المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة.

 


 
العودة   نفساني > ملتقيات التجارب الشخصية والأبحاث > ملتقى المقالات النفسية والأبحاث
 

ملتقى المقالات النفسية والأبحاث المقالات وخلاصة الكتب النفسية والإجتماعية

التألم والمؤلم واﻷلم - مقال جديد لسمير ساهر

التألم والألم والمؤلم المؤلم: هو حالٌ يخرج أو ممكن أنْ يخرج، أو خرج عن الحالِ الذي يريده المريد، أكان الحال في نفسه (المريد) أو في غيره، وهو محل

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 17-06-2020, 11:00 AM   #1
سمير ساهران
عضو جديد


الصورة الرمزية سمير ساهران
سمير ساهران غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 60990
 تاريخ التسجيل :  05 2020
 أخر زيارة : 29-06-2020 (05:13 PM)
 المشاركات : 6 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue
التألم والمؤلم واﻷلم - مقال جديد لسمير ساهر



التألم والألم والمؤلم


المؤلم: هو حالٌ يخرج أو ممكن أنْ يخرج، أو خرج عن الحالِ الذي يريده المريد، أكان الحال في نفسه (المريد) أو في غيره، وهو محل يخرج، أو ممكن أنْ يخرج، أو خرج عن الحالِ الذي يريده المريد، أو يخرج، أو ممكن أنْ يخرج، أو خرج عن الاستقرار، أكان المحل في نفسه (المريد) أو في غيره، والحال أو المحل يستدعي المجيب ليستجيب، فإنْ استجاب لمحل الاستدعاء – وهو الحال أو المحل -؛ يحصل التألم، ويلزم بالضرورة حصول اﻷلم بحصول التألم، وبهذا فلا ألم بلا تألم، حيث إذا افترضنا موضعا خرج عن حالة الاستقرار، ولكن حامل هذا الموضع لم تحصل استجابه فيه للمُسْتَدْعِي، فلا يكون هناك تألم، فالتألم يتوقف على استجابة المجيب في الجسم، فإنْ لم يؤدِ المجيب استجابة، فلن يحصل التألم، وما إطلاق الاسم مؤلم عليه وهو لم يؤدِ استجابة؛ إلا من باب العادة، فالعادة اقتضت أنْ إذا حصل خروج مَوْضِع في الجسم عن الاستقرار؛ أنْ يحصل التألم ولا بد، فهذا "اقتضاء عادة" لا أكثر، فإذا تنبهنا لهذا جيدا؛ علمنا أنْ الموضع الخارج عن الاستقرار وهو "غير مستجاب الاستدعاءات – هنا -" ليس مؤلما، لأنه لا مؤلم بلا ألم، فكيف يحصل الألم والتألم لم يحصل؟!.
قد يقول قائل: أنت تنتصر لسببية الأشاعرة هنا.

أقول: لا، وألف لا، فأنا لما بدأت الكتابة في الموضوع لم يكن يدر بفكري أنني سأتطرق لموضوع السببية والعلية، فكل ما في الأمر أنني كنت أريد أنْ أفرق بين "الحالات الخارجة عن الاستقرار في الجسم - واستدعاءاتها المجيب لتحصل استجابات -"، وبين الاستجابات نفسها، وما دعاني لهذا التفريق هو نقض مفاهيم مركزية في علم النفس المرضي – وأي موضوع تأثر به في المفاهيم التي سأوجه إليها النقد والنقض -.
الأحوال الخارجة عن الاستقرار غير القابلة لأن ترصد بالآلة الحالية، مع حصول استجابة، جعلوها (أهل علم النفس المرضي) أحوالا وهمية، أي أنَّ الفكر هو الذي يعتقدها واقعية، فالفكر ليس انعكاسا عن حالة واقعية خارج الفكر، بل هو انعكاس عن حالة واقعية (الوهم) داخل الفكر حيث يعكسها (الفكر) على الخارج، وبما أنَّ "الانعكاس مقلوب" حسب رأيهم، فإنَّ صاحب هذه الأحوال واهما، وأنَّه ليس لأفكاره ما تحيل إليه في الخارج، ولما كان صاحب هذه الأفكار (المتوهم) متمسك بأفكاره – الوهمية -، فإنَّه هو الذي يتسبب بالأحوال المرضية في نفسه، وهي ليست الأحوال التي يتكلم عنها المريض، التي هي غير قابلة لأن ترصد بالآلات الحالية، بل هي أحوال أخرى، وما الأحوال الأخرى إلا الأحوال القابلة لأن ترصد، والأحوال الأخرى القابلة لأن ترصد؛ ليست إلا نتاج "الانعكاس المقلوب"، أي أنها نتاج أوهام.
ولكن المريض لا يسعه إلا أنْ يرى أنَّ "الانعكاس المقلوب" ليس إلا انعكاسهم، فالأفكار التي يتمسكون بها عن المريض هي نفسها منذ مدة طويلة، فلم تتغير في أساسها – ولا أقصد التغيير ﻷجل التغيير، فالتغيير ليس هدفا في ذاته -، فالقدماء كانوا يسمون المرضى هؤلاء بالمجانين، وقد كانوا يتسببون بجنون بعضهم من خلال سلوكهم الفظ معهم، والسخرية منهم، إما حاليا، فصار التمييز أكثر، مع بعض القشور التي تجعل غير المتعمق وغير الشكاك ينبهر بما يقولون، فيسلم بما يقولون، ولم يدرِ أنَّ الأسس التي ينطلقون منها خاوية على عروشها، وذات يوم سينتمي كلامهم إلى التاريخ لا أكثر، وستسجل في كتب التاريخ العلمية في فصل اﻷفكار الخاطئة، فإذا شككت في هذا فانظر إلى تعدد نظرياتهم بشأن المرض، فهذا التعدد يجب على اﻷقل أنْ يثير فيك الشك، واﻷقرب من أهل علم النفس المرضي إلينا، هم الشكاكون، فنوجه لهم "تحية مد الجسور" بيننا وبينهم، فأنا أطلب منهم أنْ يشكوا في ما أكتب، من خلال القراءة الواعية، لا المتعجلة، وبعد ذلك هم أحرار، فأنا أعرف مدى ثقل الخروج عن المتداول، فما بال بالخروج عليه (المتداول)، خاصة إنْ كان المتداول واسطة بينهم ورزقهم.


