المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة.

 


 
العودة   نفساني > ملتقيات التجارب الشخصية والأبحاث > ملتقى المقالات النفسية والأبحاث
 

ملتقى المقالات النفسية والأبحاث المقالات وخلاصة الكتب النفسية والإجتماعية

الطب النفسي .. شبهات وردود

الطب النفسي .. شبهات وردود هذه الصفحة تحوي عددًا من المقالات نحاول فيها أن نبين حقيقة بعض الأفكار المغلوطة الشائعة عن الطب النفسي والطبيب النفسي والعقاقير النفسية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 12-10-2005, 07:57 PM   #1
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
الطب النفسي .. شبهات وردود



الطب النفسي .. شبهات وردود



هذه الصفحة تحوي عددًا من المقالات نحاول فيها أن نبين حقيقة بعض الأفكار المغلوطة الشائعة عن الطب النفسي والطبيب النفسي والعقاقير النفسية وطرق العلاج النفسي ، وهذه الأفكار المغلوطة عن الطب النفسي شائعةٌ ومتغلغلةٌ في أوساط مثقفينا قبل عامة الناس وهي أبعدُ ما تكونُ عن الحقيقةِ ونقَدِّمُ الأدلةَ على ذلك من تراثنا نحنُ كلما استطعنا ومن تاريخ تطور الأفكار في الغرب كلما لزمَ ذلك.

فقد كان مفاجئا لي أنني عندما قرأت معطيات التراث الغربي في الطب النفسي وجدتُ أن وصمة المرض النفسي ووصمة الطب النفسي والطبيب النفسي بالتالي ، إنما هيَ مكونٌ أساسيٌّ في الفكر الغربي على مر العصور ، وأن حقيقة الأمر هيَ أن الأفلام والمسلسلات التليفزيونية الأجنبية تلك إنما هيَ موجهةٌ أصلاً للمجتمع الغربي لمحاربة التوجه السلبي نحو الطب النفسي والمرض النفسي والمتأصلةُ أصلاً في ذلك المجتمع ! وبينما يحاولُ المفكرون في الغرب إيهامنا بأن التوجه السلبيَّ تجاه المرض النفسي والطب النفسي بالتالي إنما هو توجهٌ عالميٌّ نبعَ في كل مجتمعٍ على حدة ، تبينَ لي إن الحقيقة هيَ أنهُ نبعَ من عندهم وانتقل إلينا ، ولو أننا بحثنا في تراثنا العربي لوجدنا ما يشير إلى توجه آخر وتصورٍ آخر مختلف بالفعل عما أخذناه غافلين عن الغرب !!

1

يرى بعضهم أنه لا فائدة من الأدوية النفسية لما يلاحظونه من عدم شفاء

بعض المرضى رغم استخدامهم للدواء ، ولذلك فإنهم يرونها مجرد مسكنات أو منومات
نعم نسمع ذلك من مرضانا و من زملائنا الأطباء في التخصصات المختلفة بالرغم من كل ما يسمعونه و يشاهدونَـهُ من تحسنٍ كبير لحالات المرضى حين يستكملون العلاج !

ولعل هذا الاعتقاد قد جاء نتيجة ما اعتاده بعض الناس من الاستجابة السريعة عند استخدام بعض الأدوية الأخرى (غير النفسية). فقد اعتاد بعض الناس عند الشعور بالصداع أنْ يتناول حبيتن من الأسبرين أو النوفالجين ، وعند الشكوى من السعال أنْ يتناول أدوية السعال و عند حدوث الإسهال يتناول أدوية الإسهال، وربما امتد فقط لعدة أيام لا أكثر .
و لكن الحال يختلف عند استخدام الأدوية النفسية ، فالأثر الفعال لبعض الأدوية النفسية لا يظهر إلا بعد أسبوعين إلى أربعة أسابيع من بداية استخدامها ، وربما بعد أكثر من ذلك .

و كذلك فإن تحسن المريض وحتى شفاءه التام ليس معناه إيقاف الدواء ، بل يجب عليه الاستمرار فيه حتى يوقفه الطبيب وذلك بطريقة تدريجية ربما تمتد لعدة أشهر . وليس معنى ذلك أن المريض قد أصبح مدمناً على ذلك الدواء ، ولكن هذه هي طبيعة الأمراض النفسية وأدويتها .

أن الأمراض النفسية كغيرها من الأمراض في التخصصات الأخرى ، فمن المرضى من يستجيب للعلاج استجابة كاملة ، ومنهم من لا يستجيب للعلاج مطلقاً ، ومنهم من يستجيب جزئياً ، لأن العلاج فعال في نسبة معينة من المرضى .
إنَّ من الأمراض النفسية ما تتحكم به الأدوية النفسية فقط دون أنْ يُشفى المريض تماماً ، كما هو الحال في بعض الأمراض العضوية المزمنة كالضغط والسكري . ولذلك فإنه إذا ما أراد المريض أنْ تبقى حالته مستقرة فيجب عليه أنْ يستمر في العلاج فترة طويلة من حياته.

ولعل تقصير الطبيب النفسي في توضيح تلك الأمور لمريضه في أول لقاء بينهما يؤدي إلى انقطاع المريض عن تناول الدواء لأتفهِ الأسباب ، خصوصاً وأن أهل المريض وذويه ليسوا في العادة أحسن حالاً من المريض فيما يتعلق بموقفهم من الأمراض النفسية وأدويتها .

والطريف في الأمر أن الوقت الذي يستغرقه الطبيب النفسي في إقناع المريض وأهله بضرورة استخدام الدواء قد يفوق أحياناً الوقت الذي يستغرقه في فحص المريض وتشخيص علته . ولقد أثبتت الأبحاث العلمية أن مستوى قناعة المريض ومن حوله بدواء معين قد تؤثر سلباً أو إيجاباً في درجة استجابة المريض لذلك الدواء .
أمَّـا الذي أريدُ أنْ أشيرَ إليهِ و أؤَكِّـدَهُ فهُـوَ أنَّ حال العلاجِ في الطب النفسي أفضل حالاً من العلاجِ في كل تخصصاتِ الطبِّ الباطنيِّ باستثناءِ ما ينتجُ عن العدْوَى بالبكتريا أو الفطريات أي ما يستخدم في علاجِهِ المضادات الحيوية أو مضادات الفطريات ! وفقط فقط!

فلا مريضُ الضغط المرتفع ولا مريض القلب و لا مريض الكبدِ و لا مريض السكر ولا مريض الكلى و لا مريض الروماتيزم و لا أيُّ مريضٍ بمرَضٍ باطني غير ما ينتجُ عن العَـدْوَى بالبكتريا و الفطريات يعالَـجُ بالمفهوم الذي نطلب من الطب النفسيِّ الوصول إليه أي أن يتناول المريض الدواء لمدة أسبوع أو عشرة أيام فقط ! و بالرغم من أن كل الأمراض المزمنة التي ذكرتها وهي كل أمراض الباطنة تقريبًـا عدا العدوى كلها تحتاج علاجا يدوم العمر ، و بالرغم من ذلك كله لم نسمع من يتهم أدوية الضغط مثلا بأنها مسكنات !!

وأذهب أبعد من ذلك لأقول أن معظم حالات الذهان الحادة و هي أكثر الحالات عرضا على الأطباء النفسيين في بلادنا يحتاج المريض فيها إلى عدة أشهر من العلاج فقط ثم يسحبه الطبيب و يستأنف المريض حياته بعد ذلك صحيحا بكل معنى الكلمة و أشير في النهاية هنا إلى أنَّ منظمة الصحة العالمية وضعت عقار الكلوربرومازين و هو أول ما اكتشف من مضادات الذهان ليكون ترتيبُـه ثاني أعظم اكتشاف في تاريخ الطب الحديث بعد عقَّـار البنسلين مباشرةً و غنيٌ عن التعريف أن البنسلين أول مضاد حيوي يكتشف !
المصدر: نفساني



 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 07:59 PM   #2
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
اعتقاد بعض الناس بـأنه لا يمكن للعقاقير الدوائية المادية المحسوسة أنْ تعالج المعاناة



2
اعتقاد بعض الناس بـأنه لا يمكن للعقاقير الدوائية المادية المحسوسة أنْ تعالج المعاناة النفسية غير المحسوسة .

ولعلي أردُّ على هذا الاعتقاد بذكر حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " التلبينةُ مَجَمَّـةٌ لفؤادِ المريض تذهب ببعض الحزن ".

قال ابن القيم في شرحه : " التلبين هو حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته ، وهي تذهب ببعض الحزن بخاصية فيها من جنس خواص الأغذية المفرحة ، فإن من الأغذية ما يفرح بالخاصية " ، انتهى كلام ابن القيم.
والأدوية مثل الأغذية ، فمنها ما يذهب الحزن والغم دون أنْ يكون فيها محظور شرعي .

و نتيجةً للتقدمِ العلميِّ الغربيِّ الكبير الذي حدثَ ،والأبحاث الضخمة التي تمت في مجال الطب النفسي-كما في المجالات الأخرى -فقد ظهر أن الأمراض النفسية لها ما تُمكن تسميتهُ مراكزَ في الدماغ على غير ما كان سائدًا في منتصفِ القرن الحالي من أنها مرتبطة بذكريات الطفولة ولا يمكن معالجتها إلا بالتحليل النفسي ، وبناءً على نتائج ما تم من أبحاث وتوظيف التقنيات الحديثة في الطب مثل الرنين المغناطيسي وتخطيط الدماغ فقد ثبت وجود اضطراب كيميائي في بعض مناطق المخ ،المسؤولة عن المزاج والمشاعر والسلوك والذاكرة واصبح لكل مرض علاجه الدوائي بالإضافة لعلاجه النفسي السلوكي والتحليل النفسي في بعض الأحيان .

و لكيْ أوَضِّـحِ الأمْرَ أكثر لغيْرِ الأطباء ؛ فإنَّ المخَّ البشَرِيَّ يتكونُ من آلافِ الملايينِ من الخلايا العصبيةِ وَ هناكَ مراكِـزُ في المخِّ لكافةِ الوظائِفِ النفسيةِ والبيولوجيةِ للإنسان فهناك مركزُ الحركة و مراكزُ للتحكم في ضغط الدم ودقَّـاتِ القلبِ والتنفس وكذلك هناك مراكزُ للذاكرَةِ و السلوكِ و المِزاجِ والوِجْـدان وَ يرتبطُ المخ بالحبل الشوكيِّ الذي يقعُ داخلَ العمودِ الفَقَـرِيِّ وهو يحتوي على عدد ضخمٍ من الخلايا العصبية و بذلك يتمكنُ من نقلِ كل أنواعِ المعلوماتِ منْ وإلى المخ من خلال الإشاراتِ العصبية ، و تتصل الخلايا العصبية التي يتكون منها الجهاز العصبي بعضها ببعضٍ بواسطةِ مشابكَ " نقط الاشتباكِ العصبي " حيثُ يقَعُ كلُّ مشبكٍ بينَ الخليَّـةِ المُرْسِلَـةِ و الخلية المستقبِـلَـةِ للإشارَةِ العصبية ؛ و هذه المشابكُ أو المسافاتِ الرقيقةِ بالرغمِ من أنها تفصل ما بينَ الخليتينِ إلا أنها في الواقعِ تربطُ ما بينهما كيميائيًـا حيثُ أنَّ الرسائلَ " الإشاراتِ العصبية " تنتقل خلال المشبك بينَ الخليَّـتيْـنِ بواسِطَـةِ مواد كيميائية تُسَمَّى الناقلاتِ العصبية "و من أمثلتها السيروتونين ، الدوبامين ، الأدرينالين ؛ النور أدرينالين و الأستيل كولين .. إلـخ ...

وَ زيادة أو نقص هذه الناقلات العصبية في المخ يؤدي إلى اضطراب الوظائفِ النفسية للإنسان في حين أنَّ إعادَةَ ضبط تركيزها و إيجاد التوازنِ المناسب فيما بينها يعيد الإنسان إلى اتزانه في سلوكه و سعادته في حياته ! وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن حكم استعمال الأدوية لعلاج المرض النفسي ، فأجاب :
المشروع لكل من لديه علم بشيء من الأدوية الشرعية أو المباحة التي يعتقد أن الله ينفع بها المريض أنْ يفعل ذلك سواءً سُمى ذلك طباً نفسياً ، أو شرعياً ، أو دواءاً عادياً أو غير ذلك من الأسماء .

المطلوب أنْ يتحرى الطبيب المعالج ما يراه نافعاً في علاج المرضى الذين بين يديه بما ليس فيه محظور شرعاً سواءً كان بالقراءة أو بمأكول مباح أو بمشروب مباح أو أشياء أخرى لا محظور فيها، قد جُرب أنه تزيل ما أصاب المريض من الخلل في عقله ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أنزل الله داءاً إلا أنزل له شـفاء علمه مـن علمه وجهله من جهلـه " ولقـوله صلى الله صلى الله عليه وسـلم " عـباد الله تـداووا ولا تـداووا بحرام " . صدق رسول الله.

كما أثبتت التجارب العلمية العديدة أن أكثر الأمراض النفسية يصاحبها خلل يتمثل في تغير مستوى بعض الناقلات العصبية في الدماغ ، وأن هذه الأمراض تزول - بإذن الله - إذا تم إصلاح ذلك الخلل بواسطة الأدوية النفسية .

و أعود هنا إلى مقالة ابن عمران في المالينكوليا و هو يحدثنا عن طرق العلاج و قد كتبه ابن عمران بغاية الإتقان وتعرض فيها إلى الأدوية والعلاجات الكلية والجزئية لكي أوضحَ كيف كان يفكر علماءُ المسلمين .
فقد تعرض ابن عمران إلى مختلف الوسائل العلاجية التي يمكن ترتيبها كما يلي حسب التبويب الحديث:

1- الوسائل التي ترتكز على النفس .
2- الوسائل التي ترتكز على البيئة والمحيط
3- وسائل العلاج بالحمية والتغذية.
4- العلاج بالطرق الفيزيائية .
5- العلاج بالأدوية والعقاقير .

ا- العلاج بالوسائل النفسية:
هنا يركز ابن عمران اهتمامه على ضرورة الاعتناء بالمريض حتى تزول ظنونه، وذلك بالكلمات الجميلة الأنيقة و بالحيل المنطقية والمواساة والموسيقى والتنزه في الهواء الطلق والغابات والبساتين الزاهرة الخ.
فيحرص على التنقل من المكان الذي وقعت فيه الإصابة فينصح بالأجواء التي تميل إلى الحرارة وتقل رطوبتها-و بالابتعاد عن الأماكن المتعفنة بل ينتبه حتى إلى وجهة المنازل بالنسبة للأرياح.

