسلطة الزمنية .. ولتوضيح معنى السلطة الزمنية نضرب مثلاً بواحد كان شيخاً لطريقة مثلاً، بواحد كان شيخاً لطريقة مثلاً، فلما مات تنازع الخلافة أبناؤه من بعده .. كل يريدها له، وأخذ يجمع حوله مجموعة من أتباع أبيه .. فلو كانت الخلافة هذه واضحة في أذهانهم ما حدث هذا الخلاف.
وكذلك السلطة الزمنية حدثت في أتباع الرسل الذين أخذوا يكتبون الصكوك، ويذكرون ما يحبون وما يرونه صواباً من وجهة نظرهم، كل هؤلاء كان لهم نفوذ بما نسميه السلطة الزمنية.
فكيف ـ إذن ـ يتركون محمداً صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم هذه السلطة، ويضيع عليهم ما هم فيه من سيادة، فقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين لهم. أي: يردهم إلى جادة الحق، وإلى الطريق المستقيم.
وقوله تعالى:

{وهدى ورحمة .. "64"}
(سورة النحل)

الهدى: معناه بيان الطريق الواضح للغاية النافعة، والطريق لا يكون واضحاً إلا إذا خلا من الصعاب والعقبات، وخلا أيضاً من المخاوف، فهو طريق واضح مأمون سهل، وأيضاً يكون قصيراً يوصلك إلى غايتك من أقصر الطرق.
وضد الهدى: الضلال. وهو أن يضلك، فإن أردت طريقاً وجهك إلى غيره، ودلك على سواه، أو دلك على طريق به مخاوف وعقبات. أما الرحمة، فقد وصف الحق تبارك وتعالى القرآن بأنه رحمة فقال:

{وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين .. "82"}
(سورة الإسراء)

فكيف يكون القرآن شفاءً؟ وكيف يكون رحمة؟
الشفاء: إذا أصابنا داء ربنا سبحانه وتعالى يقول: طيبوا داءكم ودووا أمراضكم بكذا وكذا، وردوا الحكم إلى الله .. هذا شفاء.
أما الرحمة: فهي أن يمنع أن يأتي الداء مرة أخرى، فتكون وقاية تقتلع الداء من أصله فلا يعود.
ومثل هذا يحدث في عالم الطب، فقد تذهب إلى طبيب ليعالجك من داء معين .. بثور في الجلد مثلاً، فلا يهتم إلا بما يراه ظاهراً، ويصف لك ما يداوي هذه البثور .. ثم بعد ذلك تعاودك مرة أخرى.
أما الطبيب الحاذق الماهر فلا ينظر إلى الظاهر فقط، بل يبحث عن سببه في الباطن، ويحاول أن يقتلع أسباب المرض من جذورها، فلا تعاودك مرة أخرى.
ولذلك، لو نظرنا إلى قصة أيوب ـ عليه السلام ـ وما ابتلاه الله به نرى فيها مثالاً رائعاً لعلاج الظاهر والباطن معاً، فقد ابتلاه ربه ببلاء ظهر أثره على جسمه واضحاً، ولما أذن له سبحانه بالشفاء قال له:

{اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب "42"}
(سورة ص)

(مغتسل): أي. يغسل ويزيل ما عندك من آثار هذا البلاء.
(وشراب): أي. شراب يشفيك من أسباب هذا البلاء فلا يعود.
وكذلك الحال في علاج المجتمع، فقد جاء القرآن الكريم وفي العالم فساد كبير، وداءات متعددة، لابد لها من منهج لشفاء هذه الداءات، ثم نعطيها مناعاتٍ تمنع عودة هذه الداءات مرة أخرى.
وقوله تعالى:

{لقومٍ يؤمنون "64"}
(سورة النحل)

أي: أن هذا القرآن فيه هدى ورحمة لمن آمن بك وبرسالتك؛ لأن الطبيب الذي ضربناه مثلاً هنا لا يعالج كل مريض، بل يعالج من وثق به، وذهب إليه وعرض عليه نفسه ففحصه الطبيب وعرف علته.
وهكذا القرآن الكريم يسمعه المؤمن به، فيكون له هدىً ورحمة، ويترك في نفسه إشراقات نورانية تتسامى به وترتفع إلى أعلى الدرجات، في حين يسمعه آخر فلا يعي منه شيئاً، ويقول كما حكى القرآن الكريم:

{ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا "16"}
(سورة محمد)

وقال:

{قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء .. "44"}
(سورة فصلت){والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى .. "44"}
(سورة فصلت)</td></tr></tbody></table>