اقتضاء العادة بأنَّ الخروج عن الاستقرار يوجب الألم، دخل (اقتضاء العادة) حيز اللغة، حيث صار المؤلم هو الموضع الذي يعاني من حالة غير مستقرة، حتى وإنْ لم يحصل التألم، والألم، وإلا فلماذا يُسَمَّى مؤلما وهو قد يحترق مثلا، ولا يستجيب حامل الموضع المحروق مثلا؟!.
القدماء الذين وضعوا اللغة لو وجهنا إليهم هذا السؤال، فربما يتحيروا، وربما يقولوا، هو مؤلم ولكن الله – أو الآلهة إنْ كانوا يؤمنون بآلهة -، أو قوة طبيعية قد يجعلونها الله نفسه، هو الذي جعل الشخص لا يتألم لأنه ينتقم منه، فلم يجعله يحذر ويتقي الخطر، فكون هذا قد حصل فيه، دليل على أنه قام بفعل سيئ، فانتقم الله منه، أو ربما سيكون جوابهم قريب من هذا.

قد يقال: كلامك هذا غير صحيح، فالموضع لا يسمى مؤلما ما دام الشخص لا يتألم، وبذلك فالموضع حتى إنْ انحرق ولم يتألم الذي فيه الحرق، فلا نسميه مؤلما.

أقول: ماذا يسمى إذن؟

قد يقال: نسميه محروق إنْ انحرق، ومبتور إنْ ابتر، ومُدَوِّد إنْ دُوِّد، وهكذا دواليك، فنترك كلمة مؤلم في هذه المواضع، وإنْ استعملناها فلا نحملها المفاهيم نفسها التي نحملها إياها في المواضع الملائمة، فتكون لدينا مشترك لفظي، أي تكون لدينا متعددة المعاني.

أقول: هذا يسعدني، فأنا أيضا أستعمل طريقتكم هذه، قبل أنْ أعرف أنها طريقتكم، ومع ذلك فالفضل لكم.

وبهذا يكون قد اتضح لك أنْ لا علاقة لكلامي بسببية الأشاعرة، فالأمر كله متعلق بحصول خلل يؤدي إلى عدم الإحساس بما "يجب أنْ يؤلم"، وليس فقط بما "يؤلم في العادة" من خلال اقتران المقدمة بالنتيجة، فلعملية ليست مجرد عملية اقترانية، فهذا الاقتران لدينا هو "اقتران وجوبي"، فهذه العادة "عادة وجوبية" بشرط صحة الظروف، ثم إنَّ الأشاعرة في الأصل نادوا بهذه السببية لإتاحة مجال لحدوث معجزات الأنبياء، ولمن يريد أنْ يؤمن بهذه المعجزات فيمكنه ذلك مع القول بأنَّ العلة توجب المعلول، وليس هدفنا التوسع في ذكر الكلام عن هذا الموضوع.



المؤلم إنْ كان في الجسد، الجرح - مثلا - أو أي مرض آخر، فهو موضع في الجسم يكون قد استدعى "المجيب الجبري" في الجسم، و"المجيب الجبري" يحقق "استجابة جبرية"، فيحصل التألم، وتكون نتيجة الجرح والتألم هو الألم، فلا ألم بلا تألم، فإذا حصل اﻷلم؛ يسمى الجرح مؤلما، وقس على هذا.


التألم ينقسم إلى نوعين:
الأول: ينقسم إلى قسمين:
أ) هو استجابة "العقل الجبري" لموضع خرج، أو يخرج، أو سيخرج، أو ممكن أنْ يخرج، عن الاستقرار، الجرح مثالا.
ب) هو استجابة "العقل الجبري" لحال خرج، أو يخرج، أو سيخرج، أو ممكن أنْ يخرج عما يريده المريد.
لكن بشأن الذي يريده المريد هو في البداية يتعلق بـ"العقل الجبري"، ولكن بعد عدة تجارب يتعلق باﻹرادة الحرة، أو قل أنَّ تعلقه باﻹرادة الحرة يصير ممكنا، فكلما ارتفع الوعي ترتفع نسبة اﻹمكان، فكلما زاد وعي اﻹنسان ازدادت مساحة ما تتعلق به اﻹرادة الحرة في بعض النواحي، وأقول في بعض النواحي، ﻷنَّ ليس كل شيء ممكن توجيهه باﻹرادة الحرة، فمثلا إذ يصاب اﻹنسان بضيق، واستحكم الضيق بحيث لا يمكن أنْ يخرج والحالة هذه، فإخراجه لا يمكن للإرادة الحرة أنْ توجهه نحو الخروج، وهو لدينا غير ممكن ، فهذا حكمه حكم الجرح، من حيث أنَّه لا يمكن للمجروح أنْ يبرئ جرحه بمجرد إرادته الحرة، أي بلا أدوية، ولكن ممكن للإرادة الحرة أنْ توجهه نحو الشدة؛ ليكون الضيق شديدا، وممكن أنْ توجهه نحو الانخفاض؛ ليكون الضيق قليلا، أو أقل عما كان عليه، والنتيجة ليس بالضرورة أنْ تحصل دفعة واحدة، ولكن في بعض الحالات ممكن أنْ تحصل دفعة واحدة، فالحالة التي يحصل الانخفاض فيها دفعة واحدة، أو قل في وقت قصير، يكون الضيق قد حصل بسرعه، فهذا ممكن للإرادة الحرة أنْ تتعلق لكي توجهه نحو الانخفاض بسرعة،
بهذا فتعلق اﻹرادة الحرة في الضيق – مثلا – ممكن أنْ يكون تعلقا لتحصيل "التوجيه الانخفاضي"، وممكن أنْ يكون تعلقا لتحصيل "التوجيه الاشتدادي"، أما أنْ يكون تعلقا لتحصيل "التوجيه اﻹخراجي" فليس ذلك من وظيفة الإرادة الحرة.
في البداية إذ يرى المريض إمكانية التوجيه الانخفاضي فيعتقد أنَّ خروجه ممكنا، فلأنه لا خبرة له في هذا المجال لا يفرق بين "التوجيه الانخفاضي" و"التوجيه اﻹخراجي"، فهو يعتقد أنْ حصول انخفاض شدة العرض، دليل على صحة "التوجيه الإخراجي"، ولكن مع حصول تجربة له بشأن هذا الموضوع؛ يبدأ يفرق بينهما، مع نسبة من الغموض في فهم التجربة تتفاوت من مريض إلى آخر، وهذا يتيح إمكانية أنْ يزيف أهل علم النفس المرضي وعي هذه الفئة، فيوحون إليهم إمكانية إخراج الضيق تماما في كل الحالات وبلا استثناء، ولا أدري من أين جاءهم هذا اليقين بـ"إمكانية اﻹخراج" بشأن كل المرضى بلا استثناء؟!، فبئس ما أوحوا لهم.
ولكن تأكد أنْ بعضهم يعرف أنَّ جزءا لا بأس به من المرض ومن ضمنه الضيق، لا يمكن علاجه، ومع ذلك يقولون لكل المرضى بإمكانية إزالة المرض كله، وهم بهذا يحبطون الفئة التي لا يمكن إزالة المرض منها، فيبدؤون بالاعتقاد أنهم فاشلون في إزالة المرض من أجسادهم عبر التوجيه الفكري الذي ربما يكون مقترن بتعاطي العقاقير، وهذا قد يرفع من منسوب اللجوء للأفكار الانتحارية، إلى أنْ يصل بعضا منهم إلى مرحلة الانتحار فينتحروا، والانتحار وإنْ لم يكن جيدا، إلا أنه يوقف الوعى جمله، وبالضرورة من ضمنه الوعي بالمعاناة، فيرتاح الذي كان مريضا من المعاناة – بالانتحار -، ولكن يبقى الانتحار شيئا سيئا، ويبقى تزييف وعي المريض من العوامل التي توجه المريض نحو الانتحار، حتى إذا افترضنا أنَّ أهدافهم حسنة، التي ليس من ضمنها إلجاء المريض إلى الانتحار، فأننا لا نتكلم عن أهداف الهادف، بل عن الإحباط الذي تجلبه اﻷفكار التي يمتحنها المريض واقعيا، فيجدها زائفة، أو قد يرى أنه فاشل فيما أمكن لغيره من المرضى أنْ ينجحوا فيه.