2-العلاج بالتغذية والحمية:
هنا يؤكد ابن عمران الاعتناء بالصحة العامة وذلك بتنظيم الأسباب الاضطرارية الستة المذكورة أعلاه وهي: العمل والحركة السكون، والنوم واليقظة، الطعام والشراب، الهواء المتنسم والمستنشق، الاستفراغ والامتناع، وأخيرا الأحداث النفسية ،كما أنه يشير إلي العديد من الأغذية من حيث الكم والكيف لتكون دائما لينة نقية صالحة.

3-العلاج بالوسائل الفيزيائية:
يقول بن عمران في كل يوم الاستنقاع في الماء الحار العذب، والماء البارد في صميم الصيف والدهان بعد التنشيف بالمناديل واستخدام الأدهنةِ الكثيرة الرطوبة مثل، دهن الكتان وزيت اللوز ودهن السوسن ودهن الخرذل، والتي تستعمل إما لدلك الرأس أو لدلك الجسد كله.

4-العلاج بالأدوية والعقاقير:
يذكر هنا التفاصيل اللازمة لإعدادها والكمية المناسبة لكل عشب من الأعشاب فطريقة الاستعمال وقت تناولها ويقسمها إلي أدوية صالحة للعلاج الكلي وأدوية صالحة للعلاج الجزئي (الإسهال مثلا) ولقد ذكر إجمالا الدواء الذي يصلح لكل صنف من أصناف المالينخوليا رتبها حسب نوعيتها إلى بنادق وجوارش، وسفوف وايارج ومفاتل وملينات وادهان وغيرها.

ا- البنادق: هى أدوية تقدم في شكل أقراص معطرة مختلفة العطور تتركب أساسا من الهيليلج الأسود الهـندي والأفتيمون والقمونيا ودهن اللوز.

2- الجوارش: وهي أدوية تقدم في شكل معجون غلال مع عدة عقاقير صالحة للإسهال.
3- الايارج: وهي أنواع من ألا شربة.
4- البسامح: وهي أدوية مسهلة تستعمل عن طريق الشرج.
5- ثم يرجع ابن عمران إلي الملينات التي يصفها حسب تأثيرها المنشط أو المهدئ.
6- وأخيرا إلى الأدوية المستخرجة من الأفيون وغلف الخشخاش، والتي يشير بها في الحالات الخطرة كالشرسام، والمعروف إن هذه الأدوية كانت تستعمل إلي عهد قريب في المالينخوليا .

وفي الختام يقول ابن عمران: "فإن الحذق بهذه الصناعة أعنى صناعة تركيب الأدوية عظيم المعنى في الطب".

فإذا كان الحديث النبويُّّ الشريفُ و دراسات أطبائنا المسلمين القدامى تتكلمُ عن مداواةٍ بالمحسوس لغير المحسوس و كانت دراساتٌ علمية حديثةٌ بعدد شعر الرأس أجراها مسلمون و غيرُ مسلمين قد أثبتت ذلك فهل هناك مجالٌ بعدُ للسؤال؟


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:00 PM   #3
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
اعتقاد بعض الناس بأن الأمراض النفسية لا شفاء منها.



3
اعتقاد بعض الناس بأن الأمراض النفسية لا شفاء منها.

أذكرُ أيامَ دراستي في الكلية ما كان يتفكَّـهُ به بعض أصدقائي حول التخصصات الطبية المختلفة فكانت فحوى واحدة من نكاتهم أن الطبيب الباطني يعرف كل شيء لكنه لا يفعل شيئًـا ، بينما الجراح يفعل أيَّ شيء لكنه لا يعرف أيَّ شيء أما الطبيب النفسي فهو الذي لا يعرف و لا يفعل أيَّ شيء!"و في رواية أخرى الطبيب النفسي ليس طبيبًـا أصلاً !" نعم هذه فكرة طلبة الطبِّ فما بالنا بسواهم؟! ومن المسؤول عن هذه الفكرة الخاطئة ؟؟

و لعلي أجْمِلُ الإجابة في السطور التالية ، فقد اعتاد الناس في مجالسهم حينما يكون بين الحضور طبيب أن يدور الحوار حول بعض الأمراض وعن الجديد الذي توصل إليه الطب ، ويتسابق الحضور بكل جرأة وبمسمع من الجميع بالاستفسار الدقيق عن ما يعانونه وذووهم من أمراض . فالأول يشكو من مرض السكر الذي أرهق أمه ، والثاني يشكو من ارتفاع ضغط الدم الذي أصاب والـده بجلطة في المخ ، والثالث ، والرابع … وفي المقابل فإن الناس لا يفعلون الشيء نفسه فيما يخص الأمراض النفسية ، وإذا تحدثوا عنها فإنما هو غالباً على سبيل الاستغراب والسخرية !! .

والعجيب في الأمر أن بعض من أصيبوا بأحد الأمراض النفسية ، أو أصابت أحداً من ذويهم ثم منّ الله عليهم بالشفاء فإنهم لا يتحدثون بذلك عند الناس تفادياً لتلك النظرة الدونية التي ربما ينظر بها بعض الناس إليهم !! بل الأعجب من ذلك أن بعضاً من أولئك ينتقد الطب النفسي بشكل مبالغ فيه ، في حين أنه كان من المفترض أنْ يحدث العكس .

ولنتذكر بأنه أهون على المريض وذويه أنْ يعترفوا بأن ما اعتراهم من علل نفسية إنما كان بسبب الجن أو السحر أو العين وليست أمراضاً نفسية . وذلك لأنهم يرون أنْ تلك الأمور الغيبية إنما حدثت بفعل فاعل قد تعدى عليهم مما يعطيهم الحق في المعاناة ، أمـا الاعتراف بالمرض لنفسي فمعناه عندهم الاعتراف بالنقص والقصور .وتبْعاً لذلك فإن الناس لا يسمعون ولا يرون أي نتائج إيجابية للطب النفسي ، لأن من استفادوا من الطب النفسي يتجنبون الحديث عنه فضلاً عن أن بعضهم ربما ينتقدونه .

ولذلك فإن من يراهم الناس من المرضى النفسيين هم فقط تلك الفئة من المرضى الذين لم يستجيبوا للعلاج النفسي ، أو أنهم يعانون من بعض الأمراض النفسية المزمنة التي تتحكم بها الأدوية دون أن تشفيها تماماً ، أو أنهم لم ينشدوا العلاج النفسي أصلاً . ولو نظرنا إلى الأمراض غير النفسية – باستثناء الأمراض التي تعالج بالجراحة و الأمراض الناتجة عن العدوى بالبكتريا أو الفطريات أي التي تعالج بالمضادات الحيوية و مضادات الفطريات – لوجدنا أن الحال لا يختلف كثيراً عن الأمراض النفسية ، فأغلب تلك الأمراض ليس لها علاج شاف ، بل هي عقاقير تتحكم بالمرض دون أن تنهيه ، كأدوية السكر والضغط وأمراض القلب ، وغيرها كثير ، بل إن المريض يتدهور تدريجياً رغـم استخدامه لتلك العقاقير . فلماذا الكيل بمكيالين ، والنظر بعينين؟
فلا يتذكر بعض الناس تلك الأمراض النفسية التي كتب الله الشفاء لأهلها ، ويرددون ويكررون أن الأمراض النفسية مزمنة لا شفاء منها دون أن يفعلوا الشيء نفسه مع الأمراض الأخرى !! فيصدق فيهم قول الشاعر :

وعـيُن الرضا عنْ كلِّ عيْبٍ كــليـلَـةٌ ولكـنَّ عيـْنَ السُّخْطِ تُـبْـدِي المَسَاوِيَـا

ولعلي أضرب هنا مثالاً واحداً فقط بأحد الأمراض النفسية ، وهو الوسواس القهري الذي يعاني منه عدد ليس بالقليل من الناس . فهذا المرض لا يعلم أكثر الناس أن بعض حالاته تستجيب للعلاج النفسي ، بل إن بعضهم لا يدري أن هناك مرضاً نفسياً اسمه الوسواس القهري !!.ويمكن أن يكون لبعض الشيوخ دور كبير في نمو هذا الاعتقاد في أذهان الناس ، لما يرددونه من أن بعض المرضى– حسب خبرتهم – قد شـفاهم الله بالرقية و القرآن ولـم يشفوا عند أساتذة الطب النفسي.

و لكن الأمر نفسه يردده الأطباء, فهناك العديد من المرضى قد أنفقوا عدة سنوات في السفر والترحال بين الشيوخ دون فائدة ، وعندما راجعوا الأطباء تحسنت أحوالهم ، بل ربما شفيت أمراضهم تماماً.
وليس هذا انتقاصاً من شأن القرآن ، فإن من أنزل القرآن هو الذي خلق الدواء ، ويجعل بركته حيث يشاء, كما أنه ليس شرطاً أن يُشفى كل من عانى من تلك العلة بالقرآن .

و أظُـنُّهُ يكون من الأفضل للفصل في هذه القضية لو أن التقاءً و حوارًا فكريا طبيا إسلاميا بين أناسٍ على مستوى المسؤولية من الأطباء النفسيين المسلمين و لجنة من علماءِ الأزهر الشريف لكي يُـفَـنَّـدَ موضوعُ الوسواس و غيره من الأمراض النفسية و كذلك قضية المس و التلبس لنكون بالفعل قوما يستأنفون إعمالهم للعقل الذي نسينا استعماله فيما يخص أمتنا و يعبر عنها منذ زمان بعيد.


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:01 PM   #4
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
يعتقد بعض الناس أن العلاج النفسي مجرد كلام!!



يعتقد بعض الناس أن العلاج النفسي مجرد كلام!!

و هنا نجد الزوج يقول لزوجته ماذا سيفعل لك الطبيب النفسي ؟ تكلمي معي!!!! و نجد الأبَّ يقول لابْنه أو لابنَـتِـهِ أنا أبوك و تكلم معي كما تشاء !!!! و نجد للأسفِ الطبيب الذي يخاف على مريضه مما يسمونه بدوَّامة الطب النفسي فتراه يخاف من عرض الحالة على الطبيب النفسي لكي لا يدخل المريض في الدوامة !

و أنا في الحقـيـقــة لا أعرف ما هو المقـصود بالـدوامـة على وجـه التحديد " وسوف أناقش موضوع الدوامة هذا فيما بعد "و لكني أظن الدوامة التي يدخلها المشتبه في كونه مريضا بالمعدة أو دوالي المريء أو ضيق الشرايين التاجية و ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر!أظنها أكبر وأعتى آلاف المرات من كل ما يمكن أن يحدث في منظومة الطب النفسي برمَـتِّـهِ!.

ولذلك تراهم جميعا مقنعينَ بعدم الحاجة إلى الطبيب النفسي فبإمكانهم أن يتكلموا مع مريضهم ويطمئِنُوهُ . بل إن بعضهم يبالغ فيقول : إننا نخاف أن " يلخبط " الطبيب النفسي أفكار مريضنا بفكره المشوش .

ولعلي أوضح هنا أن العلاج النفسي ليس مجرد حوار بين الطبيب والمريض وإنما شيء أكثر منذ ذلك ، وهو على عدة أنواع :
الأدوية النفسية التي أثبتت التجارب العلمية على مدى عدة عقود من الزمن فعاليتها بنسبة كبيرة في شفاء أو تهدئة بعض الأمراض النفسية .

الجلسات النفسية ( العلاج النفسي غير الدوائي ) ، والتي ليست مجرد حوار مـع المريض ، وإنما تتبع منهجاً وبرنامجاً خاصاً ، ولذلك فإن من يقوم بها يجب أن يكون من المتخصصين . وهذا العلاج على عدة أنواع منها :
العلاج المساند ( المساعد ) : وفيه يقوم المعالج بطمأنة المريض ، وتوجيهه ، وإرشاده ، وتوضيح مختلف الأمور له مع ضرورةِ أن يكون المعالج عارفا بنفسية المريض و منظومة دفاعاته و طرق تكيفه لكي يدعم الدفاعات النافعة و البناءة و يقلل من استخدام المريض للدفاعات الهدامة .

العلاج المعرفي : هناكَ أخطاءٌ مَـنْطِقِـيَّـةٌ يَـقَعُ فيها الكَثيرونَ من المرْضَى النفسيين فمثلا من بين المكتئبين من يعتقدُ أنَّ سوءَ حظِّه ِ هو الذي جعَـلَ الجوَّ عاصِفًـا في يومِ زفافِـهِ أو أن يعتقدَ الطالبُ أن أداءَهُ السيئ في اختبارٍ بسيطٍ معناهُ أنَّـهُ فاشِلٌ في كلِّ شيء ! فالمُكْـتَئِبُ يلجَـأُ إلى التعميم المُسْرِفِ عنْدَما تكونُ هناكَ أيُّ تجْـرِبَـةٍ سلبيَّـةٍ بيْنما لا يفعلُ ذلك إذا كانت التجْـرِبَـةُ إيجابيَّـةً ، فالشخصُ المُـكْـتَـئِبُ يعْـتَقِـدُ أنَّـهُ لا يُساوي شيئًـا على الرغمِ مما أحْـرَزَهُ من نجاحٍ ، المكتئبون يعتَـقِـدونَ أنَّ أمسَهَمْ ضاعَ وَ أنَّ يومهمْ مفقودٌ وأنَّ غَـدَهُمْ مجهولٌ بلْ وَ أقْـرَبُ لأنْ يكونَ كالماضي !! و من هنا كان هدَفُ العِـلاجِ المَعْرِفِيِّ هو توضيحُ الجوانِـبَ الإيجابيةَ في شخصِـيَّـةِ المَريضِ وإنجازاتِـهِ وَ كذلك توضيحُ الجوانبِ المضيئَـةِ في الحياةِ أيْ أن المعالج في هذا النوعِ من العلاجِ يقوم بتقويم وتصحيح أساليب التفكير الخاطئة لدى المريض التي ينظر بها إلى نفسه ومستقبله والناس من حوله ، ومحاولة استبدالها بأساليب صحيحة .

وَ تَـجِـبُ هنا الإشارَةُ إلى أنَّ بعضَ مرضَى الاكتئاب يعْـتَـقِـدونَ اعتقاداتٍ خاطِـئَـةٍ جازمَـةٍ "ضلالات" منها الشعورُ بالذنبِ و بالطبعِ فإنَّ هذا الشعورَ بالذنبِ ليسَ لهُ ما يُـبَـرِّرُهُ أو أنه مبالَـغٌ فيهِ كثيرًا ؛ و منَ الخطورَةِ بمكانٍ تعميقِ هذا الشعور بالذنبِ عند المريضِ كما يفعلُ بعض الشيوخِ المتَـزَمِّتين لأنَّ ذلك يؤدي إلى عواقبَ وخيمَـةٍ مثل التفكيرِ في الانتحارِ ؛ وعند مناقَشَةِ مثلِ هذه المسائلِ من منظورٍ دينيٍّ يجبُ أن يكونَ ذلك بواسِطَـةِ طبيبٍ نفسيٍّ متديِّـن و ليس بواسِطَةِ أيِّ طبيبٍ أو شيخٍ ! ؛ كما أودُّ أن أنَـبِّـهَ هنا إلى ضرورَةِ تغليبِ الترغيبِ على الترْهيبِ مع مثل هؤلاءِ المرْضَى في مرحلَـةِ المرض .
العلاج السلوكي : وفيه يقوم المعالج بتعديل بعض سلوكيات المريض المرضية ، واستبدالها بسلوكيات مناسبة و ذلك من خلال نظريات التعلم المختلفة و الكثير من تطبيقاتها .