المريض إذ يعلق إرادته بتوجيه عرض ما، فإنَّ تعلق إرادته في البداية يكون تعلقا قويا، حيث يكون في البداية "تعلقا تصاعديا"، وذلك لاعتقاد المريض بـ"إمكانية التوجيه الإخراجي"، فهذا إنْ نحج بشأن بعضهم، فلا ينجح بشأن الكل، فبعضهم ممكن أنْ يُشفى من خلال "تعلقا تصاعديا" واحدا، ولكن البعض منهم لا ينج من خلال "تعلق تصاعدي" واحد، حيث يصاب بيأس من "التعلق التصاعدي"، ليكون التعلق "تعلقا ثابتا"، وقد لا يصمد حتى في أنْ يجعل التعلق "تعلقا ثابتا"، فيصير التعلق "تعلقا انخفاضيا"، إلى أنْ يصل إلى "التعلق الحضيضي"، وليس دون هذا التعلق تعلقا، فهذا إما أنْ يستسلم، وإما أنْ يستعمل "التعلق التصاعدي"، وقد لا يصمد، فعند حد ما، قد يجعل التعلق "تعلقا ثابتا" وقد يكون التعلق الثابت مقصودا، حيث في هذا التعلق يأخذ قسطا من الراحة، ثم يستأنف "التعلق التصاعدي"، إلى أنْ يتمكن من إخراج المرض، فهذا الذي يتمكن من إخراج المرض، مرضه لم يستحكم فيه، فالذي استحكم المرض فيه ما لم ينتحر، يبقى يمارس التعلقات كلها إلى أنْ يأتي أجله، فهو قد يتوهم أنَّ "إمكانية اﻹخراج" حاصلة، فيبقى يمارس التعلقات بمختلف أنواعها، فهذا إنْ قبل بـ"التوجيه الانخفاضي" فهو أحسن له، وإلا فربما يكون وهمه بإمكانية اﻹخراج "محرزة انتحار".


الثاني: هو استجابة "اﻹرادة" للمستدعِي (الموضع الذي خرج عن الاستقرار).
بما أنَّ الفعل النابع من الإرادة هو فعل حرة، فكما أنَّه من الممكن أنْ تحصل استجابة بشأن المستدعِي، فممكن أنْ لا تحصل استجابة بشأنه والصحة متحققة، فالاستجابة من "العقل الجبري" تكون "استجابة مباشرة" بشرط الصحة، ففي "الاستجابة المباشرة" يكاد الزمن أنْ ينعدم بين حصول الموضع الخارج عن الاستقرار وحصول التألم، حيث يتوجه الفكر بسرعة نحو المستدعِي، ففي "التألم الجبري" يكاد الزمن أنْ ينعدم فيه.
أما "الاستجابة اﻹرادية"، فهي لا تحصل في زمن يماثل الزمن الذي يحصل عند "الاستجابة الجبرية" بشرط الصحة، بل تحصل في زمن أطول، فعملية التفكير تجعل المدة أطول، ولكن هناك عدة أنواع من الاستجابات، فهناك استجابات سريعة تكاد تماثل الاستجابة الجبرية في سرعتها، وهناك استجابات تتفاوت في السرعة.
في "التألم الأول1" يستجيب الفكر استجابة لا خيار فيها، و"التألم الأول" هو "تألم ذهولي"، وهو "ذهول جبري" حيث يذهل الفكر عما كان منشغل به، ليتوجه نحو المستدعِي (الموضع الخارج عن الاستقرار)، وكلما ارتفع عدد التألمات تقل نسبة الذهول، ولكن الذهول يتوقف على نسبة الاضطراب الحاصلة في موضع المستدعِي، فكلما كانت نسبة الاضطراب أعلى، كان الذهول أكثر، فالذهول يدور مع نسبة الاضطراب ارتفاعا وانخفاضا، وبهذا فالذهول ممكن أنْ يكون "ذهولا طويلا"، وممكن أنْ يكون "ذهولا قصيرا"، وأقل "الذهول القصير" هو "الذهول الخطفي".
بعد مدة من حصول التألم، يبدأ المتألم يتعود على حصول الألم فيه، ولذلك تنخفض مدة تعلق الفكر بالموضع الحاصل الاضطراب فيه، وأيضا تنخفض عدد مرات توجه الفكر إليه، فيحصل "تقطع توجه الفكر نحو المستدعِي (قوفلة)".

"الاستجابة الجبرية"، تستدعِي "الاستجابة الاختيارية" استدعاء جبريا، لتعمل معها، وفي البداية تكون "الاستجابة الاختيارية" كبيرة، ثم تنقص، والنقص يكثر إذا حصل الملل من كثرة استدعاءات المستدعِي، والغالب أنَّ الملل يحصل، فتصير "الاستجابات متقطعة"، كما أنها تصير "استجابات قصيرة".

يأتي على المريض وقت يصاب بـ"الملل من التألم (مَنْألة)"، و"الملل من التألم" سببه "الملل من المستدعِي (مَنْدَلَة)"، والممل لا يحصل إلا بعد استدعاءات كثيرة من المستدعي نفسه، أو من مستدعٍ سبقه، وبهذا فقد تُرفض "استجابة إرادية" للمستدعِي "س" بسبب الملل من كثرة الاستجابات للمستدعِي "ص"، وهذا يعني إنْ حصلت استجابات لمستدعٍ حاصل، وحصل منه ملل، فهذا يرفع احتمالية رفض "استدعاءات مستقبلية"، من الموضع نفسه، أو من موضع آخر.

"الملل من التألم" يختلف عن "الملل من الألم"، فالملل من التألم هو الملل من الاستجابة للمستدعِي، في حين الملل من الألم هو ملل من الألم نفسه، والألم نفسه من الواضح أنَّه يلحق الاستجابة لموضع الاستدعاء، وأقصد هنا الاستجابة الحرة، وليست الاستجابة الإكراهية، فالاستجابة الجبرية تحصل في الجسم رغم أنف الحاصل فيه الاضطراب – جرح، ضيق إلخ -، ولكن هناك استجابتان جبريتان: "استجابة جبرية ثابتة (جَبْثَلَة)"، و"استجابة جبرية متغيرة"، فـ"الاستجابة الجبرية المتغيرة (جَبْغَلَة)" كانت "استجابة إرادية"، فالتي كانت "استجابة إرادية"، يجب الانتباه إليها جيدا، لتخرج من اللاانتباه إلى الانتباه، لكي يتخفف الألم، فلا تبقى إلا "الاستجابة الجبرية الثابتة"، وهي التي لا يتعلق بها اختيار، والتغيير لا يطال إلا ما يتعلق بها اختيار.


مثال على المستدعِي السببي الخارجي:
نعلم حرص الصديق على صديقه، فالصديق إذ يرى صديقه مصاب بجرح، أو يائس، فإنَّه يتألم له، فجزء من ألم الجرح يكون جبريا، وجزء آخر يكون اختياريا في المجروح، ولكن الصديق إذ يتألم لمصاب صديقه فلا يكون فيه ألم جبري ﻷنَّه ليس في جسمه مستدعٍ، ﻷنَّه ليس فيه جرح، فالجرح في غيره، ولكن الصديق جُبِل على سلامة ما يملك، وما يحب، فإذا أصيب ما يملك أو ما يحب بسوء؛ فإنَّه يتألم.

أحيانا الشخص يتألم لشخص لا تربطه به صلة، بحيث إذا رآه مجروحا فإنه يتألم له، حتى لكأن الجرح به هو من شدة ألمه، وليس كل الناس لديهم قابلية التأثُّر هذه، فهذا ذو حِسِّنٍ سليم، وحسن مرهف، وأكثرهم سلامة هو من يزيل كل المَمْيَزَات بينه وبين اﻵخر، بحيث لا يبقى إلا مميز واحد، وهو شعور الشخص بأنه ليس هو اﻵخر، فهذا المميز لا يمكن القضاء عليه، فهو مميز جبري، لا اختياري.
ولكن هناك فئة مع أنَّها أزالت كل المميزات الاختيارية، إلا أنها لا تتأثر بألم اﻵخرين، ومع ذلك فإنها تساعدهم ما أمكن، وتتفانى في مساعدتهم، ولكن ممكن أنْ يحصل فيهم نوع ألم، وهو الناتج عن التألم الجبري وهو الذي لا خيار لها فيه، مع أنَّ الخارج عن الاستقرار ليس في أحد أفرادها، بل في غيرها.
وأفراد الفئة التي لا تتأثر بتألم اﻵخرين، كل منهم يساعد اﻵخر، فالمساعدة لدى كل فرد منها ليست نابعة من تألم انعكس من أحد أفرادها أو أكثر، ولكن لا بد سبب يجعل هذه المساعدة معقولة بالنسبة للمساعد، وأقول أنَّ السبب هو التجربة الذاتية، فلولا التجربة الذاتية لما كان للمساعدة معنى في نفس المساعد، اللهم إلا إنْ كان المساعد على دين ما، ويأمره هذا الدين بأنْ يساعد، ويرى أنَّ اﻷمر الذي في الدين يجب ألا يُعَلَّل، أي أنَّ اﻵمر ممكن أنْ يأمر بالشيء وضده على التوالي لا في وقت واحد، وعدم التعليل يفضي إلى أنَّ اﻵمر ممكن أنْ يأمر في الوقت "س" بشيء، ثم يأمر في الوقت "ص" بشيء يقابله مقابلة ضد، أو مقابلة نقيض.

هذه الفئة تذكرنا بالبدو، والبدوي خشن، فمثلا إذ يموت شخص منهم، فالنساء يبكين، أما الرجال فلا، فإذا بكى رجلا، فيتعرض للسخرية، وأنَّه يمارس عادة النساء، فلا يمسك نفسه، ولذلك فهذا إنْ كان في موضع مركزي، فمركزه مهدد بالزوال، ليكون لغيره، ما لم يتدارك اﻷمر ويفرض قوته على من يحاول الاقتراب من مركزه، وقد يتعلم من هذه التجربة لكيلا يبكي مرة أخرى في مثل هذا الحال، فلا يبكي، وهذا يزيد من تألمه، وقد يؤدي كتم البكاء إلى التخلص من الذين يهددون مركزه.