العلاج الأسري : و فيه يقوم المعالج بدراسة أنماط العلاقات و التعامل داخل الأسرة التي ينتمي إليها المريض و خاصة في سن الطفولة و التي تعتبر فاعلة إما في سبب الأعراض أو في إبقائها رغم العلاج و هنا يعالج المعالج الأسرة كلها و تطبيقات هذا النوع من العلاج كثيرة و يشمل بين أنواعه العلاج الزواجي و طرق معالجة المشاكل الزوجية.
العلاج الجمعي أو الجماعي : و هذا نوع من العلاج يستغل المزايا الناتجة عن تأثر الإنسان بالجماعة الصغيرة التي يتفاعل فيها نفسيا مع الآخرين ممن لهم ظروف مشابهة له و تختلف أنواع هذا العلاج و مدارسه و توجهاته لكن نتائجه أفضل و ربما أسرع من العلاج النفسي الفردي.

العلاج بالجلسات الكهربية : وهي عبارة عن إمرار تيار كهربي منخفض عبر رأس المريض يؤدي إلى حدوث رجفة بسيطة في مختلف أعضاء جسم المريض دون أن يشعر بذلك ، لأنه يكون عادة تحت تأثير البنج . ولهذا النوع من العلاج فعالية كبيرة في علاج عدد من الأمراض النفسية ، خصوصاً الاكتئاب الشديدة .

الجراحات النفسية : والتي يقتصر استخدامها على بعض الحالات النفسية الشديدة التي استعصت على العلاج!
ولعل هذا الاعتقاد عند بعض الناس - وهم قلة - بأن الطب النفسي مجرد جلسات كلامية قد جاء نتيجة عدم إدراكهم لطبيعة بعض الأمراض النفسية المزمنة التي تبدأ تدريجياً ، ويميل المريض معها إلى العزلة ، وربما تبدو عليه بعض مظاهر التدين فلا يحلق ذقنه مثلاً ( رغم أن حلق الذقن كان عادة له) ولم يكن ذلك تديناً منه وإنما نتيجة إهماله لمظهره بشكل عام جراء تدهور حالته النفسية .

وربما يبدأ المريض أيضاً بالشعور بأفكار غربية ( مرضية ) يظن من يحاوره من البسطاء أنها علامة رجوع إلى الله . ثم تظهر بعد ذلك مظاهر القلق فيذهب إلى الشيخ فلا يسـتفيد منه . وحينما يزداد القلق أكثر يحضره أهله مضطرين إلى الطبيب النفسي ، والتي تكون الحالة ساعتها في أوجها فيصف له العلاج فلا يظهر على المريض التحسن الكافي لسبب أو لآخر ، وكأني بأهله كانوا ينتظرون ذلك ليعللوا ما أصاب ابنهم أنه كان بسبب الطبيب النفسي حيث يقولون : إن ابننا كان بخير وعافية تماماً !! اللهم إلا إنه كان يعاني من شيء بسيط من القلق ، لكننا بمجرد زيارتنا للطبيب النفسي تدهور بشكل مفاجئ . وما كان قولهم ذلك في الحقيقة إلا هروباً من وصمة المرض النفسي وتعليلاً منهم بأنه حدث بفعل غيرهم لا نقصاً فيهم ، كما يظنون .


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:02 PM   #5
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
اعتقاد الكثيرين أن العلاج بالصدمات الكهربية إنما يدمر المخ ! أو أنه يؤدي إلى التعود ع



اعتقاد الكثيرين أن العلاج بالصدمات الكهربية إنما يدمر المخ ! أو أنه يؤدي إلى التعود عليها

المفهوم المغلوط هنا ذو شقين أتناول كلا منهما على حدةٍ من أجل التبسيط فأولاً حكاية تدمير المخ هذه تحتاج إلى شرحٍ وافٍ لحكاية العلاج بالصدمات الكهربية Electroconvulsive Therapyمن أولها وكيف اكتشفتْ وكيف تطورتْ وعلاقة ذلك كله ببداية اكتشاف الأدوية وبمصالح شركات الدواء.

فحسب التأريخ الغربي فإنهُ في أواخر القرن الثامن عشر وبداياتِ القرن التاسع عشر ونتيجةً لتفاعل مفهومين بعيدين إلى حد ما هما أولا ملاحظة الباحثين الفرنسيين أن نسبة المصابين بالصرع Epilepsy بين مرضى الفصام Schizophrenia أقل من نسبتهم في الناس العاديين، حيثُ افترض البعض آنذاك أن حدوث نوبات الصرع إنما يعالج الفصام؛ ومما هو جديرٌ بالذكر هنا أن المؤرخين الغربيين يغفلون:

-أولا وجود بردية فرعونية تظهر فيها صورة اثنين من الكهنة يمسك كل منهما بواحدة من سمك الرعاش (وهو نوع من الأسماك تصعق الواحدة منه من يلمسها)، ويضعها على جانب رأس رجل نائم.

- ثانيا وكذلك يغفل الغربيون ما هو مدرجٌ في الجزء الأول من كتاب الحاوي للطبيب العربي الرازي في معرض حديثه عن المالينخوليا Melancholy إذ يقول بالحرف الواحد "وفي باب الصرع علاجٌ عجيبٌ لمرض الماليخوليا" ولعل إدراكنا لعبقرية الرازي يزيد إذا عرفنا أن الكهرباء لم تكن قد اكتشفت بعد في زمانه!، وبالتالي فإن الملاحظة سالفة الذكر لم تكن ملاحظة الأطباء الفرنسيين وإنما لحظها الرازي قبلهم بقرون تقارب العشرة.

أما المفهوم الثاني فكان أن تستخدم الإصابة بمرض ما لعلاج مرض آخر فمثلا كان مرضى الزهري قبل اكتشاف عقَّـار البنسلين يعالجون بأن يحقنوا بميكروب الملاريا !!

واستمر تفاعل الفكرتين معا حتى بدأت أولى المحاولات باستعمال مواد كيميائية تتسبب في حدوث تشنجات عابرة بعد حقنها في وريد المريض مثل زيت الكافورCamphor Oil أو عقَّار الكارديازول Cardiazole وكانت النتائج طيبة إلى الحد الذي شجع على التفكير في استخدام تيار كهربي يمر عبر المخ لإحداث نفس النتيجة مع تجنب مشاكل عقَّار الكارديازول أو غيره وفي عام 1938 قام طبيبان إيطاليان (Cerletti and Bini) بإمرار ِالتيَّار الكهربي المحكومِ في دماغِ واحدٍ من المرضى المشردين والذي كان في تهيجه يثير الخوف في نفوس الناس حول محطة القطار الرئيسية في روما، وكانت النتائج هذه المرة مذهلةً لقد شفيَ المريض الذي كانت روما كلها تعرفه وعرفته الأوساط الطبية في العالم الغربي بعد ذلك بسرعة كبيرة.

كل ما يحدثُ للمريض كان فقده للوعي وبالتالي الإحساس ثم يدخل في نوبةِ تشنجات مماثلة لنوبة الصرع الكبرى؛ ولكنَّ ما من شك في أن هذا موقف لا يحب أحد أن يرى فيه إنسانا؛ حتى وإن كانت النتيجة هي الشفاء؛ المهم أن أحد لم يكن يفكر في شكل الموقف في ذلك الوقت لأن وسيلة العلاج الوحيدة في الطب النفسي آنذاك كانت هذه الصدمات الكهربية وكان انتشارها كطريقة علاجية انتشاراً سريعا في كل أنحاء أوروبا وأمريكا وظهر بعد قليل أنَّ أكثر نتائجها وضوحا تكون في حالات الاكتئاب ولكنها كانت تستخدم في علاج كل المرضى من نزلاء المصحات النفسية لسبب بسيط هو أنه ليست هناك طرق علاج أخرى !

واستمرَّ الأمرُ على هذا المُنْوالِ حتى تمَّ اكتشافُ عقار الكلوربرومازين Chlorpromazine وهو أول مضادٍ للذهان يتم اكتشافه فأصبح هناك عقَّارٌ يمثل خيارًا آخر لعلاج حالات الذهان والتهيج الحاد وبعد ذلك بنحو عِقْدٍ من الزمانِ اكتشفَتْ عقَّاقير علاج الاكتئاب؛ وفي غضون ذلك كانت طريقة إجراءِ الصدمات الكهربية تتحسن بشكل كبيرٍ حيثُ أصبحت تعطى بعد تخدير المريض وإعطائه عقَّارًا باسطا للعضلات بواسطةِ طبيب التخدير وبالتالي لم تعد هناك تشنجات كبرى؛ وبالرغم من التحسن الذي طرأ على طريقة إجراءِ الجلسات كان التوجه العام في أوروبا وأمريكا توجُهًا ضِدَّ الجلسات الكهربية لما كان لها من سمعة سيئَةٍ وقتذاك!، وبمساعدةِ شركات الدواء خاصةً تلك المنتجة لمضادات الاكتئاب كان حجم الدعاية المضادة لاستعمال الصدمات الكهربية كبيرًا.

ونظرًا لأنه لم يكتشف حتى لحظة كتابة هذه السطور عقَّارُ اكتئابٍ واحد يقدم لنا ما تقدمه الصدمات الكهربية من سرعة في العلاج ومن قدرة أوسع على معالجة شريحة أكبر من المرضى فالمعروف أن كل أدوية الاكتئاب لا تبدأُ آثارها في الظهور قبل أسبوعين أو ثلاثةِ أسابيعَ على الأقل وهي مدَّة كبيرَة لا نستطيع تحمل انتظارها خاصة في مريض لديه رغبة في الانتحار ! في الوقت الذي يتحسن فيه المريض الذي يعالج بالصدمات الكهربية خلال يومين إن لم يكن يوما واحدا !! كما أن احتمال عدم استجابة المريض لعقار اكتئاب معين أكبر بكثير من احتمال عدم استجابته للصدمات الكهربية ! نظرًا لذلك كله انتبه الأطباء في الغرب إلى أن شركات الدواء تضحكُ عليهم، وأن فائدةَ العلاج بجلسات الكهرباء لا يمكنُ إغفالها.

فالتوجه الحالي في الدول الغربية أصبح مع العلاجِ بالصدمات وليس ضدها كما كان في الماضي وخاصة عندما تكون هناك حاجة لاستجابةٍ سريعة ومؤكَدَةٍ وعندما يكون الاكتئاب مصاحَبًا بالعديد من الأمراض المزمنة الأخرى بحيث يتناول المريض عقَّـارًا لعلاج ضغط الدمِّ وآخرَ لشرايين القلب وآخرَ للسكر وربما للكبد وهذا حال الغالبية من مرضانا فوق سن الأربعين في كل هذه الحالات يصبح استخدام عقَّارٍ لعلاج الاكتئاب مجلبةً للمشاكل بسبب التداخلات الدوائية ومشاكلها التي لا حصر لها بينما تعمل الصدمات الكهربية بشكل أكثر فاعلية وأقل إشكالية!

أما ما يفاجئ الناس بعد ذلك فهو أن عددَ من يموتون بسبب خلع أحد الأسنان عند طبيب الأسنان أكبر من عدد من يموتون بسبب الصدمات الكهربية أي أنَّ العدد أقل من 4 في المليون شخص!!

كما أن تشريح أدمغة العديد من نزلاء المستشفيات النفسية المزمنين في الخمسينات في أوروبا لم يقدم دليلاً واحدا أو حتى إشارة إلى تلفٍ ولو صغير في أدمغة من كانوا يتلقون الصدمات مرتين أو ثلاثة مرات أسبوعيا لمدد تزيد على السنة أو أكثر!! أعتقد هنا أنني أوضحت أن حكاية تدمير المخِّ هذه لا أساس لها من الصحة خصوصا وأنَّ كل ما يحدث من أثرٍ جانبي للصدمات هو بعض النسيان للحظات السابقة لإجراء الصدمة وربما بعض اللحظات التالية لها ولا شيءَ آخر!

وَأمَّا الحكاية الثانية فهيَ حكاية التعود على جلسات الكهرباء والتي ترجع في الأساس إلى طبيعة المرض الذي تستخدم الصدمات في علاجه وهو الاكتئاب الدوري أو الاضطراب الوجداني فهذا مرض دوري بمعنى أنه يصيب الشخص في وقت ما من عمره ثم تزول كافة أعراضه بعد زمن معين يساعدنا العلاج في تقصيره، ويرجع المريض إلى حالته الطبيعية لمدة تختلف من شخص إلى آخر ثم تعاوده الأعراض مرَّةً أخرى ويحتاج للعلاج وهنا يظن بعض البسطاء أن المريض تعود على الصدمات بينما الأمر متعلق بطبيعة المرض!


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:04 PM   #6
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
الاعتقاد بأن الاكتئاب والمرض النفسي لا يصيب الأطفال



الاعتقاد بأن الاكتئاب والمرض النفسي لا يصيب الأطفال

يلاحظ في مجتمعنا أن الأهل يسارعون باستشارة طبيب الأطفال في كل صغيرة و كبيرة من الأعراض التي تطرأ على أطفالهم إلا في حالة الأعراض النفسية فنجد أنها لا تلاحظ إلا متأخرا جدًا و حتى بعد أن تلاحظ نجد محاولة مستميتة منهم لإيجاد أي تفسير لهذه الأعراض غير كونها أعراض اضطراب نفسي فإذا في نهاية الأمرِ و جدوا أنفسهم مضطرين إلى الاعترافِ بأنها أعراضُ اضطرابٍ نفسي فضلوا عرضه على الشيخ أو إذا كانوا قد جربوه سابقا و عرفوه !!
فعلى طبيب المخ و الأعصاب لا الطبيب النفسي ! و عندما نتدبر الأمر نجد وراءه على الأقل مفهومين خاطئين ؛

المفهوم الأول : التسليم بأن عقل الطفل أصغر من أن يستوعب وجود مشكلات بالمعنى الذي يستوعبها به الكبار وهذه الفكرة تنطوي على أن مخ الطفل الصغير مازال غير قادر على التذكر، أو التعلم، بكفاءة، بما يكفى لتمرير الخبرات السيئة عليه دون أن تترك أثراً على "عقله الصغير". فكم يتكرر على أسماعنا القول بأن الطفل صغير السن "لا يفهم" أو أن "عقله ما يزال صغيراً" و كم يتكرر كذلك القول بأن الطفل الصغير لا يمكن أن تصيبه الأمراض النفسية لأنها في نظر أصحاب هذه المسلمات إنما تحدث بسبب المشاكل الحياتية التي لا يمكن أن تحدث للطفل الصغير و هو مرعي في كنف أبويه إلى آخر ذلك ؛ وكم يعد الاقتناع بهذه "المسلمات"، أو قبولها، تبريراً لرفع الحرج عن الكبار عند تعريض الأطفال الصغار، ولو سلبياً، لأنواع من السلوك الاجتماعي غير السوية، خاصة تلك المتسمة بالعنف اللفظي أو حتى البدني و كذلك تبريرا للتعامي عما قد يعانيه الطفل من اضطرابات نفسية يمكن أن يساعد الطبيب النفسي في التغلب عليها تماما خصوصا في مراحلها الأولى و يعرف كل طبيب نفسي في مجتمعنا نظرات الاتهام المتبادلة بين كل أب وأم أثناء عرض ابنهما أو بنتهما على الطبيب النفسي وربما تجاوز الأمر مرحلة النظرات إلى التصريح بالقول أحيانًـا .