مثال على المستدعِي السببي الخارجي (الدَّسْخَلَة):
نعلم أنَّ الناس يحسدون بعضهم بعضا، حيث الحاسد يتمنى زوال النعمة عن المحسود، فإذا رأى الحاسد شخصا انقلب حاله من فقر إلى غنى، وعلم ذو النفس الحاسدة أنَّ حال الآخر آل إلى غنى، فإنَّه يتوتر بسرعة، ومن علامات التوتر، اتساع حدقة كل عين، فحال اﻵخر المنقلب عما يريده المريد، "مستدعٍ خارجي"، وهو مستدع سببي لا عِلِّي، ﻷنَّ الشخص ممكن أنْ يتوتر بشأن حال اﻵخر وممكن ألا يتوتر، بل كان من الممكن أنْ يستدعِي حاله الجديد الاستبشار، فهذا الحال في المحب "داعي استبشار"، فالمحب يستبشر بالحال الجيد لمحبوبه.
إذا علم الحاسد أنَّه يتوتر لعلمه أنَّ حال المحسود تغير، وأنَّهم يعلمون أنَّه يتمنى زوال نعمته من خلال حاله؛ فإنَّه ممكن أنْ يحاول إخفاء توتره عند حاله أخرى، إنْ رأى أنَّ إخفاء التوتر يقتضيه الحال، ولكن أحيانا ممكن معرفة ما إذا كان متوترا أو لا، من خلال تنفس الصعداء، وقد يسرح بفكره عنهم، فهذه من علامات توتره، فإذ تحاول إخفاء "حالة التوتر المباشرة (الحَوْبَلَة)"؛ فلا يمكن إلا أنْ تظهر على شكل "حالة التوتر التفافية (الحَوْلَلَة)"، وعملية تحويل حالة التوتر المباشرة إلى ملتفة يبدأ من الذهن، وهو سلوك حر، ولكن هذا السلوك الحر إنْ حصل؛ فإنَّه يؤدي إلى حالة لا حرية له في عدم إظهارها تماما، وهي ظهورها (حالة التوتر) بطريقة أخرى، فلا حرية في أنْ لا تحصل حالة التوتر الالتفافية، ﻷنَّ هذه الحالة متوقفة على حالة توتر حاصلة، ولكن ممكن لحريته أنْ تتعلق في أنْ لا تكون حادة، أما أنْ تتعلق حريته في عدم إظهارها تماما؛ فهذا محال، اللهم إلا إذا كانت حالة التوتر المباشرة ليست ذات معالم ظاهرة، فهذه الحالة لا تحتاج لتحويل أصلا، وتحويلها إلى التفافية ممكن أنْ يجعلها ظاهرة، فعملية "التحويل" بحد ذاتها، هي عملية توترية، وهذا "التوتر التحويلي" ممكن أنْ يؤدي لإظهار معالم "التوتر الحسدي"، ولكن ممكن أنْ يرى البعض أنَّ ظهور توتر على متوتر يدل على أنَّه حاسد، ولكن في حقيقة اﻷمر هذا احتمال فقط، وليس أمرا يقينيا، فالتوتر ممكن أنْ يظهر ﻷنَّ الذي توتر يريد أنْ يكون حاله جيد ويستغني، دون أنْ يتمنى زوال النعمة عن أحد، أو على فلان بعينه، ولهذا فممكن أنْ يحصل التباس بين هذه اﻷحوال.


مثال على المستدعِي السببي الداخلي (دَسْدَلَة):
هذا المستدعي ممكن أنْ يكون شكل الشخص نفسه، فممكن ألا يرضى الشخص عن شكله، وعدم الرضى ممكن أنْ يكون بمجرد مقارنة شكله بشكل غيره، وممكن أنْ يكون بتأثير خارجي مباشر، كأن يسمع شخص يصفه بأنَّه قبيح، لتشوه فيه مثلا، والتقبيح كما يتعلق بالخِلْقة فيتعلق بالخُلُق.

ممكن للفكر أنْ لا يستجيب للمستدعي السببي الداخلي، كيف لا وهو مستدع سببي لا عِلِّي، ولكن المستدعي السببي ممكن أنْ يُفْضِي إلى مستدع عِلِّي، ثم يأتي وقت يصير فيه المستدعي السببي هذا شيئا لا قيمة له في التأثير، حتى أنَّه ممكن معاملته معاملة المعدوم، وأهل علم النفس المرضي لا يقبلون بهذا، ﻷنَّه ينسف أساس علمهم، وأساس علمهم هو، أنَّ المريض يتوهم، وأوهامه هي سبب ما يظهر عليه من أعراض، ونحن نثبت هذا ولكن انطلاقا من صحة كلامنا وليس من عدم صحته، فالإنسان ممكن أنْ يحصل فيه هذا المرض من خلال تأثره بفكر فلان عنه، أو بفكره عن نفسه، وتأثُّره بفكره عن نفسه ممكن أنْ يكون نابع من فكر فلان عنه، وفكر فلان ممكن أنْ يكون تابعا لمنظومة فكرية للمجتمع الذي ينتمي إليه.
فإذا تأثر بفكر فلان عنه، بحيث توتر توترا حادا وكثيرا، حتى دخل المرض، واستحكم فيه (المرض)، فهنا لم يَعْد لفكر فلان الذي تأثر به أي أهميه، إنْ أسقطه من تفكيره، فإنْ لم يسقطه فيبقى فكر فلان يعزز المرض، بحيث يزيد من شدة آثار التوتر في الجسم، فليس لفكر فلان في حالة انشغال المريض به، أكثر من تعزيز المرض.