غير أن الدراسات الحديثة في دراسة تكوين المخ، ونشاطه وقد تسارعت نتائجها، على صورة طفرة واضحة، في عقد التسعينيات، تقطع بأنه ليس أبعد عن الحقيقة من هذه "المسلمات". الأمر الذي 0ينطوي على تبعات جوهرية لفهم عملية تفكير الأطفال الصغار، وعملية التنشئة الاجتماعية بوجه عام؛ فجماع الرأي العلمي الآن أن المخ ليس مجرد جهاز عضوي ككل الأجهزة العضوية الأخرى يولد بها الإنسان ولا يتغير تركيبها بعد ذلك و إنما تزدادُ حجما فقط - كما كان يظن في السابق- وأن الاهتمام بتطوير مخ الطفل قبل الالتحاق بالمدرسة، بل منذ لحظة الولادة، أو حتى قبلها، أمر لا يدانيه أهمية، في تنشئة الطفل العقلية، أي اعتبار آخر. حيث تؤثر الخبرات التي يتعرض لها الطفل في السنوات الأولى من العمر تأثيراً بالغ الأهمية على معمار المخ، وعلى أدائه طول الحياة.

ومما لا شك فيه أن أي اضطراب نفسي يصيب الطفل إنما يفقده الكثير على مدى عمره كله لأن قدرة مخ الطفل في سنين عمره الأولى على التعلم و التشكل أكبر بكثير من قدرة الكبار أي أن ما يتعلمه طفل خلال شهر وهو في سن الثانية وما يمكن أن يطرأ على معمار دماغه من وصلات عصبية يفوق بمراحل ما يمكن أن يتعلمه الشخص الكبير خلال عام أو أكثر أي أن أي خلل وظيفي في مخ الطفل تنتج عنه خسارة معرفية لا يمكن تعويضها بعد ذلك ! وصدق من قال أن التعليم فقي الصغر كالنقش في الحجر !

المفهوم الثاني: نجد الإنكار (وأعني هنا الإنكار بنوعيه الواعي و غير الواعي)لإمكان حدوث مشكلةٍ نفسية لطفل يعيش في حماية والديه و بالتالي يصبح هذان الوالدان أكثر استعدادا لإنكار وجود مشاكل نفسية لدى أطفالهم نظرا لما يعنيه ذلك من تقصير في دورهما كوالدين ناجحين !!! لأنهما تسببا في إحداث مشاكل لدى طفلهم .

و جماع الرأي العلمي الآن أيضا أن الأمراض النفسية ليست ناتجة عن المشاكل و العقد و التربية الخاطئة إلى آخر ذلك من مفاهيم و إنما تنتج عن خلل كيميائي في عمليات المخ الحيوية أمكن إلى حد كبير قياسه وكذلك تصوير ما يدل عليه من خلال تقنيات التشخيص الحديثة و التي تعطى صورا يمكن من خلالها أخذ فكرة عن حالة مناطق الدماغ المختلفة وظيفيًا أو أن هذا على الأقل واحد من مظاهر الأمراض النفسية في الصغار و الكبار على حد سواء ؛ ثم أن الكثير من المفاهيم التي سادت في فترة الخمسينات من القرن الماضي حول دور أسلوب الأم والأب في التربية في تسبيب مرض كالفصام مثلا أصبحت الآن تحارب في البلاد التي نشأت فيها بعدما تبين أنها أضرت أكثر مما أفادت حيث كانت سببا في تخوف الأهل من اللجوء إلى الطبيب النفسي لما يمكن أن يترتب على ذلك من اتهام لأحدهما أو كليهما كما أن هذه النظريات لم يمكن إثباتها بطرق البحث العلمي الموضوعي !
والذي يعنيني هنا هو أن ظهور أعراض اضطراب نفسي على الطفل لا يعني بالضرورة فشل أبويه في القيام بدورهما ؛
و لنأخذ مثلا الآن من دراسة بينت تأثير - ليس اكتئاب الطفل الصغير نفسه بل - اكتئاب الأم على نمو المخ في الطفل فقد تبين في دراسة لداوسون ( جامعة واشنطون) أن أطفال النساء اللاتي يعانين من الاكتئاب يقاسون من نقص ملحوظ في نشاط النصف الأيسر الأمامي من المخ، وهو مرتبط بمشاعر البهجة والمرح وحب الاستطلاع. وعند بلوغ الثالثة من العمر، يبدى هؤلاء الأطفال مشاكل سلوكية واضحة.

ولكن تبين أيضاً أن الأمهات اللاتي يتغلبن على الاكتئاب قبل بلوغ أطفالهن الثالثة من العمر، أو ينجحن، رغـم الاكتئاب، في إضفاء عناية محبة عادية على أطفالهم، يتغلب الأطفال، بيسر، على المشاكل التي عانوا منها قبلاً. وفى هذا دليل على قدرة المخ الهائلة على التغلب على الصعاب التي تواجه مخ الأطفال الصغار بسبب فقر الاستثارة البيئية، إذا تحسنت الظروف المحيطة بهم.

و لكن الذي يعنيني أكثر في هذا المثال هو تصور مدى التأثير الذي يتركه اكتئاب الطفل نفسه على معمار دماغه حيث يؤدي اكتئاب الطفل إلى فقد الاهتمام بالحياة وبالمشاركة مع الآخرين و يؤثر على قدرة الطفل الاستيعابية أي قدرته على التعلم و إذا كنا قد عرفنا أن فترة الطفولة فترة لا تعوض من ناحية القدرات الاستيعابية للطفل فإن التباطؤ في طلب العلاج للطفل المكتئب يعد جريمة في حقه فمن المؤكد علميا الآن أن فترة السنوات العشر الأولى، وبوجه أخص فترة العامين الأولين، من العمر تلعب الدور المحوري في تشكيل معمار المخ البشرى، وقدرات الإنسان العقلية، طوال الحياة.

أما عن أنواع الاضطرابات النفسية التي تصيب الأطفال فالحقيقة هي أن :

1- كل منظومة الأمراض النفسية المعروفة في البالغين تحدث في الأطفال و إن أخذت في بعض الأحيان شكلاً خاصا بالمرحلة العمرية للطفل .

2- ثم يضاف إلى هذه المنظومة منظومة أخرى من الأمراض النفسية تحدث أصلا للأطفال فقط أي أنها تبدأ أعراضها في الظهور أصلا في سن مبكرة و من ذلك العديد من الأمراض المرتبطة بالمادة الوراثية أو الكروموسومات و كذلك أمراض أخرى كفرط النشاط الحركي مع قلة التركيز و غيرها الكثير .

3- و يضاف بعد ذلك كل ما يصاحب الأمراض العصبية المزمنة المعروفة بأنها تبدأ الظهور في فترة الطفولة من اضطرابات نفسية ثانوية مثل الاكتئاب مصاحبا للصرع و غيره الكثير .

و معنى ذلك أن عدد الاضطرابات النفسية التي قد تحدث للطفل أكبر بكثير من عددها في الكبار و هذا عكس المفهوم الشائع !

أما ما أود التنبيه له فهو اضطراب الاكتئاب واضطراب القلق في الأطفال نظرا لأنهما أكثر انتشارا وأقل احتمالا للعرض على الطبيب النفسي و بالتالي يترك الطفل دون مساعدة تذكر و لا ينتبه أحد إلى مدى الخسارة التي يخسرها الطفل معرفيا و نفسيا و اجتماعيا لأن الأعراض التي تبدو على الطفل نادرا ما يفهمها الأهل أو يهتمون بها ؛ فقد يعتري بعض الأطفال مزاج كئيب أحيانا يدفعهم إلى العزلة والانطواء واظهار الاستياء من بعض الأشياء . وربما يكون هذا شيئاً عابراً ، ولكن إذا استمر الوضع وتطور واصبح هذاالتغير يهدد صحة الطفل وحياته ، فإن الوضع يصبح مقلقاً ولا بد من معالجته .

وكذلك قد تظهر على الطفل أعراض القلق وتأخذ في أحيان كثيرة شكل الخوف من الذهاب إلى المدرسة أو الخوف من النوم وحيدًا على غير عادته سابقًـا إلى آخر ذلك من أعراض .

و من المؤسف أن هذين الاضطرابين تتوفر لعلاجهما الكثير من الخيارات لدى الطبيب النفسي بعكس ما يعرض عليه عادة من اضطرابات نفسية في هذا السن لم يتوفر لها العلاج المثالي حتى الآن كالنقص العقلي و مجموعة ذهانات الطفولة و انحرافاتها لكنها تجبر الأهل على اللجوء إلى الطبيب النفسي نظرا لغرابة أو شدة أعراضها .


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:05 PM   #7
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
اعتقاد البعض أن المرض النفسي لا يصيب المؤمن القوي!



اعتقاد البعض أن المرض النفسي لا يصيب المؤمن القوي!


أذكرُ هنا ما سمعتُـهُ من أستاذي الدكتور أحمد عكاشه و هو يحاضِرُ طلابَ السنة النهائية في طب عين شمس حيثُ قال أنَّ الناس يعتقدون أنَّ حدوثَ الاكتئاب دليل على ضعف الإيمان بينما الحقيقةُ هيَ أنَّ الاكتئاب يسلبُ الإيمانَ ؛ بمعنى أنَّ المؤمنَ المصلي إذا أصابَـتُـهُ نوبَـةُ اكتئابٍ فَـإنَّـهُ سيترُكُ الصلاة !!
و هذا ما يلاحظه الأطباء النفسيون خلالَ عَمَـلِهم منْ ترْكِ المريض للصلاةِ و إحساسهِ بفتور علاقتِهِ مع الله عز وجل !
و
من عودتِـهِ للصلاة بعد تحسن حالته ويبـدو - و الله أعلمُ - أن هذا الاعتقاد الخاطِئَ لدى الناس إنما جاء من أمرين:

الأول : عـدم إدراك الناس لمعنى المرض النفسي.

الثاني : نظرة الناس للأمراض النفسية على أنها مركب نقص.

ولبحث هـذا علينا أوَّلاً أنْ نفـرّق بين الأعراض النفسية والأمراض النفسية ,فالأعراض النفسية هي تلك التفاعلات النفسية التي تطرأ على الفرد نتيجة تفاعله مع ظروف الحياة اليومية ، وتستمر لفترات قصيرة ، وقد لا يلاحظها الآخرون ، ولا تؤثر عادة على كفاءة الفرد وإنتاجيته في الحياة ، كما لا تؤثر على عقله وقدرته في الحكم على الأمور . وتعد هذه العوارض النفسية جزءاً من طبيعة الإنسان التي خلقه الله بها ، فيبدو عليه الحزن عند حدوث أمر محزن ، ويدخل في نفسه السرور والبهجة عند حدوث أمر سار . وهذا أمر مشاهد معلوم لا يحتاج لإثباته دليل ، ويحدث لكل أحد من الصحالين والطالحين.

أمـا الأمراض النفسية فأمرها مختلف ، وهي لا تقتصر على ما يسميه الناس بالجنون ، بل إن معنى المرض النفسي معنى واسع يمتد في أبسط أشكاله من اضطراب التوافق البسيط إلى أشد أشكاله تقريباً متمثلاً في فصام الشخصية شديد الاضطراب . كما أنه ليس شرطاً أنْ تُستخدم العقاقير في علاج ما يسميه الأطباء النفسيون بالأمراض النفسية ، بل إن منها ما لا يحتاج إلى علاج دوائي فهي تزول تلقائياً و ربما لا يحتاج معها المريض سوى طمأنته كما يحدث عادة في اضطرابات التوافق البسيطة .

ويعتمد الطبيب في تشخيص الاضطراب أو المرض النفسي - بشكل كبير - على ثلاثة أمور :
نوعية الأعراض ، شـدة الأعـراض و مدة بقاء الأعراض.

ولتشخيص المرض النفسي فإنه يجب أنْ يحدث عند المريض أعراض غريبة، أو ربما أعراض غير مألوفة كالضيق والحزن مثلاً ، وتستمر لمدة ليست بالطارئة أو القصيرة وبأعراض واضحة تكون كفيلة بتشخيص المرض النفسي في تعريف الأطباء . ولذلك فإن من يحزن لفقد قريب أو عزيز ويتأثر بذلك فإننا لا نصفه بأنه مريض نفسي إلا إذا استمر حزنه لمدة طويلة ربما تصل لعدة أشهر أو بضع سنوات وبدرجة جلية تؤثر على إنتاجية ذلك الفرد في أغلب مجالات الحياة ، أو أنْ تظهر عليه أعراض بعض الأمراض النفسية الأخرى كالاكتئاب مثلاً.

ولتبسيط الموضوع فإننا نقسم الأمراض النفسية إجمالاً إلى نوعين:

الأول : ما يمكن تسميتُهُ بالعُصَاب و يشملُ تلك الأمراض التي لا تؤثر على عقل الفرد ولا يفقد معها استبصاره أو قدرته في الحكم على الأمور لكنها تُنقص نشاطه بعض الشيء ، كالحزن الشديد المستمر لفترات طويلة وعـدم قدرة البعض على التوافق مع بعض مستجدات الحياة (اضطراب التكيف أو التوافق ) وغيرها كثير . وقد تصيب هذه الأمراض أيضاً الصالحين وغيرهم من الناس إذا توفر ما يدعو لحدوثها من الأحداث الحياتية لهمْ.

الثاني : ما يمكنُ تسْمِـيَـتُـهُ بالذُّهَـانِ و يشملُ تلك الأمراض التي تؤثر على عقل الفرد فيفقد استبصاره بما حوله ، وتضعف كفاءته وإنتاجيته وقدرته في الحكم على الأمور ، ويحدث فيها أعراض غريبة لم تعهد عن ذلك الفرد ولم تعرف عنه كالاعتقادات والأفكار الغريبة الخاطئة التي لا يقبل معها نقاش ، أو أنْ تتأثر أحد حواسه أو بعضها بما هو غير مألوف له كسماعه لبعض الأصوات التي لا وجود لها حقيقة ، أو وصفه لنفسه بأنه يرى بعض الأجسام دون أنْ يكون لها أي وجود على أرض الواقع ويمكن أنْ يصيب هذا النوع من الأمراض أي أحد من الناس سواءً كانوا من الصالحين أو الطالحين إذا توفر ما يدعو لحدوثها من أقدار الله عز و جلت مشيئتهُ.