هل مجرد العلم بفكر فلان الذي سبب المرض المستحكم، ممكن أنْ يكون سببا في إزالته، أم لا بد من حكم زائد على العلم به، بحيث يُعْمَل على إيقاف تأثير الفكر، بحيث لا يؤدي لأعراض؟
لا مجرد العلم به، ولا الحكم الزائد عليه يؤدي إلى إزالة المرض المستحكم، فمن المحال إزالته ما دامت اﻵلات الحالية لا تكشفه، ولكن كان من الممكن قبل أنْ يستحكم المرض التعامل مع فكر فلان، بحيث يؤدي إلى تقليل إثارة التوتر، ومن ثم ألا يثير التوتر، أمَا وقد استحكم المرض، فإزالته (المرض) طمع في محال.
العجيب في هذا المرض، هو أنَّه بعد انفصاله عن السبب الذي جعله يستحكم في الجسم، - العجيب - هو أنَّه ممكن أنْ يتعلق بفكر فلان آخر، أو بفكره عن نفسه، بحيث ممكن أنْ يحصل "تعاقب تعلق اﻷفكار (عَلْفَلَة)" فيه (المريض)، حيث أذا تعلقت فكرة فيه في الوقت "س"، فممكن أنْ تتعلق فكرة مختلفة في الوقت "ص"، بحيث ممكن كل مدة أنْ تتعلق فكرة جديدة، حتى أنَّ الباحث عن أصل المرض إنْ كان أصله (المرض) من الفكر وليس من شيء آخر، يصاب بحيرة شديدة عن اﻷصل، فممكن لكثير منها أنْ تظهر على أنَّها "المتعلقة اﻷصلية"، وليست "المتعلقة الثانوية"، ثم لا فائدة في معرفة "المتعلقة اﻷصلية" بشأن الذي استحكم المرض فيه، إلا في ألا تثير التوتر، وفي أهميتها الإحصائية.
ثم ممكن أنْ تكون "المتعلقة الثانوية" في فلان، هي "متعلقة أصلية" في فلان آخر، وهذا من عوامل عُسُورة معرفة "المتعلقة اﻷصلية".
وقد يظن البعض أنْ معالجة المريض الذي سبب مرضه قد بدأ من شيء ليس فكريا - كأنْ يكون بسبب رعب من صوت عال - يسيرة، فليس هناك "فكرة ممرضية دائمة (فَمْدَلَة)"، ولا "فكرة ممرضية متقطعة (فَمْقَلَة)" لتبحث عنها لتوقفها، ليحصل"إيقاف الفَمْدَلَة"، أو "إيقاف الفَمْقَلَة".
وبهذا فهذا المرض ممكن أنْ لا يكون ناتجا عن فكر فلان عنه، ولا عن فكره عن نفسه، بل ممكن أنْ يكون ناتجا عن رعب أصيب به، فمثلا "اﻷصوات العالية الباغتة" ممكن أنْ تؤدي لحصول هذا المرض، خاصة أوقات الحروب، فأعداد المرضى بهذا المرض ترتفع في الحروب، فإذا حصل مرض في شخص بسبب حرب، فـ"المتعلقة اﻷصلية" هي الصوت العالي الباغت، أو غير الباغت، فهذه "المتعلقة اﻷصلية" إنْ أمكن إزالتها من كونها مثيرة توتر، فممكن أنْ تحصل متعلقة أخرى لتثير التوتر، بحيث تزيد آثار التوتر.
إنْ هذه النقطة تعتبر من اﻷدلة على قوة بحثنا، وعلى ضعف بحث علم النفس المرضي ومن دار في فلكه، وأوجه قوة بحثنا كثيرة لمن نظر فيه.

الفكر عند اللحظة اﻷولى من التألم يتعلق بحال داخلي، أي داخل صاحب الحال، فلا يكون الفكر متشتتا على اﻷغلب، ولكن بعد اللحظة اﻷولى من "تَعَلُّق الفكر داخليا (عَفْدَلَة)"، فإنَّ الفكر تارة يتعلق خارجيا حيث يبدأ التشتت، وتارة داخليا، أي يحصل "التَعَلُّق التعاقبي الفكري خارجيا وداخليا (عَفْخَلة)"، وقد قدمت "التعلق الفكري الخارجي" على "التعلق الفكري الداخلي" بشأن "التَعَلُّق التعاقبي الفكري خارجيا وداخليا"، ﻷنَّ "التَعَلُّق التعاقبي الفكري خارجيا وداخليا" يحصل بعد حصول "تَعَلُّق الفكر داخليا (عَفْدَلَة)"، ولذلك فمن المعقول أنْ يتقدم الخارجي على الداخلي، بعد أنْ كان الفكر متعلقا داخليا، أكان التعلق الداخلي قد تكرر تكرارا متواليا أم لا، فممكن أنْ يحصل "توالي تعلق الفكر داخليا – وقد نطلق على هذا سرحان داخلي -"، ثم يـ"تعلق الفكر خارجيا"، ثم يـ"تعلق الفكر خارجيا"، وهكذا دواليك.
وهذا يكون واضح جدا لدى المصابين بآثار التوتر الحاد، ولدى المرضى بآثار التوتر، فمثلا إذ يحصل ضيق بغتة، فإنَّ الفكر على اﻷغلب يذهل عن أي شيء خارجي، وبعد لحظات، يبدأ الشخص "يُعَفْخِل – من عفخلة -"، أقصد أنَّ فكره تارة يتعلق بشيء خارجي وتارة بشيء داخلي، ولكن هناك حال صعب يمر على المريض، حيث لا يحب فيه أنْ يتكلم مع أحد، حيث يعتريه ضيق، فهو (المريض) إذ يصاب بهذا الحال، فإنَّ تفكيره يتعلق داخليا، وتحديدا بحاله هذا – ويسأل نفسه لماذا يصاب به -، وبعد لحظات قليلة، تفكيره يتعلق بمن معه، أي تفكيريه يتعلق خارجيا، ثم يتعلق داخليا، ولسان حاله يقول يا له من إحراج، خاصة إذ يكون في خضم الكلام معهم، وفجأة يصاب بهذا الحال، وقد يتحجج بألم لكي يخرج من نقاشهم، ولكن الذي ينتبه لحاله يعلم أنَّ مصاب بألم ليس من اﻷلم الذي اعتاد الناس عليه ويعرفونه جيدا مثل الجرح، وقد يكون بينهم شخصا واضحا، فيقول هذا مصاب بمرض في عقله، خاصة إذا كان هذا الشخص يكرهه أو لديه قابلية أكثرية ﻷنْ يكرهه، وممكن أنْ يكون هذا الشخص لا يكرهه ولا لديه قابلية أكثرية ﻷنْ يكرهه، ولكن ربما يكون ممن يكون لديه شيء من الثقافة فيحاول أنْ يعطي رأي بما حصل، وقد يرأى رأيه هو الصحيح.
الصواب بشأن حال المريض هو ما قلناه، ثم لو كان هذا المريض مصابا بمرض في عقله، فلماذا يسأل نفسه مثلا: لماذا يصيبني هذا الحال؟، ثم لماذا يحاول فهم هذا المرض، وما من مريض إلا ولديه محاولات لفهم هذا المرض.
لم أرَ علما بسطحية علم النفس المرضي، فيما يتعلق بأسسه، فهو أضعف العلوم الفلسفية المنفصلة اسميا من الفلسفة، وقد بقي في أساسه سجين المُثُل الافلاطونية، والمثل التي نسميها إفلاطونية، هي في حقيقة اﻷمر أفكارا قديمة جدا تلقفها إفلاطون وبنى عليها، فمهما حاولوا أنْ يفصلوها عن مثل إفلاطون فلن ينجحوا ما دامت اﻷساسات كما هي.
إذا أردت معرفة أين تذهب هذه المثل بالفكر، فانظر إلى فلسفة فخر الدين الرازي، وقوله بقدم الزمان، فلمجرد أنْ يقال بعد الله، وقبل الله، قد استدل على أنَّ الزمان قديم، فالزمان ليس مجرد حركة الفلك، بل هو حاصل قبل الفلك، وقبل حركة الفلك، والذي أراه أنَّ الجبر الذي ينتصر له فخر الدين الرازي، ممكن أنْ يكون مدعوما بفكرة قدم الزمان لديه، وأنَّ حركة الفلك ليس إلا مرورا على شيء حاصل أصلا، فالزمان مستقل بذاته، فالزمان مثال من المُثُل، وما حركة الفلك إلا مرورا عليه.
وفخر الدين الرازي يستنكر على الذين يعبدون الزمان لقدمه، فهم بما أنَّهم يقولون قبل الله، وبعد الله، فالزمان بذلك يكون قديم، ويستحق العبادة أكثر من الله، فهو أقدم، ولكن في حقيقة اﻷمر الذي أنكره عليهم، هو لازم لفكرة قدم الزمان، بل القبول بهذه الفكرة يستلزم أنَّ يكون الزمان هو الذي خلق الله، فصحيح أنْ فخر الدين الرازي لم يقل بهذا، ولكن هذا اللازم لا يمكن أنْ ينفك عن القول بقدم الزمان.