ولعلي أعجب من البعض الذين يربطون درجة التقوى والإيمان بامتناع الإصابة بالأمراض النفسية دون العضوية !! فلقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" صدق رسول الله .

وهذا البيان النبوي شامل لجميع الهموم والغموم صغيرها وكبيرها ، وأياً كان نوعها . وفي الأصل أن الأمراض النفسية مثل غيرها من الأمراض ولا شك ، وهي نوع من الهم والابتلاء ، ولذلك فإنها قد تصيب المسلم مهما بلغ صلاحه . كما إنه لم يرد في الكتاب الكريم ولا في السنة المطهرة ما ينفي إمكانية إصابة المسلم التقي بالأمراض النفسية حسب تعريفها الطبي ، ومن نفي إمكانية ذلك فعليه الدليل.
ولعل فيما ذكرتُـه في المقدمة من وصف أبو حامد الغزالي - رحمه الله - لنوبة الاكتئاب الحادة التي أصابته ، وهو المعروف بعلمه وتقواه وورعه ما يفند ذلك الكلام . وبالإضافة إلى ذلك فإن انتقال أغلب الأمراض النفسية عبر الوراثة يعكس بوضوح الطبيعة المرضية لتلك الأمراض .

وبالرغم من ذلك كله فإن المسلم يتميز عن الكافر وكذلك التقي عن الفاجر في انه يحتسب ما يصيبه عند الله ويستعين بحول الله وقوته على مصائب الدنيا ولا يفقد الأمر مثلما يفقد غيره مما يخفف من أثر المصائب عليه بعض الشيء .
ولذلك فإننا نلاحظ حدوث حالات الانتحار في المجتمعات الغربية تفوق بكثير ما يحدث في المجتمعات الإسلامية رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لذلك في المجتمعات الإسلامية ، لكن من عمل من الأطباء النفسيين في كلا المجتمعين يدرك بوضوح ذلك الفرق.

و ما نسيتُ لا أنسى ما حكاه لي واحد من مرضايَ كان قد أهمل في استخدام عقَّـار اكتئابه في مرحلة الوقاية و عندما بدأ يحس بعودة الأعراض أسرع باستئناف دوائه و أخذ يدعو الله عز وجل خائفا من حدوث انتكاسة كاملة في حالته فسجد لله و أخذ يردد قوله تعالى في سورة الأنبياء( الآية 83) " و أيوبَ إذ نادى ربه أني مَسَّـنِيَ الضُّـرُّ و أنتَ أرحم الراحمين" (صدق الله العظيم) فرفع الله عز و جلَّ عنه الكثير من أعراضه لكنه أيضًـا أخذ بالأسباب وواصل دواءَهُ بعد ذلك و كذلك يكونُ المسلمُ الحق .


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:06 PM   #8
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
الأمراض النفسية أعراضها نفسية بحتة ، ولا يمكن أن تظهر بأعراض عضوية



الأمراض النفسية أعراضها نفسية بحتة ، ولا يمكن أن تظهر بأعراض عضوية

وهـذا اعتقاد خاطئ بلا شك !!

فالعلاقَـةُ بينَ الأعراضِ النفسية و المرضِ العضوي و بينَ الأمْراضِ النفسيةِ و الأعراضِ العضوية متشابكةٌ إلى حَدٍّ كبير :

فالأعْراضِ النفسية قد تكون من مسببات المرضِ العضوي أو تكون أول ما ينبهنا إلى وجود مرضٍ عضْويٍ حادثٍ بالفعل أو على وَشَكِ الحدوث فهناكَ ارتباطٌ مثلا بين حدوث القلق و الاكتئاب و حدوث قصور في الدورة الدموية أو أمراض القلب و هناك ارتباط بين حدوث اكتئاب في مرضى الشرايين التاجية " الذبحة الصدرية " و حدوث نكسات أو تكرار الحالة !

و قد تكونُ الأعراضُ النفسية وفي مقدمتها الاكتئاب مُصاحبَـةً للمرضِ العضْوِيِّ أو نتيجةً لهُ فمثلا يكثر حدوث الأعراض الاكتئابية بعد الإصابةٍِ بالأنفلونزا أو الأمراض التي تسببها الفيروسات و كذلك تكثر الأعراضُ الاكتئابيةُ و أعراض القلق مع اضطرابات الدورة الشهرية أو في الفترة التالية للولادةِ ! و كثيرا ما يظهر المرض النفسي و خاصةً الاكتئاب بصورةِ أعراضٍ عضوية مثل اضطرابات المعدة والقولون و الصداع المزمن و آلام الظهر والمفاصل و الكثيرُ غيرها !

و الأمراض النفسية في حقيقة الأمرِ يمكن أن تظهر بإحـدى ثلاث صور:

مجموعة من الأعراض النفسية دون أن يصاحبها أية أعراض عضوية .


مجموعة من الأعراض العضوية كالغثيان والقيء وألم الظهر والأطراف ، دون أن يكون هناك أعراض نفسية واضحة مصاحبة ، مما يجعل المريض وذويه يعتقدون أن المرض عضوي لا نفسي ولقد زارت العيادة النفسية امرأة متزوجه تبلغ من العمر ثلاثين عاماُ تشكو فقط بأنها تتقيأ أي شيء تأكله تقريباُ ، دون أن يكون عندها أية أعراض نفسية واضحة . ولقد تم التدخل الجراحي في حالتها عدة مرات ، و أُدْخِـلَـتْ العديد من المستشفيات دون فائدة تذكر . وفي النهاية – كما هي العادة – تم تحويل هذه المريضة إلى العيادة النفسية ، وبفضل الله بعد عدة جلسات من العلاج النفسي – دون الحاجة لاستخدام العقاقير – انقطع القيء عنها ، فلم يكن عند تلك السيدة سوى بعض المعاناة والمشاعر النفسية التي لم تستطع أن تعبر عنها بشكل نفسي فعبرت عنها بشكل عضوي .

وَ يحْـدُثُ نفسُ الأمرِ في الأطفالِ الصغارِ حيث لا تساعِـدُ الطفلُ حصيلتهُ اللغويةُ و نموُّهُ المعرِفِيُّ في القدْرَةِ على التعبيرِ عن شكاواهِ النفسيةِ لما يحتاجُ إليهِ ذلكَ منْ قدْرَةٍ على التجريد فيكون الحل هو ظهور أعراض جسدية كالصداع و آلام البطن و غيرها الكثير .

وكذلك الاكتئاب عند كبار السن في المجتمعات الشرقية – بشكل خاص – فإنه يظهر في أحيان كثيرة بأعراض عضوية . وما تلك النوبات المتكررة من آلام البطن وأوجاع الظهر التي تصيب بعض العجائز – في بعض أنواعها – إلا نوبات متكررة من الاكتئاب ، ولكن العامة يصفونها بأنها أعراض الروماتيزم !! . وكذلك الحال عند بعض الرجال المسنين الذين فقدوا – مع تقدم العمر بهم – دور الآمر الناهي بسبب زواج الأولاد واستقلالهم بآرائهم ، فلم يعد لأولئك المسنين دور مهـم ، وبدأ يتسرب إلى أنفسهم الشعور بأنهم أصبحوا على هامش الحياة . ولذلك فإنهم ما بين الفينة والأخرى يشكون من بعض الأوجاع ، أو يبالغون في الشكوى من بعض ما يعانونه من أمراض سابقة بطريقة لا شعورية ، كل ذلك من أجل جلب اهتمام من حولهم والشعور بأنهم ما زالوا محط احترام وتقدير الآخرين .

وقد يحدث العكس فتظهر الأمراض العضوية بأعراض نفسية ، كما هو الحال في اضطرابات الغدة الدرقية و في سرطان البنكرياس والحمى المالطية وغيرها .


أما في الصورة الثالثة فقد تظهر الأمراض النفسية بمجموعة من الأعراض النفسية والعضوية في آن واحد ، وهو ما يحدث في أغلب الأحول ، كشكوى مريض القلق على سبيل المثال من خفقان القلب والعرق والرعشة في بعض أنحاء الجسم ( كأعراض عضوية ) ، إضافة إلى الخوف والتوجس وعدم الشعور بالاستقرار والطمأنينة ( كأعراض نفسية ) .

وَ أما ما يؤدي إليه هذا المفهوم الخاطئُ من مشكلاتٍ تزيدُ من معاناة المرضى فهو كثيرٌ في الحقيقة فإضافةً لتعريض المريض لفحوصٍ طبية متعددةٍ بحثا عن سبب لأعراضه هناك التأخيرُ في عرضه على الطبيب النفسي و ذلك في كثيرٍ من الحالات يؤدي إلى تأخـرِ الحالة طبيا مما تكون له انعكاسات على المآل المرضيِّ البعيد ، و كذلك في الحالات التي يكون فيها الاضطراب النفسيُّ مصاحبًـا لاضطرابٍ عضوي يؤدي إهمال الأعراض النفسية سواء من جانب الأهل أو الطبيب إلى تدهور المرض العضوي نفسه.


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:07 PM   #9
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
الأعراض النفسية هي رد فعل طبيعي لظروف الحياة ولا فائدة من علاجها دون حل للمشكلات الحي



الأعراض النفسية هي رد فعل طبيعي لظروف الحياة ولا فائدة من علاجها دون حل للمشكلات الحياتية !


وَ يحتاجُ الأمُر هنا إلى مزيدٍ من الشرح و التوضيح لكيفية حدوث المرض النفسي و الذي هو نتيجة تفاعل عوامل خارجية مع عوامل داخلية " في الشخص ذاته " فمثلاً ليس كل من يفقدُ شخصا عزيزاً عليه و داعما له في الحياةِ " عامل خارجي " يصل رد فعله على ذلك إلى الاكتئاب و القلق وفقدان الشهية وعدم القدرة على النوم و عدم القدرة على الخروج للعمل وربما التفكير في الانتحار ! فعلى سبيل المثال يموت الأب تاركا ولدا وثلاثة بنات و يمر الكل برد الفعل المعروف " رد فعل الأسى " من حزن و بكاء وتذكُرٍّ مؤلم... إلخ .... مدة أسبوع أو أسبوعين و ربما أكثر و تعود كل واحدة من بناته إلى بيتها و أولادها لكن البنت الوسطى تستمر في الحزن و البكاء و عدم القدرة على النوم و لا تريدُ العودة إلى بيت زوجها و لا تحسُّ باشتياقٍ إلى أولادها ولا بطعم للأكل و لا ترى فائدةً من الحياة بعد وفاة أبيها ! لا بد هنا من سبب في البنت ذاتها " عامل داخلي " لأنَّ العامل الخارجيَّ واحد في ذلك المثال لكنَّ الكثيرين لا يفطنون إلى ذلك .

و كذلك الأمرُ مثلا في أستاذين كبيرين في واحدة من كليات الطبِّ على سبيل المثال عرف كل منهما أنه مصاب بسرطانٍ في القولون " عامل خارجي " أما أحدهما فحزن ما حزن لكنه احتسب البلاءَ عند الله و واصل عمله بين طلابه و مرضاه وواصل ما أتيح لحالته من علاج و أما الآخرُ فكانت إصابته بمثل ذلك الداء نهاية لكلِّ شيء في حياته فلا هو يخرج ليدرس لطلابه و لا هو يستقبل مرضاه في عيادته و لا هو حتى متعاون مع معالجيه و قد أخبرتني زوجته سرًّا أنه لم يعد يهتم بالصلاة و لا يقرأُ القرآنْ !!

و نرى في هذا المثال أيضا أنَّهُ بالرغم من ثبوت الحدث الحياتيِّ " العامل الخارجي " فإنَّ النتيجة مختلفة تماما فأحد الأستاذين واصل حياته متقبلاً لقدَرِه مؤمنًـا برحمة ربه و أحدهما اكتئبَ فعجز عن أيِّ شيءٍ من ذلك ! و لم يكن من تفسيرٍ للفرق بين الحالتين إلا ما عرفته بعد ذلك من أن الأستاذ الذي اكتئب كانت له أخت و كانت له عمة أصيبت كلتاهما بالاكتئاب أيَّ أن في الأمر شيءٌ من الاستعدادِ الوراثي " عامل داخلي "

و تكملةً للمثال الأخير أقول أنَّ أستاذ الأورام الذي كان يتابع كلا من الحالتين قد وجد معاناة كبيرة في معالجة الأستاذ المكتئب ووجد استجابته أقل للعلاج الإشعاعيِّ و الكيميائي بالرغم من أن حالته المرضية كانت أقل تطورا من الأستاذِ الآخر ! و كان قد قرأ أن حدوث الاكتئاب يؤدى إلى تدهور الحالة و تقليل الاستجابة للعلاج و أنه تجب الاستعانة بطبيب نفسي و لكنه لم يكن مستعدًا لمفاتحة الأسرة في ذلك و عليه فقد أضاف واحدًا من عقَّـاقير علاج الاكتئاب إلى الأدوية في جرعة صغيرة في المساء و لكن مرور شهر بلا نتيجة كان مقلقا بالنسبة له ! أما ما أجبر الجميع على عرض الأستاذ على الطبيب النفسي فهو أنه في الفترة الأخيرة بدأ يرفض العلاج كله لأنه لا يحس له نتيجة تذكر اللهم إلا الكثير من الآثار الجانبية المزعجة !

و كان على أستاذ الأورام عبءٌ كبيرٌ ألا و هو إقناع زوجة المريض وأولاده بضرورة عرض الحالة على الطبيب النفسي فلم يكن اكتئاب أبيهم غريبا من وجهة نظرهم و كان لسان حالهم يقول يعنى " سرطان و سيموت و لا تريدونه أن يحزن ! " المهم أنهم قبلوا على مضضٍ و كان واضحًـا تحفُّـزُهم في ردود أفعالهم عندما جلس الطبيب النفسي معهم ليناقشهم في خيارات العلاج المتاحة و المفاضلة بينها و كان ردهم الذي اتفقوا عليه جميعا هو " لا لا كهربة إيه يا دكتور !! هو ناقص !! بابا عنده حق يكتئب "

و كان العبءُ هذه المرة على الطبيب النفسي الذي أصرَّ على أن يكون العلاج بالصدمات الكهربية نظرا لخطورة الموقف و الحاجة إلى التحسن السريع و كذلك لتعدد الأدوية التي يتناولها المريض ! وفي نهاية الأمر رضخ الجميع بعدما شاهد أحدهم بالصدفة فيلما أمريكيا عرضت فيه صورة واقعية لما يحدث قبل و أثناء إجراء الصدمة الكهربية ! و كانت تعبيراتُ وجوه أبنائه و وجه زوجته ناطقة بالشكر في صبيحة يوم الصدمة الكهربية الثالثة ! فقد تحسن في كل شيء وقالت زوجته : " أكل بشهية كنا نسيناها وبدأ يتكلم عن الكلية و عن أحوال العيادة و طلب مصحفا و عاود الصلاة وابتسم وهو يداعبُ أحفاده بارك الله فيك يا دكتور "

الحقيقة أنني اضطُـرِرْتُ إلى حكاية كل هذه الحكايــة لأن في كــل جزءٍ منها ما يحتاج إلى تدبرٍ و تفهم كبيرين

فأولا : حصل الاكتئاب نتيجة تفاعل عاملين الخبر السيئ وهو الإصابة بالسرطان كعامل خارجي و الاستعداد الوراثي للاكتئاب كعامل داخلي ! ولذلك حدث لحالة دون الأخرى !