قد يقال: أنتَ تهذي، فمَ علاقة النفس، بقدم الزمان؟
أقول: العلاقة جذرية، فالنفس مثال من المثل، والزمان مثال من المثل، لدى أهل المثل، فالجسم ليس إلا لباس النفس، فالنفس لا يتوقف وجودها على وجوده (الجسم)، حتى أنَّ الجسم إذ يلبس النفس، فإنَّه يجعل النفس تنخس، فينسيها ما كانت تعلم في عالم المثل، ولكن تبقى في عالم المثال كما هي فلا تنسى شيئا هناك، وما الذي تعلمه النفس في العالم اﻷرضي إلا عملية تَذَكُّر ما كانت تعلمه في عالم المثل، فلا يحصل للنفس علما جديدا، فكل ما يحصل بشأن النفس في العالم اﻷرضي، قد كان حاصلا لها في عالم المثال حصولا مثاليا، فإذا تذكرت النفس في العالم اﻷرضي كل ما كانت تعلمه في عالم المثال، تصير كأنها منسلخة عن الجسم، وإلا فيحصل تناسخ أنفس، فإذا علمت كل شيء كانت تعمله في عالم المثال، تعود لعالم المثال.
وبشأن قدم النفس، فليس هناك زمان جديد، فالزمان حاصل، وما حركات الفلك إلا مرورا على الزمان الحاصل أصلا.

قد يقال: لو كنت تعلم الكلام الذي كتبته في السطور السابقة، لعلمت أننا لا نقول بهذا، ولعلمت أنَّ ما قلته ليس أكثر من هذيان.

أقول: كون الذين يقولون بعالم المثل عموما، وبمثالية النفس خصوصا، أنَّ النفس لا تمرض في عالم المثال، لا يعني أنكم يا أهل علم النفس المرضي منفصلون عن هذا الفكر تماما.

قد يقال: اﻷصل لدينا أنَّ الفكر هو الذي يكون مريضا، فيحصل انعكاس على الجسم، فما يظهر على الجسم من مرض، ليس إلا انعكاس المرض الفكري عليه (الجسم)، في حيث أنْ الذي يؤمن بتناسخ اﻷنفس، هو الذي يقول أنَّ المرض أصله من الجسم، وبهذا فأنت وأهل تناسخ اﻷنفس المشتركات بينكم وبين الذين يقولون بمثالية النفس، أكثر من المشتركات التي بيننا وبينهم، وبهذا يسقط قولك.

أقول: الذين يقولون بمثالية النفس يقولون بتألم النفس، فهم لا ينكرون تألم النفس، ولكن يقولون بأنَّ هذا التألم ليست انعكاسا عن حالة نفسية مثالية، بل هو (التألم) انعكاس عن امتزاج النفس بالجسم، ولذلك فما اﻷلم الحاصل إلا ﻷنَّ النفس قد امتزجت بالجسم، وبهذا فالأصل في اﻷلم هو النفس (الفكر)، فالنفس تتألم أولا، ثم ينعكس الألم النفسي على الجسم، وبهذا تعلم أنكم مشتركون في اﻷصول، وبهذا تعلم أنْ قولي لم يسقط، وأنَّه قوي.

قد يقال: نحن لا نقول بأنَّ امتزاج النفس بالجسم، هو سبب تألم النفس، ومن ثم انعكاس الألم النفسي على الجسم، وبهذا يسقط قولك، إنْ لم نقل هذيانك.

أقول: المهم أنَّكم تشتركون مع أهل تناسخ اﻷنفس، وأهل مثالية النفس، في أنَّ النفس تتألم أولا، وحسب رأيي هذا ناتج عن وحدة أصل هذا الفكر، واﻷصل قديم جدا، وما إفلاطون إلا حلقة مهمة من سلسلة الذين قالوا بالمثل، فإفلاطون تلقفها منهم وبنى عليها، وهي ذات أصل ديني وضعي، خاصة أنَّ هذه الفكرة (مثالية النفس) نتج عنها في وقت لاحق فكرة تناسخ اﻷنفس، وهي فكرة غريبة عن اﻷديان التي فيها يوم قيامة، وحساب، وثواب، وعقاب وجنة ونار، في عالم آخر، فإذا وجدتها في اﻷديان التي من رسلها آدم، ونوح، وإبراهيم، فتأكد أنها مقحمة على هذه اﻷديان، وما وجودها في دين أو أكثر أو مذهب منها، إلا محاولة توفيقية ممن أقحمها.
وإذ أقول أنها مقحمة على الدين الذي أقحمت عليه، فلأن هذا بيَّن، ﻷنَّه مع اﻹيمان بهذه الفكرة، فلا حاجة لحساب، وثواب، وعقاب، في عالم آخر، إذ أنَّ النفس تتخلص من اﻵثام في هذا العالم، من خلال أنْ يجاهد الشخص نفسه، فيصير فاضلا، وإلا فإنَّ النفس تتعذب في الجسم بهذه اﻵثام، وقد يصل الحال بها، أنْ تنتقل إلى جسم آخر، ﻷنَّها لم تتطهر في الجسم السابق، وبهذا فعقاب النفس يكون في هذه الحياة، لا في حياة أخرى، أما الثواب فيكون لما تتطهر النفس تماما، فتعود لعالم المثال، وما عالم المثل إلا جنة النفس المتطهرة، وبهذه فالنار تكون في هذه الحياة، والجنة في عالم المثال.
النار تكون في هذا العالم، ولكن هذا العالم بعضه فقط نار النفس، وليس كله، إذ أنَّ أي مدة من مدد تطهر النفس، هي مدة من مدد عالم المثال، فما حالات التطهر إلا تصاعدات النفس في عالمنا - العالم التحتاني -، إلى عالم المثال، والتصاعدات هذه أشبه بخيوط تربط النفس في عالمنا بعالم المثال، إلى أنْ يحصل التصاعد الكلي، فتعود لعالم المثال.
إذا افترضنا شخصا لا يحب أنْ يسير في سبيل الفضيلة، فسيكون هذا العالم في كثير من مدده نارا عليه، وهذا يتحقق كثيرا بشأن المجرم، والمجرم لدى اﻷديان اﻹبراهيمية واﻷديان القديمة التي اﻷديان اﻹبراهيمية امتداد لها، يُعاقب في هذا العالم، ويعاقب في عالم آخر، وممكن أنْ يكون العالم الآخر بشأن النفس الآثمة لدى أهل المثل ليس إلا التناسخ، فتدخل إلى عوالم أخرى كثيرة بعدد التناسخات.