وثانيا : أدَّى إلى بطء تحسن المرض العضويِّ وقلل من استجابته للعلاج مقارنة بحالة الأستاذِ الذي لم يكتئبْ وأوصل في النهاية إلى رفض المريض لعلاج المرض العضوي

وَ ثالِثًـا : أدَّى تقبلُ الطبيب و الأسرة لحدوث الاكتئاب على أنه شيء عادي أورد فعل طبيعي إلى تدهور الحالة النفسية و زادت معاناة المريض دون داعٍ لذلك .

و رابعا : ظهر الأثَـرُ السيئ للأفكار المغلوطةِ الموجودة في أوساطِ مثقفينا فضلا عن بسطائنا في تحرجُ أستاذ الأورام بداية من مجرد عرض فكرة الحاجة إلى طبيب نفسي ومعاناته بعد ذلك في إقناعهم بضرورة ذلك ثمّ موقفهم الرافض لما اقترحه الطبيب النفسي من العلاج بالصدمات .

وَ خامسا : يظهرُ الفرق واضحا بعد علاج الاكتئاب و الذي يبين أنَّ فكرة أن الاكتئاب مبرر بوجود المرض العضوي الخطير و لا يحتاج لعلاج هي فكرة خاطئة لأن الاكتئاب لا بد من معالجته أيًّا كانت الأسباب لكي نحسن من قدرة المريض على الحياة و التعاون في العملية العلاجية.

و نخلص من ذلك و من أمثلة لا حصر لها في حياة كلِّ طبيب نفسي إلى أنَّ وجود مرضٍ عضويٍّ لا يعنى أنَّ الأمراضَ النفسية المصاحبة هي مجرد توابع مُـبرَّرَة و لا تحتاج لعلاج و إنما يلزمُ تقييمُ هذه الأعراضِ بواسطة طبيب متخصصٍ و تحديد العلاج اللازم لها ووسيلة تقديمهِ لأن علاج الأمراض النفسية المصاحبة للمرض العضْوِيِّ يؤدي إلى تحسن استجابة الأخير للعلاج و في كثيرٍ من الأحيان يؤدى إلى تقليل معدلات المضاعفات والانتكاسات التي تمثل مشكلة في التعاملِ مع الكثيرِ من الأمراض العضوية . والنقطة الأخيرة التي يجب التنبيهُ لها هي أنَّّ وجود الأعراض النفسية المُشَـكِّـلَـةُ لاضطراب نفسي ما بدرجة تسمح بتشخيص ذلك الاضطراب هو في حد ذاته مدعاة للعلاج النفسي بغض النظر عن وجود أو عدم وجود أسباب حياتية لذلك لأنَّ تحسن الحالة النفسية للمريض سوف يزيد من قدرته على التعامل مع المشاكل والتخلص منها .


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:43 PM   #10
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
الأمراض النفسية و العقلية كلها بسبب المس والتلبس بالجن



الأمراض النفسية و العقلية كلها بسبب المس والتلبس بالجن

يشيعُ في المجتمعات العربية الاعتقادُ بأن الجن إذا ما لمس أو تلبس الإنسان فإنه يسبب الأمراض خاصة الأمراض النفسية و العقلية أو العصبية ، و الحقيقة أن الأمراض كلها في قديم الزمان كانت تعزى لمثل هذه الأمور الغيبية لكن انتصارات الطب المتوالية و اكتشاف الجراثيم ثم المضادات الحيوية و التي كان اكتشافها مشتملا على طريقة عملها أدَّت إلى سهولة الفهم على الناس فلم نعد نسمع بمن يتردد على الشيخ لكي يعالجه من التهاب في شعب صدره الهوائية يسبب له السعال و لم نعد نسمع بمن يزور الشيخ ليعالجه من الشعور بالحموضة الزائدة بعد تناول الطعام أو من الإسهال أو الإمساك مثلاً إلى آخره.

فقد أصبحت أسباب هذه الأمراض و مثيلاتها معروفة مشهورة لدى كل الناس و لديهم فكرة لا بأس بها عن أسبابها و طرق علاجها فلا تكاد اليوم تجد من يصدق إن التهاب الحلق مثلاً هو من فعل الجان !!! مع أن ذلك كان هو الحادث قبل فهم هذه الأمراض و معرفة أسبابها. لكن الأمر ليس كذلك في حالة الأمراض النفسية والعصبية و السبب أنه في حالة الأمراض النفسية كان التقدم الذي حدثَ متأخِّـرًا بعض الشيء عن الفروع الأخرى من الطب و تمثل أولا في اكتشاف الأدوية بالصدفة في أغلب الأحيان ثم استنتاج أسباب المرض بعد ذلك و إجراء التجارب التي تثبتها أو تنفيها ، و أما في حالة الأمراض العصبية فإن الكثير منها رغم معرفة أسباب حدوثه الباثولوجية فإنـهُ لم يكتشف له علاج مناسب حتى الآن و لا يتحسن الكثيرون من المرضى إلا قليلاً و أن كانت السنوات الأخيرة تشير بوضوحٍ إلى قفزات علمية هائلة في هذا المجال.

المهم هنا أن التقدم البطء في هذين الفرعين من الطب من حيث اكتشاف الأدوية و الاتفاق على الأسباب المرضية إضافة إلى طبيعة أعراض الاضطرابات النفسية و العصبية حيث تبدو غريبة في منظور عامة الناس فالبر غم من السلامة الظاهرة في شكل جسم المريض فلا هو بالذي ترتفع حرارته و لا هو الذي يحمر جسده إلى آخره إلا أنه يأتي بتصرفات أو يقول أقوالاً غريبة أحيانا تخالف شخصيته المألوفة أو يفقد جزء من جسده وظيفته كأن يتعطل الذراع أو القدمين أو أن المريض يرتمي مصروعا متشنجا على الأرض من تلقاء نفسه ؛ أو أن البنت الصغيرة تعجز عن و قف حركات متتالية لا إرادية في ذراعيها مثلا أو تبدو كمن لا تستطيع منع جسدها من التلوي !!!

هذه الطبيعة المحيرة بل و الموحية بعدم قدرة الإنسان على السيطرة عليها في أعراض الكثير من الأمراض النفسية والعصبية كان لها ولا شك دور في استعداد الناس لقبول تفسير غير مادي لها ، ثم في عدم استعدادهم لقبول التفسير المادي إذا سمعوا عنه بطريقة أو بأخْرَى، المهم أن الاعتقاد بأن الجن هم سبب منظومة الأعراض النفسية والعصبية أو أن دخولهم في جسد الإنسان يسبب هذه الأعراض لا يستند إلى أيِّ دليل في القرآن ولا في السنة المؤكدة و إذا دخلت في نقاش مع واحد من مؤيدي ذلك الاعتقاد فإن كل ما لديهم من أدلة من القرآن هو : قوله تعالى " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطانُ من المسِّ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحَـرَّمَ الـربا فمن جاءَهُ موعظةٌ من ربِّـهِ فانتـهى فـلهُ ما سلفَ و أمْــرُهُ إلى الله ومن عادَ فأولئكَ أصحابُ النارِ هم فيها خالدون "
صدق الله العظيم"275 البقرة".

و الشاهد هنا كما يقولون هو الذي يتخبطه الشيطان من المس فهذا دليلٌ في رأيهم على وجود المس مع أن أي طبيب نفسي مسلم لا ينكر أن هنالك مس و هو عندهم دليل كذلك على أن مس الشيطان يؤدى إلى التخبط و هنا تكمن المشكلة فالتخبط هنا قد يكون تخبطا بالمعنى الفيزيقي أي تخبط الجسد بالأرض مثلا فيكون المقصود أن آكل الربا لا يقوم يوم القيامة من قبره إلا كالمصاب بنوبة الصرع و هذا تفسير ابن كثير وقد يكون التخبط تخبطا بالمعنى النفسي و يقصد به المعاناة و التيه و قد لا يكون المقصود أكثر من تشبيهٍ أراد به المولى عز و جلَّ أن ينفر العباد من أكل الربا و التعامل به و هذا رأي المتواضع. لكن الواضح على كل حال إن هذه الآية لا يمكنُ أن تكون دليلاً على أن ما نقابله كأطباء نفسيين خلال ممارسة مهنتنا من حالات مرضية هو بسبب المس خصوصا عندما يكون لدينا التفسير العلمي و العلاج فكم تدمى قلوبنا عندما يقنع الشيخ الهمام أهل المريض و المريضَ نفسه بأن استمراره على عقار مثل عقَّـار الكاربامازيبين مثلا سوف يمنع خروج الجن الذي يصرعه من جسده و أنه لابد لكي يعمل القرآن أن يوقف المريض علاجه لأن الصرع مس و الدليل قوله تعالى " كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " و لا تكون النتيجة بالطبع إلا حدوث التشنجات بصورة متكررة قد تودى بحياة المريض في حين يؤكد الشيخ الجهبز أن الجان يعاند و يراوغ و يساوم على الخروج !!! .

و أما الدليل الثاني فهو قوله تعالى " وَ من يَـعْـشُ عن ذكر الرحمنِ نقيضْ له شيطانًـا فهو له قرين* و إنهم ليصُـدُّنَـهُم عن السبيل و يحسبون أنهم مُـهْـتَـدون * حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني و بينكَ بُـعْـدَ المشرِقينِ فبئسَ القرين "
صدق الله العظيم " 36 - 38 سورة الزخرف "
و أظنه و اضحًـا كل الوضوح هنا أن الحديث القرآني في وادٍ و شيوخنا في وادٍ آخر فالقرآن الكريم يتحدث عن موضوع غواية الشيطان لمن يتغافل عن ذكر الله عز وجل و ليس عن أعراض نفسية أو عصبية تحدث بسبب اقتران الشيطان بالإنسان ! و من شاء فليرجع إلى أيٍّ من تفاسير القرآن.

و أما الثالثُ فقوله عز وجل " و اذكرْ عبْـدَنا أيوبَ إذْ نادى ربه أني مسَّنِيَ الشيطانُ بِـنُصْبٍ وَ عذاب " صدق الله العظيم " 41 سورة ص " ,و حسب تفسير ابن كثير فإن النصب في البدن و العذاب في المال و الولد ولم يأتِ ذكرٌ للأمراض النفسية هنا و إن كان مشهوراً أن مرض سيدنا أيوب كان مرضا جلديًّـا فهل كان المرض الجلديُّ أيضًـا من صنع الشيطان؟ بالطبع ليس هنالك من يقول بذلك ثم أن النص القرآني في قصة سيدنا أيوب عليه السلام في موضع آخرَ كانَ " و أيوبَ إذ نادى ربه أني مَسَّـنِيَ الضُّـرُّ وأنتَ أرحم الراحمين" صدق الله العظيم" 83 سورة الأنبياء". فهنا كان المس من الضر و ليس من الشيطان.

و أما الرابع فقوله تعالى " إن الذين اتقوا إذا مَسَّهُمْ طائفٌ من الشيطانِ تَـذَكَّرُوا فإذا هم مبصرون" صدق الله العظيم" 201 سورة الأعراف" ,يقول ابن كثير "في تفسير " إذا مسهم " أي أصابهم منهم من فسره بالغضب ، و منهم من فسره بمس الشيطان بالصرع و نحوه و منهم من فسره بالَهمِّ بالذنب و منهم من فسره بإصابة الذنب ثم في " تذكروا " أي تذكروا عقاب الله وجزيل ثوابه ووعده ووعيدِهِ فتابوا و استعاذوا بالله وَ رَجَعُوا إليه من قريب ثم في " فإذا هم مبصرون " أي قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه".

و الواضح أن الأمر كله بعيد عن الأمراض النفسية و إن اشتبهَ الأمر في حالة الصرع لكنه في جميع الأحوال واضح من جو الآية الكريمة و من الآية التي تسبقها "و إما ينزغنـكَ من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه سميع عليم" صدق الله العظيم" 200 سورة الأعراف" واضح أن الأمر يتعلق بغواية الشيطان للمؤمن حتى يقع في الذنوب و ما زاد على ذلك فهو تأويل لا يحتمله المعنى في حقيقة الأمر و هذا تعليقي المتواضع.

و فيما يتعلق بأدلَّـتهم من السنة النبوية المطهرة فسوف أكتفي بذكر الأحاديث الواردة في أحد الصحيحين أو كلاهما و التي تؤكد معنى تحفـز الشيطان للتأثير في بني آدم لأن الأحاديث الأخرى إنما تساقُ للتدليل على وجود الجن و هذه قضية لا يختلف فيها المسلمون من الأطباء كلهم؛ فعن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "إن الشيطان يجرى من ابنِ آدمَ مجرى الدم " "صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم " رواه البخاريُّ و مسلم.

و عن أبي سعيدٍ الخدريِّّ رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إذا تثاءَبَ أحدُكم فَـلْيُـمْسِكْ بيـدِهِ على فِـيـهِ فإنَّ الشيطانَ يدخل " صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم " رواه مسلم و الدرامي.
و ما أرى في هذين الحديثين أي إشارة إلى أن الفصام أو الاكتئاب أو الصرع أو أي من منظومة الأمراض النفسية و العصبية هي تأثيرات الشيطان.

وَ أما ما زاد الطينَ بـلَلاً في هذا الموضوع و ما يرد به المتحمسون لقضية أن الأعراض النفسية و العصبية إنما هي من أثر الجن فهو ما يحكيه الكثيرون و كأنه الدليل القاطع المانع على المس أو التلبس في المرضى النفسيين من أن الشيخ أنطق الجان و سمعه الحاضرون متكلما على لسان المريض و يقسم لك بعضهم أنها كانت امرأة تحدثت بصوت رجل أو العكس ويرون في ذلك ما يقنعهم لأنه لا تفسير له بالطبع عندهم إلا ما يقوله أو يظنه الشيخ من أن الذي ينطق هو الجنيُّ الذي يسكن جسد المريض ! مع أن الأمر غير ذلك في كل الأحوال للأسف الشديد!!!
و لكي أوضح هذا الأمر للقارئ فأنا مضطَـرٌ إلى شرح ظاهرة نفسية هي ظاهرة الإيحاء و القابلية للإيحاء و ما يتعلق بهما من أمور كالتنويم المغناطيسي و تأثير المُنـَوِّم على المُـنَـوَّمْ و مضطر إلى ذكْر ممارسات السواد الأعظم من الشيوخ في تعاملهم مع المرضى ؛ فأما الظاهرة الأولى فلأنها سببٌ في أغلب الأحوال لأن يفعل المريض و يقولَ ما يريدُه الشيخُ دون وعي أو إدراك منه وأما الثانية فلأن بعض المريضات بالذات يحكون لنا ما حدث لهن و اضطررن بسببه إلى فعل وقول ما يريده الشيخ وهن واعيات تمامَ الوعي.

معنى الإيحاء معروف وهو أن يُـقْـنِـعَ شخص أو حدثٌ ما شخصا آخرَ بمفهوم ما دون اشتراطٍ لوجود المنطق في هذه العملية أو بمعنى آخر أن تصدق أمرا ما و بسرعة دون دليل منطقي عليه. أما القابلية للإيحاءِ فهي أن يتصف شخص ما بهذه الصفة و الحقيقة أن كل الناس لديهم قابلية للإيحاء ولكن بدرجات متفاوتة جدا و بالتالي فهناك من تكون القابلية للإيحاء عالية لديهم سواءً من المرضى النفسيين أو من الأشخاص العاديين و يتميز أصحاب القابلية العالية للإيحاء بسرعة تأثرهم بالأحداث اليومية و الأخبار المثيرة و تفاعلهم القوي مع هذه المؤثرات،واهتمامهم بما قيل و ما يقال وأخذ ذلك في الاعتبار عند اتخاذ قراراتهم و مواقفهم في الحياة.

و يتميز هؤلاء الناس أيضًـا بقدرتهم على إحداث ما نسميه في علم النفس بالانشقاق أو الانفصال في الشخصية أو الوعي و ذلك عند الحاجة و دون إرادة بالطبع ؛ فالواحدُ منهم يمتلك القدرة على الهروب من مواقف معينة بالتحلل من شخصيته أو كينونته الأصلية أو من وعيه الحاضر و اكتساب كينونة أخرى أو وعيا آخر يناسب الظروف الجديدة ويحدث ذلك دون أن يقصده الشخص أي دون إرادة مسبقة منهُ و تذكر الدراسات الأمريكية أن حوالي 5% من الناس تكون قابليتهم للإيحاء عالية جدا لدرجة أن مجرد تركيزهم مع أي منبه منتظم كدقات الساعة مثلا أو صوت تنفسهم يمكن أن يدخلهم فيما يشبه النوم المغناطيسي من تلقاء أنفسهم !!
و التنويم المغناطيسي يعتمد على هذه الظاهرة الإنسانية و بالتالي فإنه كلما زادت قابلية المرءِ للإيحاء زادت قابليته للدخول في النوم المغناطيسي و زاد عمق هذا النوم أيضا ، و عندما يكون هناك منوِّمٌ و مُـنَـوَّم فإن واحدة من أهم الظواهر المشهورة في التنويم المغناطيسي هي وجود ارتباط نفسي شديد بين المنوَّم و المنوِّم خلال فترة النوم هذه و وجود رغبة شديدةٍ لدى المنوَّم في إرضاء و إسعاد المنوِّم !!!


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:44 PM   #11
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
يتبع



فليس الأمر فقط أن المنوَّم يطيع المنوِّم في كل ما يأمر به و إنما هناك أيضا نزوع لدى المنوَّم لفعل و قول ما يريدُهُ المنوِّمُ حتى و إن لم يصرحْ به المنوِّمْ ! أي أن أحلام و رغبات المنوِّم هيَ أوامرُ بالنسبة للمنَـوَّمْ !!!
و هنا تكمن المفارقة التي تسببت في إيهام الكثيرين بأن المريض النفسي و هو تحت تأثير الشيخ و هيلمانه المبجل إنما يظهر عليه الجني و يتكلم بلسانه ! و الحقيقة أن هذا النوع من المرضى إنما هم من ذوي القابلية العالية للإيحاء و بالتالي للدخول في النوم و فعل ما يحلم به الشيخ بمجرد وضع سيادته ليده على جباههم بل إن بعضهم يدخل في نوبات النوم بمجرد رؤيته للزحام حول مكان سيدنا الشيخ ! وبعضهم بالطبع تزول أعراضه الهيستيرية بمجرد أن يشم هواء البلد الذي يشرفه الشيخ لأن منظومة الهيستريا كلها يصلح في علاجها الإيحاء سواءً كان الموحي شيخا أو طبيبا أو كائنًـا من كانْ.

أما الأمر الثاني الذي لابد من الإشارة إليه فهو أن أسلوب الشيوخ في التعامل مع الجني الذي يسبب الأعراض يدفع بعض المرضى إلى قول ما يريده الشيخ و هم بكامل وعيهم فقط ليتخلصوا من ضغطه الشديد على رقابهم مثلا و هو يطالب الجني المزعوم بالاعتراف فكما نسمع من الكثيرين من مرضانا و كما قرأت في مقالة للدكتور يحي يونس في المجلة العربية للطب النفسي فإن الشيخ مثلا يطلب من المرأة أن تنام على بطنها و يطلب من أقربائها أن يضغط كل واحد منهم على طرف من أطرافها ثم يقوم هو بالضغط على رقبتها من الخلف عاصرا رقبة المرأة المسكينة و يصرخ مطالبا الجني بالإفصاح عن نفسه و هنا تتداخل عوامل كثيرة منها الإحساس بالاختناق والألم و الخوف و منها الإحساس بالذل و الرغبة في الخلاص وعدم عصيان الأهل المقتنعين بأن الجن هم السبب و بأن الشيخ باتع السر .... إلخ تتداخل كل هذه العوامل لتجبرها على الكذب فترد على الشيخ على أنها مثلا عباس أو عبد السلام أو شهبور أو مسعودة " أي الجني الذي يريده" فيخفف الشيخ من ضغطه على رقبتها و يواصل أسئلته و تواصل هي اختراع الإجابات التي تريحه لكي تريح المريضة نفسها و هكذا يصدق الشيخ نفسه و يصدق الأهل أنهم سمعوا الجني يتكلم .

أما النقطة الأخيرة التي لابد من الإشارة إليها فهي كيف يقوم الشيخ بعد ذلك بإخراج الجني المزعوم و الحقيقة أنني لن أتكلم عن ممارسات المنحرفين منهم لأنهم ليسوا كذلك جميعا و لأن المنحرفين موجودون في كل زمان و مكان و في الأطباء كما هم في الشيوخ و إنما أتكلم عن الذين لا يعلمون حقيقة الأمر و يتصرفون بنية صادقة بناءً على فهمهم أو فهم من قرؤوا لهم في تفسير الظواهر السالفة الذكر قبل تغير المفاهيم العلمية فهناك من يطلب من المريض قراءَة أو سماع القرآن الكريم و هناك من يزودهُ بتسجيلات لبعض السور لكي يسمعها و أنا لا أرى ضررا في ذلك ما لم يقرنه الشيخ بأن يطلب من المريض ترك علاجه أو عدم اللجوء للطبيب النفسي فالقرآنُ خيرٌ في كل الأحوال و يطمئن المريض سواءً قرأهُ أو سمعه باستثناء الحالات الذهانية بالطبع و لكن المهم أن يكون القرآنُ موضوعا في المكان الذي يليق به و دون إغفالٍ لأهمية العلاج الدوائي الذي هدى الله الناس إليه.

و أما الذي لابد من رفضه و محاربته فهو استخدام الضرب و الجلد من أجل إخراج الجني فهذه ممارسة ما أنزل الله بها من سلطان تهدد حياة المريض في أحيان كثيرة و تسبب له عذابا هو في غنىً عنه و ليست حكاية الضرب هذه سوى عادة توارثها الشيوخ و ليس لها أي أساس ديني و لا يمكن بحال من الأحوال أن تفيد اللهم إلا في بعض حالات الهيستريا والتي كما ذكرت تستجيب للإيحاء لصفة في المرض ذاته و تختفي الأعراض فيها إذا عوقب المريض و هذا بالطبع لا يفيد إلا على المدى القصير و يضر أكثر مما ينفع أما أغلب الحالات فهي التي لا يستجيب فيها المريض للضرب لسبب بسيط و هو أنه ليس لديه جني أصلا !!! لكن عدم استجابته للأسف إنما تدفع الشيخ لزيادة الضرب و هكذا إلى أن يكف الأهل عن تكرار زيارتهم للشيخ أو أن يطلب الشيخ من الأهل الذهاب إلى شيخ آخر يعتبرهُ هو أستاذه مثلاً أو ربما هداه الله و نصحهم أخيراً بزيارة الطبيب النفسي.


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:46 PM   #12
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
اعتقاد بعض الناس بأن الطبيب النفسي لا يؤمن بأثر القرآن ودوره في العلاج ، وأنه منكر لأ



اعتقاد بعض الناس بأن الطبيب النفسي لا يؤمن بأثر القرآن ودوره في العلاج ، وأنه منكر لأثر الجن والسحر والعين .

وَ هذا ما يعمل المعالجونَ التقليديون و الشيوخ على نشره بين الناس و هو افتراءٌ ينتج عن سوء نيةٍ أو عن جهل بحقيقة الأمور و علينا قبل أن نناقش هذا الاعتقاد أن نبيِّنَ أن الإيمان بالجن والسحر والعين يمكن أن ننظر إليه على ثلاثة مستويات :

الإيمان بوجود الجن وحقيقة السحر والعين .

الإيمان بتأثير الجـن والسحر والعين .

الإيمان بالأعراض التي يصفها بعض الشيوخِ والمعالجين بالقُرْآنِ لأثر الجن والسحر والعين .

فالأول والثاني يجب الإيمان بهما دون شك أو نظر ومن أنكرهما فهو منكر لصريح الكتاب والسنة.
وأما الثالث فلم يرد في الكتاب ولا في السنة وصف تفصيلي لأعراض معينة لكل من أثر الجان والسحر والعين بمثل ما يتناقله الناس ، وإنما هي اجتهادات من بعض الخلف بشكلٍ خاص .

ولعلنا هنا نقف مع ذلك الاعتقاد الخاطئ عدة وقفات :

أولاً : تضع طبيعَـةُ تخصص الطب النفسي من يتخصَّصُ فيه من بين الأطباء في وضع من يتعامل مع مشاعر و أفكار الناس و خبراتهم التي تختلف عما يتعامل معه الأطباءُ في جميع تخصصات الطبِّ المختلفة من علامات ترى بالعين و تجس باليدين و يضعه تخصصه هذا في موقف من يستشعرُ ما لا يقاس أي أنه أكثرُ احتكاكا من غيره بالأمور الغيبية ؛ و أكثرُ قدرَةٍ على حدسها .

ثانيًـا : أن الأطباء النفسيين المسلمين يختلفون بشكل كبير في إيمانهم بتلك الغيبيات عن غير المسلمين .

ثالثًـا : أن بعض الأطباء النفسيين غير المسلمين يؤمن بتلك الأمور الغيبية ، فما بالك بالأطباء النفسيين المسلمين .

إن نقاش أحد الأطباء النفسيين للمستوى الثالث ( ماهية الأعراض ) لا يعني إنكاره للمستويين الأول والثاني ( وجود وتأثير تلك الأمور الغيبية ) . ولذلك إنه إذا ما حاور طبيب نفسي بعض الشيوخِ حول المستوى الثالث فإن أول سؤال يواجهونه به هو : هل تنكر وجود الجن والسحر والعين وتأثيرها (المستوى الأول والثاني ) ؟؟!!. ولذلك يضطر ذلك الطبيب إلى توضيح تلك المستويات الثلاثة ، وأنه مؤمن بتلك الأمور الغيبية وتأثيرها ، ولكنه يسأل عن دليل شرعي أو علمي يربط تلك الأعراض التي يعاني منها مريض ما بأنها حدثت بسبب أحد تلك الأمور الغيبية . ورغم عدم وجود دليل واضح يربط تلك الأعراض بسببها الغيبي الذي يفترضه بعض الشيوخِ فإن العقلاء من الأطباء النفسيين لا ينكرون احتمالية ذلك ، كما أنهم يتوقفون عن قبوله في آن واحد .

ولقد أدى هذا الاعتقاد عند بعض الشيوخ إلى التأثير على النظرة الاجتـماعية العـامة للطب النفسي ، لما لهم من تأثير فعال ، خصوصاً على بسطاء وعامة الناس ، وهم العدد الأكبر في الشعوب عامة .

إن وجود طبيب نفسي واحد أو أكثر ينكر تأثير تلك الأمور الغيبية ، بل ربما ينكر وجودها أصلا، فإن ذلك لا يعني أن كل الأطباء النفسيين كذلك .

فالأطباء النفسيون مثلهم مثل غيرهم من الناس ، حيث إن هناك بعضاً من الناس - من غير الأطباء - ينكرون تلك الأمور الغيبية جملة وتفصيلاً . ولست هنا أعلل لأولئك الأطباء فهـم مخطئون ولا شك ، وإنما أرفض وصم جميع الأطباء النفسيين بإنكار تأثير الجن والسحر والعـين.


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:47 PM   #13
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
الطبيب النفسي سيدخلك في الدوامة! فاحذرْ منه!!



الطبيب النفسي سيدخلك في الدوامة! فاحذرْ منه!!


وَ هذا أيضا واحد من المفاهيم التي يُـرَوِّجُ لها الكثيرون من الناس في مجتمعاتنا و المقصود بالدوامة غير واضح دائمًـا في ذهن من يرددون هذه المقولة ، فهذه عبارة تقالُ غالبا على لسان ناصح أمين لمريضٍ أرغمته معاناتهُ النفسية على الإفصاح عن رغبته في زيارة الطبيب النفسي فبدأ يستشيرُ أهله أو أصدقاءهُ و ربما سألهم مثلا لمن من الأطباء النفسيين يتجه ؟ فينصحُـهُ الناصحون بألا يفعل لما يعنيه وينطوي عليه ذلك من تبعاتٍ لزيارة الطبيب النفسي و التردد عليه فهم أي الناصحون يخافون عليه من دوامة الطب النفسي !!!

و حسب ظني فإن هذا المفهوم المخالف للحقيقة إنما هو مستنبطٌ من أفكار أخرى تجمَّـعْتْ في أذهان الناس بعضها مستمد من الأفلام السينمائية الأجنبية القديمة و بعضها من حكايات الناس عن المريض الذي لا يشفى !! و يظل مترددا مستديما على الطبيب معتمدا عليه و بعضها من الأفلام العربية الجميلة التافهة التي تسلينا و تعيقُ عقولنا عن معرفة الواقع للأسفْ !