وبهذا ما الاختلافات التي بين أهل مثالية النفس وقولكم، إلا من محاولات فصل علم النفس المرضي عن الفلسفة عامة، والفلسفة اليونانية خاصة، والفلسفات التي استمدت الفلسفة اليونانية منها مادتها.

إذا كنت من عشاق الفلسفة، قد تقول:
بما أنَّ هذا لا يقدر الفلسفة، فكلامه لا يُعَوَّلُ عليه، فكلامه غير مقبول، وخطأ.

أقول: أنا من محبي الفلسفة، وأعتبر بداية التفلسف كان من أهم حلقات التاريخ اﻹنساني، وبداية التفلسف قديمة جدا، كانت مع الذين كانوا يتأملون في ما حولهم وفي أنفسهم.
الفلسفة بدأت من داخل اللغة، فنشأت اللغة هي بداية التفلسف، والمفاهيم سبقت وضعها على ألفاظ، فقبل نشأت اﻷلفاظ كانت الفلسفة حبيسة المفاهيم الذهنية، حتى أنَّ الذين كانت فيهم هذه المفاهيم في أذهانهم مع شيء من الصفاء كانوا يتوترون، لعدم القدرة على التعبير عنها كما يريدون، ولا شك أنَّ اﻹشارات كانت تساعدهم، ثم إنَّ نشأت اﻷصوات المقترنة بالإشارات قد ساعدتهم كثيرا، فاﻷصوات المقترنة باﻹشارات قد جعلتهم في مرحلة لاحقة يستغنون عن اﻹشارات.
فمثلا كلمة "الله" في أي لغة كانت، هي كلمة فلسفية، ﻷنَّ كلمة الله تثير في الذهن منظومة فكرية ضخمة، فهي تثير المفاهيم: "خالق"، و"مخلوق"، و"سمو"، و"انحطاط"، و"هدف"، و"خير"، و"شر"، و"اعمل صالحا"، و"تجنب القبيح"، و"ثواب"، و"عقاب"، فَنَشْأت كلمة الله بأي لغة كانت، أهم حدث فلسفي في التاريخ اﻹنساني، فحتى الذين ينفون وجود الله، مدينون بفلسفتهم لهذه الفلسفة التي سبقتهم، فالنافي لا ينفي "شيئا غير مُفَكَّر فيه"، فالفلسفة المادية مستمدة من الفلسفة الدينية، ولكن مع قلب بعض المفاهيم، فمثلا القضية "الله موجوده" يقلبونها لتصير "الله غير موجود"، وبناء على القضية "الله غير موجود"، يُحْدِثون تغييرات على الفلسفة الدينية، لتتحول الفلسفة الدينية إلى فلسفة مادية، فالفلسفة المادية في أصلها، هي فلسفة دينية متحولة لفلسفة مادية، فالقضايا الماورائية الموجبة، تصير لديهم قضايا سلبية، وبناء على السلب – النفي - يعدلون على الفلسفة الدينية، لتصير فلسفة مادية.
وإذ أقول فلسفة دينية، فأقصد تلك التي أنشأها الناس من خلالهم فكرهم الذاتي، فمثلا الرسل آدم، ونوح، وإبراهيم، جاؤوا بعد أنْ كانت الفلسفة الدينية قد بلغت مبلغا كبيرا، فما كان آدم الرسول – وليس آدم اﻷول - ليُذكر لولا الفلاسفة القدماء الذين سبقوه ومهدوا له الطريق، فآدم - عليه السلام - وجد الطريق معبدا أمامه، فهو قد استخدم اللغة التي أنشأها الناس قبله، فقد تعلمها جدا، أي تعلم منظومة فلسفية كبيرة، ونشرها بين الناس الذين كانوا في وقته.

الكاتب: سمير ساهر.
المصدر: نفساني



 

رد مع اقتباس
قديم 18-06-2020, 01:55 AM   #2
سعيد رشيد
( عضو دائم ولديه حصانه )


الصورة الرمزية سعيد رشيد
سعيد رشيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 56016
 تاريخ التسجيل :  04 2017
 أخر زيارة : يوم أمس (10:07 PM)
 المشاركات : 3,096 [ + ]
 التقييم :  13
لوني المفضل : Cadetblue


بارك الله فيك ونفع بك


 

رد مع اقتباس
قديم 18-06-2020, 12:27 PM   #3
الشاكر
مراقب عام


الصورة الرمزية الشاكر
الشاكر متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 29965
 تاريخ التسجيل :  03 2010
 أخر زيارة : اليوم (11:05 AM)
 المشاركات : 33,946 [ + ]
 التقييم :  253
 الدولهـ
Yemen
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Royalblue


كتب الله اجرك وبارك الله فيك


 

رد مع اقتباس
قديم 24-06-2020, 01:54 PM   #4
سمير ساهران
عضو جديد


الصورة الرمزية سمير ساهران
سمير ساهران غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 60990
 تاريخ التسجيل :  05 2020
 أخر زيارة : 29-06-2020 (05:13 PM)
 المشاركات : 6 [ + ]
 التقييم :  10
لوني المفضل : Cadetblue


أشكركم على المرور.
أرجو أنْ وجدتم أخطاء مطبيعة نحوية أنْ تخبروني.


 

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:15 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, vBulletin Solutions, Inc.
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2020 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.
المواضيع المكتوبة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع رسميا