و أذكر هنا ما سمعته من أستاذي الأستاذ الدكتور أحمد عكاشه و هو يحكي لنا عن أهمية فحص المريض النفسي فحصا باطنيا عضويا مهما كانت الأعراض متطابقة مع أعراض الاضطرابات النفسية المعروفة للطبيب النفسي نظرًا لأن ذلك لا ينفي وجود اضطراب عضوي ربما كان هو السبب الأصلي وراء الأعراض النفسية فيقول أنه في الكثير من الحالات التي يكتشف فيها مرضا عضويا في مريضه فيرسله إلى أحد زملائه من أساتذة الطب الباطني العام أو فروعه الخاصة يفاجئه أن زميله الأستاذ يقول للمريض و ما الذي جعلك تذهب للطبيب النفساني" احمدْ ربنا" أنه لم يدخلك في الدوامة ! و في أحيان أخرى " ألا تخاف أن يتسبب في ضياع عقلك ؟؟"

أما أنا كطبيبٍ نفسيٍّ فطالما حاولتُ البحثَ عن هذه الدوامة التي يفترض المفهوم أنني أديرها و أدخلُ مرْضاي فيها فلم أجدْها في الحقيقة و إنما وَجَـدْتُ في حديثٍ لأستاذي الأستاذ الدكتور منير حسين فوزي إشارة لما أظنُّـهُ الدافعَ وراء هذا الادِّعاء على الطب النفسي ذلك أن موضوع الطب النفسي كموضوع علم النفس إنما هو موضوع يتصل بالنفس البشرية و هذه المواضيع بطبيعتها تثيرُ لدى الناس مشاعرَ متضادة من الرغبة في معرفتها و الخوف من معرفتها في ذات الوقت و من الحب لأنها تعطى الإنسان راحة بتفسيرها لأسبابِ مشاعره و سلوكه و من الكرْهِ في نفس الوقتِ لأنها تواجِـهُـهُ بما لا يحب أن يعرف عن نفسه و هذا الكلام كما ينطبق على الخاص وهو الإنسان المفرد أو الأسرة ينطبق على العام و هو المجتمع كله ، فلدى الإنسان دائما ما يحب أن يخفيه حتى عن نفسه و العلاج النفسي الناجح هو الذي يستطيع الطبيب النفسي فيه أن يبصر مريضه بكل ما يمكن من الجوانب المخبَّـئَـةِ من تكوينه النفسي ، بحيث يستطيع التعاملَ معها بوعْيّ و إدراكٍ كاملين و يتوافق في نهاية المطاف مع حياته و ينطبق نفس الكلام بالطبع على الأسرة كلها .

و هنا حسب ظني منشأُ الدوامة التي يدَّعون فهم يقصدون أن الطبيب النفسي سيدخل أمورًا يرونها لا علاقة لها بأعراض المريض و يتدخل بأسئلته فيما يعتبرونه أسرارًا تخص المريض أو الأسرة و لست أدري إلى أيِّ مدًى سيستمُـرُ تحفُّظُ مجتمعِـنا هذا الذي يصل إلى حد إخفاء معلومات على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للطبيب النفسي كتاريخ المرض النفسي في العائلة مثلا أو في المريض نفسه و هذا التاريخ المرضي له بالطبع انعكاسات في منتهى الأهمية على أشياء كمدة العلاج الدوائي و غيرها الكثير لكن الناس عندنا يخفون ما أمكنهم الإخفاء ! و إن كان إلحاح الطبيب و إصراره على معرفة ما يخفونه كثيرًا ما يدفع واحدًا مستنيرًا من أهل المريض أن يسر في أذنه " بالسر الخطير " !

الدوامة إذن هي وهم لا أساس له من الصحة لأن الطبيب النفسي إنما يهتم بكل ما يفيد في تشخيص أو علاج حالة مريضه أو حتى تكوين أو إعطاء فكرة عن رأيه أو توقعه لمآلها المرضي.

فإذا أردنا أن نستشهد بما نسمعه من الكثيرين من مرضانا الذين لا يصلون الطبيب النفسي إلا بعد جولة طويلة بين الأطباء في التخصصات المختلفة مع أن اضطرابهم يكون نفسيا لكن أعراضهم تأخذ شكلا عضويا ؛ و لأضرب مثلا بمريض نوبات الهلع فما يحكيه هذا المريض لطبيبه النفسي من تكليفه عبء عشرات التحاليل و الفحوص بالأشعة و رسومات القلب العادية و بالمجهود و الموجات فوق الصوتية و أحيانا قسطرة القلب إلى آخره ....

و قد تجول و تحول من طبيب إلى آخر و معظمهم يطلب الفحوص الجديدة ولا تعجبه فحوصُ من قبله ! ثم يكتب بعض المهدئات و يتناولها المريض ولكنه لا يتحسن إلا قليلا و يظل متنقلا من طبيب إلى طبيب إلى أن يهدِيَ الله أحدَهم و يخبِرُ المريض على استحياءٍ بأنَّ حالته نفسية وتحسن استشارة الطبيب النفسي ؛ بالرغم من كل ما سبق لم يتهم أحد أطباء الباطنة مثلا بأنهم يدخلون المريض في الدوامة .


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:48 PM   #14
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
الطب النفسي و علم النفس من إفرازات الحضارة الغربية ولا يمتان إلى الإسلام بصلة



الطب النفسي و علم النفس من إفرازات الحضارة الغربية ولا يمتان إلى الإسلام بصلة

لستُ أدري كيف ينطلق مثل هذا المفهوم و للأسف من نفر غير قليل من المثقفين في بلادنا و قصدت هنا لا وصفهم للطب النفسي و علم النفس بأنهما نشئا في الغرب و هذا غير صحيح إلا عند الغافلين أو المتحيزين ضد الحضارة الإسلامية من كتاب الغرب ؛ و لكن قصدت جهل مثقفينا هؤلاء بتراث أمتهم و عدم فهمهم لأشياء كثيرة فالإسلام لم يفصل بين النفس والجسم ولذلك أشار إلى أن النفس تمرض وتصاب بعلل كثيرة ومختلفة شأنها في ذلك شأن الأمراض التي تصيب الجسم ومن الآيات الدالة على ذلك "في قلوبهم مرض" إلا أن الكثيرين ما زالوا يرون في الطبيب النفسي تابعًا لفرويد يطبق نظرياته دون فكر أو نظر ، و يرون أن الطبيب النفسي لا يؤمن بالجوانب الروحية والدينية في العلاج ! وهؤلاء للأسف لا يعرفون تراث أمتهم أصلا و لأن فرويد رجل مشهور فهم قرؤوا عنه و لم يقرؤوا عن سواه فلو أنهم قرؤوا بفهم لواحد كابن سينا أو حتى قرؤوا عنه جيدا لعرفوا مثلا أنه قدم ما سبق به بافلوف الذي يعتبره العالم كله صاحب نظرية التعلم الشرطي و التي كانت حجر أساس المدرسة السلوكية في علم النفس نعم سبقه ابن سينا بعشرة قرون لكن مؤرخي الغرب يغفلون ذلك إما عن عدم فهم أو عن تحيز ! و لهم عذرهم و لكنني لا أجد عذرًا لمثقفينا نحن في الحقيقة ، عندما ينسبون علم النفس و بالتالي الطب النفسي للحضارة الغربية وكأنهم من فرط إحساسهم بالهزيمة الفكرية يكررون كلام الغرب دون فهم ولا تمييز.

و بغض النظر عن ذلك فإن تعامل الطبيب النفسي المسلم مع أفكار فرويد أو غيره إنما يكون في إطار منظومته الدينية و الاجتماعية فالطبيب النفسي المسلم هو فرد من أفراد مجتمعه يدين ما يدينون به ويعتقد ما يعتقدونه ، وما دراسته وممارسته للطب النفسي إلا محاولة منه في الانتفاع من هذا التخصص في خدمة مجتمعه واضِعًـا ذلك كله في إطارٍ من ضوابط دينـه .

ثم أنه إذا كان فرويد قد أخطأ في مسألة أو أكثر ، سواءً كان ذلك عمداً أو جهلاً منه ، فليس معنى ذلك أن نـُـخَطِئ كل ما قاله فرويد ، وأن نرفض كلامه جملة وتفصيلاً ، فهذه فلسفة العاجز الضعيف في التعامل مع المستجدات . بل يجب على المسلم الواثق من علمه ودينه أن ينتفع من كل ما حوله ، وأن يبحث ويدقق النظر في كل ما يعرض له ، ولعـلـهُ يجد فيه ما يفع به نفسه وأمته .

أننا حينما نقبل شيئاً من كلام فرويد - رغم كونه يهودياً - فليس معنى ذلك أننا نقبل دينه كما يظن بسطاء التفكير الذين لا يدركون روح الإسلام ويتعاملون بحذر وخوف مفرط لم يأمر به الدين مع أبسط مستجدات الحياة . كما أنه ليس من الصواب الاعتقاد بأن ما ورد في الكتاب والسنة يغني عن الاستفادة من خبرات الأمم السابقة التي لا تتعارض مع أصول الدين ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لقد هممت أن أنهي عن الغيلة ، ولكني نظرت فإذا فارس والروم يغيلون ولا يضر أولادهم" صدق رسول الله " صلى الله عليه وسلم" .


 

رد مع اقتباس
قديم 12-10-2005, 08:49 PM   #15
خالــــــــــــــــد
عضـو مُـبـدع


الصورة الرمزية خالــــــــــــــــد
خالــــــــــــــــد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1646
 تاريخ التسجيل :  05 2002
 أخر زيارة : 16-09-2014 (01:24 PM)
 المشاركات : 711 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
الطبيب النفسي غير مستقر نفسياً أصلاً فكيف نريد العلاج عنده ؟؟!



الطبيب النفسي غير مستقر نفسياً أصلاً فكيف نريد العلاج عنده ؟؟!


ولعل الكثير من القراء قد سمع المقولة التي توضح درجة تخوف معظم الناس من الأمراض النفسية باختلاف أنواعها وهي ( أن من يدرس علم النفس لابد وان يصبح معقدا).

إن هذه المقولة قد جعلت إحدى الأسر ترغم ابنتها وهي في السنة الثانية في كلية الآداب على تغيير تخصصها من علم نفس إلى أي تخصص آخر بسبب خوف الأسرة من أن تتعقد البنت نتيجة دراسة ذلك التخصص .

وأما في حالة الأطباء النفسيين فالأمر بالطبع أكثر تأثيراً لأن أحلام الغالبية العظمى من طلاب الطب لا يتوقع أن يحققها تخصصهم في الطب النفسي و لأنهم غير مستعدين بعد دراستهم الطويلة والمضنية أن يتخصصوا تخصصا يجعل الناس تنظر إليهم بارتياب ولا يعطى نتائج مجدية كغيره من التخصصات . و قد بـينت دراسة رائدة أجريت في أواخر القرن الماضي في جامعة الملك سعود بالرياض على طلبة السنة الرابعة بكلية الطب أن أهم أسباب عدم توجه طلبة الطب لتخصص الطب النفسي كانت اعتبار هذا التخصص وصمة اجتماعية غير مقبولة ، إضافة إلى تصورهم أن الطب النفسي غامضٌ و غير علمي ! كما بينت الدراسة تحسنا ملحوظا في توجهات الطلاب و الطالبات نحو الطب النفسي بعد عقد دورة تدريبية لهم تعرفوا فيها على الكثير من حقائق الطب النفسي.

و الحقيقة أن الاعتقاد بعدم استقرار الطبيب النفسي نفسيا في الأصل مفهوم غربي تلقفته المجتمعات الشرقية ، وذلك لأن العلاج النفسي في بداياته كان يعتمد على التحليل النفسي والنظر في مشاعر الفرد وخلجاته التي ربما لا يشعر بها وتقديم تحليل نفسي لها ، وهو ما جعل المعالج يبدو في نظر بعض الناس غريباً وذا قدرات خاصة ، مما جعلهم ينسجون حوله الخيالات والأساطير كما أنَّ بعض المحللين النفسيين في أوروبا ماتوا منتحرين بسبب إصابتهم بالاكتئاب و قد بدا ذلك غريبا بالطبع في أفهام الناس لأنهم يتوقعون في المحلل النفسي مناعةً من المرض الذي يعالجهُ و كان في ذلك أيضا ما تلقفته وسائل الإعلامِ الغربية و نفخت فيه ما شاءت من النفخِ ومجتمعنا بالطبع لا يعرف ما هو الفرق بين المحلل النفسي و الطبيب النفسي و كلهم عند الكثيرين سواء.

وَأمَّـا حقيقة الأمْرِ فإن الطبيب النفسي ما هو إلا إنسان عادي تماماً ، قد درس الطب البشري فأعجبه الطب النفسي فاختار التخصص فيه دون سواه .
ولا أنكر أبداً أن من الأطباء النفسيين من هو غير مستقر نفسياً ، لكنهم ندرة ولله الحمد ، مثلهم في ذلك مثل أي أطباء في أي تخصص آخر أو أي مجموعة أخرى من الناس . ولقد أجريت بعض الدراسات العلمية حول هذا الأمر فلم يوجد فرق إحصائي واضح يثبت أن أطباء النفس أكثر اضطراباً نفسياً من غيرهم .

ويبدو أن تركيز الناس في نقدهم على الأطباء النفسيين دون غيرهم من الأطباء له دور كبير في ذلك ، إضافة إلى أنه ربما كان هناك بعض الأطباء النفسيين - وهم ندرة حسب رأي - اختاروا الطب النفسي لما يعانونه من بعض المشاعر التي يبحثون لها عن علاج ، والتي قد تبدو على تصرفاتهم بعض الشيء ، فيلاحظها الناس ثم يفسرونها طولاً وعرضاً ، ولو كانت عند غيرهم من الأطباء لما لاحظوها .

وفي المقابل فليست هناك إحصائيات موثوق بها تثبت أن الأطباء النفسيين أكثر استقراراً نفسياً من غيرهم ، ولكنهم - بلا شك - أكثر إدراكاً للنفس البشرية ويستطيعون أن يتعاملوا معها بطريقة أفـضل من غيرهم .

ويعتقد بعض الناس بأنه قد تتأثر مع الزمن نفسية الطبيب النفسي فتصيبه بعض العلل النفسية !! وفي الحقـيــقــة أن هذا اعتقاد لا أصل له ، وإنما هو مجموعة من الأوهام نشأت بسبب النظرة الاجتماعية المتوجسة من الطب النفسي .

وَ كثيرًا ما يسألُ أصدقاءُ و أقرِباءُ الطبيب النفسي بعْدَ دُعائهمْ له بأن يعينهُ الله على تخصصه هذا ، أليسَ صحيحًا أن الطبيب النفسي يعاني نفسيا بعد فترة من عمله بسبب ما يسمعهُ من المَرْضَى وَ لست أرى ردًّا أبلغ من الرد التالي :
إذا كان طبيب النساء والولادة ينتابه الحيض والنفاس بعد من فترة ممارسة تخصصه ، وكان طبيب الأطفال كلما زادت خبرته صغر حجمه حتى يعود في بطن أمه ، فإن الطبيب النفسي- ولاشك يعتريه ما تشاء من الأمراض النفسية !!.


 

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:17 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2020 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.
المواضيع المكتوبة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع رسميا